الظلام: حامل النور وحارس الحقيقة
الظلام ليس ضدّ النور، بل هو بوابته، ميدانه، وسبب معناه. كل قيمة للنور تنبثق من عمق الظلام، وكل معنى للصفاء يتأسس على تجربة العكر. من يرى النقص مجرد عيب، يغفل أن النقص هو توقيع الكمال، ختمه الإلهي على التجربة البشرية، ودعوته الدائمة إلى التوحّد.
الظلام كقناة للنور
في المنطق الطاقي، لا يُنقل النور إلا عبر مسار مظلم. الطاويون يصفون هذا بقولهم: "الجوف يولد الامتلاء، والفراغ هو الذي يمنح الشكل قيمته". حين يتحرك الضوء في فضاء منير بالكامل، يفقد معناه؛ لكن حين يخترق الظلام، تتجلى قيمته القصوى.
المشلول الذي يستعيد حركة بسيطة يقدّرها أكثر من السليم الذي لم يعرف الفقد. وكذلك نحن، حين نستعيد جزءًا من وعينا بعد الغياب، نحمله بقداسة.
النقص والاكتمال: وحدة الأضداد
الكمال لا يوحي بالنقص، لكنه لا يظهر إلا فوق أرض النقص. هذا سرّ الجذب بين الذكر والأنثى؛ كل منهما هو الحاجة الملحة للآخر، ولولا النقص المتبادل لانعدمت الرغبة، ولتلاشت الحركة الخلّاقة بينهما.
الصوفي يرى في هذا قانونًا كونيًا: "بالضدّ تُعرف الأشياء". وكلما تعمق الإنسان في قبول نقصه، كلما اقترب من كماله، لأن النقص يجبره على السعي، والسعي هو التيار الذي يحمل الوعي نحو الامتداد.
الوهم بوابة الحقيقة
الوهم ليس عدوًا للحقيقة، بل هو صيغتها المبدئية في الإدراك البشري. كل ما نبتكره من أفكار، طقوس، أو صور ذهنية، هو وهم في أصله، لكنه محاكاة لجوهر أسمى. حتى نزعات الذكر نحو الأنثى – وإن بدت وهمية – تحدد الحقيقة التي ينجذب إليها قلبه في العمق.
البوذية تشير إلى هذا بقولها: "السُحب ليست السماء، لكنها التي تكشف اتساع السماء حين تنقشع".
رحلة بوذا في الظلام
بوذا لم يولد مستنيرًا، بل بدأ رحلته داخل قصور النعيم، محجوبًا عن مظاهر النقص. حين خرج ورأى المرض والشيخوخة والموت، دخل في أعمق أشكال الظلام الإنساني. سبع سنوات من التقشّف والمشقة جعلته يرى أن الهروب من الظلام لا يكشف النور، بل النظر إليه مباشرة هو الطريق. جلوسه تحت شجرة البو كان فعل مواجهة؛ لم يقم حتى رأى الظلام في داخله والعالم، وتركه يعبره. حينها فقط، وُلد النور الذي نسميه الاستنارة.
المحنة كأداة اصطفاء
كل تجربة قاسية، كل خيبة، كل اضطراب، ليست إلا تدريبًا على استجلاب النور. الظلام الذي يخذلك، إنما يفعل ذلك ليعيدك إلى نفسك، لأن الاعتماد على الداخل هو الصلة الأكثر أصالة بالمصدر.
لا يوجد محب للحرية أكثر من المسجون، ولا محب للصحة أكثر من المريض؛ كذلك لا يوجد مُدرك لقيمة النور أكثر ممن غاص في ظلام دامس ثم أبصر بصيصًا منه.
الاضطراب والسكينة
الاضطراب ليس خللاً، بل هو الرحم الذي يولد منه السلام. الطاوية تعلّم أن "الساكن يقدّس المتحرك، والمتحرك يقدّس الساكن". كل الطقوس – مهما بدت نورانية – لها جانب مظلم، لأن الظلام هو البنية التي تجعل النور ممكنًا. الهدف ليس التمسك بالهدف، بل تجاوزه نحو تطور جديد؛ فالتغير هو العلامة الحقيقية للحياة.
الباب الممنوع
الباب الذي يُغلق أمامك لا يُفتح بالانتظار، بل باستثمار ما هو متاح لك حتى آخر قطرة. حين تنضج بما بين يديك، يصبح المحجوب صالحًا لاستقبالك. هذه هي حكمة "المعلّم الأعظم" – الظلام – الذي لا يمنحك المرور إلا حين تدرك أنك أنت النور الذي كنت تبحث عنه.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق