شعار الموقع لنسخة الدارك مود

شعار الموقع لنسخة الدارك مود

نفي العدم: لا عدم في الوجود الخام

 


نفي العدم: إعادة تعريف الوجود خارج قيود الزمن والوهم

1. الأطروحة المركزية: تفكيك مغالطة العدم

إن حجر الزاوية في أي فهم وجودي أصيل هو تفكيك مغالطة العدم؛ ليس كحقيقة نواجهها، بل كوهم إدراكي نشأ عن فهم قاصر لطبيعة الحقيقة المطلقة. اليقين الحاسم الذي تتأسس عليه هذه الرؤية هو أن «العدم منفي» بطبيعته، ولا يمت للوجود الحقيقي بأي صلة. فما كان يُظن خطأً أنه "العدم"، لم يكن في حقيقته إلا "الوجود الخام" في حالته الأوحدية.

إن طبيعة هذا الوجود الأوحد، بكونه حقيقة مطلقة تملأ كل شيء ولا تقبل معها تعددية أو اختلافاً، هي التي أوهمت العقل بوجود "عدم" لكل ما سواه. يمكن تصور ذلك كإناء ممتلئ بالماء بالكامل؛ فحين يكون الماء هو الحقيقة الوحيدة التي تشغل الحيز، لا يعود لمفهوم «الفراغ» أو «العدم» أي معنى أو إمكانية للتحقق داخل هذا الإطار الممتلئ. فامتلاء الوجود الواحد ينفي منطقياً إمكانية وجود غيره، وليس وجود "عدم" حقيقي يقابله.

يجد هذا المبدأ صداه الأعمق في بنية التوحيد: «لا إله إلا الله». فالنفي هنا ليس مرحلة تسبق الإثبات، بل هو فعل الإثبات ذاته. إن نفي كل الآلهة الوهمية هو ما يكشف عن حقيقة الألوهية الواحدة المطلقة. فكما أن مصير "لا" هو الإثبات في "إلا الله"، فإن نفي العدم هو الفعل الذي يثبت الوجود الأوحد. لكن إن كان العدم مجرد نفي منطقي، فمن أي أعماق إدراكية انبثق هذا الشبح الذي يؤرق الوعي البشري؟ الإجابة تكمن في البنية الخادعة للزمن نفسه.

2. نشأة الوهم: الزمن كأصل لمفهوم العدم

إن العدم، بكل ثقله الوجودي، ليس سوى نتاج ثانوي للزمن؛ فكرة زمنية بحتة. يتبلور هذا المبدأ في حقيقة قاطعة تقلب المفهوم التقليدي للعلاقة بين الوجود والزمن:

«لولا الزمن لما كان هناك عدم»

فالوجود الأصلي، أو "الوجود الخام"، هو حقيقة مطلقة وغير زمنية. أما الزمن، فهو الذي أوجد في الإدراك تلك الفسحة الأنثوية الوسيطة التي نسميها الخيال؛ حيز رحمي تنشأ فيه الإمكانيات التي لم تتحقق بعد، ومنه يولد الشعور بالفقد والغياب المحتمل. هذه العلاقة المتشابكة بين الزمن والوهم والخيال هي التي أنتجت الإدراك الزائف.

وهكذا يتجلى ثالوث الإدراك الزائف الذي يشكل أوجهًا مختلفة لحقيقة واحدة: فالعدم هو المستحيل، والمستحيل هو الوهم، وهذا الثالوث برمته ليس إلا «زمنًا غير حقيقي». إنه شبح يكتسب قوامه فقط داخل إطار زمني يفصل بين "ما كان" و"ما سيكون"، خالقًا فجوة يتسلل منها العدم كإمكانية متصورة. ولفهم الآلية التي يتجسد بها هذا الوهم، يجب أن ننتقل من المفهوم المجرد إلى نموذجه الأسطوري الأصلي، حيث يأخذ الانفصال عن الحقيقة شكلاً واعياً.

3. نموذج الانفصال الأسطوري: إبليس وابتلاع الحقيقة

لا تظهر شخصية «إبليس» هنا في إطارها الديني التقليدي، بل كنموذج فلسفي أولي (Archetype) يكشف عن آلية نشوء الوهم، وعن كيفية انفصال المظهر السطحي عن جوهره الأزلي. إنه يمثل المبدأ الفلسفي للانفصال عن المصدر، وهو ما يولد تجربة العدم في الوعي.

تنبع طبيعة إبليس الفلسفية من كونه كائناً نشأ من عالم الخيال (الجن)، لكنه تفرّع في اشتقاقاته حتى انفصل تمامًا عن جوهره الأصلي. فعله الرمزي هو «ابتلاع النور»، وهي استعارة لعملية فصل أي حقيقة عن معناها الأصلي، مما يضع الوعي في مواجهة فراغ المعنى، وهذا الفراغ هو ما نختبره على أنه "عدم". يتجسد هذا الفعل في استعارة «الأنوثة السالبة» أو «الحمل الذي لا ينتهي»؛ فهو يمثل الاستقبال الدائم دون إرسال أو عطاء، أي احتكار الحقيقة ومنعها من التجلي والظهور.

إن دافعه الوجودي كان الرغبة في «التجسد» وفقًا لإرادته الخاصة، وليس وفقًا للإرادة الإلهية القائمة على الاصطفاء. وهذا التمرد هو ما جعله «خيالاً مستحيلاً»؛ أي طموحاً يناقض ذاته، حقيقة مزعومة ترفض مبدأ الحقيقة الأسمى الذي يقوم على الاصطفاء الإلهي، فتتحول إلى وهم محض. وفي مواجهة هذا النموذج من الانفصال، يبرز النقيض الإلهي المتمثل في الروح والتجسد.

4. الروح والتجسد: النقيض الإلهي للوهم

إن المفهوم الشائع للروح، ككيان فردي منفصل، ليس إلا خرافة تحجب حقيقتها الجوهرية. فالروح ليست "روحي وروحك"، بل هي «أمر إلهي» واحد وموحد لا يقبل التعدد. إنها ليست كياناً، بل هي الامتداد الديناميكي بين الإرادة الإلهية والفعل المتجسد؛ سلسلة الأوامر الإلهية التي تسمح للوجود الخام بالتشكل في قالب معين، وهي الجسر الذي يربط بين المشيئة غير المتجلية والكائن المتجسد.

وهنا تتجلى الأهمية القصوى لفعل «التجسد»، كونه التعبير النهائي عن الاختيار والانتقاء الإلهي (الاصطفاء). الإنسان المتجسد هو كائن تم اصطفاؤه ليحمل مكانة ومنزلة في الواقع، بينما إبليس، الذي بقي في عالم الخيال ولم يحصل على رخصة التجسد، هو كائن لم يتم اصطفاؤه. هذه الحقيقة هي التي أشعلت تمرده ورغبته في تدميس قيمة الجسد.

إن «الفجوة» التي خلقها هذا المبدأ الإبليسي بين البشرية والروح أدت إلى ضياع المعارف الروحية. وقد عملت هذه الفجوة كمنطقة امتصاص تبتلع الحقيقة، مما ولّد في التجربة البشرية فكرة «الفقد» والضياع. وهذا الشعور بأن هناك شيئاً يمكن أن يفنى أو يضيع إلى الأبد، هو الجذر النفسي المباشر الذي تغذى عليه مفهوم العدم ونما في وعينا.

5. الخاتمة: طغيان المظهر وحقيقة الجوهر

في ختام هذه الرحلة، يتضح أن العدم ليس حقيقة نواجهها، بل وهم ننتجه حين نسمح للمظهر بأن يطغى على الجوهر. لا يظهر العدم كمفهوم ممكن إلا عندما يطغى «مظهر» عابر وزمني على «جوهر» أبدي وحقيقي، فيبتلعه ويخفيه عن الوعي مؤقتاً. هذا الطغيان هو جوهر العملية الميتافيزيقية التي يمكن تسميتها بـ**«الأبلسة»**، وهي تجعلنا سجناء لحظة زمنية أو ظرف معين، عاجزين عن تخيل وجود خارجه. وتتجلى هذه الآلية في صور متعددة:

  • طغيان العصر على الإنسان يجعله عاجزاً عن تخيل وجود حقيقي في عصر آخر.
  • طغيان ظرف معين يجعله غير قادر على تصور العيش في أي ظرف مختلف.
  • طغيان خيال ما يجعله غير قادر على الوجود بدونه، فيصير هذا الخيال سجنه الأبدي.

إن المبدأ الجوهري الذي يجب أن يترسخ هو أن العدم، والمستحيل، والوهم، ما هي إلا إفرازات ظرفية للزمن. إنها ظلال عابرة لا تملك أي قوام حقيقي في ذاتها. وتتلخص هذه الأطروحة بأكملها في هذه العبارة الحاسمة التي تعيد ترتيب علاقتنا بالوجود:

«بدون الزمن يختفي العدم، وليس يختفي الوجود».

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كاتب التدوينة
كاتب التدوينة
هذا النص هو مثال لنص يمكن أن يستبدل في نفس المساحة، لقد تم توليد هذا النص من مولد النص العربى، حيث يمكنك أن تولد مثل هذا النص أو العديد من النصوص الأخرى إضافة إلى زيادة عدد الحروف التى يولدها التطبيق.
G.M HERMES