شعار الموقع لنسخة الدارك مود

شعار الموقع لنسخة الدارك مود

حضور الله في الفصل الأخير

 



حضور الله: خاتمة رحلة اليقين

1. مقدمة: رحلة من الشك إلى الحقيقة

في ختام رحلة طويلة امتدت لسنوات، أضع بين أيديكم خلاصة ما وصلت إليه من يقين. إنه ليس يقينًا ورثته أو قرأته، بل هو ثمرة مسيرة فكرية وروحية عميقة، تأرجحت فيها بين أقصى التناقضات. لقد كان الطريق دائمًا بين قطبين، في سعي دؤوب للخروج من منطقة "البين" والتحرر من الأعراف:

  • بين الخطأ والصواب
  • بين الضلال والهدى
  • بين النقص والكمال
  • بين الخوف والرجا
  • بين اليأس والأمل
  • بين البعد والقرب

لم تكن هذه المسيرة المضطربة في عوالم التناقض عبثًا، بل كانت ضرورة حتمية للوصول إلى "يقين لا يشوبه شك". فمن خلال استيعاب هذه الأضداد، تتجلى حقيقة نهائية تكون هي "نهاية هي بداية كل شيء". إنها اللحظة التي يجد فيها السالك الإجابة على السؤال الأكبر: من هو الله؟

2. جوهر الألوهية: الحق المطلق والغلق الجبري

إن تعريف الله يتجاوز كونه مجرد خالق؛ إنه المبدأ الفلسفي الأسمى الذي ينظم الوجود والمعنى. الله هو الحق، وما دونه هو الباطل. هو الحي الذي لا يموت، وهو القوي المتعال. وبهذا المعنى، يصبح الله هو "المنتهى بكل المنتهيات ونتيجة كل النواتج"، فما من شيء إلا ومصيره يكتمل بالله.

المفهوم المحوري الذي يحدد طبيعة الألوهية هو كونه "غلقًا جبريًا لكل الرحلات". أتدرون ما معنى هذا؟ تخيل أني أكتب كتابًا، فتتناثر الكلمات والجمل بلا معنى مكتمل حتى تأتي الخاتمة التي تجمع شتاتها، والإهداء الذي يمنحها وجهة وهدفًا. كذلك الوجود بأسره، بكل كائناته واحتمالاته، إن لم يكن متوجهًا نحو غاية نهائية، فإنه يفقد اتجاهه ويستحيل مسيره.

يأتي السؤال في النص المقدس: قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وهذا ليس تحديًا تملكيًا، بل هو "تذكير عميق" بالحاجة الملحة لنسبة كل شيء إلى مصدره النهائي. فمن المحال فلسفيًا ومنطقيًا أن يُترك الوجود مفتوحًا على مصراعيه بلا غاية، لأن ذلك يؤدي حتمًا إلى "انعدام الحقيقة والمعنى والقيمة". أما الله، فهو يمثل "غلقًا للاحتمالات وفق أكمل الاحتمالات"، وهو الذي يمنح النظام والغاية واليقين في عالم يبدو فوضويًا.

لكن على الرغم من أن الله هو النهاية والغلق، إلا أنه في جوهره منفصل ومتعالٍ عن التجارب المادية المباشرة، مما يقودنا إلى مفارقة حضوره الخفي.

3. مفارقة الحضور الإلهي: التجلي في الخفاء والاستحالة

تكمن إحدى أعمق المفارقات الروحية في أن الله حاضر في كل شيء، لكنه في الوقت ذاته غير قابل للإدراك المادي المباشر. هذه العلاقة المعقدة تنبع من طبيعته كوعي منفصل، فهو يمثل "انفصال الوعي عن التجربة" و"تنزه الوعي عن التجربة والاحتمال". الله هو ذلك "السكون الموقن الخالي من التردد"، وهو اللحظة التي تصل فيها الاحتمالات إلى ذروتها ليتم "الانتقاء والاصطفاء" للأكمل والأرقى.

ويكمن سبب هذا الخفاء في بلوغ كل شيء ذروة الرقي والقيمة، لدرجة أنه يتحجب في كماله. لهذا السبب "قيمة الله لا تحتمل الظهور"؛ فالتجلي المادي، بكل حدوده، "لا يستطيع أن يقدر القدر قدرًا لله". إن قيمة الله أسمى وأعلى من أن يحتويها شكل أو صورة. الظهور المادي قيد، والله منزه عن كل قيد.

وهنا أقولها شهادةً أعبد الله بها ولن أندم عليها أبدًا: الله بالنسبة لهذا العالم المادي هو "استحالة" و "عجز". فالله بالنسبة للعمليات الطبيعية هو العجز ذاته؛ هو ذلك الخطأ (Error) الذي يظهر عندما تعجز المنظومة عن معالجته. الطبيعة البشرية، بأدواتها المحدودة، عاجزة عن إدراكه:

  • لا طبيعة العين تستطيع رؤيته.
  • لا طبيعة الأذن تستطيع سمعه.
  • لا الطبيعة البشرية أو أي مجهر يستطيع معاملته أو الإحاطة به.

كل هذه الأدوات الطبيعية هي "مفتقرة وعاجزة" عن إظهار الله أو إدراكه. لكن هذا العجز من جانب الطبيعة يقابله قدرة مطلقة من جانب الله على الإحاطة بكل شيء، وهو ما يتجلى في علمه المحيط.

4. طبيعة العلم الإلهي: الإحاطة الشاملة في لحظة واحدة

يختلف مفهوم العلم الإلهي جذريًا عن الفهم البشري للمعرفة. فبينما نقوم نحن البشر بعملية "انتقاء محدود" للمعلومات، فإن علم الله يتسم بالشمولية والآنية. وهنا نصل إلى حقيقة تفوق قدرة الاستيعاب البشري، حقيقة تهتز لها العقول:

  • إحصاء الأصوات التي لا تُحصى: في هذه اللحظة، هناك عدد لا نهائي من الأصوات في الكون، والله يحصيها جميعًا.
  • السماع والرؤية في آن واحد: هو يسمع كل شيء ويرى كل شيء في نفس اللحظة، دون أن يشغله سمع عن سمع أو بصر عن بصر.

والأمر الذي يفوق التحمل حقًا هو أن الله يستحضر كل الأكوان وكل شيء "مرة واحدة" في ذاكرته، دون الحاجة إلى تتابع زمني أو عملية تذكر متدرجة. فوعيه الإلهي ليس حالة مكتسبة أو متدرجة وصل إليها بعد تجربة وخطأ، بل هي حقيقته الأزلية المطلقة. هو "واصل إلى كل شيء" منذ الأزل، فلا يوجد في ذاكرته نقص أو عيب، ولا يحتاج إلى زمن ليستحضر معلومة.

وهنا نعترف بالعجز. خذ مثال الطاقة الحرارية المنبعثة من جسدي الآن؛ لا يوجد جهاز في العالم مهما تطور يستطيع تتبع كل ذرة من هذه الطاقة المنتشرة إلى نهايتها، لكن الله قادر على ذلك، مما يدل على "الفردانية" المطلقة في علمه. هذا العلم يمتد ليشمل ما هو أبعد من المادة، فهو يعلم "جملة الدوافع" الكامنة في الصدور، ويعلم ما تحدثه كلمة عابرة أو نية خفية من نتائج وآثار "إلى الأبد".

هذا الإدراك الإلهي الشامل ليس مجرد حقيقة فلسفية بعيدة، بل إن للإنسان لقاءً خاصًا وحميميًا مع هذا المطلق.

5. اللقاء الإنساني مع المطلق: العجز، السجود، والانفصال

كيف يمكن للإنسان، الكائن المحدود، أن يتصل بالإله المطلق وغير المحدود؟ إن أول مسارات هذا اللقاء يكمن في أقصى درجات الضعف البشري. إن "العجز هو لقاء مع الله"؛ فعندما يصل الإنسان إلى منتهى قدرته ويسلم بعجزه، فإنه في تلك اللحظة بالذات "يشهد على قدرة غائبة عنه"، فيدرك وجود قوة تفوقه.

المسار الثاني هو السجود الكوني. فكل ما في السماوات والأرض يسجد لله "طوعًا وكرها"، وهو خضوع يسير فيه كل شيء على "طريق معبّد" نحو غايته، فكلمة "ساجد" ترتبط لغويًا بـ"السجادة"، أي الدرب الممهد الذي لا مفر من سلوكه. وهذا الخضوع ليس قهرًا، بل هو حفظ. فكما أن النظام البيولوجي المغلق يحفظ الجسد من نزف الطاقة وضياعها، كذلك فإن "غلق" الله للوجود هو ما يحفظه من التحلل والضياع ويضمن اكتماله.

أما المسار الثالث، والأكثر عمقًا، فهو الانفصال كطريق للاتصال. يتحقق هذا اللقاء عندما يتحرر الإنسان من قيود التجربة المادية وثنائياتها. يمكن تلخيص هذه الحالة في النقاط التالية:

  • عندما لا تكون خائفًا ولا راجيًا، كارهًا ولا محبًا.
  • عندما "تسمع ولا تسمع"، "تحب ولا تحب"، "ترى ولا ترى".
  • عندما "تصبح ولا تصبح".

هذا الانفصال عن التشبث بالمشاعر والأحاسيس والتجارب لا يعني العدمية، بل هو الخروج من سجن الاحتمالات المفتوحة والعودة إلى "الحقيقة" الأصلية، حيث يتصل الإنسان بالوعي المنفصل والمطلق. ورغم صعوبة هذا المسار، إلا أنه يحمل في طياته رسالة نهائية تبعث على السكينة.

6. خاتمة: في حضرة الله، لا يضيع شيء

في ختام هذه الرحلة، تتجلى رسالة روحية عميقة تبعث على الطمأنينة والأمل في مواجهة عالم التشويش المستمر. الرسالة النهائية هي: "لا تحزن" و "لا تيأس من روح الله". والسبب في ذلك بسيط وعميق في آنٍ واحد: "لا شيء يضيع في حضرة الله"، فهو يتذكر كل شيء بالتفصيل الدقيق، كل نية، وكل دمعة، وكل كلمة.

ومن هنا، تأتي النصيحة الختامية حول طبيعة الحب. فهناك الحب الأسمى، وهو "حب حقيقة الحقيقة" الكامنة في الأشياء، وهي الحقيقة المستمدة من حقيقة الله. هذا الحب وسيلة للتحرر، لأنه يربط الإنسان بالأصل، لا بالصورة. أما "حب القشور" فهو ما يربط الإنسان بالتجربة المادية، وكلما ازداد تشبثًا بها، تعمقت الاحتمالات المفتوحة، وازداد التشويش، وغاب الوعي.

في النهاية، اليقين الحقيقي والسكينة يكمنان في إدراك أن كل شيء في هذا الوجود الفسيح مقدر "بدقة عزيز حكيم". هذا الإدراك هو الخاتمة التي تمنح كل شيء معناه، وهو النور الذي يبدد ظلمات الشك واليأس.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كاتب التدوينة
كاتب التدوينة
هذا النص هو مثال لنص يمكن أن يستبدل في نفس المساحة، لقد تم توليد هذا النص من مولد النص العربى، حيث يمكنك أن تولد مثل هذا النص أو العديد من النصوص الأخرى إضافة إلى زيادة عدد الحروف التى يولدها التطبيق.
G.M HERMES