شعار الموقع لنسخة الدارك مود

شعار الموقع لنسخة الدارك مود

بين السبات واليقظة نظرية في الخلق والذاكرة والوجود

 ما الذي يُبقي الإنسان مستيقظًا؟

يُعدّ النوم حالة إنسانية فريدة تختلف عن سائر الحالات الشعورية التي يمر بها الإنسان، إذ لا يقتصر أثره على استعادة النشاط الجسدي، بل يمنح الفرد إحساسًا عميقًا بإمكانية استئناف الحياة من نقطة جديدة. فمع كل استيقاظ يبدو الإنسان وكأنه حصل على فرصة جديدة، وكأن ما مضى لم يعد ملزمًا له بالقدر نفسه الذي كان عليه قبل النوم. ومن هنا يمكن القول إن النوم يحمل في جوهره معنى «البدء من جديد»، حتى وإن لم يكن معظم الناس قادرين على التعبير عن هذا المعنى بصورة واعية.

وانطلاقًا من هذه الفكرة يبرز سؤال محوري: ما الذي يُبقي الإنسان مستيقظًا؟ والفرضية المطروحة هنا هي أن السبب الأعمق للاستيقاظ الدائم لا يتمثل في مجرد اضطراب النوم، بل في حالة يمكن تسميتها بـ «صدمة رفض البدء من جديد». وهي صدمة قد يعيشها كثير من الناس دون أن يدركوا وجودها، فتمنعهم من الدخول في حالة النوم الطبيعية، لأن النوم في جوهره يحمل معنى العودة إلى بداية جديدة، بينما هم يرفضون هذه العودة على مستوى نفسي عميق.

إن الإنسان الذي يحمل هذه الصدمة لا يرفض النوم وحده، بل يميل إلى تجنب كل ما يحمل دلالة البداية الجديدة. فهو يتردد أمام أي تجربة، أو ممارسة، أو مشروع، أو تغيير يوحي بأن عليه أن يبدأ من جديد، وكأن مجرد فكرة البداية أصبحت مرتبطة لديه بالألم أو بالخسارة.

ويرجع هذا الرفض – بحسب هذا التصور – إلى التجارب السلبية السابقة. فالإنسان لا يرفض البدء من جديد إلا عندما تكون تجربته الماضية قد تركت فيه أثرًا مؤلمًا، فيصبح الامتناع عن البداية الجديدة وسيلة لا واعية لتجنب احتمال تكرار المعاناة. ومن ثم يتحول رفض البداية إلى آلية دفاعية تحاول حماية الفرد من إعادة إنتاج الألم الذي عاشه في الماضي.

ولعل أوضح صور هذه الحالة هو رفض النوم ذاته؛ لأن النوم لا يمنح الإنسان الراحة فقط، بل يخفف أيضًا من حضور أحداث الأمس في الوعي. فكثير من الوقائع التي تبدو ثقيلة قبل النوم تصبح أقل حضورًا بعد الاستيقاظ، وحتى إذا لم تُنسَ تمامًا فإن حدتها الشعورية تتراجع بصورة ملحوظة. ولهذا يشعر الإنسان بعد نومه وكأنه عاد إلى الحياة بصورة جديدة، أو كما لو أنه بُعث من جديد، إذ يصبح الماضي أقل هيمنة على وعيه.

أما الإنسان المصدوم فإنه يقاوم هذه العملية. فهو لا يرغب في أن تخف حدة الماضي، ولا يريد أن يفقد استحضاره الكامل لما حدث، لأن ذاكرته أصبحت مرتبطة بجرحه النفسي. ولذلك يبدو النوم بالنسبة إليه وكأنه تهديد لذاكرته أكثر من كونه وسيلة للراحة.

ومن هنا تظهر علاقة الصدمة بالنسيان. فالإنسان المصدوم – وفق هذا التصور – يعاني دائمًا من مشكلة مع النسيان، لأن النسيان بالنسبة إليه ليس مجرد ضعف في الذاكرة، بل هو أمر لا يسمح به لنفسه أصلًا. وكأن المصدوم يعيش في حالة يقظة مستمرة تحفظ تفاصيل التجربة المؤلمة وتحول دون تلاشيها.

وعلى خلاف النظرة الشائعة التي تعتبر النسيان نقصًا أو عيبًا، يُقدَّم النسيان هنا بوصفه رفاهية إنسانية. فأن يستطيع الإنسان أن يتجاوز الوقائع التي استنزفته، وأن يمنح نفسه فرصة أخرى دون أن يبقى أسيرًا لما حدث، يعد نعمة لا يمتلكها كل الناس.

ولتوضيح هذه الفكرة يمكن تصور شخص أخفق في أمر ما، ثم جاءه من يقول له: «لا تقلق، تستطيع أن تبدأ مرة أخرى، وما حدث قبل قليل اعتبره من الماضي.» إن مثل هذا الموقف يمنح الإنسان مساحة واسعة من التحرر، لأنه يسمح له بأن ينسى أثر الإخفاق ويستأنف المحاولة دون أن يبقى رهينة لتجربته السابقة. وهذه القدرة على النسيان ليست ضعفًا، وإنما صورة من صور الوفرة النفسية التي تتيح للإنسان الاستمرار في الحياة.

أما المصدوم فهو محروم من هذه الوفرة؛ لأنه يتشبث بقصته إلى درجة تجعله غير قادر على النظر إليها باعتبارها مجرد قصة. ويمكن تشبيه ذلك بمن يشاهد فيلمًا أو مسرحية ثم يندمج فيها إلى الحد الذي ينسى معه أنها عمل تمثيلي، فيعيش أحداثها كما لو كانت الواقع نفسه. وهكذا يفعل الإنسان المصدوم مع تجربته؛ إذ يتحول الحدث الذي مر به إلى واقع مطلق يستحيل تجاوزه، فيغيب عنه أنه مجرد فصل من فصول حياته، وليس الحياة كلها.

ومن أبرز العلامات التي تكشف عن هذه الصدمة أن صاحبها ينظر إلى البدء من جديد باعتباره دليلًا على الفشل، لا فرصة للتجدد. فالإنسان الذي يمتلك رفاهية النسيان يرى البداية الجديدة نعمة تتيح له استكمال مسيرته، أما من فقد هذه الرفاهية فإنه يعتبر العودة إلى البداية اعترافًا بالعجز، ولهذا يرفضها ويتمسك بالقصة القديمة مهما كانت مؤلمة.

وبمرور الوقت يتحول الماضي في نظره إلى الحقيقة الوحيدة الممكنة، بينما تصبح كل القصص الجديدة مجرد أوهام لا تستحق المحاولة. فهو يتعامل مع قصته السابقة باعتبارها الواقع ذاته، مع أنها لم تكن يومًا سوى قصة تشكلت ثم استقرت في الذاكرة حتى اكتسبت سلطة الواقع.

ومن هذا المنظور يمكن القول إن الواقع الذي يعيشه الإنسان اليوم ليس إلا قصة قديمة استمرت حتى أصبحت مألوفة، بينما تُرفض القصص الجديدة لأنها لم تتحول بعد إلى واقع. وهكذا لا يكون الفرق بين الواقع والخيال فرقًا في الطبيعة، بل فرقًا في الزمن؛ فالواقع هو قصة قديمة استقرت، والخيال هو قصة لم تُمنح بعد فرصة أن تبدأ.

المصدوم بوصفه أكثر الكائنات يقظةً

إذا كانت صدمة رفض البدء من جديد تجعل الإنسان أسيرًا للماضي، فإنها تُنتج كذلك نمطًا خاصًا من اليقظة. فالمصدوم لا يتميز فقط بقوة الذاكرة، بل أيضًا بدرجة عالية من الانتباه والاستحضار المستمر لما وقع. إنه يعيش في حالة يقظة دائمة، وكأن التجربة المؤلمة لا تزال تحدث في كل لحظة.

ومن هنا يذهب هذا التصور إلى أن المصدوم هو أشد الناس تذكرًا وأشدهم يقظة. فالإنسان الذي يتعرض لصدمة عابرة قد ينسى تفاصيلها مع مرور الزمن، أما صاحب الصدمة العميقة فإنه يتحول إلى حامل دائم لذاكرة الحدث، فيفعل كل شيء بعتبارذلك الحدث أو بعتبار تلك الصدمة، حتى يبدو وكأنه يحمل أمانة تذكره نيابة عن الجميع.

ويمكن ملاحظة ذلك حتى في المواقف اليومية البسيطة؛ فقد يصطدم شخص بآخر من غير قصد، ثم يمضي الأول في حياته دون أن يدرك الأثر الذي تركه، بينما يبقى الثاني محتفظًا بالحادثة في ذاكرته مدة طويلة. فالمتسبب في الحدث قد لا ينتبه إلى ما وقع، أما من تلقى الصدمة فإنه يظل أكثر استحضارًا لها وأكثر يقظة تجاهها.

ومن هنا يبرز سؤال فلسفي آخر: إذا كانت الصدمة هي من تخلق يقضة الكائن، فهل اليقظة في ذاتها قيمة إيجابية دائمًا؟ أم أنها قد تكون الوجه الآخر للصدمة؟

وفقًا لهذا التصور، كلما ازدادت الصدمة ازدادت اليقظة، وكلما ازدادت اليقظة ازداد التعلق بالماضي. فالمصدوم يرفض أن يبدأ قصة جديدة، ويتمسك بالقصة القديمة حتى تصبح عالمه الوحيد. ومع مرور الزمن تتحول تلك القصة إلى مستودع يجمع كل أمجاده، وذكرياته، وانتصاراته، وإخفاقاته، لكنها في الوقت نفسه تصبح قصة انتهت حياتها، فلم تعد قابلة للنمو أو التجدد.

وهنا تظهر مفارقة عميقة؛ إذ قد يبلغ الإنسان درجة كبيرة من العظمة من خلال قوة ذاكرته ويقظته، لكنه يكون في الوقت نفسه محاصرًا داخل قصة ماتت وانتهت. إنه يبدو عظيمًا، لكنه عظمة فقدت قدرتها على الحياة. وكأنه نجا من حدث ما، لكنه لم ينجُ حقًا، أو كأنه وصل إلى المستقبل بينما ظل يعيش في الماضي.

ومن هذه المفارقة ينشأ مفهوم يمكن تسميته «العظمة الميتة»؛ وهي الحالة التي تتجمع فيها الخبرات والذكريات والإنجازات داخل كيان واحد، لكنها تفقد قدرتها على إنتاج بدايات جديدة، فيصبح الماضي مصدرًا للقوة، وفي الوقت نفسه مصدرًا للعجز.

العظمة بوصفها أثرًا للصدمة

ينتقل هذا التصور بعد ذلك من الإنسان إلى الكون كله، ليطرح فرضية أوسع مفادها أن عظمة الكائنات قد تكون مرتبطة بدرجة الصدمة التي مرت بها.

فإذا اعتُمد المنهج السابق في تفسير اليقظة، فإن ازدياد عظمة الكائن يدل على ازدياد مقدار الصدمة الكامنة فيه. فالكائن العظيم هو الكائن الأكثر يقظة، والأكثر يقظة هو الأكثر تذكرًا، والأكثر تذكرًا هو الذي يحمل في داخله تاريخًا أطول من التجارب والأحداث.

ولا يُقصد بالعظمة هنا معنى واحدًا محددًا، بل مفهوم واسع يشمل كل صورة من صور القوة أو التأثير أو الامتلاء الوجودي. فكلما ازداد الكائن تأثيرًا واتسعت قدراته، دل ذلك – بحسب هذه الرؤية – على أن ذاكرته أصبحت أكثر كثافة، وأن يقظته بلغت مستوى أعلى.

الذاكرة والحمض النووي

ولإيضاح هذه الفكرة ينتقل التصور إلى مثال مستمد من علم الأحياء، وهو الحمض النووي (DNA).

فالحمض النووي يمثل سجلًا يحمل تعليمات الكائن الحي ووظائفه الأساسية، وكأنه ذاكرة مكتوبة تحدد كيفية وجوده. ففي داخله توجد المعلومات التي تحدد شكل العين، ومدى قدرتها على الإبصار، ونطاق الترددات التي تستطيع الأذن سماعها، وسائر الخصائص البيولوجية التي تكوّن هوية الكائن.

وبذلك يصبح الحمض النووي أشبه بذاكرة تحدد ما يستطيع الكائن إدراكه من العالم. فالإنسان لا يرى إلا ضمن الحدود التي تسمح بها عيناه، ولا يسمع إلا ضمن المجال الذي تسمح به أذناه، ولا يدرك من الكون إلا ما تسمح به بنيته العضوية.

وإذا كانت هذه البنية مكتوبة في الحمض النووي، فإن الماضي المكتوب في هذه الذاكرة البيولوجية يصبح هو الذي يرسم حدود الحاضر، ويحدد صورة العالم التي يعيشها الكائن.

ولا يعني ذلك إهمال أثر البيئة، بل إن البيئة نفسها تدخل في هذا البناء؛ إذ يمكن النظر إليها بوصفها مجموعة من المؤثرات التي تحمل بدورها «ذاكرات» أخرى تتفاعل مع ذاكرة الكائن. فالإنسان يتأثر بالآخرين، كما يتأثر بالحيوان والنبات وسائر عناصر الوجود، غير أن هذه التأثيرات ليست منفصلة عن النظام العام، بل تدخل جميعها في شبكة واسعة من العلاقات المتبادلة.

ومن ثم فإن ما يسمى بالبيئة لا يُنظر إليه هنا باعتباره عنصرًا منفصلًا عن الذاكرة، بل بوصفه ذاكرات متعددة تتفاعل فيما بينها، فينشأ عن هذا التفاعل شكل الكائن وحياته وإدراكه للعالم.

الذاكرة بوصفها سببًا لاستمرار الحياة

إذا كانت الذاكرة هي التي تحدد وظائف الكائن، فإن استمرار الحياة نفسها يصبح مرتبطًا بدرجة الحفظ والتذكر. فالإنسان يحتفظ بخبرات الماضي، ويحافظ على ذاته عبر الزمن، ولذلك استطاع أن يستمر بوصفه نوعًا حيًا.

ويُطرح هنا تصور أوسع يتعلق بالذاكرة الجمعية للإنسان. فالمجتمع البشري – بحسب هذه الرؤية – يحمل في أعماقه تاريخًا طويلًا من النجاة من الانقراض، وكأن البشرية مرت مرارًا بتجارب اقتربت فيها من الفناء ثم عادت إلى الوجود من جديد.

ومن هنا تبدو الذاكرة الجمعية للإنسان أوسع من نظيرتها عند كثير من الكائنات الأخرى، لأنها تختزن تاريخًا أطول من محاولات البقاء. ولهذا يظل الإنسان أكثر تعلقًا بالماضي، وأكثر قدرة على استحضاره.

ويُترك هنا سؤال مفتوح: هل يدل هذا التاريخ الطويل على أن الإنسان أكثر فشلًا من غيره لأنه اضطر إلى النجاة مرات عديدة؟ أم يدل على أنه يمتلك وفرة استثنائية في القدرة على العودة من جديد؟ ويُترك هذا السؤال دون حسم، باعتباره مدخلًا لتأمل فلسفي مستقل يتجاوز حدود هذا البحث.

من يقظة الإنسان إلى يقظة الكون

بعد ربط اليقظة بالصدمة والذاكرة، يتسع نطاق البحث ليشمل الوجود بأسره. فإذا كان الإنسان كلما ازداد تذكرًا ازداد يقظة، فهل يمكن أن يُفهم الكون أيضًا من خلال العلاقة نفسها؟ وهل يمكن النظر إلى الوجود بوصفه درجات متفاوتة من اليقظة والسبات؟

تنطلق هذه الرؤية من فرضية مفادها أن الكائنات في الأصل كانت تعيش حالة من السبات، وأن اليقظة ليست الحالة الأصلية السائدة، بل تمثل استثناءً محدودًا خاطب سبات الكائنات.

ولا يُقصد بالسبات هنا النوم البيولوجي المعروف، وإنما حالة من الكمون الوجودي؛ أي حالة يكون فيها الإمكان حاضرًا، بينما يظل الفعل مؤجلًا. فالوجود الكامن موجود بالقوة، لكنه لم يتحول بعد إلى وجود فعلي.

ومن هنا تُطرح فرضية أخرى: إذا كانت أغلب الأكوان في حالة سبات، فما الذي ينقلها من هذا السكون إلى اليقظة؟

الصدمة بوصفها شرطًا للاستيقاظ

وفق هذا التصور، لا ينتقل الكون من السبات إلى اليقظة إلا عبر الصدمة. فالصدمة هي الحدث الذي يكسر حالة السكون الأولى، ويُخرج الإمكان من كمونه إلى الفعل.

وكلما كانت الصدمة أعظم، كانت درجة اليقظة التي تنتج عنها أكبر. فالاستيقاظ ليس عملية تلقائية، بل نتيجة لحدث يهز البنية الساكنة ويجبرها على الدخول في حالة جديدة من الوعي.

لكن السؤال التالي يصبح أكثر أهمية: ما الذي يستطيع أن يُحدث هذه الصدمة؟

يرى هذا الطرح أن ما يوقظ الكون ليس أي حدث عابر، وإنما قِدَم القصة. فكلما كانت القصة أقدم وأعمق، ازدادت قدرتها على إيقاظ ما هو غارق في السبات. إن القدم هنا ليس مجرد بُعد زمني، بل قوة وجودية قادرة على استدعاء الوعي من أعماق الكمون.

ولهذا تُوصف القصة الأقدم بأنها المصدر الأول لكل يقظة. وهي ليست قصة عادية، بل أصل جميع القصص التي جاءت بعدها، ولذلك تمتلك قدرة فريدة على إخراج الوجود من حالته الأولية.

وفي هذا السياق تُربط هذه القصة بما يُطلق عليه عادة اسم الخالق، لا باعتباره شخصًا أو صورة محددة، وإنما بوصفه عنوانًا للقصة الأولى، أو للأصل الذي تفرعت منه بقية الوقائع.

الذاكرة الكونية

ولشرح هذه الفكرة يُستخدم تشبيه آخر يقوم على وجود سجل كوني عظيم، كأنه كتاب يحتوي على كل ما وقع قبل ذلك. فهذا السجل يمثل الذاكرة الكبرى التي تستند إليها الوقائع اللاحقة، بحيث لا تنشأ الأحداث من فراغ، وإنما تنبثق من تاريخ سابق محفوظ في هذا السجل.

وبذلك تصبح الذاكرة ليست مجرد خاصية للكائن الحي، بل مبدأ كونيًا يحكم تشكل الوجود نفسه. فالوقائع لا تظهر إلا لأنها تستند إلى سجل سابق، وكأن الكون يعيد قراءة ذاكرته باستمرار.

وفي مقابل هذه الذاكرة توجد حالة السبات، وهي الحالة التي يغيب فيها الإدراك بهذا السجل. فالكائن الساكن لا يدرك أصل الوقائع، ولا يدرك الكاتب، ولا القصة، ولا الذاكرة التي نشأت منها الأشياء، ولذلك يبدو له وجوده منفصلًا عن كل ما سبقه.

ومن هنا لا يكون السبات عزلة فردية، بل هو الحالة الغالبة على معظم الوجود. فالكون، وفق هذه الرؤية، أقرب إلى قرية واسعة يغلب عليها النوم، حيث تبقى معظم الموجودات في حالة خمول حتى يوقظها حدث خارجي.

صورة الكون النائم

ولتقريب هذه الفكرة يُستحضر مثال رمزي: لو دخل إنسان إلى قرية وجد فيها كل شيء نائمًا؛ الطيور، والقطط، والكلاب، وسائر الكائنات، فإن أي محاولة لإيقاظ أحدها ستؤدي إلى سلسلة من الاستيقاظات المتتابعة، حتى ينتشر الوعي في القرية كلها.

غير أن هذه اليقظة الأولى لا تكون هادئة دائمًا، بل قد تكون مصحوبة بالخوف والاضطراب، لأن الكائن المستيقظ يجد نفسه قد انتُزع فجأة من حالة السكون التي كان يعيشها.

ومن هنا تُربط الصدمة بالاستيقاظ، ويُنظر إلى اليقظة بوصفها انتقالًا قد يكون مؤلمًا بقدر ما يكون كاشفًا.

بداية فرضية «الخالق السيئ»

بعد هذا التمهيد ينتقل التصور إلى بناء فرضية فلسفية مؤقتة، لا تُعرض باعتبارها حقيقة نهائية، وإنما باعتبارها احتمالًا يساعد على اختبار النتائج الفكرية المترتبة عليه.

وتبدأ هذه الفرضية بالتمييز بين نموذجين رمزيين للخلق.

الأول هو الخالق السيئ، ويُقصد به الفاعل الذي يوقظ الكائن من سباته لكي يوقعه في المعاناة والصدمة. فهو لا يحترم حاجة الكائن إلى السكون، بل يخرجه من راحته ويُلقي به في تجربة مؤلمة.

ولتقريب هذه الصورة يُضرب مثال بشخص يرغب في النوم، فيُوصي الجميع بألا يوقظوه مهما حدث، ثم يتصل به أحدهم في أبسط الأمور، مع علمه الكامل برغبته في الراحة. إن الإزعاج هنا لا ينشأ عن ضرورة، بل عن تجاهل متعمد لرغبة الآخر، ولذلك يصبح سببًا في إفساد يومه كله.

وهذا المثال يمثل، في هذه الفرضية، الصورة الرمزية للصدمة السلبية؛ أي الصدمة التي توقظ الكائن لا لكي توسع وعيه، بل لكي تحرمه من سكينته، وتجعله يحمل أثر الإزعاج في ذاكرته مدة طويلة.

ومن هنا يُميز التصور بين نوعين من الصدمات:

الأولى صدمة إيجابية، كأن يُفاجأ الإنسان بجمال غير متوقع يفتح أمامه أفقًا جديدًا من الإدراك. وهذه لا تدخل ضمن موضوع البحث.

أما الثانية فهي الصدمة السلبية، وهي التي تقتحم سكون الإنسان، وتزرع في ذاكرته أثرًا مؤلمًا يستمر في تشكيل نظرته إلى العالم، فيتحول الماضي إلى قوة تتحكم في حاضره، وتُبقيه يقظًا رغم حاجته إلى الراحة.

وبذلك يصبح «الخالق السيئ» في هذه الفرضية رمزًا لكل قوة توقظ الكائن لكي تزيد معاناته، وهو ما سيمهد لاحقًا للانتقال إلى مناقشة فرضية أخرى مغايرة تمامًا، هي فرضية الخالق الواحد، التي سيُعاد من خلالها تفسير جميع هذه النتائج من منظور مختلف.

فرضية الخالق السيئ والخالق الجيد

بعد تأسيس العلاقة بين الصدمة واليقظة، تُطرح فرضية فلسفية تقوم على التمييز بين نموذجين مختلفين للخلق. ولا تُقدَّم هذه الفرضية بوصفها النتيجة النهائية للبحث، وإنما بوصفها أداة تحليلية لاختبار طبيعة العلاقة بين الإيقاظ والوجود.

وفق هذا التصور، يتمثل الخالق السيئ في كل فاعل يوقظ الكائن من سباته ويشعره بالصدمة، ويخرجه من سكونه ليجعله أسير الألم والاضطراب. وبذلك تصبح اليقظة في هذا النموذج وسيلة للعذاب لا وسيلة للمعرفة.

أما الخالق الجيد فهو الذي لا يوقظ الكائن إلا إذا كان استيقاظه سيقوده إلى معنى لا يفسد علاقته الأصلية بالسكينة. فالغاية ليست مجرد إخراج الكائن من السبات، بل المحافظة على حقه في العودة إلى الطمأنينة دون أن تتحول اليقظة إلى سجن دائم.

ومن هنا يظهر أن الفرق بين النموذجين لا يكمن في فعل الإيقاظ ذاته، بل في الغاية التي يقود إليها هذا الإيقاظ.

السبات بوصفه حقًا وجوديًا

في ضوء هذه الفرضية، يُنظر إلى السبات بوصفه أكثر من مجرد حالة بيولوجية؛ إنه حالة وجودية تمثل حق الكائن في أن يكون خارج سلطة الاستدعاء المستمر.

فالكائن الذي يعيش في السبات لا يحمل عبء الذاكرة، ولا يثقل كاهله الماضي، ولا يُجبر على الاستجابة الدائمة للوقائع. أما حين يُنتزع من هذه الحالة دون مبرر، فإنه يُدفع إلى عالم من التذكر المتواصل، حيث يصبح عاجزًا عن استعادة سكينته الأولى.

ولذلك فإن الخالق السيئ هو، في هذا التصور، من يعجز عن ترك الكائن في سباته، لأنه يرى أن النسيان لا يستحق أن يُمنح للمخلوق، وأن الراحة ليست حقًا أصيلًا له. ومن ثم يصبح الإيقاظ فعلًا قهريًا يفرض على الكائن تجربة لم يخترها.

الصدمة والذاكرة بوصفهما آلية لإنتاج الواقع

إذا كانت الصدمة تمنع العودة إلى السبات، فإنها تجعل الماضي حاضرًا بصورة مستمرة. وهنا لا تصبح الذاكرة مجرد وسيلة لحفظ الوقائع، بل تتحول إلى القوة التي تعيد إنتاج الواقع نفسه.

فالمصدوم لا يعيش الحدث مرة واحدة، وإنما يعيد عيشه باستمرار، لأن ذاكرته لا تسمح له بمغادرته وقد ذكرنا في مقال سابق ان النقطة  التي ترجع لها في قصتك هي التي خلقت قصتك وهي الصدمة. وهكذا يصبح الواقع الجديد امتدادًا للواقع القديم، لا نتيجة لتجربة جديدة.

ومن هذه الزاوية، لا يعود الماضي مرحلة انقضت، بل يصبح بنية فاعلة تعيد تشكيل الحاضر، وتحدد طريقة استقبال الإنسان لكل ما يأتي بعده.

الكون بوصفه سجينًا لليقظة

وتتوسع الفكرة بعد ذلك لتشمل الكون بأسره. فإذا كانت اليقظة المستمرة تحرم الإنسان من السكون، فإن الكون الذي يُمنع من العودة إلى السبات يصبح بدوره أسيرًا لحالة دائمة من التفعيل.

ففي هذا التصور، تبدو أغلب الموجودات وكأنها فقدت القدرة على الرجوع إلى حالتها الأولى، وأصبحت محكومة بحركة لا تتوقف. وهنا يغدو الاستمرار نفسه نوعًا من القيد، لأن الكائن لا يستطيع أن يعود إلى الأصل الذي خرج منه.

ومن ثم يصبح السجن الحقيقي ليس في الحركة، بل في استحالة التوقف عنها.

إشكالية التجسد

ومن هذا الموضع ينتقل البحث إلى مفهوم التجسد.

فإذا كان الإيقاظ يفرض على الكائن الدخول في عالم الفعل، فإن التجسد يمثل الصورة الكاملة لهذا الدخول؛ أي انتقال الإمكان إلى واقع محدد يفرض على الكائن شكلًا معينًا وحدودًا معينة.

وتُطرح هنا فكرة سبق عرضها في مواضع أخرى، وهي أن رفض التجسد لا ينشأ دائمًا من رفض الوجود نفسه، بل قد يكون رفضًا للطريقة التي يُفرض بها الوجود على الكائن.

فالكائن، وفق هذا التصور، قد يرفض أن يُستدعى إلى تجربة لم يخترها، أو أن يُلقى في واقع يشعر أنه لا يعبر عن حقيقته. ولذلك يصبح رفض التجسد استمرارًا لرفض الصدمة الأولى التي أخرجته من السبات.

الإرادة والخلق

وهنا يظهر سؤال جديد: إذا كان الكائن يرفض الدخول في التجسد، فمن أين جاء هذا الرفض؟

في البداية قد يبدو أن الكائن يمتلك إرادة مستقلة يستطيع بها أن يقاوم الخلق. لكن هذا الافتراض يثير إشكالًا منطقيًا؛ إذ كيف يمكن لمن لم يوجد بعد أن يمتلك إرادة سابقة على وجوده؟

ومن هنا تبدأ الفرضية الأولى في مواجهة حدودها الداخلية، لأن الحديث عن إرادة مستقلة قبل الخلق يجعل العلاقة بين الخالق والمخلوق أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه.

فإذا كان الكائن في حالة السبات لا يمتلك إرادة فعلية، فمن غير الممكن أن يكون قد قاوم الخلق قبل أن يُخلق. وبالتالي يصبح تفسير الأقدار السيئة على أنها عقوبة على مقاومة سابقة تفسيرًا يحتاج إلى مراجعة.

بداية مراجعة الفرضية

عند هذه النقطة يبدأ التصور نفسه في مراجعة نتائجه.

فبدلًا من الإبقاء على ثنائية «الخالق السيئ» و«الخالق الجيد»، يُطرح احتمال آخر أكثر اتساقًا، وهو أن يكون الخالق واحدًا، وأن تكون جميع الإشكالات السابقة ناتجة عن طريقة فهم الإنسان للخلق، لا عن وجود خالقين متعارضين.

وهذا التحول لا يحدث بصورة مفاجئة، بل يأتي نتيجة لمحاولة حل التناقض الذي ظهر في مسألة الإرادة. فإذا لم يكن الكائن قادرًا على مقاومة الخلق قبل وجوده، فإن نسبة الشر إلى مقاومته تصبح غير كافية لتفسير التجربة.

ومن هنا يبدأ الانتقال التدريجي إلى فرضية جديدة ترى أن الخلق واحد، وأن ما يبدو شرًا أو خيرًا يحتاج إلى إعادة تفسير من داخل هذه الوحدة، لا من خلال تقسيمها إلى مصدرين متعارضين.

وهكذا ينتهي هذا المسار الأول من البحث، لا بإثبات وجود خالقين، وإنما ببيان أن هذه الثنائية كانت مرحلة تحليلية مؤقتة، أظهرت حدودها بنفسها، ومهدت الطريق للانتقال إلى أطروحة أكثر شمولًا، هي أطروحة الخالق الواحد، التي ستُعاد في ضوئها قراءة مفاهيم الإرادة، واليقظة، والخلق، والشر، والوجود بأسره.

الخالق الواحد وإعادة بناء مفهوم الخلق

بعد أن بلغت فرضية «الخالق السيئ» و«الخالق الجيد» حدودها التفسيرية، ينتقل البحث إلى مراجعة أكثر جذرية. فبدل تفسير الوجود من خلال مصدرين متقابلين، تُطرح فرضية جديدة ترى أن الخالق واحد، وأن ما بدا سابقًا تعارضًا بين الخير والشر قد يكون ناشئًا من قصور في زاوية النظر، لا من تعدد في أصل الخلق.

وتبدأ هذه المراجعة من سؤال الإرادة. فإذا كان الكائن في حالة السبات السابقة على التجسد لا يملك إرادة مستقلة، فكيف يمكن القول إنه قاوم الخلق، ثم عوقب على تلك المقاومة؟ إن هذا الاعتراض يكشف عن ثغرة في الفرضية الأولى، ويدفع إلى البحث عن تفسير آخر للعلاقة بين الخالق والمخلوق.

الإرادة بوصفها عطية من الخالق

في هذا التصور الجديد لا يمتلك المخلوق إرادته ابتداءً، بل يتلقاها مع فعل الخلق نفسه. فالخلق لا يمنح الكائن الوجود فقط، وإنما يمنحه أيضًا القدرة على الإرادة، والإدراك، والاختيار، وسائر المقومات التي يصبح بها فاعلًا داخل العالم.

وبذلك فإن الإرادة ليست سابقة على الخلق، بل هي جزء من الخلق نفسه. وما إن تُمنح للمخلوق حتى يصبح قادرًا على توجيهها، سواء نحو الانسجام مع نظام الوجود أو نحو مقاومته.

ومن هنا يميز هذا التصور بين مرحلتين مختلفتين:

  • مرحلة السبات، حيث لا توجد إرادة مستقلة ولا فعل مستقل.

  • ومرحلة الخلق، حيث يمنح الخالق للمخلوق جزءًا من القدرة التي تجعله قادرًا على الفعل والاختيار.

وعلى هذا الأساس فإن مقاومة الإنسان ليست مقاومة سابقة للخلق، وإنما هي استعمال للإرادة التي مُنحت له داخل تجربة الخلق نفسها.

الوجود بوصفه مشاركة في فعل الخلق

إذا كانت الإرادة هبة من الخالق، فإن حضور الإنسان في العالم لا يعود حضورًا سلبيًا، بل يصبح مشاركة في فعل الوجود. فالمخلوق لا يوجد خارج تجربة الخالق، وإنما يوجد داخلها، ويعيشها من خلال ما مُنح له من قدرة على الإدراك والإرادة.

ولهذا يصبح الواقع، في هذا التصور، ليس عالمًا منفصلًا عن الخالق، بل مجالًا تظهر فيه آثار فعل الخلق بصورة متدرجة. وكل فعل يصدر عن الإنسان هو استخدام لتلك القدرة التي أُودعت فيه، سواء استُعملت على نحو ينسجم مع غاية الخلق، أم على نحو يبتعد عنها.

الذاكرة الكونية والواقع

ويستعيد البحث هنا فكرة «السجل» التي طُرحت سابقًا، فيمنحها معنى أوسع. فالواقع لا يُفهم بوصفه سلسلة أحداث متفرقة، بل بوصفه كتابة متصلة، تنتظم فيها الوقائع داخل سياق واحد.

فالوجود، وفق هذه الرؤية، يشبه نصًا مفتوحًا، تتوالى فيه الأحداث كما تتوالى الأسطر في كتاب. وكل كائن لا يعيش خارج هذا النص، بل يمثل سطرًا أو فصلًا داخله، بحيث تصبح الوقائع مترابطة، لا منفصلة.

ومن ثم فإن الماضي لا يغيب عن الحاضر، لأن الحاضر نفسه امتداد لذلك السجل، وليس انقطاعًا عنه.

الوعي باعتباره مشاركة في رؤية الخالق

إذا كان الخالق قد منح المخلوق جزءًا من الإرادة، فإنه منحه كذلك نصيبًا من القدرة على الإدراك. وهنا لا يُفهم الوعي بوصفه ملكة مستقلة تمامًا، وإنما بوصفه مشاركة محدودة في إدراك أوسع.

فكل إنسان يرى العالم من زاوية معينة، ويحيط بجزء من الحقيقة، بينما تظل بقية الزوايا خارج نطاق رؤيته. ولذلك فإن اختلاف البشر في إدراك الواقع لا يدل بالضرورة على تناقض الحقيقة، بل على اختلاف مواقع النظر إليها.

ومن هذا المنطلق يصبح الوعي الإنساني محدودًا بطبيعته، بينما يُنسب إلى الخالق – في إطار هذه الأطروحة – الإدراك الشامل الذي لا تغيب عنه جهة من جهات الوجود أي الذاكرة الكاملة والقصة الكاملة.

من التعدد إلى الوحدة

وتترتب على هذا التحول نتيجة فلسفية مهمة، وهي أن الشر لا يُفسر بوصفه دليلًا على وجود خالق آخر ينازع الخالق الأول، وإنما يُعاد تفسيره داخل إطار الوحدة.

فإذا كان أصل الوجود واحدًا، فإن ما يظهر للإنسان من نقص أو اضطراب لا يقتضي تعدد مصادر الخلق، بل قد يكون ناتجًا عن محدودية إدراك المخلوق، أو عن كيفية استعمال الإرادة التي مُنحت له.

وهكذا تنتقل الأطروحة من تفسير يقوم على الانقسام إلى تفسير يقوم على الوحدة، دون أن تنكر وجود المعاناة أو الأسئلة المرتبطة بها، وإنما تعيد إدراجها ضمن بناء فلسفي أكثر اتساقًا مع فرضية الخالق الواحد.

الوعي الإنساني وحدود الرؤية

وتنتهي هذه المرحلة من البحث بالتأكيد على أن الإنسان، مهما اتسعت معرفته، يبقى محكومًا بحدود وعيه. فقد يرى بعض الناس من الوجود ما لا يراه غيرهم، لكن هذا لا يعني أنهم بلغوا الإحاطة الكاملة، بل يدل على تفاوت درجات الإدراك بين البشر.

ومن هنا يفتح النص بابًا لاحتمال أوسع: فإذا كان الإنسان يستطيع أن يدرك أمورًا تغيب عن غيره، فمن الممكن أيضًا أن توجد مرتبة من الإدراك تتجاوز ما يبلغه الإنسان نفسه. وبذلك تصبح محدودية الرؤية الإنسانية سببًا يدعو إلى التواضع المعرفي، لا إلى الادعاء بإحاطة كاملة بحقائق الوجود.

وعلى هذا الأساس، يتحول البحث من محاولة تفسير الصدمة والنوم واليقظة إلى تأمل أشمل في طبيعة الوعي ذاته، وفي علاقة الإنسان بالوجود، وفي حدود ما يستطيع العقل الإنساني إدراكه من العالم الذي يعيش فيه.

من الذكورة الرمزية إلى مفهوم الخالق الواحد

بعد الانتقال إلى فرضية الخالق الواحد، يعيد النص النظر في عدد من المفاهيم التي سبق تناولها، وعلى رأسها مفهوم الذكورة. فبعد أن كانت الذكورة، في الفرضية الأولى، مرتبطة بالفعل الخالق الذي يفرض الوجود ويوقظ الكائن من سباته، تصبح في هذه المرحلة مفهومًا مختلفًا، لا يطابق الخالق نفسه، بل يمثل صورة محدودة أو محاكاة جزئية لوظيفة الخلق.

وبذلك يميز النص بين مستويين متباينين:

  • مستوى الخالق الواحد الذي لا يُختزل في أي صورة جزئية.

  • ومستوى الذكورة بوصفها قدرة محدودة على الفعل والتشكيل داخل العالم.

وهذا التفريق يغير طبيعة المسؤولية الأخلاقية والوجودية. فإذا كانت الذكورة ليست هي الخالق المطلق، فإنها تصبح خاضعة للحساب، لأنها تمارس فعلًا محدودًا يمكن أن ينسجم مع النظام الكلي أو ينحرف عنه.

الذكورة بوصفها محاكاة لا أصلًا

تذهب الأطروحة إلى أن الذكورة ليست الحقيقة المطلقة للخلق، وإنما صورة محدودة منها. فهي تؤدي وظيفة التشكيل، لكنها لا تستوعب الحقيقة الكاملة التي يصدر عنها الوجود.

ومن هنا يصبح الخطأ في التشكيل، أو في ممارسة السلطة، أو في استعمال الإرادة، دليلًا على محدودية هذه الصورة، لا على فساد أصل الخلق.

ولهذا يؤكد النص أن الشر لا يصدر عن حقيقة الخلق نفسها، وإنما عن غياب اكتمالها في التجليات المحدودة التي تمارس فعل التكوين داخل العالم.

ظل الذكورة ومصدر الشر

ظل الذكورة هو حالة الغياب أو النقص أو الانفصال عن الأصل الذي تستمد منه الذكورة معناها. فكلما ابتعدت القدرة المحدودة عن الأصل الذي تستند إليه، ظهرت آثار الاضطراب والاختلال، فإن قلنا أن الخالق هو أعظم قصة إذن هو اعظم ذكورة و الذكورة الإنسانية تحاكي ذكورة الخالق أي ذاكرته، من هنا نرى ان الإبتعاد عن ذاكرة الخالق هو أبتعاد عن الأصل.

وبذلك لا يصبح الشر قوة قائمة بذاتها، بل نتيجة لفقدان الحضور الكامل، أو لانقطاع الصلة بالمصدر الذي يمنح الفعل توازنه.

ومن ثم فإن الذكورة، بهذا المعنى الرمزي، تعيش دائمًا بين احتمالين:

  • أن تكون وسيلة يتحقق بها النظام.

  • أو أن تتحول إلى سبب للفوضى إذا انفصلت عن الأصل الذي تستمد منه مشروعيتها.

من ذكورة إلى ذكورة

ومن أكثر الأفكار تميزًا في النص قوله إن الإنسان لا ينبغي أن يبقى أسير صورة واحدة من صور الفعل، وإنما يتحرك باستمرار من مستوى إلى مستوى أعلى.

ولهذا يقرر أن البقاء داخل صورة واحدة من الذكورة هو الفشل، ولأن الإنسان خلق  في قصة الخالق أو في ذاكرة الخالق إذن يجب على الإنسان في كل مرة ان تزداد محاكته لذاكرة الخالق وأن ينتقل من ذاكرة إلى ذاكرة أعظم، لا أن يتوقف عند حدود ذاكرة واحدة ويظنها أنها النهاية.

فالنمو الحقيقي فيتحقق بالانتقال الدائم من مرتبة إلى أخرى، بحيث يصبح الوجود نفسه رحلة متصلة من صور الإدراك والفعل، لا إقامة دائمة داخل صورة واحدة.

وبذلك يغدو الواقع سلسلة من العبور المستمر، لا نقطة وصول نهائية.

الخالق بوصفه الحضور الكامل

وفي مقابل الذكورة المحدودة، يقدم النص تصورًا للخالق باعتباره حضورًا لا يعرف الغياب.

فالفرق الجوهري بينهما أن الذكورة المحدودة قد تغيب عن مواضع معينة، أما الخالق فلا يُتصور فيه هذا الغياب.

ولهذا لا يمكن نسبة النقص إليه، لأن النقص إنما يظهر حيث يوجد فراغ أو انقطاع، بينما الخالق – في إطار هذه الرؤية – حاضر في جميع جهات الوجود.

ومن هنا تصبح فكرة "الظل" خاصة بالموجودات المحدودة، لا بالمبدأ الأول الذي لا يخرج عنه شيء.

إعادة تفسير رفض التجسد

بعد هذا التحول تعود الأطروحة إلى مفهوم رفض التجسد الذي كان قد ارتبط في البداية برفض البدء من جديد.

لكن المعنى يتغير هنا تغيرًا واضحًا.

ففي البداية كان رفض التجسد يُفسر بوصفه أثرًا من آثار الصدمة، إذ يرفض الإنسان الدخول في تجربة جديدة خوفًا من تكرار الألم.

أما بعد تبني فرضية الخالق الواحد، فإن رفض التجسد يكتسب دلالة مختلفة؛ إذ قد يصبح رفضًا لصورة مزيفة من التجسد أو رفضا لذاكرة  مزيفة لاترتقي إلى أصالة ذاكرة الخالق، أو رفضًا للخضوع لتشكيل ناقص لا يعكس الحقيقة الكاملة.

ومن ثم فإن الرفض لا يكون سلبيًا في جميع الأحوال، بل قد يكون خطوة نقدية تسبق الوصول إلى صورة أصدق من الوجود.

السبات واليقظة في ضوء الرؤية الجديدة

وبهذا يعاد تفسير العلاقة بين السبات واليقظة.

ففي بداية البحث كان السبات يمثل الراحة، والنسيان، وإمكان البدء من جديد، بينما كانت اليقظة ترتبط بالصدمة والتذكر والاحتجاز داخل الماضي.

أما في هذه المرحلة فإن الأمر يصبح أكثر تعقيدًا.

فالعودة إلى السبات تعني، الهروب من الذاكرة من الوعي أي الفشل في التجربة.

الخالق والوعي الكامل

ويصل النص في النهاية إلى أعلى درجات التجريد حين يربط بين الخالق والوعي الكامل.

فالإنسان يرى من العالم مقدارًا محدودًا، ويكتشف مع الزمن أن هناك أمورًا كانت خفية عليه.

وهذا الاكتشاف نفسه يصبح دليلًا على محدودية رؤيته.

ومن هنا يطرح النص احتمالًا فلسفيًا مؤداه أن وجود من يرى أكثر مما نرى ليس أمرًا مستبعدًا، بل نتيجة منطقية لتفاوت درجات الإدراك.

وبهذا يصبح الخالق، في هذه الرؤية، قمة الوعي بالوجود، لا لأنه يفرض الوعي على الموجودات فحسب، وإنما لأنه يحيط بجميع الإمكانات، وجميع الوقائع، وجميع الاحتمالات التي تحققت والتي كان يمكن أن تتحقق.

ولهذا يُشبَّه حضوره بحضور لا يعتريه نقص، ولا يغيب عنه احتمال، ولا ينقطع عنه مشهد من مشاهد الوجود.

خاتمة: ما الذي يبقي الإنسان مستيقظًا؟

تنتهي الأطروحة بالعودة إلى السؤال الذي بدأت به: ما الذي يبقي الإنسان مستيقظًا؟

الجواب على هذا أن كل مايبقى الإنسان مستيقضا هو الخالق أو الخالق هو الذي يبقي الإنسان مستيقظا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كاتب التدوينة
كاتب التدوينة
هذا النص هو مثال لنص يمكن أن يستبدل في نفس المساحة، لقد تم توليد هذا النص من مولد النص العربى، حيث يمكنك أن تولد مثل هذا النص أو العديد من النصوص الأخرى إضافة إلى زيادة عدد الحروف التى يولدها التطبيق.
G.M HERMES