لنفترض أن شخصًا أراد أن يجري عملية جراحية. وبعد حديثه مع الطبيب سأله سؤالًا يبدو بسيطًا، لكنه يخفي وراءه سؤالًا وجوديًا عظيمًا:
"ما الذي يضمن لي أن أنجو من هذه العملية؟ وما الذي يضمن لي أن تكون ناجحة؟"
قد يبدأ الطبيب في شرح كفاءته، وخبرته، ومعطيات العملية، وما يستطيع القيام به وما لا يستطيع. لكنه، في النهاية، لن يستطيع أن يمنح ضمانًا . وكل ما يستطيع فعله هو أن يضع المريض أمام الصورة الكاملة، ثم يترك له القرار.
غير أن هذا السؤال لا يقف عند حدود الطب.
سؤال يتجاوز العملية الجراحية
إذا خرجنا من مثال العملية الجراحية قليلًا، فسيظهر سؤال أكبر:
ما الذي يضمن لنا أننا لسنا في الجانب الخاطئ من الوجود؟
وبعبارة أخرى:
ما الذي يضمن لنا أننا بخير؟
ما الذي يضمن أن قراراتنا، واختياراتنا، ومكاننا، وزماننا، وكل التشكيلة التي نعيشها، هي التشكيلة الصحيحة؟
بل ما الذي يضمن أن النهاية ستكون في صالحنا؟
إنه سؤال يجعل الإنسان يعيد التفكير في كثير من الأمور، لأن أيًّا كان ما يظنه أو يعتقده، فإن الإجابة عن هذا السؤال تبقى ضرورية.
هل يكفي الطبيب؟
حين سأل المريض الطبيب عن ضمان النجاح، قدّم الطبيب ما يملكه من معرفة وخبرة، ثم ترك المريض أمام الواقع.
لكن يمكن أن نتخيل سؤالًا آخر، وكأن الطبيب يقول للمريض:
"هل أنت تستحق أن تنجو من العملية؟"
وهنا ندخل إلى قضية أخرى، هي قضية الاستحقاق.
العلاقة بين الضمان والاستحقاق
كلما ارتفع الاستحقاق، ارتفعت الضمانات.
وكلما ضعف الاستحقاق، ضعفت الضمانات.
نجد ذلك حتى في الواقع؛ ففي المستشفيات الرديئة قد يُجبر الإنسان على إجراء عملية لا يضمن له أحد نتائجها، ولا يجد حتى الحد الأدنى من الطمأنينة.
وهنا يبرز السؤال الحقيقي:
إذا كان الضمان والاستحقاق مرتبطين ببعضهما، فما الذي يضمن لأي إنسان أنه يستحق؟
جواب يشبه جواب الأمس
في بث الأمس كان السؤال:
"ما الذي يبقيك مستيقظًا؟"
وكان الجواب:
"الخالق."
وكان لهذا الجواب أكثر من قراءة.
فمنها أن الخالق هو الذي يبقيك مستيقظًا، ومنها أن أيًّا ما كان الذي يبقيك مستيقظًا فهو خالقك.
وسؤال اليوم له طبيعة مشابهة.
السؤال هو:
ما الذي يضمن للإنسان استحقاقه؟
والجواب هو:
الذي يضمن للإنسان استحقاقه.
أي إن جوابك نفسه عن هذا السؤال هو الضامن.
الضامن هو جوابك
اسأل نفسك:
إذا كنت تبحث عن أمر معين، ثم سُئلت:
هل تستحقه؟ وما الذي يضمن أنك ستحصل عليه؟
فأيًّا كان جوابك، فهو الضامن الذي تعتمد عليه.
فقد يقول أحدهم:
"أنا لا أضمن نفسي."
وهذا يعني أنه لا يثق بنفسه.
لكن إذا كان لا يضمن نفسه، فمن الذي يضمنه؟
ومن الذي يضمن أنه سيؤدي ما عليه على أكمل وجه؟
فالذي يضمن أن الإنسان سيقوم بما ينبغي أن يقوم به، لا بد أن يكون هو نفسه.
أما الإنسان الذي لا يضمن نفسه، فمن الصعب أن يقبل الناس ضمانه.
الاستحقاق يضمن نفسه
ولهذا قلت:
ما الذي يضمن استحقاقك؟
الجواب:
استحقاقك نفسه.
فالاستحقاق هو الذي يضمن أنك تستحق.
فإن لم تكن تستحق، فلا شيء يضمن أنك تستحق.
وإن كنت تستحق، فكل شيء يضمن أنك تستحق.
قد يبدو هذا الكلام غير واضح لبعض الناس، لكنه يصبح أوضح إذا ظل الإنسان يكرر على نفسه السؤال:
ما الذي يضمن لي أنني أستحق؟
الحاجة إلى الضامن الخارجي
إذا كنت تحتاج إلى ضامن خارجي، فهذا يعني أنك أفقر مما تدّعي أنك تستحق.
تخيل أنك دخلت بنكًا لطلب قرض.
ولكي تحصل على القرض، طُلب منك تقديم ضامن.
فإذا لم تكن تملك أي ضمانة، واضطررت إلى إحضار قريب، أو زوج، أو زوجة، أو أي شخص آخر ليضمنك، فإن ذلك يعني أنك احتجت إلى قوة خارجك حتى تحصل على ما تطلب.
وهذا يعني أنك أدنى مما تظن أنك تستحق.
لأنك لو كنت تستحقه بذاتك، لما احتجت إلى ضمانة من خارجك.
صاحب الاستحقاق الحقيقي
ومن هنا يمكن صياغة القاعدة:
صاحب الاستحقاق الحقيقي هو الذي لا يحتاج إلى ضمان خاريجي ليبرر استحقاقه.
لأنه لو كان يستحق حقًا، لما احتاج إلى شيء خارج ذاته ليؤكد ذلك.
وكذلك الأمر في كل شيء.
فإن كان الغنى هو محل الحديث، فلا بد أن يكون الغني أغنى من كل ما يحتاج إليه.
وإن كان المقام أو العلو هو محل الحديث، فلا بد أن يكون أعلى مما يظن أنه يمنحه هذا المقام.
خاتمة
بدأ السؤال بطبيب ومريض، وانتهى بسؤال وجودي عن الإنسان نفسه.
ما الذي يضمن لك أنك تستحق؟
وهل تحتاج فعلًا إلى ضامن خارجك، أم أن استحقاقك هو الذي يضمن نفسه؟
إن الجواب الذي يقدمه كل إنسان عن هذا السؤال، قد يكون هو نفسه الضامن الذي يعيش عليه، ويبني عليه نظرته إلى نفسه، وإلى الوجود كله.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق