حين تتحول الصحوة إلى دعوة للعدم
من أكثر المفاهيم تداولًا في عصرنا مفهوم اليقظة أو الصحوة. ويُقدَّم هذا المفهوم غالبًا باعتباره ذروة التحرر، وأقصى مراتب الوعي، والنقطة التي يبلغ عندها الإنسان حقيقة الوجود. غير أن السؤال الذي نادرًا ما يُطرح هو: ماذا يحدث بعد اليقظة؟ وما المشروع الذي تقدمه للإنسان بعد أن تُسقط عنه جميع أوهامه؟
إن الأطروحة التي أطرحها هنا قد تبدو صادمة، لكنها تنطلق من منطقها الداخلي لا من رغبة في المبالغة: اليقظة، إذا أُخذت إلى نهايتها المنطقية، ليست دعوة إلى الحياة، بل دعوة إلى الانتحار الفردي، والصحوة الجماعية دعوة إلى الانقراض الجماعي.
قد تبدو هذه العبارة قاسية لأول وهلة، لكنها ليست حكمًا انفعاليًا، بل نتيجة تفرضها البنية الفكرية لخطاب اليقظة نفسه.
فالإنسان الذي يقال إنه "استيقظ" لا يُطلب منه مجرد مراجعة بعض أفكاره، بل يُطلب منه أن يشهد انكشاف البنية القهرية التي تحكم الوجود كله؛ أن يرى شبكة الضرورات التي تسوق الإنسان منذ ولادته، والأقدار التي تنسج مساره، والقوانين التي لا يملك الفكاك منها، حتى يصبح مقتنعًا بأن إرادته لم تكن يومًا مستقلة كما كان يتصور.
لكن السؤال الذي لا يجيب عنه أحد هو: وماذا بعد ذلك؟
إذا افترضنا أن الإنسان قد استيقظ فعلًا، وأنه رأى كل ما يقال له إنه الحقيقة الكاملة، فما الخطوة التالية؟ ما المشروع الذي ينبغي أن يبدأه؟ ما الغاية التي يتجه إليها؟ وما الصورة الجديدة للحياة التي يمكن أن تُبنى فوق هذا الوعي؟
الغريب أن خطاب اليقظة لا يقدم جوابًا واضحًا عن هذا السؤال.
فهو بارع في هدم الأوهام، لكنه عاجز عن بناء وهم جديد. يجيد إسقاط الأوهام، لكنه لا يمنح الإنسان بديلًا يعيش من أجله. يقطع الصلة بين الإنسان وكل ما كان يمنحه الدافع للاستمرار، ثم يتركه وحيدًا أمام الفراغ.
ولهذا لا نجد في تاريخ هذا الخطاب مشروعًا متكاملًا للحياة بعد اليقظة، بل نجد عملية مستمرة من التفكيك والنفي، حتى يغدو الإنسان وقد خسر جميع الأسباب التي كانت تربطه بالوجود.
ومن هنا تصبح اليقظة، في معناها النهائي، فعلًا سلبيًا خالصًا.
فالقتل هو الظاهرة الوحيدة التي لا تحتاج إلى غاية بعدها؛ إذ إن نهايتها تكمن في نفسها. عندما يُقتل الإنسان، تنتهي العلاقة، وينتهي الفعل، ولا يبقى مشروع يُستكمل بعده.
ولهذا فإن اليقظة، عندما تبلغ أقصى نتائجها، تشبه القتل من حيث بنيتها الفكرية؛ فهي لا تنشئ عالمًا جديدًا، ولا تؤسس وجودًا آخر، وإنما تنتهي إلى إزالة كل ما كان قائمًا، دون أن تضع مكانه بديلًا قادرًا على حمل الإنسان.
إنها لا تقول للإنسان: "ابنِ حياة أخرى"، بل تقول له، بصورة غير مباشرة: "أسقط كل ما كنت تعيش من أجله."
وهنا يبدأ الخطر الحقيقي.
فالإنسان الذي يفقد جميع غاياته، وجميع مبررات بقائه، وجميع الأسباب التي كانت تمنحه الرغبة في الاستمرار، لا يبقى أمامه سوى الفراغ. وعندما يصبح الفراغ هو الحقيقة الوحيدة التي يراها، فإن اليقظة لا تعود طريقًا إلى الحياة، بل تتحول إلى طريق يقود، بمنطقه الداخلي، إلى نفي الحياة نفسها.
ولهذا فإن من يدعو الناس إلى اليقظة فهو يدعوهم الى هدم جميع مشارعيهم، فهو لايفتح أمامهم بابًا نحو الحياة، بل يفتح أمامهم بابًا نحو العدم، حتى وإن لم يقصد ذلك.
ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي ليس: كيف نستيقظ؟
بل: كيف نستمر في الحياة بعد أن نستيقظ؟
وما لم يُقدَّم جواب صادق عن هذا السؤال، ستظل اليقظة، مهما اختلفت أسماؤها، مشروعًا ينتهي إلى نفي الإنسان بدلًا من إعادة بنائه.
حين يصبح الوجود نفسه موضع اتهام
إذا كان خطاب اليقظة ينتهي إلى هدم جميع الغايات دون أن يقيم مكانها غاية جديدة، فإن السؤال التالي يفرض نفسه: لماذا يصل المستيقظ إلى هذه النتيجة أصلًا؟ وما الذي يدفعه إلى هذا الموقف المتطرف من الوجود؟
إن الأمر لا يتعلق بمجرد تشاؤم عابر، ولا بإحباط نفسي مؤقت، وإنما ببنية فكرية ترى أن المشكلة ليست في تفاصيل الحياة، بل في أصلها ذاته.
فالمستيقظ، بحسب هذا التصور، لا يعتقد أن الإنسان يعيش حياة ناقصة تحتاج إلى إصلاح، بل يرى أن وجود الإنسان في ذاته هو المأزق الأول، وأن جميع المحاولات اللاحقة ليست سوى وسائل لإدامة هذا المأزق.
ولهذا لا يعود اعتراضه موجَّهًا إلى مجتمع بعينه، أو إلى نظام سياسي، أو إلى منظومة أخلاقية أو دينية، وإنما يمتد اعتراضه إلى الجذور التي تجعل الوجود يستمر أصلًا.
ومن هنا ينشأ انفصال تدريجي بينه وبين العالم.
إنه لا ينفصل عن البشر لأنهم أخطؤوا في حقه، ولا لأنهم يختلفون معه في الرأي، وإنما لأنه بدأ يرى أنهم جميعًا جزء من الآلية نفسها التي تُعيد إنتاج الوجود مرة بعد أخرى.
وبهذا المعنى تصبح اليقظة حالة اغتراب شاملة؛ اغتراب عن المجتمع، وعن القيم، وعن المؤسسات، بل وحتى عن الطبيعة نفسها.
فالإنسان المستيقظ لا يعود يشعر بأنه ينتمي إلى العالم، لأنه لم يعد يرى في هذا العالم ما يستحق الانتماء إليه.
ولهذا السبب قد يبدو وكأنه يحمل نزعة عدائية تجاه الحياة، مع أن الأمر، في منطقه الداخلي، ليس كراهية للأشخاص بقدر ما هو رفض للمصدر الذي أوجدهم جميعًا.
إنه يريد قتل الوجود لأنه يرى في إستمرار الوجود استمرارًا للمأساة.
فإذا أصبح الوجود كله بلا معنى، فإن الفرق بين أن يبقى الشيء أو يزول يفقد أهميته شيئًا فشيئًا.
وهنا تظهر أخطر نتائج هذا التصور.
فالمستيقظ لا يحاول، في نهاية المطاف، إزالة أفراد بعينهم، بل يسعى إلى إبطال كلي لكل مايجعل الحياة ستمرة يمكن اعتباره كأنه يخطط لمشروع قتل جماعي.
إنه يعادي الدوافع، والرغبات، والآمال، والأحلام، وكل ما يجعل الإنسان يقبل أن يبدأ يومًا جديدًا.
ولهذا فالخطاب الحقيقي لليقظة ليس منشغلًا بمشروعات البناء أو التكوين أو إنشاء حضارة جديدة، بل نجده منشغلًا بتفكيك الأسس التي تقوم عليها الحضارة أصلًا.
إنه لا يشارك في صناعة مستقبل مختلف، لأنه لا يرى في المستقبل إلا امتدادًا للمشكلة نفسها.
ولهذا فإن اليقظة، عندما تبلغ أقصى درجاتها، تتحول إلى عملية هدم ذاتي.
إنها ليست مجرد مراجعة للأفكار، بل إعادة توجيه شاملة للوعي ضد كل ما يمنح الإنسان القدرة على الاستمرار.
وعند هذه النقطة يصبح من الصعب الجمع بين اليقظة الكاملة وبين امتلاك رسالة أو مشروع أو حلم.
فالإنسان الذي ما زال يحمل قضية يدافع عنها، أو هدفًا يسعى إليه، أو أملًا ينتظر تحققه، لم يغادر بعدُ دائرة الحركة التي تقوم عليها الحياة.
أما إذا سقطت جميع الغايات دفعة واحدة، فإن الوعي لا يجد أمامه سوى الفراغ.
ولهذا يمكن القول إن كل مشروع إنساني هو، من زاوية هذا التصور، علامة على أن صاحبه ما يزال نائمًا داخل حلم ما، لأن الحلم وحده هو الذي يمنح الحركة معناها، ويجعل الإنسان يواصل السير نحو غاية يظن أنها تستحق الوصول.
وحين يختفي الحلم، لا يبقى أمام الوعي إلا أن يشهد خواء الطريق، وأن يرى الحياة وقد فقدت جميع المبررات التي كانت تجعلها قابلة للاستمرار.
الأمل بوصفه آلية لاستمرار الوجود
إذا كان المستيقظ يرى أن المشكلة كامنة في أصل الوجود لا في تفاصيله، فإن موقفه من الأمل يصبح نتيجة طبيعية لهذا التصور.
فالأمل، في نظره، ليس اكتشافًا للحقيقة، بل وسيلة تجعل الإنسان قادرًا على احتمال استمرار الحياة. إنه ليس وعدًا بالمستقبل، وإنما آلية نفسية تحفظ استمرار الكائن داخل دورة الوجود.
ولهذا لا ينظر المستيقظ إلى الأحلام باعتبارها نوافذ تفتح على إمكانات جديدة، بل يراها امتدادًا للمنظومة نفسها التي أنتجت القيد أول مرة.
فالإنسان يحلم بالحرية لأنه يشعر بالسجن، ويتطلع إلى الخلاص لأنه يعيش النقص، ويتعلق بصورة أفضل للمستقبل لأنه غير قادر على الرضا بالحاضر.
لكن المفارقة، وفق هذا المنطق، أن السجن نفسه هو الذي يرسم صورة الحرية.
فلو لم توجد القيود، لما وُلدت فكرة التحرر أصلًا، ولو لم يوجد الحرمان، لما نشأت الرغبة في الامتلاء. وهكذا تصبح الأحلام، مهما بدت مشرقة، جزءًا من النظام الذي يضمن استمرار الحركة، لا طريقًا حقيقيًا للخروج منها.
ومن هنا يرى المستيقظ أن الإنسان يطارد صورًا صُنعت له سلفًا، فيحسب أنه يختارها بإرادته، بينما هي في الحقيقة نتاج البنية نفسها التي تدفعه إلى الاستمرار.
فكلما اقترب من حلم، ظهر له حلم آخر، وكلما بلغ غاية، انفتحت أمامه غاية جديدة، وكأن الوجود لا يمنحه الاكتمال أبدًا، بل يمنحه أسبابًا متجددة لمواصلة السير.
ولهذا يذهب هذا التصور إلى أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش من دون قدر من الوهم.
فليس المقصود بالوهم هنا الخداع البسيط، وإنما تلك السردية التي يقنع بها الإنسان نفسه بأن الغد يحمل ما يستحق الانتظار، وأن النهاية تختلف عن البداية، وأن الطريق سيمنحه في آخره ما لم يجده في أوله.
هذه السردية هي التي تمنحه القدرة على احتمال الأيام، وهي التي تؤجل لحظة المواجهة مع الفراغ.
أما إذا انهارت هذه السردية، وسقطت جميع المبررات دفعة واحدة، فإن الإنسان يجد نفسه في مواجهة سؤال لا يملك له جوابًا: لماذا أستمر؟
وعند هذه النقطة يصبح الخطر أعظم من الألم نفسه، لأن الألم يمكن احتماله إذا كان يقود إلى غاية، أما إذا فقد الغاية، فإنه يتحول إلى عبء لا يجد ما يبرره.
ولهذا يقال إن الإنسان، لكي يواصل حياته، يحتاج أحيانًا إلى أن يغض الطرف عن بعض الحقائق، أو أن يسمح لشيء من الوهم بأن يبقى حيًا داخله.
فليست جميع الأوهام عيوبًا في التفكير، بل قد تكون، من منظور هذا الخطاب، الوسائل التي تمنع الوعي من الانقلاب على صاحبه.
ولهذا فإن من يدعو الناس إلى إزالة جميع أوهامهم دفعة واحدة، دون أن يمنحهم بديلًا قادرًا على حمل وجودهم، إنما يدفعهم إلى مواجهة فراغ لا تطيقه النفس الإنسانية.
ومن هنا يرى المستيقظ أن أغلب البشر لا يستمرون لأنهم وجدوا معنى نهائيًا للحياة، بل لأنهم ما زالوا قادرين على تصديق الحكايات التي تجعل الحياة محتملة.
فإذا توقفت هذه الحكايات، أو فقدت قدرتها على الإقناع، لم يبق سوى الفراغ الوجودي.
ولذلك فإن الأمل، في هذا التصور، ليس برهانًا على حقيقة المستقبل، بل هو القوة التي تجعل الإنسان يؤجل اعترافه بعدم يقينه، ويواصل السير رغم أن الطريق لا يكشف له نهايته.
وبهذا المعنى يصبح الأمل جزءًا من البنية التي تحفظ استمرار الوجود، لا دليلًا على أن الوجود قد وجد غايته الأخيرة.
الغاية والرسالة: هل يحتاج الإنسان إلى هدف ليواصل الحياة؟
إذا كان الأمل هو الوقود الذي يضمن استمرار الحركة، فإن الغاية هي الاتجاه الذي يمنح هذه الحركة معناها. ولهذا يصبح السؤال عن الهدف سؤالًا وجوديًا بامتياز، لأنه لا يتعلق بما يفعله الإنسان فحسب، بل بسبب استمراره في الفعل أصلًا.
يرى هذا التصور أن الإنسان ما دام يحمل مشروعًا، أو يدافع عن رسالة، أو ينتظر تحقيق حلم، فإنه لم يغادر بعدُ البنية التي تقوم عليها الحياة. فوجود الغاية يعني أن المستقبل ما يزال قادرًا على استدعائه، وأن الزمن لم يفقد سلطته عليه.
ومن هنا يذهب الخطاب إلى أن الأحلام ليست دليلًا على التحرر، بل علامة على استمرار الارتباط بالعالم. فالإنسان لا يسعى إلا إلى ما يعتقد أنه ينقصه، ولا يطارد إلا ما يتصور أنه سيمنحه اكتمالًا مؤجلًا.
لكن ماذا لو انهارت هذه الصورة؟
ماذا لو اكتشف الإنسان أن كل غاية، مهما عظمت، لا تؤدي إلا إلى غاية أخرى، وأن نهاية كل طريق ليست إلا بداية لطريق جديد؟
عندئذٍ يتبدل معنى الإنجاز نفسه.
فالنجاح، وفق هذا المنظور، لا يحل الإشكال الوجودي، بل يؤجله. وما إن يبلغ الإنسان ما كان يحلم به، حتى يجد نفسه أمام فراغ جديد يطالبه بابتكار حلم آخر.
وهكذا لا تتحول الأهداف إلى حلول نهائية، بل إلى وسائل تؤخر مواجهة السؤال الأصعب: ماذا بعد؟
إن الإنسان، في هذه الرؤية، لا يعيش لأنه وجد المعنى، بل لأنه يؤجل لحظة الاعتراف بفقدانه.
ولهذا فإن تحقيق الأحلام قد لا يكون دائمًا نهاية السعادة، بل قد يكون بداية مواجهة أكثر قسوة مع الذات. فما دام الحلم بعيدًا، فإنه يغذي الحركة، أما إذا تحقق، فقد تنكشف حقيقة أن الامتلاء الذي وُعد به الإنسان لم يكن سوى صورة متخيلة.
ومن هنا يقال إن بعض الناس لا يخشون الفشل بقدر ما يخشون النجاح؛ لأن النجاح قد يسلبهم آخر مبرر كانوا يعيشون من أجله.
فالغاية ليست مجرد مقصد، بل هي وقود داخلي. وإذا استُنفد الوقود، توقفت الحركة، وظهر الفراغ الذي كانت الحركة تخفيه.
فقد يمتلك الإنسان المال، أو الشهرة، أو السلطة، أو الحب، ثم يكتشف أن السؤال الذي كان يهرب منه ما يزال في مكانه، لم تمسه الإنجازات، ولم تُسكته الانتصارات.
ومن هنا يرى هذا الخطاب أن الذين يملكون أهدافًا كبرى ليسوا بالضرورة أكثر وعيًا، بل ربما كانوا أكثر قدرة على تأجيل المواجهة مع الفراغ.
أما الوعي الذي يبلغ نهايته، فإنه لا يكتفي بمساءلة الوسائل، بل يمتد إلى مساءلة الغايات نفسها.
إنه لا يسأل: كيف أحقق هدفي؟
بل يسأل: لماذا ينبغي أن يكون لي هدف أصلًا؟
وهذا السؤال هو أخطر ما تطرحه هذه الرؤية؛ لأنه لا يهدم مشروعًا بعينه، بل يهدم فكرة المشروع نفسها.
ومع سقوط الغاية، تتبدل نظرة الإنسان إلى الزمن. فلا يعود المستقبل وعدًا، ولا يصبح الماضي عزاءً، بل يغدو الحاضر مساحة معلقة بين استمرار لا يجد مبررًا، وتوقف لا يملك صاحبه الجرأة أو القدرة على بلوغه.
ولهذا يرى هذا الخطاب أن الإنسان يستمر أحيانًا لا لأنه مقتنع بالحياة، بل لأن الحركة السابقة ما تزال تدفعه إلى الأمام، كما يستمر الجسم في السير بفعل زخمه حتى بعد زوال القوة التي كانت تحركه.
إنها حالة من الاستمرار بالقصور، لا بالاقتناع؛ ومن البقاء بحكم الدفع السابق، لا بحكم وجود غاية جديدة.
وعند هذه النقطة يغدو السؤال الوجودي أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى: إذا سقطت جميع الأهداف، وانطفأت جميع الأحلام، فما الذي يبقي الإنسان في طريقه؟
وهذا هو السؤال الذي يقود الخطاب إلى الحديث عن مفهوم آخر، يراه نتيجة مباشرة لانهيار الغاية، وهو ما يسميه العطل الوجودي؛ الحالة التي يفقد فيها الإنسان كل دافع داخلي، فيتحول الاستمرار نفسه إلى فعل يخلو من المعنى.
العطل الوجودي: حينما يتعطل الإنسان وتنتهي جميع المشاريع
إذا كان سقوط الغايات يؤدي إلى فراغ المعنى، فإن المرحلة التالية ــ في هذا التصور ــ هي ما يمكن تسميته بالعطل الوجودي.
ولا يُقصد بالعطل هنا مجرد التعب أو الإرهاق النفسي، بل حالة أشمل يفقد فيها الإنسان القدرة على أن يجد سببًا داخليًا يبرر استمرار حركته. إنه لا يعجز عن الفعل لأنه ضعيف، وإنما لأن الفعل نفسه لم يعد يحمل لديه قيمة تبرر بذل الجهد.
ومن هنا يصبح الاستمرار أشبه بحركة جسم فقد القوة التي كانت تدفعه، لكنه ما يزال يواصل السير بفعل القصور الذاتي.
ونستدعى هنا قاعدة من الفيزياء وهي القانون الأول لنيوتن : الجسم الذي اكتسب حركة يظل مستمرًا فيها ما لم تؤثر فيه قوة تغير مساره أو توقفه.
وبالمثل، قد يواصل الإنسان حياته، لا لأنه ما يزال مؤمنًا بغايتها، بل لأن الزخم الذي حمله سنوات طويلة لم ينطفئ بعد.
إنه يستيقظ، ويعمل، ويتحدث، ويكرر عاداته اليومية، لا لأن الحياة استعادت معناها، وإنما لأن الحركة السابقة ما تزال تدفعه إلى الأمام.
غير أن هذا الزخم ليس أبديًا.
فإذا لم يجد الإنسان قوة جديدة تمنحه سببًا للاستمرار، فإن الحركة تتحول تدريجيًا إلى مجرد عادة، ثم إلى عبء، ثم إلى سؤال ثقيل لا يكف عن ملاحقته.
ومن هنا يرى هذا الخطاب أن المستيقظ لا يعاني من نقص في الوسائل، بل من غياب الغاية التي تمنح الوسائل معناها.
فما جدوى الحركة إذا لم تعد تقود إلى شيء؟ وما قيمة الإنجاز إذا لم يعد يغير شيئًا في جوهر الوجود؟
وعند هذه النقطة يتغير معنى "العطل".
إنه ليس فقدان القدرة على العمل، بل فقدان القدرة على الإيمان بجدوى العمل.
ولذلك يرفض هذا التصور أن يُفسَّر هذا الوضع بوصفه كسلًا أو ضعفًا في الإرادة، لأن المشكلة ــ في نظره ــ أعمق من ذلك بكثير.
فالإنسان قد يملك الصحة، والعقل، والمهارة، والقدرة على الإنجاز، ومع ذلك يشعر أن كل هذه الإمكانات فقدت وظيفتها؛ لا لأنها نقصت، بل لأنها لم تعد تشير إلى غاية تستحق أن تُستخدم من أجلها.
ومن هنا يتجاوز العطل حدوده النفسية ليصبح عطلًا وجوديًا.
إنه يمس العلاقة بين الإنسان والعالم، وبين الإنسان ونفسه، وبين الإنسان والزمن.
فالزمن لم يعد وعدًا، والعمل لم يعد رسالة، والإنجاز لم يعد خلاصًا، بل تحولت جميعها إلى حركات تدور داخل دائرة مغلقة.
ولهذا يصبح السؤال اليومي أكثر قسوة من أي سؤال فلسفي مجرد:
ما الذي يدفعني إلى الاستمرار اليوم؟
إنه سؤال يتكرر كل صباح، لا لأن الإنسان يبحث عن إجابة نظرية، بل لأنه يحاول العثور على قوة بسيطة تمكنه من عبور يوم آخر.
وقد يجد هذه القوة في عمل، أو علاقة، أو عادة، أو مسؤولية، أو حتى في مجرد الرغبة في تأجيل المواجهة مع الفراغ.
لكن هذا الخطاب يرى أن هذه الدوافع ليست حلولًا نهائية، وإنما مسكنات تؤجل لحظة الاصطدام بالحقيقة التي يعتقد أنه أدركها.
فهي تمنح الإنسان القدرة على الاستمرار، لكنها لا تمنحه، في نظره، سببًا نهائيًا للاستمرار.
ومن هنا يصف المستيقظ نفسه بأنه يعيش على دوافع مؤقتة، تتبدل باستمرار، وتفقد أثرها بسرعة.
فالشيء الذي كان قادرًا على تحريكه بالأمس، قد يصبح اليوم عديم التأثير، وما كان يمنحه الحماس في الصباح قد يفقد معناه عند المساء.
ولهذا يجد نفسه في بحث دائم عن قوة جديدة تؤجل انهيار الحركة.
غير أن هذا البحث لا يهدف، في نظره، إلى اكتشاف معنى جديد، بل إلى إيجاد وقود مؤقت يكفي لمواصلة السير.
إنه يدرك أن الحركة لا تزال قائمة، لكنه لم يعد مقتنعًا بأنها تتجه إلى مقصد حقيقي.
وهكذا يتحول الوجود إلى سلسلة من الدوافع المؤقتة التي تؤخر التوقف، دون أن تلغيه.
ولذلك فإن العطل الوجودي، في هذا التصور، لا يعني أن الإنسان مات، بل يعني أنه فقد المبدأ الذي كان يمنح حياته اتجاهها، فأصبح يعيش بقوة الدفع المتبقية، منتظرًا أن تنفد، أو أن يظهر معنى جديد قادر على استعادة الحركة من جديد.
القيمة والوظيفة: هل يفقد الإنسان معناه إذا خرج من النظام؟
بعد الحديث عن العطل الوجودي، ينتقل هذا التصور إلى فكرة أكثر عمقًا، وهي العلاقة بين القيمة والوظيفة.
فالسؤال هنا لم يعد: لماذا يستمر الإنسان؟
بل أصبح: ما الذي يجعل الإنسان ذا قيمة أصلًا؟
يرى هذا الخطاب أن أغلب التصورات الشائعة عن القيمة الإنسانية ليست مستقلة كما تبدو، وإنما تنشأ داخل البنى التي ينتمي إليها الإنسان. فالفرد يوصف بأنه نافع، أو ناجح، أو مؤثر، أو صالح، لأنه يؤدي وظيفة معينة داخل منظومة اجتماعية أو اقتصادية أو ثقافية أو رمزية.
وبهذا المعنى، تصبح القيمة مرتبطة بالاستعمال.
فالشيء يكتسب أهميته لأنه يؤدي دورًا، ويُمنح مكانته لأنه يسهم في استمرار النظام الذي يحتويه. ومن ثم فإن اللغة التي تتحدث عن "القيمة"، و"الجدوى"، و"الإنتاج"، و"الوظيفة"، ليست ــ في هذا التصور ــ لغة بريئة، بل هي لغة تنتمي إلى النظام الذي يقيس الموجودات بما تؤديه من أدوار.
ومن هنا يبرز مفهوم "المصفوفة" بوصفه استعارة للنظام الكلي الذي يمنح الأشياء معانيها، ويحدد لكل عنصر موضعه ووظيفته.
فما دام الإنسان يؤدي دورًا داخل هذا النظام، فإنه يشعر بأنه ذو قيمة؛ لأنه ما يزال جزءًا من شبكة العلاقات التي تمنحه الاعتراف والغاية.
أما إذا خرج من هذه الشبكة، أو فقد إيمانه بها، فإن الإحساس بالقيمة يبدأ في التآكل.
ليس لأن الإنسان أصبح أقل قدرة أو أقل ذكاء، بل لأنه لم يعد يرى لنفسه وظيفة يمكن أن تمنحه معنى.
ولهذا يذهب هذا الخطاب إلى أن المستيقظ لا يشعر بأنه تحرر من النظام بقدر ما يشعر بأنه خرج من دائرة الاستعمال.
لقد أصبح، في نظر نفسه، كائنًا لا يؤدي وظيفة، ولا ينتظر منه أحد شيئًا، ولا يرى هو نفسه سببًا يجعله يؤدي دورًا ما.
ومن هنا ينشأ الإحساس بأن القيمة الشخصية قد تلاشت.
لكن هذا التصور يضيف خطوة أخرى أكثر جذرية.
فإذا كان الإنسان يرى نفسه بلا قيمة، فإنه لن يلبث أن ينظر إلى الآخرين بالطريقة نفسها.
إذ كيف يمنحهم معنى، وهو لم يعد يؤمن بوجود معنى أصلًا؟
وكيف يرى في أدوارهم حقيقة، وهو يعتبر تلك الأدوار مجرد وظائف داخل منظومة لا يعترف بشرعيتها؟
وهكذا لا يعود فقدان القيمة تجربة فردية، بل يتحول إلى رؤية شاملة للعالم.
إن الطبيب، والمعلم، والعامل، والسياسي، والفنان، بل وحتى الفيلسوف، لا يظهرون هنا بوصفهم أصحاب رسالات مستقلة، وإنما بوصفهم أجزاء تؤدي وظائف محددة داخل بناء أكبر منها.
فإذا فقد هذا البناء مشروعيته في نظر الإنسان، فقدت الأدوار التي يقوم عليها مشروعيتها أيضًا.
وعند هذه النقطة يصبح الحديث عن "المعنى" نفسه موضع مساءلة.
فالإنسان، وفق هذا التصور، لا يكتشف معنى جاهزًا في العالم، وإنما يمنحه العالم معنى بقدر ما يشارك في آلياته.
فإذا توقف عن المشاركة، أو لم يعد قادرًا على الإيمان بها، انقطع الرابط الذي كان يربطه بفكرة القيمة.
ولهذا يرى المستيقظ أن خروجه من "المصفوفة" لم يمنحه مكانة أعلى، كما يروّج بعض الخطابات، بل جرّده من الإحساس بكل مكانة.
إنه لم يخرج ليصبح سيدًا على النظام، بل خرج ليكتشف أنه لم يعد يجد لنفسه موضعًا داخله.
ومن هنا ينشأ تناقض عميق.
ففي الوقت الذي يتحدث فيه بعضهم عن اليقظة باعتبارها الطريق إلى اكتشاف الذات، يرى هذا التصور أنها قد تقود إلى النتيجة المعاكسة تمامًا؛ إذ يصبح الإنسان عاجزًا عن العثور على أي تعريف مستقر لذاته، لأنه فقد اللغة التي كان يعرف بها نفسه.
لقد كان يعرف نفسه من خلال أدواره، وعلاقاته، وأهدافه، ومكانته بين الناس.
فلما سقطت هذه جميعًا، لم يبق إلا السؤال العاري:
من أكون إذا لم أعد أؤدي أي وظيفة؟
وهذا السؤال، في نظر هذا الخطاب، ليس مجرد تأمل فلسفي، بل هو بداية أزمة وجودية عميقة، لأن الإنسان قد يتحمل فقدان النجاح، أو المكانة، أو الثروة، لكنه يجد صعوبة بالغة في احتمال الشعور بأنه أصبح خارج كل إطار يمنحه معنى.
ومن هنا لا يعود المستيقظ يطلب اعتراف الآخرين، ولا يسعى إلى إثبات ذاته، لأن المشكلة ــ في نظره ــ لم تعد في مقدار الاعتراف، بل في انهيار الأساس الذي يجعل الاعتراف نفسه ذا قيمة.
وهكذا يتحول فقدان الوظيفة، في مستواه الوجودي، إلى فقدان للمعنى، ويتحول فقدان المعنى إلى شعور بأن الإنسان، مهما فعل، لم يعد قادرًا على العثور على موضع حقيقي داخل العالم.
بين الوعد بالخلاص وصناعة الوهم: نقد خطاب التنمية الروحية
إذا انتهى هذا التصور إلى اعتبار أن الإنسان يفقد المعنى عندما تنهار الغايات، فإن من الطبيعي أن يتجه بعد ذلك إلى مساءلة الخطابات التي تعد الإنسان باستعادة ذلك المعنى.
ومن أبرز هذه الخطابات ما يُعرف اليوم بخطابات التنمية الذاتية، واليقظة الروحية، والطاقة الإيجابية، والتحرر الداخلي، وقوانين الجذب، وسائر الوعود التي تقدم نفسها باعتبارها طريقًا مختصرًا إلى السكينة أو الاكتمال.
إن الاعتراض الذي يطرحه هذا الخطاب لا يتوجه إلى الوسائل التي تقترحها تلك المدارس بقدر ما يتوجه إلى الفرضية التي تقوم عليها.
فهي تنطلق من افتراض أن الإنسان يعاني خللًا يمكن إصلاحه، وأن المشكلة تكمن في طريقة تفكيره، أو في مشاعره، أو في علاقته بنفسه، وأنه إذا أعاد ترتيب هذه العناصر استطاع أن يستعيد توازنه ويبلغ حياة أكثر امتلاءً.
غير أن هذا التصور يرى أن المشكلة أعمق من ذلك كله.
فإذا كان أصل الوجود نفسه هو موضع الإشكال، فإن تحسين التجربة داخل هذا الوجود لا يغير من طبيعة الإشكال شيئًا.
ولهذا تصبح الدعوة إلى "التفكير الإيجابي"، أو "رفع الذبذبات"، أو "اكتشاف الطاقة الكامنة"، أو "صناعة الواقع بالأفكار"، محاولات لتجميل البناء دون مساءلة أساسه.
إنها، في نظر هذا الخطاب، تعالج أعراضًا لا الأسباب، وتعيد ترتيب الزينة داخل البيت، بينما تترك السؤال عن البيت نفسه بلا جواب.
ولذلك يذهب هذا الخطاب إلى أن كثيرًا من هذه الوعود لا تختلف في بنيتها عن بقية الأوهام التي يعتمد عليها الإنسان ليستمر.
فهي لا تلغي الحاجة إلى الوهم، بل تمنحه لغة جديدة.
لقد كان الإنسان قديمًا يتشبث بصورة معينة للخلاص، أما اليوم فقد يتشبث بصورة أخرى أكثر حداثة، لكنه يظل يؤدي الوظيفة نفسها؛ أي تأجيل المواجهة مع الأسئلة التي لا يملك لها جوابًا.
ومن هنا ينظر هذا التصور بعين الشك إلى كل خطاب يعد الإنسان بأنه سيبلغ السلام الكامل، أو السعادة الدائمة، أو التحرر النهائي.
فكل وعد بالاكتمال يبدو، في نظره، امتدادًا للرغبة القديمة في الهروب من النقص، لا اكتشافًا لحقيقة الوجود.
ولذلك فإن الخطاب الذي يعد الإنسان بأنه سيصبح أكثر نجاحًا، أو أكثر جذبًا للفرص، أو أكثر قدرة على التحكم في مصيره، لا يُعد، وفق هذا المنظور، خروجًا من "المصفوفة"، بل إعادة إنتاج لها بلغة مختلفة.
إنه لا يهدم المنظومة، وإنما يمنحها وجهًا أكثر لطفًا، ويجعل الإنسان أكثر استعدادًا للاندماج فيها وهو يظن أنه قد تحرر منها.
ومن هنا تأتي السخرية من كثير من الشعارات التي تَعِدُ الإنسان بأن تغيير عاداته اليومية، أو ممارسة طقوس معينة، أو ترديد عبارات محددة، سيقوده إلى تحول وجودي شامل.
فالمشكلة، في نظر هذا الخطاب، ليست في ممارسة عادة أو ترك أخرى، وإنما في الاعتقاد بأن مثل هذه الوسائل قادرة على حل سؤال يتجاوزها جميعًا.
إن الإنسان قد يشعر براحة مؤقتة، وقد تتحسن حالته النفسية، وقد يخف توتره، وكل ذلك ممكن، لكن هذا لا يعني أن السؤال الوجودي قد وجد جوابه.
فالفرق كبير بين تخفيف الألم، وبين إزالة سببه.
وبين منح الإنسان قدرة أكبر على الاحتمال، وبين إثبات أن الوجود قد أصبح مفهومًا.
ولهذا يميز هذا التصور بين المسكن والحل.
فالمسكن قد يكون نافعًا، بل وقد يكون ضروريًا أحيانًا، لكنه لا ينبغي أن يُقدَّم على أنه نهاية الأزمة.
إنه يؤجل المواجهة، ولا يلغيها.
ومن هنا فإن المشكلة، في نظر هذا الخطاب، لا تكمن في أن الإنسان يبحث عن وسائل تعينه على الحياة، بل في أنه يخلط بين ما يساعده على الاستمرار، وبين ما يفسر له الوجود.
فالاستمرار شيء، والفهم شيء آخر.
وقد ينجح الإنسان في الأول، بينما يظل الثاني مفتوحًا بلا نهاية.
وهكذا ينتهي هذا النقد إلى نتيجة واحدة: إن الخطابات التي تعد الإنسان بالخلاص الكامل قد تمنحه عزاءً مؤقتًا، لكنها لا تقدم، في نظر هذه الرؤية، جوابًا نهائيًا عن السؤال الذي بدأ منه كل شيء: لماذا يوجد الإنسان أصلًا، وما الذي يجعل هناك غاية من إستمراره ؟

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق