بين المراجعة الأولى والمراجعة الثانية
تمر على الإنسان لحظات يظن فيها أنه استنفد جميع الاحتمالات الممكنة، وأنه لم يعد في الأفق ما يستحق المراجعة أو الانتظار. وقد وصلتُ أنا أيضًا إلى هذه المرحلة بعد مراجعة طويلة لما أسميته «الاحتمالات الكونية»، حيث حاولت إعادة النظر في الماضي، والوجود، والإنسان، وما يمكن أن يترتب على كل ذلك من نتائج.
في البداية، كنت أعتقد أن محاولة تطوير كل شيء مشروع محكوم عليه بالفشل، بل ربما هو أكثر المشاريع فشلًا؛ لأن الإنسان يستهلك نفسه في مقاومة قوالب قد تكون هي نفسها التي تحفظه من الضياع. وهي التي تقي الإنسان عناء الصراع المستمر مع كل شيء.
ولهذا أجريت مراجعة واسعة لجميع الاحتمالات التي استطعت تصورها، وكأنني أدخلت الكون كله في مصفوفة تحليل ضخمة. وبعد انتهاء هذه المراجعة الأولى، خرجت بنتيجة قاسية: كل الاحتمالات كانت تبدو سلبية، وكل الطرق كانت تؤدي إلى أبواب مغلقة، لأن الماضي كان يفرض سلطته على المستقبل، ويقيد كل إمكانية جديدة.
ولهذا ختمت تلك المراجعة بقناعة مؤلمة مفادها أن الأوان قد فات.
المراجعة الثانية... حين يظهر الاحتمال الذي لم يكن محسوبًا
لكن شيئًا ما دفعني إلى إعادة النظر مرة أخرى.
بدأت مراجعة ثانية، أكثر عمقًا وأطول زمنًا، استغرقت ساعات من التفكير المتواصل، وهي مدة غير مألوفة بالنسبة لي، لأنني في العادة لا أستهلك هذا القدر من الجهد الذهني في القضايا اليومية.
وأثناء هذه المراجعة حدث ما لم أكن أتوقعه.
لم تعد جميع الاحتمالات سلبية كما بدت في المرة الأولى، بل ظهر أمامي احتمال جديد. لم تختفِ الاحتمالات السلبية، لكنها لم تعد وحدها الموجودة، وإنما أصبحت تقابلها احتمالات إيجابية أيضًا.
وهنا أدركت أن الصورة الأولى لم تكن الصورة الوحيدة الممكنة.
فقد يكون هناك مستقبل يحمل الرضا والسكينة والنعيم، كما قد يكون هناك مستقبل آخر يحمل الحرمان والإغلاق. لم يعد الوجود طريقًا واحدًا مغلقًا، بل أصبح مجالًا تتعايش فيه الإمكانات المختلفة.
وكان مجرد وجود احتمال إيجابي واحد كافيًا لتغيير نظرتي كلها.
لا يوجد عائق إلا ويحمل معه إمكان تجاوزه
كلما تعمقت في هذه المراجعة، ازداد اقتناعي بأن الأشياء ليست مغلقة كما تبدو.
فلا يوجد عائق إلا ويحمل معه إمكانية تجاوزه، ولا توجد مشكلة إلا وتتضمن في داخلها بذرة حلها، ولا يوجد عسر إلا ويجاوره يسر، كما أن الماضي، مهما كان ثقيلًا، لا يمنع بالضرورة وجود مستقبل مختلف.
ومن هنا بدأ الأمل يتسلل من جديد.
ليس لأن الواقع تغير فجأة، بل لأنني اكتشفت أن استبعاد جميع الاحتمالات الإيجابية كان حكمًا متسرعًا. فطالما بقي باب واحد مفتوحًا، فإن القول بانتهاء كل شيء يصبح ادعاءً لا يمكن الجزم به.
ولهذا شعرت لأول مرة بأن الكون ليس سجنًا مغلقًا بين قوسين ضخمين، ولا نظامًا يمنع الحركة بالكامل، بل فضاء لا تزال فيه إمكانيات لم تُكتشف بعد.
العطايا التي لا تخضع لمنطق المقابل
ومن أهم ما كشفته هذه المراجعة أنني كنت أنظر إلى الوجود كله بمنطق المقابل.
كنت أعتقد أن كل شيء مشروط بثمن، وأن كل نعمة لا بد أن تُكتسب باستحقاق سابق، وأن كل نتيجة مرتبطة بسبب ملزم.
لكنني وجدت احتمالًا آخر.
وجدت أن في هذا الوجود أشياء تُمنح دون مقابل.
وهذه الفكرة بدت مختلفة عن كل ما سبق؛ لأن ما يُعطى بلا مقابل لا يخضع للقيود نفسها التي تخضع لها الأشياء الأخرى.
فإذا كانت هناك عطايا مجانية، فهذا يعني أن الوجود لا تحكمه القيود وحدها، وأن بعض الإمكانات لا ترتبط بالماضي، ولا تُقاس بحسابات الاستحقاق، ولا تُغلق بسبب الأخطاء السابقة.
وعندها أدركت أن احتمالًا سلبيًا قد ينقلب في أي لحظة إلى احتمال إيجابي، ليس لأن الماضي تغير، بل لأن الوجود قد يحتوي على مساحة لا تخضع أصلًا لمنطق المقابل.
الخوف... حين يحرم الإنسان نفسه مما هو مجاني
وفي تلك اللحظة فهمت شيئًا آخر.
إن الخوف لا يمنع الإنسان من الأشياء الصعبة فقط، بل قد يمنعه أيضًا من استقبال الأشياء المجانية.
فالإنسان الذي يعيش أسير فكرة أن كل شيء يجب أن يكون له ثمن، يعجز عن رؤية ما يمكن أن يُمنح دون مقابل.
وهكذا يصبح هو نفسه من يغلق الباب الذي لم يكن مغلقًا أصلًا.
ومن هنا بدأت أرى أن إدراك مجانية بعض وجوه الوجود ليس فكرة عاطفية، بل مفتاح يغيّر طريقة قراءة الحياة كلها؛ لأنه يفتح مجالًا لاحتمالات لم تكن مرئية من قبل، ويمنح المستقبل مساحة لا يستطيع الماضي أن يحتكرها بالكامل.
وهكذا لم يعد السؤال بالنسبة إليّ: هل انتهى كل شيء؟
بل أصبح السؤال الحقيقي: ماذا لو كان لا يزال هناك احتمال لم أره بعد؟
الاحتمال السلبي... حين يصبح الوجود بلا مبرر
خلال تلك المراجعة، لم تكن جميع الصور التي رأيتها متشابهة.
ففي بعض الاحتمالات وجدت نفسي داخل عالم يختنق بالسلبية؛ عالم يسوده الخراب، وتنتشر فيه الدماء، ويغمره البرد والقسوة، حتى بدا وكأنه يحتضر أمام عيني. ولم يكن أكثر ما يؤلمني في ذلك المشهد هو ما أراه من خراب، بل عجزي عن العثور على مبرر واحد يجعل الوجود مستساغًا من جديد.
كان الشعور أشبه بسجن أبدي لا باب له، وبقيد لا يمكن كسره، حتى أصبحت الحرية نفسها تبدو مستحيلة.
وفي تلك الحالة لم يعد السوء مجرد ظرف أعيشه، بل تحول إلى شعور بأنني أنا نفسي سيئ، وأن وجودي كله فقد معناه، حتى أصبح كل نَفَسٍ جديد عبئًا إضافيًا، وكأن استمرار الحياة ليس إلا إطالة لمعاناة لا نهاية لها.
وكانت المفارقة المؤلمة أنني، رغم لعني لهذا الوجود، كنت أخاف فقدانه في الوقت نفسه. فكنت أرفضه، لكنني عاجز عن الانفصال عنه، وكأنني مضطر إلى استكمال طريق لا أريده، أقتل فيه نفسي ببطء، دون أن أجد وسيلة أخرى للخروج.
الاحتمال الإيجابي... حين يصبح الوجود شاهدًا على صاحبه
لكن الصورة لم تتوقف عند هذا الحد.
ففي المقابل ظهر احتمال آخر مختلف تمامًا.
وجدت نفسي فيه رمزًا للبهجة، وشاهدًا على المجد، وكأن الوجود كله يتحرك في انسجام معي، لا ضدي. لم يكن الأمر مجرد شعور عابر بالسعادة، بل إحساس بأن كل شيء من حولي يشهد لوجودي، ويرحب به، ويؤكد معناه.
لم يعد الوجود خصمًا، بل أصبح شريكًا.
ولم تعد الحياة ساحة صراع دائم، بل فضاءً يمكن أن ينسجم فيه الإنسان مع العالم دون أن يفقد ذاته.
في تلك اللحظة لم أعد أبحث عن مبرر للحياة، لأن الحياة نفسها أصبحت تقدم مبرراتها من داخلها.
وهنا فهمت الفرق بين الاحتمالين.
فالفرق لم يكن في تغير العالم، بل في تغير زاوية الرؤية التي يُقرأ بها العالم.
حين يكون الإنسان هو من يقطع الأمل عن نفسه
بعد ذلك عدت لأنظر إلى الاحتمال السلبي من الخارج، وكأنني أراقب نفسي من مسافة بعيدة.
وسألت سؤالًا بسيطًا:
ما الذي كان يعذبني فعلًا؟
فاكتشفت أن أكثر ما كان يؤذيني لم يكن الماضي، ولا الظروف، ولا الوجود، وإنما الطريقة التي كنت أتعامل بها مع نفسي.
كنت أنا من يقطع الأمل عن نفسه.
وكلما قطعت الأمل، انسحبت الثقة أيضًا.
وكلما انسحبت الثقة، بدأت أفرض على نفسي تكاليف لا يحتملها إنسان، وأطالبها بأثمان باهظة، وأحاسبها وكأنها كائن آخر منفصل عني.
كنت أجرح نفسي، ثم أتصرف وكأنني لست المجروح.
أكون أنا الجارح، ثم أنكر أنني أنا أيضًا الضحية.
وبهذا الانقسام الداخلي كنت أضاعف الألم، لأن الإنسان عندما ينفصل عن نفسه، يصبح قادرًا على ظلمها أكثر مما يظلمه أي شيء خارجي.
السجن الحقيقي هو التخلي عن الذات
وهكذا أدركت حقيقة لم تكن واضحة لي من قبل.
إن السبب الذي أبقاني داخل الاحتمال السلبي لم يكن قوة ذلك الاحتمال، بل تخليَّ أنا عن نفسي داخله.
كنت أبحث عن منقذ خارج ذاتي، بينما كنت أنا أول من تركها تواجه مصيرها وحدها.
وحين اعترفت بذلك، تغيرت طريقة فهمي لكل ما سبق.
لم يعد السجن هو العالم.
ولم تعد القيود هي الماضي.
بل أصبح السجن الحقيقي هو أن يتخلى الإنسان عن نفسه، وأن يقتنع بأنها لا تستحق الخلاص، وأن يعيش منفصلًا عنها، حتى وهو يسكنها.
وعند هذه النقطة بدأ يتولد لدي يقين جديد.
ربما لم يفت الأوان بعد.
وربما لا يزال هناك طريق يتجاوز كل حاجز، مهما بدا مستحيلًا.
فالوجود، مهما ازدحم بالعوائق، لا يستطيع أن يمنع الإنسان من استعادة نفسه إذا توقف عن التخلي عنها.
وهكذا لم تعد القضية بالنسبة إليّ هي البحث عن باب مفتوح في العالم، بل البحث عن الباب الذي أغلقته أنا في داخلي، لأن فتح هذا الباب قد يكون بداية الخروج من جميع الأبواب المغلقة الأخرى.
من مقاومة النظام إلى اكتشاف الانتماء إليه
بعد هذه الرحلة الطويلة من المراجعة، وجدت نفسي أصل إلى نتيجة لم أكن أتوقعها يومًا.
كنت أظن أنني في صراع مع ما أسميه «المصفوفة»، أو النظام الذي ينظم الوجود، وأن هذا النظام هو الذي يفرض علي القيود، ويمنعني من التحرر، ويغلق أمامي الأبواب.
لكن كلما تعمقت في المراجعة، بدأت أكتشف أن هذا التصور نفسه يحتاج إلى مراجعة.
فلم أعد أرى النظام باعتباره شيئًا يقف في مواجهتي، بل بدأت أراه شيئًا أنتمي إليه في الأصل.
بل أكثر من ذلك، أدركت أنني لم أكن مجرد عنصر داخل هذا النظام، وإنما جزء من بنيته الأصيلة.
ومن هنا بدأت تتغير طبيعة الصراع كله.
لم يعد السؤال: كيف أخرج من النظام؟
بل أصبح السؤال: كيف أتصور أنني خارج شيء أنا في الأصل من نسيجه؟
المصفوفة ليست خصمًا... بل هي الأصل الذي أنتمي إليه
كانت هذه من أكثر النتائج التي واجهتني صعوبة في قبولها.
لطالما تصورت أن النظام هو السجن، وأنني الضحية.
لكنني وجدت أن هذا الفصل بيني وبين النظام كان هو نفسه مصدر الوهم.
فأنا لست كائنًا طارئًا دخل إلى هذا النظام صدفة، ولست جسمًا غريبًا يحاول التكيف مع بيئة لا تمثله، بل إن وجودي نفسه قائم داخل هذا النظام ومنه.
ولهذا لم أعد أستطيع النظر إلى المصفوفة بوصفها قوة معادية، لأن خصومتي معها كانت تعني خصومة مع الأصل الذي أنتمي إليه.
وهكذا تبدلت الرؤية.
لم أعد أرى نفسي في مواجهة النظام، وإنما أراه الامتداد الذي يمنح وجودي معناه.
البرمجة الأصلية... الكمال الذي كان محجوبًا
وفي أثناء هذه المراجعة ظهرت أمامي فكرة أخرى أكثر عمقًا.
وجدت أنني كنت أعيش سنوات طويلة وأنا أصدق أن أصل البرمجة قد يكون معيبًا، وأن الخلل متجذر في البنية الأولى.
لكنني اكتشفت أن هذا الاعتقاد نفسه كان نتيجة تشويه متواصل للرؤية.
فكلما كنت أرى العيوب المنتشرة حولي، كنت أسقطها على الأصل، حتى أصبحت أظن أن البرمجة نفسها معيبة.
ثم بدأت الصورة تنقلب.
أدركت أن العيب الذي كنت أراه لم يكن في أصل البرمجة، وإنما في القراءة التي كنت أقدمها لها.
أما الأصل نفسه، فقد بدا لي كاملًا، متماسكًا، لا يقبل العطب.
ولذلك وجدت نفسي أصل إلى قناعة مفادها أن هناك برمجة أصلية مكتملة، لا نقص فيها، ولا فساد، ولا اضطراب.
لماذا كنت أرى العيب؟
كان السؤال الذي فرض نفسه بعد ذلك هو:
إذا كانت البرمجة الأصلية كاملة، فلماذا كنت أرى كل هذا النقص؟
وجدت أن السبب لم يكن في البرمجة، وإنما في أن العيب يمتلك قدرة غريبة على إسقاط نفسه على غيره.
فالإنسان حين يمتلئ بالنقص، يبدأ في رؤية النقص في كل شيء.
وحين يعيش التشوه، يصبح عاجزًا عن رؤية السلامة.
وهكذا كنت أحمّل الأصل ما لم يكن فيه أصلًا.
ولم يكن ذلك لأن الأصل ناقص، بل لأن رؤيتي كانت قد أصبحت أسيرة لما تراه من مظاهر الخلل.
الكمال لا يُقاس بانتشار العيوب
ومن هنا أصبحت أنظر إلى المسألة بطريقة مختلفة.
فالوجود لا يصبح ناقصًا لمجرد أن الإنسان يرى فيه مظاهر النقص، كما أن البرمجة لا تصبح معيبة لأن بعض نتائجها تبدو مشوشة.
إن الأصل الكامل لا يفقد كماله بسبب سوء القراءة.
ولهذا بدأت أؤمن أن الخير الذي يشهده العالم لا يمكن أن يصدر عن أصل مختل، لأن البناء الذي يقوم على نقص مطلق لا يستطيع أن ينتج انسجامًا حقيقيًا.
أما وجود الخير، والنظام، والاتساق، فهو في نظري شهادة على أن هناك أصلًا سليمًا سبق كل اضطراب لاحق.
بين الدعوة إلى التحرر والحنين إلى النظام
في تلك المرحلة بدأت أراجع أيضًا موقفي من الدعوات التي تنادي بالتحرر المطلق، والخروج من كل القواعد، وكسر جميع البنى.
واكتشفت أنني، رغم مروري بفترات طويلة من الفوضى الفكرية والوجودية، لم أجد يومًا راحة حقيقية في هذه الدعوات.
لقد جربت الفوضى.
وجربت أن أعيش بعيدًا عن كل نظام.
لكنني لم أجد فيها طمأنينة، ولا شعورًا بالاستقرار.
وفي المقابل، كنت أجد راحة عميقة في أبسط صور الالتزام.
كنت أشعر بأن رعاية شتلة صغيرة، والالتزام بسقيها كل يوم، يمنحني معنى لا تمنحه لي دعوات التحرر اللامحدود.
وكان هذا الالتزام البسيط يساوي في داخلي متعة أسفار كثيرة، لأنه يربطني بشيء ينمو، ويتطور، ويستجيب للعناية.
وعلى العكس من ذلك، كلما كنت سببًا في إفساد شيء جميل، كان ينتابني شعور عميق بالعار، وكأنني أنا مصدر ذلك الفساد الذي كنت أظنه قائمًا في الوجود كله.
وعندها بدأت أفهم أن المشكلة لم تكن في النظام، وإنما في الطريقة التي كنت أنظر بها إليه.
فكلما اقتربت من النظام ازددت سكينة، وكلما انغمست في الفوضى ازددت اغترابًا عن نفسي.
ولهذا لم يعد النظام بالنسبة إليّ رمزًا للقيد، بل أصبح رمزًا للانسجام، وللقدرة على حفظ الأشياء من التشتت والانهيار.
الانسجام بوصفه أعلى صور الرقي
كلما تعمقت في مراجعة تجربتي، ازداد اقتناعي بأن ما كنت أسميه «النظام» لم يكن يومًا نقيضًا للحياة، بل كان شرطًا من شروط ازدهارها.
فالوجود لا يستقيم بالفوضى، وإنما بالانسجام.
وليس المقصود بالانسجام مجرد الالتزام بقواعد خارجية، بل أن تعمل العناصر المختلفة وفق حس واحد، بحيث لا يلغي أحدها الآخر، ولا تتحول الكثرة إلى صراع، بل إلى وحدة تؤدي غاية مشتركة.
ولهذا بدأت أرى أن الرقي الحقيقي لا يكمن في التخلص من البرمجة، وإنما في التماهي مع البرمجة السليمة، لأنها هي التي تجعل الأشياء المختلفة قادرة على العمل معًا دون أن تفقد خصوصيتها.
البرمجة ليست نقيض الحرية
كثيرًا ما تُقدَّم البرمجة بوصفها قيدًا، ويُصوَّر التحرر منها على أنه ذروة الوعي.
لكنني وجدت أن هذا التصور يعكس فهمًا ناقصًا لمعنى البرمجة.
فالإنسان، حتى عندما يدعو إلى التحرر من كل نظام، لا يستطيع أن يعبر عن دعوته إلا من خلال نظام.
إن اللغة التي يتحدث بها، والمنطق الذي يرتب به أفكاره، وتسلسل عباراته، كلها أشكال من البرمجة.
ولو غابت هذه البنية المنظمة، لما استطاع أن يقول شيئًا أصلًا.
ولهذا فإن الدعوة إلى الخروج الكامل من البرمجة تحمل تناقضًا داخليًا؛ لأنها تستخدم البرمجة نفسها لتعلن رفضها لها.
الجسد... البرهان الأول
ولعل أوضح شاهد على ذلك هو الإنسان نفسه.
فالجسد لا يعمل لأن أعضاءه مستقلة، بل لأنه يعمل كوحدة واحدة.
لا يشعر الإنسان أن أعضاءه تتصارع فيما بينها، ولا أن كل عضو يفرض منطقه الخاص، وإنما تتحرك جميعها وفق نظام واحد يجعل الكثرة تظهر في صورة وحدة.
ولهذا عندما يتكلم الإنسان، لا يبدو كأن عشرات الأصوات تتحدث في الوقت نفسه، بل يسمع السامع صوتًا واحدًا، رغم أن وراء هذا الصوت منظومة كاملة من العمليات المتناسقة.
وهذا التناسق ليس قيدًا، وإنما هو الذي يجعل الحياة ممكنة.
الموسيقى والضجيج
ومن هنا أدركت أن الفرق بين الموسيقى والضجيج ليس في عدد الأصوات، ولا في ارتفاعها.
فالضجيج قد يتكون من أصوات كثيرة، كما قد تتكون الموسيقى من العدد نفسه من الأصوات.
لكن الموسيقى تتميز لأنها تخضع لإيقاع واحد، بينما الضجيج هو اجتماع أصوات لا يجمعها نظام.
فالذي يمنح اللحن جماله ليس كثرة النغمات، وإنما العلاقة التي تربط بينها.
وهكذا يصبح النظام هو الذي يحول الكثرة إلى انسجام، كما أن غيابه يحولها إلى فوضى.
مثال الطريق... حين تتحول البرمجة إلى أخلاق
ولم يكن هذا المعنى مجرد تأمل نظري.
كنت أراه في أبسط تفاصيل الحياة اليومية.
فعندما يقود الناس سياراتهم، تختلف دوافعهم ووجهاتهم، وقد يسعى بعضهم إلى السرعة أو التميز أو التفوق.
أما أكثر ما كان يلفت انتباهي، فهو تلك اللحظة التي يتصرف فيها الجميع بحس واحد.
حين يحترم كل سائق دوره، ويتوقف عند الإشارة، ويترك للآخرين حقهم في المرور، ويتعامل مع الطريق باعتباره مساحة مشتركة لا ميدانًا للصراع.
في تلك اللحظات كنت أشعر بأنني أمام صورة راقية من صور الوعي.
فالذي يتحرك وفق هذا الحس المشترك لا يفقد حريته، وإنما يجعل حريته قابلة للتعايش مع حرية الآخرين.
وهذا الانسجام لا ينشأ من الفوضى، بل من وجود نظام يتفق الجميع على احترامه.
الهندسة بوصفها لغة الوجود
ومن هنا بدأت أنظر إلى الهندسة نظرة مختلفة.
لم تعد مجرد خطوط وأشكال أو قوانين رياضية، بل أصبحت اللغة التي يتجلى بها النظام في العالم.
فالهندسة ليست بناء الجدران فقط، وإنما هي المبدأ الذي يجعل الأشياء قابلة للاتساق.
ولهذا لم أعد أرى البرمجة والهندسة شيئًا منفصلًا، بل وجهين لحقيقة واحدة.
ومن هذا المنطلق لم يعد المشروع الأكبر هو التخلص من البرمجة، وإنما الاستثمار فيها، لأن البناء لا يقوم إلا على أساس متماسك، ولأن النظام السليم ليس عدوًا للحياة، بل هو الذي يمنحها القدرة على النمو، ويحفظها من أن تتحول إلى فوضى تلتهم نفسها بنفسها.
الهندسة الكاملة... حين يكون الأصل أبعد من الفساد
بعد أن أصبحت أنظر إلى النظام بوصفه أصلًا لا خصمًا، بدأت أراجع فكرة أخرى لازمتني سنوات طويلة، وهي أن الخلل قد يكون كامنًا في أصل البناء نفسه.
لكن هذه الفكرة أخذت تتهاوى شيئًا فشيئًا.
فكلما تأملت الوجود، ازداد اقتناعي بأن العيب لا ينتمي إلى الهندسة الكاملة، وإنما ينشأ عندما تغيب هذه الهندسة أو لا تكتمل.
فالفساد لا يصنع النظام، وإنما يظهر حيث يضعف النظام، كما أن الانهيار لا يكون دليلًا على خطأ البناء في ذاته، بل قد يكون نتيجة الابتعاد عن صورته المكتملة.
ولهذا لم أعد أرى الخير استثناءً داخل عالم فاسد، بل أصبحت أراه أثرًا من آثار وجود هندسة أصيلة لا يزال العالم يحتفظ بشيء منها.
الكمال ليس هشًّا
من أكثر الأفكار التي بدلت رؤيتي أنني كنت أتعامل مع الكمال كما لو أنه شيء هش، يكفي أن تمسه عثرة حتى ينهار إلى الأبد.
لكنني وجدت أن هذا التصور نفسه يحمل تناقضًا.
فما كان كاملًا بحق، لا يفقد كماله بسهولة، وما كان قائمًا على أساس راسخ، لا ينهار بسبب اضطراب عابر.
إن الكمال الحقيقي لا يقوم على توازن مؤقت، بل على بنية قادرة على حفظ نفسها.
ومن هنا لم يعد الخوف من انهيار الأصل هو الذي يحكم رؤيتي، لأن الأصل، إذا كان كاملًا، لا يصبح ناقصًا لمجرد أن بعض مظاهره تعرضت للتشويه.
لماذا لم أستطع الإيمان بالفوضى؟
عندما عدت أتأمل حياتي منذ بدايتها، اكتشفت أنني، حتى في أكثر مراحل الاضطراب، لم أكن مفتونًا بالفوضى.
ربما دخلت إليها، وربما عشت داخلها فترة طويلة، لكنني لم أحبها يومًا.
كنت أبحث دائمًا عن الصورة التي تنتظم فيها الأشياء، وعن البناء الذي تتكامل فيه الأجزاء، وعن العلاقات التي تجعل الكثرة تتحول إلى وحدة.
ولهذا كنت أشعر أن كل دعوة تجعل الفوضى غاية في ذاتها لا تستطيع أن تمنحني السكينة.
فالفوضى قد تغري الإنسان من بعيد، لأنها توهمه بأنها تحرره من كل قيد، لكنها عندما تصبح أسلوبًا للحياة، لا تمنحه إلا مزيدًا من الضياع.
أما النظام، فلم يعد بالنسبة إلي مجرد قانون، بل أصبح البيئة التي يمكن للمعنى أن يعيش فيها.
مستويات لا نهائية من البناء
ثم ظهرت أمامي فكرة أخرى.
لقد كنت أتعامل مع الوجود وكأنه يقوم على مستوى واحد، فإذا فسد هذا المستوى انهار كل شيء.
لكنني لم أعد أرى الأمر كذلك.
أصبحت أتصور أن البناء أعمق من ذلك بكثير.
فكما أن الحكمة ليست درجة واحدة، كذلك الخلق ليس مستوى واحدًا، وكذلك الرحمة، والضبط، والإتقان.
هناك مستويات لا نهائية من البناء، تتداخل فيما بينها، وتحفظ بعضها بعضًا.
ومن هنا لم يعد انهيار مستوى معين يعني انهيار المشروع كله.
بل قد يكون هناك مستوى أعلى يحفظ ما دونه، ومستوى آخر يحمي ما قبله، حتى يصبح الفساد عاجزًا عن ابتلاع الأصل بأكمله.
ليس كل البيض في سلة واحدة
وهنا أدركت المعنى الذي كنت أبحث عنه طويلًا.
لقد كنت أخاف أن يكون الكون كله أشبه بسلة واحدة، إذا أصابها الفساد ضاع كل شيء معها.
ولو كان الأمر كذلك، لما بقي هناك أي مبرر للمحافظة على الخير، لأن النهاية ستكون واحدة.
لكنني لم أعد أرى العالم بهذه الصورة.
أصبحت أرى أن البناء موزع، وأن الخير لا يعتمد على نقطة واحدة، وأن إمكانات الوجود لا تجتمع كلها في موضع واحد حتى يكون انهيار ذلك الموضع نهاية لكل شيء.
وهذا الفهم منحني شعورًا جديدًا بالأمان.
فإذا لم يكن الوجود قائمًا على احتمال واحد، فإن الفساد لن يستطيع أن يلتهم كل الإمكانات دفعة واحدة.
وهكذا أصبح الحفاظ على ما هو صالح أمرًا ذا معنى، لأن الخير لا يعيش داخل سلة واحدة مهددة بالسقوط، بل داخل بناء واسع تتوزع فيه عناصر الحماية والحفظ.
الفصل ليس عقوبة... بل تدبير
ومن هنا تغيرت أيضًا نظرتي إلى التمايز بين الموجودات.
كنت أظن أن انفصال الأشياء عن بعضها نوع من الحرمان أو التقييد.
لكنني بدأت أراه بصورة مختلفة.
فالفصل بين الموجودات قد يكون صورة من صور الحكمة، لا من صور العقوبة.
إن توزيع الموجودات، وعدم امتزاجها امتزاجًا يلغي حدودها، يمنع أن ينتقل الفساد من جزء إلى الجميع دفعة واحدة.
وبهذا يصبح التمايز وسيلة للحفظ، لا وسيلة للتفريق.
ولعل الحكمة في ذلك أن يلتقي ما يصلح للالتقاء، وأن يبقى ما يفسد بعيدًا حتى لا يتحول فساده إلى فساد شامل.
وعند هذه النقطة لم أعد أنظر إلى النظام بوصفه قوة تمنع الاجتماع، بل بوصفه حكمة تحفظ إمكان الاجتماع الصحيح.
فما كان صالحًا سيلتقي في النهاية، وما كان فاسدًا، فإن عدم اجتماعه قد يكون في ذاته صورة من صور الرحمة والحفظ.
وهكذا لم تعد الهندسة بالنسبة إلي مجرد تنظيم للأشياء، بل أصبحت التعبير الأعمق عن الحكمة التي تمنع المشروع كله من الانهيار، وتجعل الخير قادرًا على الاستمرار مهما ظهرت في الطريق وجوه متعددة للفساد.
خاتمة: لا شيء شكليٌّ فقط
عندما نتأمل أي بناء متماسك، فإننا لا نرى حجارة متجاورة فحسب، بل نرى علاقة تربط أجزاءه بعضها ببعض.
والهندسة ليست مجرد ترتيب للعناصر، وإنما هي التعبير المرئي عن نظام غير مرئي.
ولهذا فإن القيود الشكلية ليست قيودًا اعتباطية، بل إشارات إلى انتظام أعمق.
إنها تقول إن الأشياء لم تجتمع مصادفة، ولم تستمر عبثًا، وإنما تربطها وحدة تجعل لكل جزء مكانه، ولكل علاقة معناها.
ومن هنا يصبح الشكل نفسه لغة باطنية.
فلا يوجد شكل خالص منفصل عن المعنى، كما لا يوجد معنى يستطيع أن يستغني عن صورة يتجلى بها.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق