شعار الموقع لنسخة الدارك مود

شعار الموقع لنسخة الدارك مود

حين يصبح التحرر بابًا إلى العذاب

 الحرية والعذاب: هل الخروج عن القيد هو بداية الألم؟

تدفع الرغبة في الحرية الإنسان أحيانًا إلى أن يلقي بنفسه في التهلكة. ولعلّ هذه اللهفة العميقة إلى التحرر هي أقوى دافع يجعل الإنسان يسير نحو الهاوية وهو يظن أنه يتجه نحو الخلاص. فالسؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس سؤالًا عابرًا، بل هو من أكثر الأسئلة حضورًا في مختلف مناحي الفكر الإنساني، سواء انتبه الإنسان إليه أم لم ينتبه.

لماذا نتعذب بمجرد خروجنا عن القيد؟

وهذا السؤال هو نفسه الذي يظهر في صور متعددة، كأن يتساءل الإنسان: لماذا قد يعاقبنا الله إذا عصيناه؟ ولماذا يوجد جزاء على مخالفة الأوامر أو التشريعات أو التكاليف؟ ولماذا يبدو أن كل خروج عن الحدود المرسومة يقود إلى نوع من الألم أو العقوبة؟

بعد مراجعات وتأملات طويلة، لم أجد أن العذاب يُفرض على الإنسان لمجرد الرغبة في تعذيبه، بل وجدت أن المشكلة أعمق من ذلك بكثير. فقد انتهيت إلى نتيجة مفادها أن العذاب، إذا فُكِّك مفهومه إلى أبعد حد، يكاد يكون هو نفسه الحرية. فلا أرى فرقًا جوهريًا بين العذاب والحرية، لأن الإنسان بمجرد خروجه عن القيد يدخل مباشرة إلى مساحة العذاب، حتى وإن أعاد تسمية هذا العذاب بأسماء أخرى، وعلى رأسها اسم "الحرية".

فالحرية، بهذا المعنى، ليست سوى حرية اختيار شكل العذاب الذي سيعيشه الإنسان. وما إن يتحرر من قيد حتى يجد نفسه أمام أبواب متعددة للألم، يختار بينها كما يشاء، لكنه لا يخرج منها جميعًا. فهو ينتقل من صورة من صور العذاب إلى صورة أخرى، ويظن في كل مرة أنه اقترب من التحرر، بينما هو في الحقيقة ينتقل بين أبواب مختلفة للعذاب نفسه.

ومع مرور السنوات، وكلما ازدادت ملاحظتي للحياة وتأملي فيها، ازددت اقتناعًا بأن النعم كلها مقيدة، حتى إني أكاد أجزم بأنه لا توجد نعمة واحدة غير مقيدة. وهذا ينسجم مع الفكرة السابقة؛ فالعذاب حر، أما النعمة فمقيدة.

فإذا أراد الإنسان أن يتنعم، فعليه أن يقبل القيد، أما إذا أراد أن يتحرر من كل قيد، فإنه يفتح الباب أمام العذاب. فالتحرر لا يمنحه النعيم، وإنما يمنحه حرية اختيار الطريقة التي سيتعذب بها.

الحرية بوصفها وجهًا آخر للعذاب

ومن هنا بدأت ألاحظ أن الإنسان لا يطلب الحرية إلا عندما يكون متعذبًا. أما إذا كان منعمًا حقًا، فإنه لا يشعر بحاجة ملحة إلى التحرر. فالإنسان السعيد لا تشغله الحرية بالقدر الذي تشغل من يعيش الضيق والألم، لأن طلب الحرية ينشأ أصلًا من الإحساس بأن القيد أصبح مؤلمًا.

وبذلك تصبح الحرية والعذاب متلازمين؛ فمجرد طلب الحرية يكشف عن وجود عذاب سابق، ومجرد السعي إلى كسر القيد يدل على أن الإنسان لم يعد يحتمل ذلك القيد. ولذلك فإن الرغبة في التحرر ليست دليلًا على النعيم، بل هي في كثير من الأحيان دليل على المعاناة.

وقد انتهيت كذلك إلى ملاحظة شخصية وجدتها تتكرر في حياتي كلما جربت قدرًا من الحرية، ولو كان نسبيًا. فلم أشعر يومًا بأن الحرية وحدها أشبعتني أو منحتني الاكتمال، بل وجدت أنني كلما اتسعت مساحة حريتي ازداد شعوري بالنقص. وكأن الحرية نفسها تولد إحساسًا دائمًا بعدم الاكتفاء، فلا يصل الإنسان معها إلى حالة من التشبع أو الاستقرار.

بل إنني وجدت نفسي، في أحيان كثيرة، أعذب نفسي لمجرد أنني حر. وكأن العذاب يصبح الوسيلة التي يثبت بها الإنسان لنفسه أنه ما زال يمتلك حرية الاختيار. لذلك لم أعد أرى أن الحرية تقود بالضرورة إلى السلام، بل كثيرًا ما تقود إلى استمرار البحث، واستمرار النقص، واستمرار الحركة التي لا تبلغ غايتها.

ومن هنا بدأت ألاحظ الفرق بين الإنسان المتقيد والإنسان المتحرر. فقد رأيت العلاقات الحرة، والعلاقات المقيدة، ورأيت الجنس حين يُفهم بوصفه حرية مطلقة، وحين يُفهم في إطار القيد، ورأيت الإنسان الذي يعيش بلا حدود، والإنسان الذي اختار لنفسه حدودًا يلتزم بها. وبعد مراقبة طويلة لم أجد في البشر جميعًا منزلة أرقى من منزلة الإنسان الذي يتقيد طواعية.

القيد المختار وميلاد القيمة

إن قيمة التقيد لا تكمن في الإكراه، وإنما في الاختيار. فالإنسان الذي يستطيع ألا يلتزم ثم يلتزم بإرادته، أو يستطيع ألا يحضر ثم يحضر وفاءً بوعده، أو يستطيع أن يتخلف عن مسؤولياته ثم يؤديها رغم عدم وجود من يجبره عليها، يحمل في سلوكه صورة من صور الرقي الإنساني.

ولهذا نجد أن الإنسان إذا تأخر عن موعد قد يُعذر، ومع ذلك يحرص على ألا يتأخر. ونجد من يؤدي المعروف مع أنه غير ملزم به، ومن يفي بالعهد مع أن بإمكانه الإفلات منه. وهذه الصور لا تعكس مجرد الانضباط، بل تعكس اختيار الإنسان للقيد بإرادته، وهو ما يجعل هذا القيد مصدرًا للقيمة لا مصدرًا للإهانة.

وفي المقابل، كلما ازداد الإنسان تحررًا من كل قيد، وجدت أن جديته تتناقص، وأن قيمته في نظر نفسه وفي نظر الآخرين تبدأ بالتراجع. وكأن التحرر المطلق يجعله يفقد شيئًا فشيئًا ثقله ومعناه، حتى يبدو كمن يهوي إلى الأسفل بلا مقاومة، مثل سهم في البورصة يواصل الهبوط دون أن يجد نقطة يتوقف عندها.

ولهذا كنت أجد الإنسان المتحرر في حالة عذاب دائم، ولم أجد فرحًا حرًا بالمعنى الكامل للكلمة. فكل صور الفرح التي تأملتها وجدتها مرتبطة بقيد ما، أو بعلاقة ما، أو بمسؤولية ما، أو بهدف يفرض على الإنسان حدودًا يتحرك داخلها. أما الفرح المنفصل عن كل قيد فلم أجده، مهما بحثت عنه.

ولم تكن هذه نتيجة مبنية على موقف عابر أو تجربة محدودة، وإنما جاءت بعد ملاحظة متكررة لمواقف الحياة المختلفة. وكلما ازداد تأملي، ازددت اقتناعًا بأن الإنسان لا يسعى إلى التحرر إلا من الشيء الذي يعذبه. فمجرد قوله: "أريد أن أتحرر"، يكشف أنه يعيش نوعًا من المعاناة داخل ذلك الأمر الذي يريد مغادرته. ولو كان منعمًا فيه لما فكر أصلًا في التحرر منه.

حين تصبح الهوية موضعًا للعذاب

ومن هنا يمكن القول إن كل من يعلن أنه يريد الهروب من منظومة يعيش داخلها، إنما يكشف في الوقت نفسه عن أنه يعيش العذاب داخل تلك المنظومة. فالهروب لا يطلبه إلا السجين، ولا يبحث عن التحرر إلا من يشعر بأنه مقيد بمعاناة. أما من يعيش النعمة فلا ينشغل بالفرار منها.

وهذه الفكرة تفتح بابًا آخر للتأمل، وهو ما يحدث عندما يحاول الإنسان التحرر من هويته نفسها.

فإذا أراد الرجل أن يتحرر من ذكورته تحت شعار الحرية، فإن السؤال يصبح: لماذا يريد التحرر أصلًا؟

إنني لا أرى أن الرجل يحاول التخلص من ذكورته إلا إذا كانت تلك الذكورة قد أصبحت بالنسبة إليه موضع عذاب. وقد سبق أن أشرت إلى أن الذكورة لا تفقد معناها بسبب وجودها، وإنما بسبب غياب الإلزام الذي يمنحها قيمتها. فعندما لا يشعر الرجل أن هناك ما يجعله مطالبًا بأن يكون رجلًا، يبدأ معنى الذكورة في التلاشي داخله، ويصبح وجودها بلا جدوى في نظره.

وحين يصل الإنسان إلى هذه المرحلة، لا يعود يرى هويته قيمة، بل يراها عبئًا يريد التخلص منه. فهو لا يتحرر من الذكورة لأنها فقدت حقيقتها، وإنما لأنه فقد شعوره بقيمتها. ولذلك يصبح التحرر بالنسبة إليه محاولة للهروب من هذا الشعور باللاجدوى.

حين يفقد الإنسان معنى هويته

ومن هنا كنت أرى أن ما سميته سابقًا بالرجل الأنثوي ليس مجرد تبدل في الأدوار، وإنما هو مظهر من مظاهر العذاب. فهو يشعر بأن ذكورته لم تعد ذات قيمة، وأن وجودها أو غيابها سواء، ولذلك يبدأ في الابتعاد عنها شيئًا فشيئًا، وكأنه يتحرر من معنى لم يعد يجد له مكانًا في حياته.

وعندما يفقد الإنسان صلته بالمعنى، يصبح كأنه تحرر من نفسه. لكنه لا يصل بذلك إلى الراحة، بل إلى حالة جديدة من الفراغ، لأن التحرر من المعنى لا ينتج معنى آخر، وإنما يترك الإنسان في مساحة لا يجد فيها ما يحدد موقعه أو يبرر وجوده.

ولهذا يصبح العذاب، مرة أخرى، ملازمًا للحرية. فالإنسان لا يتحرر من شيء إلا لأنه تألم منه، لكنه بعد تحرره لا يجد بالضرورة ما يملأ الفراغ الذي تركه ذلك الشيء. وهكذا ينتقل من ألم إلى ألم آخر، ومن فراغ إلى فراغ آخر، بينما يظن في كل مرة أنه يقترب من الخلاص.

ومن هذا المنطلق، يصبح الرجل الأنثوي في هذا التصور تعبيرًا عن حالة من العذاب أكثر من كونه تعبيرًا عن مجرد تبدل في السلوك أو المظهر. فهو، بحسب هذا الفهم، لا يشعر بأن كونه رجلًا يمثل قيمة تستحق المحافظة عليها، وإنما يشعر أن ذكورته فقدت معناها لأنها لم تعد مطلوبة أو محل تقدير. ومن هنا يبدأ التحرر من الذكورة باعتباره محاولة للخروج من هذا الإحساس باللاجدوى.

والعذاب الذي يعيشه هذا الرجل لا يكمن في كونه رجلًا فحسب، وإنما في شعوره بأن ذكورته لم تعد تمثل شيئًا مهمًا. فحين يغيب الإلزام الذي يمنح الهوية قيمتها، تغيب معها أهمية تلك الهوية في نظر صاحبها. ولذلك يصبح التخلص منها، في وعيه، أقرب إلى التحرر من عبء لم يعد يرى له فائدة.

ومن هنا ينشأ ميل إلى ما يمكن وصفه بمحاولة استساغة الألم. فالإنسان لا يكتفي بتحمل العذاب، بل يحاول التكيف معه، واستيعابه، وربما التلذذ به، لأنه لم يعد يرى طريقًا آخر للتعامل معه. ويصبح الألم نفسه وسيلة لإثبات الحرية، لا مجرد نتيجة لها.

الهوية والاعتراف المتبادل

وفي هذا السياق، تُفهم بعض التحولات في العلاقات والأدوار بوصفها تعبيرًا عن هذا المسار؛ أي محاولة للتكيف مع شعور داخلي بالعذاب عبر إعادة تشكيل الهوية أو الأدوار، لا باعتبارها بحثًا عن معنى جديد، وإنما باعتبارها محاولة للتخفف من معنى أصبح مؤلمًا.

وعلى الجانب الآخر، تُطرح المرأة الذكورية بالطريقة نفسها. فكما أن الرجل الذي فقد شعوره بقيمة ذكورته قد يسعى إلى التحرر منها، فإن المرأة التي فقدت شعورها بقيمة أنوثتها قد تسعى كذلك إلى الابتعاد عن مظاهرها. وفي الحالتين لا يكون الدافع هو الامتلاء أو الرضا، بل الإحساس بأن الهوية الأصلية لم تعد تحمل قيمة أو أهمية.

ومن هنا يصبح وجود كل طرف مؤثرًا في الطرف الآخر. فوجود الرجل الذي لا يعبر عن ذكورته، وفق هذا التصور، يجعل المرأة أقل اتصالًا بأنوثتها، لأنها لا تجد أمامها ما يستدعي حضور تلك الأنوثة أو يؤكد قيمتها. وكأن غياب التعبير عن الذكورة يضعف في المقابل حضور الأنوثة، فينشأ نوع من الانفصال التدريجي بين الإنسان وهويته.

وبالمثل، فإن المرأة التي لا تعبر عن أنوثتها تضعف، في نظر هذا التصور، شعور الرجل بقيمة ذكورته، لأن الهوية لا تكتسب معناها من وجودها المجرد، وإنما من الاعتراف المتبادل بها، ومن وجود ما يجعلها ذات قيمة في العلاقة مع الآخر.

الاغتراب عن الذات وفقدان قيمة الهوية

ولذلك يصبح الشعور بعدم المطالبة بأداء الدور سببًا في ضعف الإحساس بقيمته. فإذا لم يشعر الرجل بأن هناك من ينتظر منه أن يكون رجلًا، فقد يرى أن ذكورته فقدت أهميتها. وإذا لم تشعر المرأة بأن هناك من ينتظر منها أن تكون امرأة، فقد ترى أن أنوثتها لم تعد ذات معنى.

وهنا تظهر فكرة القيمة بوصفها عنصرًا أساسيًا في هذا التصور. فالشيء لا يكتسب قيمته بمجرد وجوده، وإنما حين يكون محل طلب واعتراف. فالعرض الذي لا يجد من يطلبه يفقد قيمته، والصفة التي لا يشعر صاحبها بأنها ذات أهمية تبدأ بالتلاشي في وعيه، حتى وإن بقيت موجودة في الواقع.

ولهذا يرى هذا التصور أن الإنسان عندما يفقد الإحساس بقيمة هويته، يبدأ في التحرر منها تدريجيًا. لكنه لا يجد في هذا التحرر راحة حقيقية، لأن ما فقده لم يكن مجرد صفة، بل كان مصدرًا لمعنى وجوده.

ومن هنا ينشأ ما يشبه الاغتراب عن الذات. فالإنسان لا يعود يشعر بأنه متصل بما هو عليه، بل يعيش حالة من الانقسام الداخلي، يحاول فيها أن يبتعد عن نفسه، مع أنه لا يستطيع مغادرتها. فهو يظل يحمل الهوية التي يحاول التحرر منها، لكنه يعيشها بوصفها عبئًا لا مصدرًا للقيمة.

ويؤدي ذلك، في النهاية، إلى علاقات معقدة بين أشخاص يشتركون في الشعور نفسه. فكل طرف يرى في الآخر انعكاسًا لمعاناته، ويحاول أن يجد لديه تفسيرًا لما يشعر به، لكن العلاقة لا تنتج استقرارًا، لأنها تقوم على محاولة الهروب من الألم أكثر مما تقوم على بناء معنى جديد.

من الاغتراب إلى تشويه الهوية

وفي هذا الإطار، تصبح العلاقة بين الطرفين علاقة يطغى عليها التردد والحيرة. فكل واحد منهما يريد التحرر من شيء، لكنه لا يعرف على وجه الدقة إلى أين يتجه بعد ذلك. ولذلك لا تستقر الأدوار، ولا يكتمل أي منها، لأن الرغبة في الهروب تصبح أقوى من الرغبة في الاستقرار داخل معنى محدد.

وهكذا لا يكون الصراع، في هذا التصور، بين الرجل والمرأة بقدر ما يكون بين الإنسان ومعنى هويته. فكلما فقد الإنسان شعوره بقيمة ما هو عليه، ازداد ميله إلى التحرر منه، وكلما ازداد تحرره، ازداد شعوره بالعذاب الذي يحاول الهروب منه منذ البداية.

وعندما يفقد الإنسان شعوره بقيمة هويته، فإنه لا يحاول فقط الانفصال عنها، بل ينعكس ذلك أيضًا على طريقة تعامله مع الآخرين. فالعلاقة، في هذا التصور، لا تعود وسيلة للبناء، وإنما قد تتحول إلى مساحة يعكس فيها كل طرف أزمته الداخلية على الطرف الآخر.

ولهذا يمكن تشبيه حال الإنسان الذي قرر الرحيل نهائيًا عن مكان عاش فيه طويلًا. فالإنسان النبيل، حتى وهو يغادر، يترك المكان كما وجده، ولا يرى في رحيله مبررًا للإفساد أو الإضرار بمن سيأتي بعده. أما الإنسان الذي فقد إحساسه بالانتماء، فقد يتعامل مع المكان على أنه لم يعد يعنيه، فيبدأ بإهماله لأنه يعتقد أنه لن يعود إليه مرة أخرى.

ويستعير هذا التصور هذا المثال لفهم بعض السلوكيات الإنسانية. فالإنسان الذي قرر في داخله أن يتخلى عن هوية معينة، قد يبدأ – من حيث يشعر أو لا يشعر – في تشويه صورة تلك الهوية، لأنه لم يعد يرى نفسه منتميًا إليها، ولأن تشويهها يبرر في نظره قرار الانفصال عنها.

تشويه الهوية بوصفه تبريرًا للرحيل

ومن هنا يصبح تشويه صورة الذكورة، أو تشويه صورة الأنوثة، جزءًا من محاولة الانفصال عن المعنى الذي تمثله كل منهما. فالإنسان لا يكتفي بمغادرة ما يريد مغادرته، بل قد يحاول إقناع نفسه والآخرين بأن ما تركه لا يستحق البقاء فيه، حتى يصبح الرحيل عنه أكثر قابلية للتبرير.

وبهذا المعنى، لا يعود الصراع موجهًا إلى الآخر بقدر ما يكون موجهًا إلى الذات. فالإنسان يحاول أن يقنع نفسه بأن ما يتركه لم يكن ذا قيمة أصلًا، لأن الاعتراف بقيمته سيجعل عملية التخلي عنه أكثر ألمًا.

ولهذا يرى هذا التصور أن بعض العلاقات تقوم على مفارقة عميقة؛ فهي تجمع بين أشخاص لا يريد أي واحد منهم البقاء في موقعه، ومع ذلك يرتبط كل واحد بالآخر. وكأن العلاقة تصبح اجتماعًا بين شخصين يحاول كل منهما الهروب، بينما وجود أحدهما يزيد الآخر ارتباطًا بما يريد الفرار منه.

ولهذا شُبِّهت هذه العلاقة برجل وامرأة يقفان معًا على حافة هاوية. فكلاهما يريد القفز، وكلاهما يشجع الآخر على القفز، لا لأن أحدهما يحمل خلاصًا للآخر، بل لأنهما يشتركان في الإحساس نفسه بالعذاب، وفي الرغبة نفسها في مغادرة الوضع الذي يعيشان فيه.

الانفصال الداخلي قبل الانفصال الخارجي

ومن هنا تُوصف هذه العلاقة بأنها علاقة متناقضة مع مفهوم العلاقة نفسه. فالعلاقة، في أصلها، يفترض أن تبني، وأن تمنح الاستقرار، وأن تساعد على ترسيخ المعنى، بينما تتحول هنا إلى وسيلة يتبادل فيها الطرفان التشجيع على الانفصال عن المعنى، لا على تثبيته.

ويرى هذا التصور أن الحيرة في الأدوار تزيد هذه الأزمة تعقيدًا. فالإنسان الذي يريد أن يؤدي جميع الأدوار في الوقت نفسه قد ينتهي إلى العجز عن أداء أي دور منها بصورة كاملة. لأن كل دور يحتاج إلى التزام، وإلى تركيز، وإلى قبول حدوده، أما من يرفض الحدود كلها فلن يستطيع أن يستقر في أي دور استقرارًا حقيقيًا.

ويفسر هذا التصور بعض صور السلوك المؤذي في العلاقات بالطريقة نفسها. فالإنسان الذي قرر في داخله مغادرة معنى معين، قد يصبح أقل حرصًا على المحافظة عليه، تمامًا كما أن من يعتقد أنه سيرحل نهائيًا عن مكان ما قد لا يهتم بالحفاظ عليه كما كان يفعل عندما كان يشعر أنه ينتمي إليه.

ومن ثم، فإن الإضرار بالعلاقة أو تشويه صورة الطرف الآخر قد يكون، في هذا الإطار، تعبيرًا عن انفصال داخلي سبق الانفصال الخارجي. فالإنسان يبدأ أولًا بمغادرة المعنى، ثم تظهر آثار تلك المغادرة في أفعاله وسلوكه.

الحرية والعذاب: خاتمة التصور

وتنتهي هذه الرؤية إلى نتيجة تراها جوهرية، وهي أن الحرية والعذاب ليسا مفهومين منفصلين، بل إن الحرية، حين تُفهم باعتبارها خروجًا مطلقًا عن كل قيد، تصبح الوجه الآخر للعذاب. فكلما ازداد الإنسان انفصالًا عن القيود التي تمنحه المعنى، ازداد تعرضه للشعور بالفراغ واللاجدوى.

وفي المقابل، فإن النعمة ترتبط بالقيد، لأن القيد هو الذي يمنح الهوية معناها، ويمنح الالتزام قيمته، ويجعل الإنسان يشعر بأنه يؤدي دورًا له أهمية داخل العالم الذي يعيش فيه.

ولهذا يميز هذا التصور بين العذاب والنعمة. فالعذاب، في نظره، واحد من حيث طبيعته؛ لا يختلف باختلاف الإنسان، لأنه يرتبط بفقدان المعنى والخروج عن القيد. أما النعمة فتتعدد صورها، لأنها ترتبط بالأدوار المختلفة، وبالالتزامات المتنوعة، وبالطريقة التي يعيش بها كل إنسان هويته الخاصة.

ومن هنا يخلص هذا الطرح إلى أن الاختلاف الحقيقي بين الناس لا يظهر في طبيعة العذاب، بل في صور النعمة التي يعيشونها. أما العذاب، فإنه يبقى – وفق هذا التصور – تجربة إنسانية واحدة، تتعدد أسبابها، لكنها تعود دائمًا إلى السؤال الأول الذي انطلقت منه هذه الرحلة: ماذا يحدث للإنسان عندما يظن أن الحرية هي الطريق إلى الخلاص؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كاتب التدوينة
كاتب التدوينة
هذا النص هو مثال لنص يمكن أن يستبدل في نفس المساحة، لقد تم توليد هذا النص من مولد النص العربى، حيث يمكنك أن تولد مثل هذا النص أو العديد من النصوص الأخرى إضافة إلى زيادة عدد الحروف التى يولدها التطبيق.
G.M HERMES