التناقض الذي لا يمكن الهروب منه
لعل بعضكم لاحظ في الأسابيع الأخيرة أنني وقعت في تناقض واضح، بل في تناقض صارخ، فيما طرحته من أفكار. وأنا مدرك لهذا التناقض تمام الإدراك، والعجيب في الأمر أنني لم أستطع إلا أن أتناقض. ففي النهاية وجدت نفسي مضطرًا إلى مناقضة نفسي، لأنني لم أجد في هذا الوجود شيئًا أكثر تناقضًا من الوجود نفسه.
إنه وجود ينجبنا، ويكسونا، ويطعمنا، ويقوينا، ثم يقتلنا في النهاية. وهذا وحده يضعنا أمام مفارقة يصعب تجاوزها أو التغاضي عنها.
الوجود ومربي الدواجن
لنفكر في مربي الدواجن، أو مربي الأبقار، أو مربي الخيول. ماذا يفعل هذا المربي؟
إنه يأتي بالفراخ الصغيرة، يطعمها، ويحميها من برد الشتاء وحر الصيف، ويسقيها، ويعالجها إذا مرضت، ويعتني بصحتها، وربما يهتم بصحتها أكثر من اهتمامه بصحته الشخصية. لكنه، عندما تبلغ الغاية التي من أجلها رباها، يوجهها إلى المسلخ والمذبح.
في تلك اللحظة ينتهي كل شيء بالنسبة للدجاجة. أما بالنسبة للمربي، فقد انتهى الأمر أيضًا، لأنها لم تعد تعنيه بعد أن انتهت الحاجة التي كانت تربطه بها.
وهنا يبرز السؤال الذي يلازمني:
إذا كان الوجود قد أوقفني هذا الموقف، ومنحني القوة، وأعطاني القدرة على النطق والحياة، فما الحاجة التي انتهت حتى يكون المصير في النهاية حفرة مظلمة لا حياة فيها ولا أمل؟
الرعاية وحدود المصلحة
قد يقال إن الوجود يعتني بمخلوقاته، وأنا لا أنكر ذلك ولا أعترض عليه. لكنني أتساءل عن طبيعة هذه العناية.
فلو كانت هناك دجاجة خارج حدود المزرعة التي يربي فيها المربي دجاجه، هل كان سيهتم بها؟ هل كان سيطعمها أو يعالجها أو يحميها؟
الجواب واضح: لا.
فالمربي لا يهتم إلا بالدجاج الذي يقع داخل حدود تربيته، بل وحتى هذا الدجاج الذي يهتم به كل ذلك الاهتمام، ينتهي به المطاف في المسلخ.
وهذا، في نظري، دليل كافٍ على أن اهتمامه ليس بالدجاج من حيث هو دجاج، وإنما بدجاجه هو، أي بما يدخل ضمن دائرة مصلحته.
والأمر نفسه يصدق على الراعي؛ فهو يحمي القطيع بلا شك، لكنه يحميه لأنه يحتاج إلى القطيع.
الحاجة هي التي تصنع العناية
هذه المفارقة دفعتني إلى النظر حتى في علاقتي بجسدي.
فلو لم أكن محتاجًا إلى هذا الجسد، هل كنت سأعتني به؟ هل كنت سأقدم له شربة ماء واحدة؟
من الواضح أنني لم أكن سأفعل.
إننا نعتني بما نحتاج إليه، لا لأنه يستحق العناية في ذاته، بل لأن حاجتنا إليه تجعلنا نهتم به.
ومن هنا بدأت أرى أن هناك شيئًا عميقًا يحرك كل هذه العلاقات.
لقد بحثت طويلًا عن رحمة خالصة، رحمة أستحقها لذاتي، لكنني وجدت أن كل من رحمني، بشكل أو بآخر، إنما فعل ذلك لأنه هو أيضًا محتاج إلى الرحمة.
فالناس، في النهاية، يدافعون عن المنظومات التي لا يستطيعون العيش خارجها، ولا يستطيع أحد أن يقف ضد المنظومة التي يعتمد عليها في بقائه.
ولهذا فإن معظم الكلام الذي يقال دفاعًا عن القيم أو المبادئ أو الرحمة، قد يكون في حقيقته دفاعًا عن الأساسات التي يقوم عليها وجود صاحبه، وعن المصالح والمنظومات التي لا يستطيع الاستغناء عنها.
الكائن الذي لا يستطيع العيش خارج النظام
إذا تأملنا الدجاج المدجن الذي يُربى داخل المستودعات، سنجد أنه لا يستطيع العيش خارج الحظيرة. فلو أُطلق في الخارج، بعيدًا عن البيئة التي اعتادها، لكان هشًا وحساسًا، وربما أصيب بالأمراض قبل أن يكبر، بل قد يموت وهو لا يزال صغيرًا.
وهذه الحقيقة لا تقتصر على الدجاج وحده.
فالنباتات التي نزرعها، من بطيخ وفواكه وغيرها، تصبح مع مرور الوقت عاجزة عن الصمود إذا انقطعت عنها العناية، سواء بالتسميد أو بالسقي أو بالعلاج أو بغير ذلك من وسائل الرعاية.
والأطفال كذلك؛ فلا يوجد طفل في هذا العالم يستطيع أن ينجو وحده دون أن يجد من يهتم به ويعتني به ويوفر له أسباب الحياة والنمو.
إن هذه الأمثلة كلها تشير إلى حقيقة واحدة، وهي أننا، نحن أيضًا، ننتمي إلى هذا الصنف من الكائنات التي لا تستطيع الحياة خارج المنظومة التي أنشأتها وربتها.
نحن أبناء المنظومة
هنا انكشفت لي حقيقة كنت أبحث عنها.
فنحن لا نستطيع أن نعيش يومًا واحدًا خارج جميع المنظومات، لأننا في الأصل أبناء المنظومة نفسها.
لقد خلقتنا المنظومة، وشكلتنا، وجعلتنا على الصورة التي نحن عليها، ولا يمكن إنكار ذلك.
لكنها، في الوقت نفسه، خلقتنا محتاجين إليها.
ولعل السبب في ذلك أنها هي أيضًا تحتاج إلينا.
فكما أن المربي يجعل الدجاج محتاجًا إليه، لأنه هو محتاج إلى الدجاج، كذلك يبدو أن الحاجة متبادلة، وأن الطرف الذي يصنع الاعتماد هو نفسه المستفيد من وجود هذا الاعتماد.
فلو لم يجعل الدجاج محتاجًا إلى الحظيرة، لما بقي الدجاج في الحظيرة أصلًا.
جدلية الخروج من النظام
وهنا تظهر جدلية كبيرة.
فعندما تكون مدجنًا داخل نظام معين، فإن الخروج عنه ليس بالضرورة في مصلحتك.
إن الخارج عن النظام يجد نفسه أمام طريق شديد الوعورة، طريق لا يشبه الطرق المعبدة التي يسلكها الناس جميعًا.
إنه طريق الفيافي، والجبال، والأماكن التي لا يوجد فيها أحد.
وفي هذا الطريق لا يعترضك أحد، ولا يفرض عليك أحد شروطه، ولا يأمرك أحد بشيء، لكن السبب في ذلك ليس أنك أصبحت أقوى، وإنما لأنه لا يوجد طريق أصلًا.
فالخارجون عن النظام لا يسيرون في طريق مرسوم، وإنما يسيرون بلا طريق، وبلا وجهة، وبلا غاية محددة.
بين الدجاج الحر والدجاج المدجن
وعندما أقارن بين الدجاج الحر والدجاج المدجن، لا أجد فرقًا حقيقيًا في المصير.
فالدجاج الحر سيموت، والدجاج المدجن سيموت أيضًا.
وقد يموت الحر في أي لحظة، كما قد يموت المدجن في أي لحظة.
غير أن المدجن قد يقول: على الأقل لدي غاية، ولدي مقصد، ولدي مكان يأويني، ولدي من يعتني بي.
لكن السؤال الحقيقي ليس: هل هناك من يعتني بك؟
بل هو: لماذا يعتني بك؟
وهنا يعود السؤال الذي ظل يرافقني منذ الصباح، ولم يفارق ذهني حتى الآن:
هل يمكن أن يوجد شيء يعتني بشيء آخر من غير أن يكون محتاجًا إليه؟
وهل يمكن أن يوجد رحيم لا يحتاج إلى الرحمة؟
هل الرحمة خالصة؟
كل الرحماء الذين نراهم في هذا العالم هم، في تقديري، محتاجون إلى الرحمة.
ولذلك يرحمون.
فكلما ازدادت حاجة الإنسان إلى الرحمة، ازداد ميله إلى ممارستها.
ومن هنا يبرز السؤال الأكبر:
هل الذين يقدمون الرحمة يفعلون ذلك لأنها رحمة خالصة، أم لأنهم هم أنفسهم في حاجة إليها؟
وهل الرحمة التي تصدر عن المحتاج تظل رحمة خالصة، أم أنها تعبير عن حاجة صاحبها قبل أن تكون عطاءً لغيره؟
هذه الأسئلة هي التي قادتني إلى مفارقة أخرى، أكثر عمقًا، وهي أنني كلما تحررت تعذبت، وكلما تقيدت تنعمت.
لماذا يصبح القيد نعمة؟
قادتني هذه الأسئلة إلى نتيجة بدت لي غريبة في البداية، لكنها مع التأمل أصبحت أكثر وضوحًا: كلما تحررت تعذبت، وكلما تقيدت تنعمت.
إن نعمة القيد لا تكمن في القيد لذاته، وإنما في كونه يمنحك الحدود التي تجعل التجربة ممكنة. فوجود الجسد، بكل ما يفرضه من شروط، هو الذي يتيح أصلًا إمكان التمتع بالأشياء.
تخيل أنك تريد أن تلمس شيئًا، ولكنك لا تملك جسدًا تلمسه به. أو أنك تريد شيئًا، ولكنك لا تملك الوسيلة التي توصلك إليه.
عندها ستدرك أن القيود ليست مجرد موانع، بل هي أيضًا أدوات.
الجسد بوصفه مجموعة من الأدوات
الجسد ليس إلا مجموعة من الأدوات، ومجموعة من القيود، ومجموعة من الشرطيات التي تجعل الأفعال ممكنة.
فإذا أردت أن أرى، فلا بد من عينين.
ولا يمكنني أن أرى بلا عينين، على الأقل في حدود الرؤية البصرية التي نتحدث عنها هنا.
ولهذا فإن الجسد يفرض عليك شرطًا واضحًا: إذا أردت أن ترى، أو تسمع، أو تلمس، أو تتذوق، أو تشم، فعليك أولًا أن تكون كائنًا محسوسًا، متجسدًا.
فلا يمكن أن تلمس شيئًا مجسدًا إذا لم تكن أنت أيضًا مجسدًا.
لماذا نحن متجسدون؟
ومن خلال ما وصلت إليه، أظن أن هذه النقطة هي التي جاءت بنا جميعًا إلى هذا الوجود.
ولعل السبب في كوننا متجسدين هو أنه لا يمكن أن يكون هناك تنعم من غير جسد.
وأنا لا أقول هذا على سبيل الارتجال أو المبالغة، وإنما بعد أن تتبعت هذه الفكرة طويلًا من زوايا متعددة، فوجدت أنها تعود في كل مرة إلى النتيجة نفسها.
ولذلك أقول إن النعيم، كما أفهمه، لا يوجد خارج مفهوم التجسد.
العذاب عيب في الجسد
إذا تأملنا صور العذاب المختلفة، سنجد أنها تعود، في النهاية، إلى خلل يصيب الجسد أو شروط بقائه.
فالمرض عيب في الجسد.
والفقر، في حقيقته، هو تهديد للجسد، لأن المفلس يعاني من عجزه عن توفير الطعام والدواء والرعاية، أي إنه يعاني لأن وجوده المجسد أصبح مهددًا.
ولهذا، فإن كل عذاب نعرفه يرتبط بصورة أو بأخرى بالجسد.
ولم أر حتى الآن عذابًا يخرج عن هذا الإطار.
فكل إنسان يتألم، أيًا كان نوع ألمه، إنما يعاني من مشكلة تمس جسده بصورة مباشرة أو غير مباشرة، سواء مست صحته، أو أمنه، أو وسائل بقائه.
لا نعيم خارج الجسد
ولهذا كنت أكرر عبارة قد تبدو صادمة للبعض، لكنها بالنسبة إلي أصبحت نتيجة يصعب التراجع عنها:
لا يوجد نعيم خارج الجسد.
لقد ذهبت مع هذه الفكرة بعيدًا، واختبرتها من مستويات متعددة، وفي كل مرة كنت أصل إلى النتيجة نفسها: كلما تحرر الإنسان من التجسد، وتحرر من القيود الجسدية، أصبح غير قادر على التمتع بأي شيء.
فإذا تحررت من آلية البصر، لم تعد ترى.
وهذا هو المعنى البسيط لعبارة: إنه لا يتمتع بالبصر.
أي إنه لم يعد يملك الأداة التي تجعل الرؤية ممكنة.
وهكذا يتبين أن كل نعمة ترتبط بالأداة التي تحققها، وأن إزالة الأداة لا تمنح حرية أكبر، وإنما تلغي إمكانية التمتع بما كانت تتيحه تلك الأداة.
متى يتحرر الإنسان حقًا؟
إذا كان هدف الإنسان هو الحرية المطلقة، فإن هذه الحرية لا تتحقق إلا عندما لا يعود يملك شيئًا.
ولا أقصد بذلك أنه يتخلى عن بعض ممتلكاته، وإنما ألا يبقى متعلقًا بأي شيء أصلًا.
فلا يمكن لإنسان أن يقول إنه تحرر من التجسد، وهو لا يزال متمسكًا بشيء من هذا العالم.
إن كل تعلق هو قيد، وكل امتلاك هو علاقة تربط الإنسان بما يملكه.
ومن هنا فإن التحرر الكامل لا يكون إلا بفقدان جميع هذه الروابط.
الحرية بوصفها فقدانًا لكل مؤشرات الاستقرار
تخيل إنسانًا لا يملك شيئًا.
صحته ليست بخير، وحاله النفسي مضطرب، ووضعه الاجتماعي منهار، ولا يملك استقرارًا في أي جانب من جوانب حياته.
لا يملك بيتًا، ولا طعامًا، ولا دواءً، ولا أصدقاء، ولا أحبة، ولا أي ضمانة للمستقبل.
إنه لا يملك أي مؤشر من مؤشرات الاستقرار.
هذا الإنسان، من زاوية معينة، هو الإنسان الأكثر تحررًا، لأنه لم يعد مرتبطًا بشيء يمكن أن يفقده.
لكن هذه الحرية نفسها هي أقصى درجات العذاب.
فكلما فقد الإنسان أسباب التعلق، اقترب من الحرية، لكنه في الوقت نفسه يقترب من الفراغ الكامل.
عندما تنعدم حتى احتمالات الخلاص
ولكي تتضح الصورة أكثر، لا يكفي أن تتخيل إنسانًا فقد كل شيء، بل تخيل إنسانًا فقد كل شيء، ولم يعد هناك احتمال لأن يستعيد أي شيء.
إنه مريض، ولا أمل في الشفاء.
وضال، ولا احتمال للهداية.
ولا يملك بيتًا، ولا مالًا، ولا سندًا، ولا أصدقاء، ولا أي فرصة حقيقية لأن يتغير وضعه.
هنا يبلغ الإنسان مرحلة قصوى من الحرية، لأنه لم يعد متعلقًا حتى باحتمال التغيير.
وهذا النمط من الوجود أراه نمطًا معروفًا، ويمكن لمن يتأمله أن يدرك طبيعته بسهولة.
إعادة صياغة العذاب
ولهذا كنت أفكر في إمكانية إعادة النظر في مفهوم العذاب نفسه.
هل يمكن للإنسان أن يعيد صياغة العذاب بحيث يتعامل معه كما لو كان لذة، أو متعة، أو طريقًا يتقدم فيه بدل أن يهرب منه؟
وهل يمكن أن يستمر في التجرد من كل شيء، حتى يتخلى الناس عنه، وتتخلى عنه جميع أسباب التعلق، فلا يبقى لديه شيء، ولا حتى احتمال لامتلاك شيء؟
إن هذه هي الصورة القصوى للحرية كما تبدو لي.
حرية لا يبقى معها أي اعتماد، ولا أي تعلق، ولا أي انتظار.
لكنها، في الوقت نفسه، الصورة القصوى للعذاب.
خاتمة
وهكذا وجدت نفسي أصل إلى مفارقة لم أكن أبحث عنها، لكنها فرضت نفسها علي.
كلما ازداد الإنسان ارتباطًا بالقيود، ازداد نصيبه من إمكان التمتع، لأن القيود هي التي تمنحه الأدوات التي يرى بها، ويسمع، ويلمس، ويعيش.
وكلما تحرر من تلك القيود، اقترب من حرية لا تترك له شيئًا يتمتع به.
ومن هنا بدا لي أن الحرية والعذاب ليسا مفهومين منفصلين، بل إن الحرية، هي نفسها العذاب.
وكذلك بدا لي أن النعيم لا ينفصل عن القيد، لأن كل نعمة تحتاج إلى أداة، وكل أداة هي في حقيقتها قيد.
ولهذا ظل السؤال الأول قائمًا دون أن يفارقني: هل يمكن أن توجد عناية لا تقوم على حاجة؟ وهل يمكن أن توجد رحمة لا يصدرها محتاج إلى الرحمة؟
ذلك هو السؤال الذي ما زلت أراه مفتوحًا، والذي قادني إلى كل هذه المفارقات.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق