شعار الموقع لنسخة الدارك مود

شعار الموقع لنسخة الدارك مود

القيد والحرية والنعيم بين جدية الوجود ووهم التحرر

 الحرية التي تنتهي إلى الهلاك

حين نتحدث عن الحرية، فإننا غالبًا ما نفترض أن التحرر من القيود يعني بالضرورة الوصول إلى حالة أفضل. لكن ماذا لو كان التحرر نفسه، في بعض صوره، ليس طريقًا إلى النعيم، بل طريقًا إلى الهلاك؟

الفكرة هنا تنطلق من مفارقة أساسية: الإنسان لا يريد أن يؤذي نفسه أو يهلكها إلا عندما يريد أن يثبت أنه حر. فإذا أصبح الهلاك نفسه هو الدليل الوحيد على القدرة على الاختيار، فإن الحرية تتحول إلى قدرة على السير نحو النهاية، لا إلى قدرة على البقاء.

وبهذا المعنى، فإن الإنسان لا يكون حرًا لمجرد أنه يسير نحو الهلاك؛ بل يكون سائرًا إلى الهلاك. فالتحرر، عندما يُفهم بوصفه إزالةً لكل القيود التي تضبط الوجود، يصبح في حقيقته عملية هدم للقيود الجدية التي تجعل الوجود ممكنًا ومستمرًا.

ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان ليس العذاب وحده، بل أن يتحول وجوده نفسه إلى شيء هزلي، غير جدي، لا قيمة له.

الجدية بوصفها شرطًا للنعيم

أكثر ما يعذب الإنسان ربما ليس الألم في ذاته، وإنما أن يشعر بأن وجوده غير جدي؛ أن تكون رغباته جادة بينما العالم يتعامل معها وكأنها مزحة، وأن يكون تحقيقه لذاته أمرًا لا قيمة له.

من هنا يصبح النعيم مرتبطًا بما يمكن تسميته قيد الجدية.

فالشيء الجدي هو الشيء الذي له قيمة وحدود ونتائج. وإذا كانت أفعال الإنسان لا تنتج عنها نتائج حقيقية، وإذا لم يكن هناك فرق حقيقي بين الربح والخسارة، وبين النعيم والجحيم، وبين الصواب والخطأ، فإن الوجود يفقد جديته.

في تصور «المصفوفة»، الجدية ليست شيئًا ثانويًا، بل هي أساس النظام نفسه.

فالوجود يبدأ بقيد أول: قيد الوجود. ثم تتوالى القيود بعده؛ قيد يتلوه قيد، وشروط تتفرع من شروط، حتى تتكون شبكة هائلة من الحدود التي تضبط الموجودات.

وكلما ازدادت علاقة الكائن بهذه الحدود، ازدادت قيمة وجوده. أما إذا عاد إلى حالة الانفلات الأولى، حيث لا قيد ولا تعريف ولا تحديد، فإنه يعود إلى حالة لا قيمة فيها.

رب المصفوفة ومصدر الجدية

إذا كان هناك شيء أكثر جدية من جميع الموجودات، فهو موجد هذه الموجودات.

ولهذا فإن «رب المصفوفة»، وفق هذا التصور، هو مصدر الجدية. فالشيء الذي يحدد الحدود ويضع القوانين ويضبط العلاقة بين المدخلات والمخرجات هو الذي يجعل الوجود قابلًا للقياس والحساب.

ولهذا تظهر في التصور الديني أوصاف مثل: العزة والحكمة وغيرها من الصفات التي تحدد طبيعة الإله وتضعه ضمن تعريفات لا يستطيع الخروج عنها. فالخروج من التعريف، وفق هذا المنطق، يعني فقدان الجدية وفقدان الحقيقة.

وهنا تظهر فكرة مهمة: الله ليس مجرد وجود غير محدد، بل وجود له حدود الكمال والتنزيه.

فإذا قيل إن الله «غير محدود» بمعنى أنه غير معروف أو غير معين أو غير معرف، فإن هذا المفهوم ينتهي، داخل هذا البناء، إلى تحويل الله إلى مجهول مطلق؛ والمجهول المطلق يقترب من العدم، لأنك لم تعد تملك معيارًا تستطيع بواسطته أن تقول: هذا هو الله، وهذه هي صفاته، وهذه هي حدوده.

لذلك فحدود الله، في منظور المصفوفة، ليست نقصًا في الله، بل هي حدود الكمال والتنزيه.

النعيم والجحيم بوصفهما حدودًا للوجود

إذا لم تكن هناك حدود واضحة، فلا يمكن أن يكون هناك نعيم أصلي ولا جحيم أصلي.

فالجحيم لا يعود في هذه الحالة حقيقة في الوجود، وإنما يصبح مجرد حكم يطلقه شخص على شخص آخر. أما إذا كانت هناك حدود مرسومة، فإن تجاوزها ينتج عنه شيء حقيقي.

هنا يصبح الجحيم هو غياب الحد؛ هو نزيف الوجود باتجاه العدم المستحيل.

فكلما خرج الكائن عن حدود وجوده، بدأ بالتفكك: تنقطع الروابط، وتتداعى البنية، ويبدأ الوجود في فقدان عناصره، حتى يصل إلى الهلاك.

ومن هنا يكون النعيم هو البقاء داخل حدود الوجود، بينما يكون الجحيم هو النزيف المستمر خارج تلك الحدود.

المصدر غير المحدود ونزيف الوجود

تظهر في بعض التصورات فكرة «المصدر غير المحدود للكائنات». لكن السؤال هنا: ما هو هذا المصدر غير المحدود؟

وفق هذا البناء، يمكن أن يتحول «المصدر غير المحدود» إلى مجرد نزيف مستمر للوجود؛ شيء لا يملك تعريفًا ولا حدودًا ولا مركزًا ولا معيارًا.

وهنا يصبح مفهوم الإله نفسه غامضًا: إذا كان الإله لا يملك أي تحديد، ولا يتكلم، ولا يستجيب، ولا يضع معيارًا، ولا يميز بين النعيم والجحيم، فما الذي يجعلنا نعده إلهًا أصلًا؟

ولهذا يرفض هذا التصور فكرة الإله الصامت أو الفراغ أو العدم بوصفها مصدرًا نهائيًا للوجود.

الإله، وفق منطق المصفوفة، ليس فراغًا؛ بل مركز.

وليس مجرد صمت؛ بل مصدر للقول والمعنى والحساب.

الأدوات التي تجعل الوجود ممكنًا

إذا كان الوجود منظمًا، فإن الإنسان لا يوجد مجردًا، بل يوجد من خلال مجموعة من الأدوات.

العلم، والوجود، والقدرة، والإرادة، وغيرها من الصفات، يمكن النظر إليها داخل هذا التصور بوصفها خصائص أو أدوات برمجية للمبرمج.

والإنسان نفسه مجموعة من الأدوات:

العين أداة للرؤية، والأذن أداة للسمع، والأنف أداة للشم، والمعدة أداة للهضم، والأمعاء أداة للامتصاص والإخراج، والأعضاء التناسلية أدوات للخلق والاستمرار، وغيرها.

هذه الأدوات ليست ملكًا مطلقًا للإنسان بالمعنى الذي يسمح له بإخراجها من وظيفتها الأصلية، وإنما هي أمانة أو وديعة ضمن نظام الوجود.

وهنا يظهر معنى «الشكر» داخل هذا البناء: الشكر ليس مجرد قول «شكرًا»، بل استعمال الأداة بالطريقة التي أرادها صاحبها.

فإذا أعطاك شخص أداة ووضع لها وظيفة محددة، فإن شكرك الحقيقي يكون في حسن استعمالها، لا بمجرد الاعتراف بأنها موجودة.

لماذا أعطيت لنا الأدوات؟

الأدوات، في هذا التصور، لم تُعطَ للإنسان عبثًا.

فالسمع والبصر والفؤاد ليست مجرد قدرات مستقلة، وإنما هي وسائل للوصول إلى صاحبها، والوصول إلى حدود النعيم.

فالإنسان عندما يضبط هذه الأدوات، تصبح الأدوات في خدمته. أما عندما تسيطر الشهوة والخوف والرغبة والخيال عليها، فإن العلاقة تنعكس: بدل أن يتحكم الإنسان في أدواته، تبدأ الأدوات في التحكم فيه.

وهنا تظهر الفكرة المركزية: النعيم الأبدي لا يتحقق بتحرير الأدوات، وإنما بضبطها حتى تصبح طائعة لصاحبها.

فالأداة المضطربة تقود صاحبها إلى الهلاك، بينما الأداة المنضبطة تقوده إلى النجاة.

السيارة والمعدة والجسد: نموذج الأداة المضطربة

يمكن فهم الفكرة من خلال مثال بسيط.

إذا كنت تقود سيارة وانزلقت بسبب الزيت أو الماء أو المطر أو المنعرج، فإن السيارة تصبح خطرة. لكن إذا استطعت ضبطها واستجابت لأوامرك، فإنك تنجو.

أما إذا فقدت السيطرة عليها، فإنها قد تقودك إلى الهلاك.

والأمر نفسه ينطبق، داخل هذا التصور، على المعدة والعين والأذن والجهاز الجنسي وسائر أدوات الجسد.

الأداة المضطربة تجعل الإنسان تابعًا لها.

أما الأداة الطائعة فتجعل الإنسان هو صاحب القرار.

وهنا يصبح الهدف النهائي للمصفوفة هو أن تصبح جميع الأدوات طائعة لصاحبها، بحيث لا يستطيع أي اضطراب فيها أن يجبره على فعل شيء يؤدي إلى هلاكه.

وعندما يصبح عصيان الأدوات مستحيلًا، يصبح الهلاك نفسه مستحيلًا، ومن ثم يصبح النعيم قابلًا لأن يكون أبديًا.

إبليس بوصفه الأداة العاصية

في هذا الإطار، يُفهم إبليس بوصفه نموذجًا للأداة غير المنضبطة.

فالاعتراض على آدم لا يُفهم هنا فقط باعتباره اعتراضًا على الخالق، بل بوصفه رفضًا لأن يكون إبليس أداة في عملية الخلق.

ومن ثم يصبح إبليس، رمزيًا، صورة لكل أداة ترفض الانضباط ضمن مشروع الخالق.

وقد تكون هذه الأداة عضوًا جسديًا، أو عقلًا، أو سمعًا، أو بصرًا، أو رغبة، أو أي قدرة خرجت عن الخطة التي وضعت لها.

وأصعب الأدوات ضبطًا هي الخيال؛ لأن الخيال يستطيع أن ينتج صورًا وأفكارًا لا تتحول بالضرورة إلى واقع.

وهنا يصبح الخيال، عندما ينفصل عن التجسد، قادرًا على دفع الإنسان إلى الرغبة في التحرر من الجسد نفسه.

تحرير الأدوات ووهم التلقائية

هناك تصور آخر يرفض الضبط أصلًا ويقول: دع كل شيء يسير تلقائيًا، ولا تحاول السيطرة على الأدوات.

لكن وفق منطق المصفوفة، لا شيء في الوجود يسير من تلقاء نفسه.

فلا شيء يخلق نفسه، ولا شيء يضبط نفسه خارج النظام. كل شيء يأتي ضمن علاقة من الأسباب والقوانين والضبط.

ولهذا فإن «تحرير الأدوات» لا يعني في الحقيقة تحريرها، بل إخراجها من مدارها الأصلي.

والحرية هنا تشبه مركبة فقدت السيطرة عليها: هي حرة من الطريق، وحرة من السائق، وحرة من كل شيء، لكنها تسير بلا وعي نحو السقوط.

إذن طريق الحرية المطلقة قد لا يكون طريقًا إلى الوجود، بل المسافة التي يقطعها الكائن بلا وعي في اتجاه الهلاك.

التحرر من الجسد والتحرر من التجسد

إذا غلب الخيال على الإنسان، فقد يبدأ في اعتبار الجسد قيدًا، ويبدأ في الرغبة في التحرر منه.

لكن لماذا يريد الإنسان التحرر من الجسد؟

لأن خياله أصبح عاجزًا عن التجسد.

وهنا يصبح عدم القدرة على التجسد علامة على عدم الانضباط. فالفكرة التي لا يمكن تحويلها إلى فعل، أو لا تحتاج إلى تنفيذ، يمكن أن تتحول إلى مجرد هزل.

ولهذا تظهر محاولة «تحرير الروح من الجسد» بوصفها نتيجة لانقلاب العلاقة بين الخيال والتجسد.

لكن إذا أدرك الإنسان أن للتجسد حدودًا وقوانين وأن السلام مرتبط باحترامها، فقد ينقلب المعنى كله: يصبح التجسد نعيمًا، والتحرر منه جحيمًا.

الجسد ليس السجن بالضرورة

الجسد، في هذا التصور، ليس شرًا في ذاته.

قد يدخل الإنسان «البستان»، ويرى الثمرة، ويأكل منها، ثم يكتشف أن شيئًا في داخله بدأ يعمل ضده.

المشكلة إذن ليست في وجود الجسد، بل في كيفية استعمال أدواته.

وعندما يخرج الإنسان من الجسد خروجًا منظمًا ثم يعود إليه، فهذا ليس مثل الطرد من منظومة التجسد.

فالطرد من التجسد هو العذاب الأعظم، لأنه يعني فقدان القدرة على البقاء داخل النظام الذي يمنح الوجود معناه.

ولهذا فإن الكائنات التي تريد تحرير الإنسان من التجسد قد تكون، وفق هذا التصور، هي نفسها كائنات مطرودة من التجسد، ولذلك تحاول دفع الإنسان إلى المصير نفسه.

من يرفض العالم المجسد يرفض إرادة التجسد

إذا كان العالم المجسد هو الإرادة المجسدة للخالق، فإن رفض العالم المجسد يصبح رفضًا للإرادة المجسدة.

ومن هنا فإن الإنسان الذي يصبح ضد العالم المجسد، وضد الجسد، وضد منظومة التجسد، قد يبدأ في التصرف بطريقة تقوده إلى الخروج من هذه المنظومة.

وتظهر هنا الفكرة التي تقول إن الشيطان لا يريد فقط أن يهلك بنفسه، بل يريد أن يأخذ معه آخرين إلى المصير نفسه.

فالفكرة ليست مجرد أن يهلك هو، بل أن يقسم العذاب مع غيره، وأن يجعل الآخرين يذوقون المصير الذي وصل إليه.

الضبط والحرية المطلقة

من هنا نصل إلى ثنائية مركزية: الضبط مقابل الإطلاق.

إذا كان الضبط هو ما يحفظ الموجود من الهلاك، فإن الإطلاق المطلق يصبح نقيضًا للوجود المنظم.

وفي هذا السياق يربط التصور بين ثنائية الضبط والإطلاق وثنائيات أخرى داخل المصفوفة، باعتبارها صورًا مختلفة للعلاقة بين المحدد وغير المحدد، وبين النظام والانفلات، وبين التجسد والخيال.

ولهذا يصبح العالم المجسد بابًا لتجسيد النعيم، بينما يصبح العالم المطلق، حين يُفهم بوصفه غيابًا لكل الحدود، عالمًا للجهل؛ لأن غياب الحدود يعني غياب المعرفة والتحديد.

هل الله غير مجسد؟

من هنا يظهر سؤال آخر: إذا كان الله غير مرئي، فهل يعني ذلك أنه غير مجسد؟

الجواب داخل هذا التصور هو: لا.

عدم قدرة أداة معينة على رؤية شيء لا يعني أن ذلك الشيء غير موجود أو غير مجسد.

فالعين البشرية لا ترى جميع أنواع الإشعاع، لكن عدم رؤيتها لها لا يعني عدم وجودها.

إذن يمكن أن يكون الله غير مرئي بالنسبة إلى أدوات الإنسان، دون أن يعني ذلك أنه غير موجود أو غير مجسد.

والخطأ هنا هو الخلط بين حدود الأداة وحدود الشيء الذي تحاول الأداة إدراكه.

الصنم ليس مجرد جسد

أما الصنم والعجل، فهما لا يمثلان «الجسد» ببساطة، وإنما يمثلان جمود التجسد.

الصنم هو جسد جامد، جسد ميت، وبالتالي فهو صورة لتجسد فقد حركته ومعناه.

ومن منظور الكائن الذي يريد التحرر من التجسد، يمكن أن يبدو التجسد نفسه كأنه صنم أو سجن.

أما من يفهم حكمة التجسد، فإنه لا يرى الجسد صنمًا، بل يراه مجالًا للحياة والفعل والضبط.

ولهذا فإن الإله، وفق التصور المطروح هنا، ليس جسدًا يصارع البقاء على شفا الهلاك.

إنه جسد لا يصارع البقاء؛ وجود لا يمكن أن يمرض أو يضطرب أو يخطئ أو يزل أو يقع في العيوب.

وهنا يصبح الفرق بين الجسد الإلهي والجسد الإنساني هو أن الأول ليس على شفا الهلاك، بينما الثاني يعيش داخل حدود الهلاك.

المشكلة ليست مع الخالق بل مع آدم

حتى عصيان إبليس يمكن إعادة قراءته من هذه الزاوية.

فالمشكلة ليست بالضرورة مع الخالق نفسه، وإنما مع الإنسان.

إبليس لا يستطيع أن يصارع الخالق؛ لأن الخالق خارج مجال الهلاك والاضطراب الذي يمكن أن يصيب الموجودات.

ولهذا فإن الصراع الحقيقي يكون حول آدم، أي حول الإنسان.

والهدف هو جعل الإنسان يكره خالقه، لأن الإنسان إذا كره مصدر وجوده، فإنه في النهاية سيكره نفسه.

وإذا كره الإنسان نفسه، فقد تبدأ الرغبة في الهلاك والانقراض والفساد، بل وقد تتحول الرغبة في الهلاك إلى رغبة في أخذ آخرين معه.

وهكذا يصبح الصراع موجهًا إلى العلاقة بين الإنسان ومصدر وجوده، لا إلى الخالق ذاته.

«أنت لست الجسد» ومشكلة الفراغ

من أخطر الأفكار، في هذا التصور، القول للإنسان: «أنت لست الجسد».

فإذا كان الإنسان ليس الجسد، ثم لم يكن أيضًا شيئًا آخر محددًا، فما الذي يبقى؟

إذا أصبح الإنسان فراغًا، وأصبح الإله فراغًا، وأصبح المصدر صمتًا، فإننا نصل إلى عالم لا يملك مركزًا ولا جوابًا.

والإنسان يتكلم لأنه ينتظر ردًا.

الجديّة في التواصل تقتضي أن يكون هناك من يسمع ويجيب ويقبل أو يرفض.

أما أن يتحدث الإنسان إلى فراغ مطلق لا يرد، ثم يُقال له إن هذا الفراغ هو الإله، فإن ذلك يحول العلاقة كلها إلى مهزلة.

ولهذا فإن الصمت والفراغ، عندما يتحولان إلى تعريف نهائي للإله، قد يصبحان في الحقيقة نزعًا للجديّة عن الوجود.

الخروج من الجسد وفتح باب الاضطراب

عندما يُطلب من الإنسان ألا يسمح لهويته الجسدية أو الجنسية أو الجندرية بأن تؤثر فيه، فقد يتحول الأمر، وفق هذا البناء، إلى انفصال عن الجسد نفسه.

إذا أصبح الإنسان يرى هويته الجسدية شيئًا لا علاقة له به، ثم بدأ يتعامل مع نفسه باعتبارها شيئًا آخر غير ما تتجسد فيه، فقد تنشأ حالة من الاضطراب بين الجسد والخيال.

وهنا تصبح المشكلة ليست في وجود الاختلافات الفردية، وإنما في تحويل الانفصال عن التجسد إلى مبدأ شامل.

فالخيال إذا أصبح أقوى من الجسد، وإذا أصبح الإنسان يرفض كل ما يربطه بتجسده، فإن الهوية تصبح غير مستقرة، ويصبح الحد بين ما هو متجسد وما هو متخيل ضعيفًا.

الاضطراب بين الجسد والخيال

يمكن، ضمن هذا التصور، فهم بعض حالات الاضطراب بوصفها صراعًا بين هوية مجسدة وهوية متخيلة.

فالإنسان قد يمتلك جسدًا محددًا، لكنه يخلق في الخيال هوية أخرى، ثم يبدأ في التعامل معها بوصفها هي الحقيقة الوحيدة.

وعندما يصبح الخيال غير خاضع للجسد، تصبح الأدوات غير خاضعة لصاحبها.

وهنا يعود المفهوم نفسه الذي بدأنا منه: الأداة التي لا يسيطر عليها صاحبها تصبح مصدرًا للاضطراب، والاضطراب إذا استمر قد يتحول إلى هدم.

الفوضى ليست حرية

الفوضى لا تضمن السلام.

بل إن الفوضى، في جوهرها، غير جادة.

إذا كانت المشاعر فوضوية، فإنها تصبح غير جادة.

وإذا كانت العلاقات فوضوية، تصبح غير جادة.

وإذا كان العمل فوضويًا، يصبح غير جاد.

وحتى البحث عن الصحوة، إذا لم يكن منظمًا وله منهج وآلية لمعالجة الأفكار، يتحول إلى مجرد كلام.

فالناس الذين يريدون الوصول إلى الحقيقة بجدية لا يكتفون بالكلام، وإنما يمتلكون نظامًا، وتسلسلًا، وآلية لمعالجة ما يكتشفونه.

ولهذا فإن التنظيم ليس عدوًا للصحوة، بل شرط لجديتها.

بين الهاردوير والسوفتوير

في النهاية، يمكن أن ننظر إلى الإنسان بوصفه نظامًا مركبًا من «هاردوير» و«سوفتوير».

هناك مشكلات في المادة نفسها: في الجسد، وفي أجهزته، وفي طريقة عملها.

وهناك مشكلات في البرمجة: في الأفكار، والمشاعر، والسلوكيات، والتفسيرات التي يعطيها الإنسان لما يحدث داخله.

وأحيانًا لا يكون الإنسان أمام مشكلة واحدة، بل أمام الاثنين معًا.

قد يكون هناك اضطراب في الجهاز، واضطراب في طريقة تفسير هذا الاضطراب.

من هنا نرى أنه قد يحاول أن يجعل العذاب جميلًا، أو أن يحول المعاناة إلى علامة على «الصحوة»، بدل أن يتساءل عن مصدرها الحقيقي.

عندما يصبح العذاب هوية

يمكن للإنسان أن يصل إلى مرحلة لا يريد فيها الاعتراف بأنه يتعذب.

ليس لأنه لا يتعذب، وإنما لأنه أعاد صياغة العذاب حتى أصبح جزءًا من هويته.

قد يسميه صحوة، أو فتحًا، أو ليلة مظلمة للروح، أو كشفًا، أو تجربة روحية.

لكن إذا كان ما يحدث في الحقيقة هو اضطراب مستمر في الأدوات، أو أفكار سامة، أو مشاعر سامة، أو سلوكيات سامة، فإن إعادة تسميته لا تغير طبيعته.

أحيانًا يكون التخلص من العذاب أسهل من اختراع تفسير جميل له.

لماذا يصبح النظام ضروريًا؟

من هنا تأتي الخلاصة التي يمكن أن تختصر المشروع كله:

لولا النظام، لما أمكن أن ننعم بسلام جدي وحقيقي.

الفوضى لا تضمن شيئًا.

أما النظام فيعطي لكل شيء مكانه ووظيفته وحدوده.

ولهذا فإن الجدية لا تعني القسوة، بل تعني أن الأشياء لها نتائج، وأن للأفعال قيمة، وأن للحدود وظيفة، وأن للوجود اتجاهًا.

فالنعيم ليس مجرد غياب الألم، بل القدرة على البقاء داخل نظام لا يسمح للأدوات بأن تنقلب على صاحبها.

والحرية ليست مجرد غياب القيد، لأن غياب القيد قد يكون غيابًا للطريق نفسه.

إن المركبة التي لا يضبطها طريق ليست أكثر حرية بالضرورة؛ قد تكون فقط أقرب إلى السقوط.

ومن هنا يصبح القيد، شرطًا للنعيم، ويصبح الضبط شرطًا للحرية الحقيقية، ويصبح التجسد شرطًا لاستمرار الوجود.

الخلاصة

إذا أخذنا «المصفوفة» باعتبارها نموذجًا متكاملًا، فإن جميع هذه الأفكار تنتظم حول محور واحد:

الوجود لا يستمر إلا بالحدود.

الحدود تمنح الشيء تعريفه، والتعريف يمنحه قيمته، والقيمة تمنحه جديته، والجدية تجعل الحساب ممكنًا، والحساب يجعل النعيم والجحيم ممكنين، والنظام يجعل الأدوات قابلة للسيطرة، والسيطرة تجعل التجسد ممكنًا، والتجسد يجعل استمرار الوجود ممكنًا.

أما التحرر المطلق، إذا كان معناه إزالة كل حد، فإنه لا يؤدي إلى وجود أكثر حرية، بل إلى نزيف مستمر للوجود نحو العدم.

ولهذا فالمشكلة ليست في أن الإنسان مقيد، بل في السؤال: بماذا هو مقيد؟

فإذا كان القيد هو ما يحفظ وجوده، فإن التخلص منه ليس تحررًا.

وإذا كانت الأداة هي ما تمنحه القدرة على الوجود، فإن تحريرها من صاحبها ليس حرية.

وإذا كان الجسد هو المجال الذي يتجسد فيه الوجود، فإن رفض الجسد ليس خلاصًا بالضرورة.

وفي النهاية، تصبح الحرية الحقيقية، داخل هذا التصور، ليست أن تفعل كل شيء، وإنما أن تصبح الأدوات التي فيك طائعة لك، وأن تصبح أنت قادرًا على البقاء داخل حدود وجودك دون أن تنقلب هذه الحدود عليك.

فالحرية التي لا تستطيع أن تحفظ الوجود ليست حرية حقيقية، والوجود الذي لا يملك حدودًا لا يملك معيارًا، والوجود الذي لا يملك معيارًا يفقد جديته.

وعندما تفقد الحياة جديتها، يصبح كل شيء مزحة بدون معنى تسير للهلاك ولتناسي.

أما حين تصبح جادة، يصبح لكل فعل أثر، ولكل حد معنى، ولكل وجود قيمة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كاتب التدوينة
كاتب التدوينة
هذا النص هو مثال لنص يمكن أن يستبدل في نفس المساحة، لقد تم توليد هذا النص من مولد النص العربى، حيث يمكنك أن تولد مثل هذا النص أو العديد من النصوص الأخرى إضافة إلى زيادة عدد الحروف التى يولدها التطبيق.
G.M HERMES