يبدأ السؤال من نقطة تبدو بسيطة، لكنها تمتد إلى أساس الوجود كله: هل يمكن للوجود أن يقوم خارج الإيمان؟
إذا تخيلنا إنسانًا لا يؤمن أصلًا بأنه موجود، فكيف يمكنه أن يشعر بوجوده؟ وكيف يستطيع أن يبني شيئًا وهو في داخله ينكر الأساس الذي يقوم عليه البناء؟ عند البحث في أساسيات الوجود طبقة بعد طبقة، يظهر الإيمان باعتباره أحد أكثر الأسس جذرية؛ لأن الإنسان الذي يفقد إيمانه بالحياة، مثلًا، لا يفقد فكرة عابرة فحسب، بل يبدأ وجوده نفسه في التهالك. فإذا لم يعد يؤمن بالحياة، يصبح الموت بالنسبة إليه مجرد مسألة وقت، ويبدأ وجوده في الانحلال لأنه لم يعد يجد سببًا للاستمرار في البناء.
ولهذا يمكن النظر إلى الإيمان باعتباره باب الوجود. وليس المقصود بالإيمان هنا بالضرورة معتقدًا واحدًا بعينه؛ فالإنسان قد يؤمن بأمه وأبيه، أو بعمله، أو بمشروعه، أو بالحياة، أو بما يعتقد أنه ينتظره بعد هذه الحياة فالإيمان من الأمن وماترى فيه أمانك فهو إيمانك، المهم أن هناك شيئًا يمنح وجوده اتجاهًا ويجعله قادرًا على البناء بدل أن يبقى متوجهًا إلى الهدم.
فالإنسان الذي يعلم أنه ذاهب إلى الهدم، ولا يملك تصورًا لما بعده، يجد صعوبة في أن يمنح نفسه القوة لبناء شيء دائم. كيف يستطيع أن يبني وهو يرى نفسه مهدومًا أصلًا؟ ومن أين تأتيه القدرة على الفعل إذا كان كل ما يفعله يسير في النهاية نحو الفناء؟
من هنا يصبح فقدان الإيمان انفصالًا عن الوجود نفسه: انفصالًا عن نعمه وصفاته وأدواته. وعندما ينفصل الإنسان عن الوجود يبدأ بالدخول في سلسلة من «اللاءات»: الوجود يقول نعم، وهو يقول لا؛ والوجود يفتح إمكانية، وهو يغلقها. وكلما اتسعت المسافة بينه وبين الوجود أصبح الطريق أكثر وعورة.
الطريق الذي يزداد وعورة
عندما يفقد الإنسان إيمانه بالوجود، لا يجد أمامه طريقًا ثابتًا، بل طريقًا تزداد صعوبته مرحلة بعد مرحلة. وكلما تقدم فيه اكتشف أن ما ينتظره أصعب مما واجهه سابقًا، إلى أن تتحول الصعوبة في نهايتها إلى استحالة.
وهنا يظهر مفهوم الجحيم بصورة مختلفة.
الجحيم، في هذا التصور، ليس مجرد نار أو حالة نفسية، بل هو انعدام قابلية الوجود. أن تريد شيئًا ولا تستطيع الوصول إليه، أن تريد لمس شيء فلا تستطيع، أن تعطش فلا تستطيع أن تشرب، أن تشعر بالملل فلا تجد وسيلة للخروج منه، أن ترى ما حدث ولا تستطيع تعديله، وأن تُسلب منك أدوات التحكم كلها.
الجحيم هو أن تعيش داخل احتمال خاسر دون أن تملك القدرة على تغييره.
فالذي يدخل إليه كان يستطيع الاختيار في البداية. كانت أمامه إمكانية الرجوع، لكنه أصر على قراراته ومعتقداته. وكما في المثال البسيط لمن قيل له إن المطر سيهطل ونُصح بأن يأخذ معه حذاءه، ثم رفض ذلك اعتمادًا على اعتقاد مخالف، فإذا خرج وهطل المطر فلن يستطيع تغيير حقيقة اختياره. العاقبة هنا ليست ظلمًا بقدر ما هي نتيجة مباشرة لفقدان أداة الاختيار.
ولهذا تصبح الوقاية أهم من العلاج: أن تتقي شر العاقبة قبل وقوعها، وأن تدرك أن عدم معرفتك بالمستقبل لا يعني أن المستقبل غير موجود.
أما عندما تعود إلى الوجود، فإن الخيارات تعود معك. تصبح قادرًا على التعديل والتغيير، وتصبح أدواتك في يدك من جديد. أنت لا تشاهد حياتك كشيء مفروض عليك فقط، بل تعيشها وتتحرك داخلها.
النعيم بوصفه وفرة في الخيارات
إذا كان الجحيم هو انعدام الخيارات، فإن النعيم هو عكسه تمامًا.
النعيم في جوهره هو موافقة شديدة لا معارضة فيها. هو الحالة التي لا تجد فيها ما يقف في وجه وجودك، ولا تجد نفسك محاصرًا في احتمال واحد تخشى أن يكون خاطئًا.
ولهذا فإن عالم النعيم هو عالم لا توجد فيه كلمة «لا» بوصفها احتمالًا دائمًا للهدم. فإذا قلت: أريد كذا، فإن إمكانية وجوده ليست مستحيلة. وإذا لم يناسبك شيء، فهناك إمكانية أخرى.
النعيم إذن ليس مجرد مكان جميل، بل وفرة في الوجود والخيارات والإمكانات.
ولهذا فإن باب النعيم لا يمكن أن يكون ضيقًا بالمعنى الذي يتصوره الإنسان. فإذا كان النعيم أعظم من كل مكان عرفته، فلا معنى لأن تكون سعته أضيق من قدرة الموجودين على الدخول إليه. النعيم يجب أن يكون أوسع من كل ما عرفناه، وإلا تحول إلى سجن آخر نطلق عليه اسم النعيم بسبب جهلنا بحقيقته.
ويمكن تصور ذلك كملعب يفوق كل الملاعب الأخرى اتساعًا بدرجة لا تسمح بالمقارنة. عندما تعرف أن هناك مكانًا أوسع وأكثر ملاءمة، لا يبقى سبب منطقي يجعلك تتمسك بالمكان الضيق.
ولهذا فكل موجود يختار النعيم، باستثناء المعدوم الذي قد لا يدخل الوجود أصلًا.
الوجود الكامل والوجود الناقص
إذا كان الوجود كاملًا، فإن صاحبه في النعمة؛ أما إذا كان وجوده ناقصًا، فإنه يتدحرج بين النعمة والعذاب.
والنقص هنا مرتبط بالإيمان؛ لأن هناك جزءًا في الإنسان لا يكتمل إلا بالتصديق.
يمكن تصور ذلك من خلال شخص يخبرك عن مكان لم تزره. فإذا كان صادقًا وموثوقًا، وأخبرك بكل ما تحتاج إلى معرفته، فإن تصديقك له يجعلك تمتلك جزءًا من تجربة ذلك المكان رغم أنك لم تذهب إليه بنفسك. لقد سدّ التصديق نقصًا كان موجودًا في معرفتك.
أما من يرفض التصديق دائمًا، فإنه يعود إلى حجمه الصغير والعشوائي، ويظل أسيرًا لحركة ناقصة لا تعرف بدايتها ولا نهايتها.
فالحركة الكاملة هي الحركة التي لها بداية ونهاية. أما الحركة التي لا تعرف لها بداية ولا نهاية، فتظل مفتوحة على النزيف والاستمرار. ومن لا يؤمن بالنهاية لا يستطيع إيقاف النزيف؛ لأنه لا يؤمن أصلًا بإمكان التوقف.
الإيمان بالنهاية، في المقابل، يعني الإيمان ببداية شيء آخر. وحين يؤمن الإنسان بالنهاية يصبح قادرًا على الانتقال، وبالتالي يصبح أمامه فائض من الخيارات بدل أن يبقى أسيرًا لحركة واحدة لا تنتهي.
العالم الإلهي ليس مكانًا نذهب إليه
العالم الإلهي، وفق هذا التصور، ليس مكانًا نذهب إليه بعد الموت، ولا عالمًا جغرافيًا ننتقل إليه. إنه عالم لا يكون فيه إلا واحد، ولذلك لا يمكن أن يكون مجرد مكان آخر ضمن الأمكنة.
إنه شيء نصدقه ونؤمن به ونتصرف على أساس أننا نتمتع به، لأن علاقتنا به قائمة على التصديق والثقة.
ومن هنا يأتي الإيمان بالمنعِم. لا يمكن أن تكون هناك نعمة من دون وجود منعم. فوجود المنعم نفسه هو أول النعم؛ لأن غياب المنعم يعني غياب مصدر النعمة من الأساس.
وبذلك فإن الإيمان بوجود المنعم ليس تفصيلًا إضافيًا، بل شرطًا لإمكان النعيم نفسه.
من هو الإله؟
هنا يظهر سؤال آخر: هل يمكن أن نتحدث عن إله غير معرف وغير محدود وغير مشخص، ثم نزعم في الوقت نفسه أننا نعرفه؟
إذا كان هناك فرق حقيقي بين الإله وغيره، فلا بد من وجود تعريف وحدّ وتشخيص ما يسمح لنا بإدراك هذا الفرق. فالوجود نفسه قائم على الحدود؛ لأن الوجود هو تمييز الواحد عما سواه، وما سوى الواحد يصبح في هذه الرؤية مجال العدم.
ولهذا فإن القول بوجود «وجود بلا حدود» يصبح إشكاليًا؛ لأن الوجود، في جوهره، هو حدود وتعريفات وعلاقات وتمييزات.
الإله هنا ليس موجودًا خارج الوجود، بل هو الوجود الكامل. وليس المقصود بإله غير محدود كائنًا مجهولًا لا يمكن تعريفه، لأن ما لا يمكن تعريفه لا يمكن أن نثبت أننا عرفناه.
والإله الحقيقي، وفق هذا التصور، هو «نعم» في مقابل «لا» التي تنفي الوجود. أما الإله الذي يتحول إلى نفي دائم للوجود، فيصبح شبيهًا بالمُعذَّب الذي لا يملك أدوات النجاة.
البرمجة هي بنية الوجود
إذا كان الوجود قائمًا على الحدود والتعيينات والعلاقات، فإن الوجود نفسه يمكن النظر إليه بوصفه برمجة.
البرمجة ليست فقط كتابة برنامج حاسوبي، ولا تنظيم آلة، بل هي المبدأ الذي يجعل الأشياء تتخذ صورًا وعلاقات ووظائف محددة.
هذا اللقاء نفسه، مثلًا، لم يكن ليحدث لولا سلسلة من البرمجيات: موعد محدد، أشخاص مبرمجون على الحضور، هاتف مبرمج لنقل الصوت والصورة، ووسائل تسمح بالتواصل. لولا هذه البرمجة لما حدث اللقاء.
وبالمثل، فإن لقاء الذكر والأنثى قائم على برمجة تميز بينهما وتدفعهما إلى اللقاء.
فالخلق، في هذا التصور، يبدأ بالتمييز. أول فعل في الخلق هو أن يتم التفريق بين هذا وذاك، بين الذكر والأنثى، بين شيء وشيء، بين وجود ووجود. ومن دون التمييز لا توجد فرق، ولا يوجد اللقاء، ولا يوجد التجسد.
لذلك فالبرمجة ليست قيدًا عرضيًا على الوجود، بل هي ما يجعل الوجود ممكنًا أصلًا.
الفصل بين الذكر والأنثى والحجاب
من هنا تأتي فكرة الفصل بين المذكر والمؤنث.
الفصل لا يعني إلغاء العلاقة، بل هو الذي يجعل العلاقة ممكنة. إذا لم يكن هناك فرق، فلن يكون هناك لقاء حقيقي؛ لأن اللقاء يفترض وجود طرفين متميزين.
الحجاب، بهذا المعنى، لا يفصل الوجودين لكي يمنعهما من اللقاء، بل يفصل بينهما لكي يجعل اللقاء ممكنًا ومؤثرًا.
عندما يكون هناك حد بين المذكر والمؤنث، يصبح كل طرف أكثر وعيًا بذاته، وأكثر تجسدًا في هويته. أما إذا أزيلت الحدود بالكامل، فقد تختفي المحفزات والدوافع التي تجعل اللقاء ذا معنى.
بل إن الحب نفسه، وفق هذه الرؤية، يستمد جزءًا من قوته من وجود المانع؛ فكلما كان الحجاب عظيمًا كان اللقاء ذا معنى أكبر. أما إذا أزيل كل حجاب، فقد ينطفئ الدافع نفسه ونقصد بالحجاب الحدود التي تصنع الفرق.
وهذا لا يعني أن البرنامج الأصلي ذكوري أو أنثوي، بل إن البرنامج الأصلي هو الذي يسمح للذكوري والأنثوي بالتجسد. فصل البرنامجين يزيد كفاءة كل منهما، ثم يسمح لهما بالالتقاء ضمن نظام أكثر اتزانًا.
فالبرنامج الأصلي ليس برنامجًا «مخنثًا» يعمل البرنامجين معًا، بل هو الأصل الذي يسمح لكل قطب بأن يتجسد في صورته يتمايز، ثم يلتقي بالقطب الآخر.
الجسد بوصفه لباس الوجود
من هنا أيضًا يأتي النظر إلى الجسد.
الجسد ليس شيئًا ينبغي الانتقام منه أو كراهيته. إنه الجسد الذي جُسِّد به الإنسان، والأداة التي يخوض بها تجربته في الوجود.
إذا تأملنا الجسد وأعضاءه، من القلب إلى الطحال وسائر الأعضاء، نجد أنها تعمل باستمرار من أجل بقاء الكل. الجسد يعمل في سبيل الحياة، والحياة بدورها أحد وجوه الخلق.
لذلك يصبح الامتنان للجسد موقفًا منطقيًا داخل هذه الرؤية.
بل إن الجسد يمكن النظر إليه باعتباره لباسًا اختاره الخلق للإنسان كي يخوض به تجربته. وكما أن أفضل لباس في مرحلة معينة هو اللباس الذي يحمي صاحبه، فإن أفضل جسد هو الجسد الذي يسمح للإنسان بأن يعيش تجربته في الوجود.
ولهذا لا يرى الإنسان في كل ما حُجب عنه نقصًا بالضرورة. هناك أشياء لا يعرفها لأنه موجود داخل هذا الجسد، وهناك أشياء لا يراها لأن وظيفته ليست أن يرى كل شيء.
وهنا تظهر قيمة تقسيم العمل وفصل السلطات وفصل النسخ: لو اجتمعت كل النسخ في نسخة واحدة، لما عاشت كل نسخة تجربة الانفراد التي تعيشها الأصل. والإنسان نفسه لا يعرف نفسه كلها؛ بل يعرف جزءًا منها. ولو عرف نفسه كاملة، لفقد جزءًا من جمال تجربة اكتشاف الذات.
الجهل هنا ليس دائمًا عيبًا، بل قد يكون جزءًا من بنية التجربة.
الحجاب يصون الوجود
كما يصون الجسد حدوده، يصون الحجاب أيضًا العلاقة بين الموجودات.
الإنسان لا يحتاج إلى معرفة كل شيء لكي يعيش. بل إن وجود الحدود هو الذي يسمح للشيء بأن يكون هو نفسه.
ولهذا، عندما يرضى الإنسان بالجسد الذي أُعطي له، فإنه يرضى أيضًا بماحجب عنه. إنه يختار، بإرادته، ألا يعرف كل شيء، لأنه يثق بأن تقسيم الأدوار أفضل من جمع كل الأدوار في نقطة واحدة.
وهذا يقود إلى فكرة أساسية: الحجاب ليس عدو المعرفة دائمًا؛ بل هو شرط لوجود التجربة وتمايزها.
البرمجة الأصلية وسر البقاء
إذا كان الوجود برمجة، فإن البقاء يتوقف على سلامة هذه البرمجة.
المبرمج الأصلي يعرف الشفرة الأصلية، والشفرة التي لا تحتوي على الثغرة التي تسمح للحياة بالانقطاع لا ينقطع صاحبها. أما البرمجة التي تحتوي على خلل، فإن الحياة فيها تنزف باستمرار.
ومن هنا تأتي فكرة إعادة البرمجة.
الهدف ليس تدمير البرمجة، بل إصلاح البرامج المخروقة، وسد الثغرات، وإعادة الإنسان إلى البرمجة الأصلية.
فمن لا يخدم الوجود لا يكون وجوده مستقرًا، ومن لا يخدم البرمجة لا تكون برمجته ضرورية داخل هذا النظام.
ولهذا يصبح عمل المبرمج هو ترقية البرامج الموجودة، وإنشاء برامج جديدة عند الحاجة، وإصلاح الخلل الذي يسمح للنزيف بالاستمرار.
حين تصبح البرمجة مصدر السلام
يظهر الفرق بوضوح عندما ينتقل الإنسان من عالم الفوضى إلى عالم منظم.
في الفوضى، يصبح الإنسان قلقًا؛ لأنه لا يعرف ماذا سيفعل الآخرون. يعيش في حالة استعداد دائم، وكأن كل شيء يمكن أن يتحول في أي لحظة إلى أزمة.
أما عندما يكون محاطًا بأشخاص منضبطين داخل برمجتهم، فإنه يشعر بالأمان؛ لأنه يعرف أن كل شخص سيقوم بما هو مبرمج عليه القيام به.
الإنسان المبرمج على الخير لا يحتاج إلى مراقبة مستمرة.
إذا كنت مبرمجًا على شراء القهوة، وشخص آخر مبرمجًا على إعطائها لك، فلا يوجد سبب للقلق. أما إذا كان الشخص الذي سيأتي بالقهوة غير منضبط، فقد تبقى منتظرًا وتتساءل وتقلق وتفسر أفعاله.
وهنا يظهر معنى «الشياطين» بوصفها صورة للفوضى والاضطراب: الكائن الذي لا يمكن التنبؤ بسلوكه يصبح مصدرًا للأزمة، والأزمة تغذي المزيد من الاضطراب.
وعندما ينتقل الإنسان من بيئة فوضوية إلى بيئة منظمة، يشعر وكأنه انتقل من مستشفى مليء بالاضطراب إلى مجتمع يعرف فيه كل فرد دوره.
البرمجة في العلاقات
السلام الحقيقي، وفق هذه الرؤية، هو أن تتوافق البرامج.
إذا كنت مبرمجًا على الكلام في موضوع معين، وكان الطرف الآخر مبرمجًا على الاستماع إليه، حدث انسجام.
وإذا كان الطرف الآخر مبرمجًا على الكلام في موضوع، وكنت أنت مبرمجًا على الاستماع، حدث انسجام آخر.
إذا كنت تريد شيئًا وكان الآخر مبرمجًا على إعطائه، وإذا كان الآخر يريد شيئًا وأنت مبرمجًا على منحه، فإن العلاقة تصبح في حالة سلام.
إذن السلام ليس مجرد غياب الصراع، بل هو توافق بين الوظائف والرغبات والبرامج.
وعندما يدرك الإنسان أنه مبرمج ويتصرف وفق برمجته الأصلية، فإنه يرى المبرمج نفسه من خلال البرمجة؛ لأن أثر المبرمج ظاهر في الشيء الذي برمجه.
لماذا يرفض الإنسان البرمجة؟
الإنسان الذي خرج عن البرمجة قد يظن أن البرمجة هي سبب عذابه، فيبدأ بالبحث عن التحرر منها.
لكن المشكلة، في هذا التصور، ليست في البرمجة نفسها، بل في كون البرمجة تعمل ضده.
حتى إذا حاول الإنسان الهروب من البرمجة، فإن البرمجة لا تخرج منه؛ بل تستمر في العمل داخله.
ولهذا يصبح الحل هو العودة إلى البرمجة الأصلية حتى تصبح البرمجة في صالح الإنسان بدل أن تكون ضده.
فالتحرر المطلق من كل برنامج ليس بالضرورة حرية؛ لأنه قد يكون مجرد سقوط في الفوضى.
الحرية الحقيقية هنا هي أن يكون الإنسان قادرًا على العيش داخل البرمجة التي تحقق وجوده بدل أن يظل يصارعها.
القيد الذي يكمل الإنسان
من هنا تنقلب فكرة القيد.
عادةً يُنظر إلى القيد باعتباره نقصًا في الحرية. لكن إذا اختار الإنسان قيده طواعية، فقد يتحول القيد إلى صورة من صور الكمال.
فالإنسان الذي لا يستطيع إيقاف رغباته وأفكاره ومشاعره يظل في حالة نزيف مستمر. وكل رغبة تجر رغبة، وكل فكرة تفتح فكرة، وكل شعور يستدعي شعورًا آخر.
إنه لا يستطيع التوقف.
ولهذا فإن القيد ليس بالضرورة سجنًا؛ أحيانًا يكون إيقافًا للنزيف.
أن تضع حدًا بينك وبين العدم والفناء والهلاك يعني أنك بدأت تمنح وجودك شكلًا. وأن تختار هذا الحد بإرادتك يعني أنك اخترت الكمال بدل التشتت.
الإنسان الذي يريد دائمًا حياة غيره قد يكون غير قادر على اختبار حياته هو. ربما لو عاش حياته كاملة لما طلب حياة الآخرين أصلًا.
فالرغبة في حياة الآخر قد تكون نتيجة عدم القدرة على اللعب بلعبتك الخاصة وهذا سبب شعوره بالمعانات.
البرمجة واللغة
لكن البرمجة لا تظهر فقط في العلاقات والجسد والسلوك؛ بل تظهر أيضًا في اللغة.
الوجود نفسه يمكن النظر إليه باعتباره لغة، لا بمعنى لغة عربية أو حيوانية أو لغة مفهومة أو غير مفهومة، وإنما باعتبار اللغة صوتًا ونظامًا ودلالة.
إذا كانت اللغة التي يقوم عليها الوجود غير متماسكة، فإن الوجود نفسه يبدو ناقصًا.
ولهذا فالكلام الكامل يجب أن يكون متماسكًا، متكاملًا، مترابطًا، مندمجًا، دالًا، متناغمًا.
الكلام الذي ينسجم بعضه مع بعض يدل على وجود نظام خلفه. فإذا استطاع قائله أن ينشئ كلامًا كاملًا، متسقًا، دالًا، فإن البرمجة التي تظهر في كلامه تصبح إشارة إلى البرمجة الموجودة في وجوده وهذا يعني ان كمال كلماته وارتبطها وتنغمها تدل على كمال برمجته وصحتها.
هل للخالق كلام؟
إذا كان الكلام أداة من أدوات الكمال، يصبح السؤال ضروريًا: هل يتكلم الخالق؟
هناك احتمالان:
إما أن يكون الكلام انحرافًا عن الأصل وأداة فساد ينبغي التخلص منها، وفي هذه الحالة يجب أن يكون الخالق غير متكلم، ويصبح الكلام مجرد خلل في البرمجة.
وإما أن يكون الخالق هو الذي منح الإنسان القدرة على الكلام، وفي هذه الحالة لا بد أن يكون الكلام من أدوات الخلق، وأن يكون للخالق كلام، لكن الإنسان قد لا يكون قادرًا على إدراكه مباشرة.
والإنسان الكامل، كلما ازداد كمالًا، لا يصبح بالضرورة صامتًا، بل يصبح كلامه أكثر ضبطًا وحدودًا ودقة.
وبالتالي، إذا كان كلام الإنسان الكامل مضبوطًا، فإن الكلام الإلهي، إن كان موجودًا، ينبغي أن يكون أكثر ضبطًا وإحكامًا.
ومن هنا يصبح كلام الخالق، في هذه الرؤية، إشارات وآيات ودلائل واضحة للباحث عنه.
والبحث نفسه يصبح دليلًا؛ لأن المخلوق الذي يبحث عن الخالق يكون قد أدرك حدوده. وكلما أدرك الإنسان حدود نفسه، بدأ يرى الإشارات التي تدله على حدود الخالق.
لماذا يجب أن يكون هناك دليل ومرشد؟
إذا كان للخالق كلام مبين، فلا بد أن يكون هناك دليل ومرشد وطريق وعلامات.
فالباحث لا يبحث عن شيء لا توجد له إمكانية للقاء. وإذا كان الخالق يعلم أن هناك من يبحث عنه، فلا بد أن يكون هناك نوع من الرغبة في اللقاء بين الخالق والباحث.
وإلا يصبح البحث كله بلا أساس.
كما أن قيمة الكلام لا تأتي من الكلمات وحدها، بل من المتكلم. كلما كان المتكلم ذا قيمة، ارتفعت قيمة كلامه.
ولهذا، إذا قلنا إن الخالق حكيم، فلا يمكن أن ننفي عنه الكلام الحكيم دون أن نضع حكمته موضع السؤال. وإذا قلنا إنه عادل ورحيم، ثم نفينا وجود الهداية والدليل والمرشد، فإننا نضع عدله ورحمته موضع السؤال. وإذا نفينا النعيم، شككنا في فضله، وإذا نفينا الجحيم، شككنا في عدله.
كل «لا» هنا قد تتحول إلى رفض لصفة من صفات الخالق.
بل إن رفض الخلق نفسه يصبح، في أقصى نتائجه، رفضًا لوجود الإنسان؛ لأن وجود الإنسان قائم أصلًا على صفات وآليات وأدوات الخلق.
الثقة في الخالق والرضا بالوجود
لهذا لا يرى الإنسان في رفض وجوده حكمة واضحة.
إنه لا يستطيع أن يقول للخالق: «لا تخلقني»، لأنه لا يرى في هذا الرفض حكمة ولا عزاء ولا عدلًا ولا رحمة.
بل إن حسن الظن بالخالق يصبح ضرورة داخل هذه الرؤية؛ فإذا كان الإنسان لا يستطيع أن يحسن الظن بمن يعتقد أنه مصدر وجوده، فإن معنى الوجود نفسه يصبح مضطربًا.
ومن هنا يأتي الرضا بالوجود.
ليس الرضا معناه أن كل شيء في الحياة مثالي، وإنما أن الإنسان لا ينظر إلى وجوده باعتباره خطأ يجب الانتقام منه.
محبة الوجود ومحبة الجسد
محبة الوجود لا تعني التمسك الأعمى بالحياة، بل تعني قبول الحضور في الوجود.
الإنسان قد لا يحب كل مكان ولا كل حالة، لكنه يستطيع أن يحب وجوده نفسه، وأن يرى أن هذا الوجود يستحق أن يُعاش.
ولهذا يصبح الجسد محل امتنان بدل أن يكون محل انتقام.
الجسد يكافح في العدم، وأعضاؤه تعمل باستمرار. وإذا تأمل الإنسان عمل قلبه وسائر أعضائه، وجد منظومة كاملة تعمل من أجل بقائه.
الجسد لا يعمل ضده؛ بل يعمل من أجله.
وهنا يصبح الرضا بالجسد شكلًا من أشكال الرضا بالخلق.
من البرمجة إلى السلام الكامل
في النهاية، كل هذه الأفكار تعود إلى نقطة واحدة: البرمجة الأصلية هي التي تجعل الوجود ممكنًا، والانسجام معها هو الذي يجعل الوجود سالمًا.
إذا كانت البرمجة سليمة، فإن الإنسان لا يحتاج إلى قلق دائم ولا إلى التفكير في كل حركة صغيرة. تصبح أفعاله أكثر تلقائية، وأكثر ذكاءً، وأكثر انسجامًا.
أما إذا كانت البرمجة مضطربة، فإن الإنسان يضطر إلى التفكير والتدبير في كل شيء، ويظل في حالة مقاومة مستمرة.
ولهذا يصبح الهدف ليس التحرر من كل برمجة، بل الوصول إلى مستوى تصبح فيه البرمجة نفسها ذكية وسريعة وصالحة للإنسان؛ إلى درجة لا يعود فيها مضطرًا إلى الصراع مع وجوده.
إنه لا يريد أن يكون «مبرمجًا بلا تفكير» بمعنى الجمود، بل يريد أن يصل إلى حالة تصبح فيها البرمجة الأصلية أكثر كفاءة من التدبير المضطرب الذي يستهلكه.
فالبرمجة التي تعمل لصالحك تمنحك السلام، والبرمجة التي تعمل ضدك تصبح مصدرًا للعذاب.
الخاتمة: أن تعيش البرنامج الذي أنت عليه
ربما تكمن المفارقة الكبرى في أن الإنسان يتعذب أحيانًا لأنه يظن أنه يحتاج إلى التحرر من كل قيد، بينما قد يكون ما يحتاج إليه هو أن يجد القيد الذي يوافق وجوده ويختاره بإرادته.
فالوجود نفسه تمييز وحدود وبرمجة.
والجسد حد.
واللغة برمجة.
والعلاقة بين الذكر والأنثى تقوم على الفصل واللقاء.
والإيمان يكمل الجزء الناقص من الإنسان.
والنعيم هو وفرة الخيارات.
والجحيم هو سلب أدوات الاختيار.
والحجاب يحفظ الفروق التي تجعل اللقاء ممكنًا.
والكلام المتماسك يكشف عن نظام المتكلم.
والبحث عن الخالق يكشف عن إدراك المخلوق لحدوده.
والرضا بالوجود هو، في نهايته، رضا بالبرنامج الذي جعل الوجود ممكنًا.
لذلك فإن أعظم ما يمكن أن يبلغه الإنسان، وفق هذا التصور، ليس أن يهرب من البرمجة، بل أن يفهمها، وأن يعود إلى أصلها، وأن يجعلها تعمل لصالحه.
فإذا كان الوجود برنامجًا، فإن النعيم هو القدرة على تشغيل هذا البرنامج في انسجام.
وإذا كان العذاب هو النزيف المستمر، فإن السلام هو إيقاف النزيف.
وإذا كان الجحيم هو انعدام الخيارات، فإن النعيم هو أن تبقى أمامك إمكانية أخرى دائمًا.
وإذا كان الإنسان موجودًا بفضل البرمجة، فإن اكتمال وجوده لا يكون بمحاربة البرمجة، بل بفهم البرمجة الأصلية والعيش داخلها بوعي.
عندها لا يعود القيد مجرد قيد، ولا يصبح الحجاب مجرد حجاب، ولا يكون الجسد مجرد جسد، ولا تكون اللغة مجرد كلام؛ بل تتحول جميعها إلى وجوه مختلفة لشيء واحد: نظام الوجود الذي يجعل الشيء هو الشيء، ويفصل الموجود عن غيره، ثم يمنحه إمكانية اللقاء به.
وهنا يصبح السلام الكامل ليس غياب البرمجة، بل اكتمالها.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق