شعار الموقع لنسخة الدارك مود

شعار الموقع لنسخة الدارك مود

البرمجة الأصلية: الوجود بين النظام والتجسد والحرية والصراع

يبدأ السؤال من نقطة تبدو بسيطة، لكنها تمتد إلى أساس الوجود كله: ماذا لو لم يكن الوجود عشوائيًا، بل كان قائمًا على البرمجة والهندسة والنظام؟

إن الوجود، في هذه الرؤية، ليس شيئًا منفصلًا عن التنظيم؛ فما هو موجود يتخذ صورة وشكلًا ويتجسد ضمن نظام. أما ما لا وجود له، فلا يمكن أن يكون منظمًا أو متشكلًا أو متجسدًا. ومن هنا يصبح النظام نفسه دليلًا على أن وراء التجسد مبررًا، وأن وراء التنظيم مبرمجًا ومهندسًا.

فإذا افترضنا أن الوجود بلا تنظيم، وأن الحياة لا تستند إلى أي هندسة أو برمجة، فإن وجودنا نفسه يفقد مبرره. وإذا كان الأصل هو العبث والعشوائية المطلقة، فلن يعود هناك سبب حقيقي يدعو إلى الفعل أو البحث أو الكلام أو حتى الحضور في هذا الوجود؛ إذ لا يبقى حينها «داعٍ» يستدعي شيئًا، ولا غاية تبرر الحركة.

ولهذا فإن رؤية العبث والعشوائية قد تكون، في هذا التصور، انعكاسًا لخلل في البرنامج الذي يرى الأشياء، لا بالضرورة وصفًا للبرنامج الذي تنتظم به الأشياء. من يرى الفوضى في كل شيء قد يكون يرى فوضى برنامجه الداخلي، فيسقط ذلك الخلل على الوجود نفسه. أما حين يستقيم البرنامج، فإنه يرى النظام حيث كان يظن أنه يرى العبث.

ومن هنا تظهر مفارقة أخرى: الإنسان كثيرًا ما يدافع عن الخلل الذي يعانيه، بل قد يدافع عن الشيء الذي يعذبه. فالمتألم قد يبرر ألمه، والمريض قد يتماهى مع مرضه، ومن يحمل خطأً قد يتحول إلى مدافع عن ذلك الخطأ. ولذلك فإن رفض النظام قد لا يكون دائمًا بحثًا عن الحقيقة، بل أحيانًا دفاعًا عن خلل أصبح الإنسان جزءًا منه.



الحدود ليست ضد الجميع

إذا كان الوجود قائمًا على نظام، فإن كل شيء فيه ليس متاحًا للجميع بالضرورة.

المحدودية هنا لا تعني النقص، بل تعني التخصيص. فالكتاب المخصص لطلاب المرحلة الثانوية ليس كتابًا مفتوحًا لكل استعمال، والعين مخصصة للرؤية، والسمع مخصص للسمع، والفهم مخصص لمن يملك القدرة على الفهم. وسائل الخالق، في هذه الرؤية، مشروطة؛ لا يحصل الإنسان على شيء لمجرد رغبته فيه، بل يحصل على ما هو داخل مجاله وما يتناسب مع برمجته.

ومن هنا تظهر مسألة الرغبة في امتلاك ما ليس للإنسان.

قد يريد شخص شيئًا لا يحصل عليه، فيتحول عدم حصوله عليه إلى مصدر للعداء. وقد يريد آخر أن يمتلك سلطة أو مكانة ليست له. بل قد يصل الأمر، في أقصى صوره، إلى الرغبة في الألوهية نفسها.

لكن الألوهية، وفق هذا المنطق، ليست مجالًا مفتوحًا للجميع؛ لأن فتحها للجميع يلغي معناها. إذا كان الجميع آلهة، فما الذي يبقى لمعنى الألوهية أصلًا؟

وهنا يصبح الفرق بين «ما لك» و«ما ليس لك» أساسيًا: ما هو لك تتمتع به، وما ليس لك قد يتحول إلى مصدر للعذاب عندما تطلبه وتصر على الحصول عليه. ومن هنا يمكن فهم لماذا قد يرى من ثار على الخالق أن الخالق هو مصدر عذابه؛ ليس لأن الخالق في ذاته كذلك، وإنما لأن إرادته لم تتجسد بالصورة التي أرادها هو.

إنه يريد شيئًا، لكن شيئًا آخر يتجسد بدلًا منه.

وهنا يدخل الإنسان في علاقة سيئة مع الجسد والتجسد والحدود.

التجسد: نعمة أو عذاب بحسب ما نصنعه به

التجسد ليس خيرًا أو شرًا في ذاته. الجسد يصبح مجالًا للنعيم أو للعذاب بحسب الطريقة التي يسوق بها الإنسان جسده.

فالإنسان الذي يسوق جسده إلى القبح، ويجعل أعماله وتجسده أدوات للقبح، ينتهي إلى القبح. أما من يسوق جسده إلى الجمال والكمال، فإن التجسد يصبح بالنسبة إليه أفضل ما حصل له.

وبذلك ليست المشكلة في وجود الحدود أو في وجود الجسد، وإنما في كيفية التعامل معهما.

الباب، مثلًا، يكون لصالح أهل البيت لأنه يحميهم، بينما يكون عائقًا أمام من لا يملك حق الدخول. وكذلك الحدود: قد تكون لصالح من ينتمي إليها، وضد من يريد تجاوزها دون حق.

لهذا فإن الثورة على الحدود لا تعني بالضرورة التحرر، كما أن الثورة على التجسد لا تعني بالضرورة الخلاص.

بل قد يكون الإنسان هو الذي يفسد تجسده لكي يثبت أن التجسد سيئ، بينما يحسن آخر تجسده ليبرهن على عكس ذلك.

وفي النهاية، «إن هي إلا أعمالكم»: ما تسوقه إلى الوجود من خلال أفعالك هو ما يعود إليك.

عندما يخاف النقص من الكمال

إذا تجسد الكمال، فلا يبقى للناقص المجال نفسه للمنافسة.

ولهذا فإن النقص قد يحاول منع الكمال من الظهور قبل أن يكتمل. فالكامل، إذا تجسد في صورة العدل، لا يترك مجالًا واسعًا للظلم. وإذا تجسد الحق، ضاق المجال أمام الخيانة والفساد والعداء.

ولهذا تتدخل «الأيادي الخارجية» في هذه الرؤية لتضعف الإرادة وتشتت القدرة وتمنع اكتمال التجسد.

ومن هنا تظهر صورة الصراع بوصفه صراعًا بين رؤيتين: رؤية تريد أن يتجسد الكمال، ورؤية تستفيد من بقاء النقص.

ولا يكون الصراع بالضرورة بين دولتين أو بين معسكرين سياسيين بالمعنى التقليدي، بل بين تصورين للوجود. وفي الصراع تظهر حقيقة كل رؤية، ويظهر ما كان مخفيًا فيها.

ولهذا يصبح السلام الحقيقي، في هذا التصور، غير مجرد هدنة بين القوى المتعارضة؛ فالسلام لا يتحقق ما دامت موانعه قائمة. ومن هنا تأتي فكرة «التنظيف»: تنظيف الجسد، وتنظيف الأرض، والتخلص من السموم والفضلات والخيانة وكل ما يمنع اكتمال النظام.

الحرب بوصفها مواجهة مع موانع السلام

الحرب هنا ليست دعوة إلى العنف لمجرد العنف، بل تُطرح بوصفها صورة قصوى لصراع بين ما يريد الاستمرار في الفساد وما يريد استعادة النظام.

وقد تكون هناك حرب غير معلنة، عداء غير معلن، صراع مستتر لا يظهر بصورة مباشرة، لكنه يعمل في العمق. وعندما يصبح هذا الصراع غير قابل للكتمان، يظهر على السطح.

لكن القوة في هذه الحرب ليست مجرد الحديد والسلاح.

فالقوة يمكن أن تكون نفسية واجتماعية واقتصادية وروحية. الدولة التي تملك الأسلحة ليست بالضرورة الدولة التي تملك القدرة على الحرب؛ لأن الحرب تديرها أيضًا قدرة المجتمع على التحمل، والجاهزية النفسية، والاستعداد الاقتصادي، والقدرة على الاستمرار.

ولهذا فإن اختزال القوة في ترتيب الجيوش وعدد الطائرات والدبابات والصواريخ هو قراءة ناقصة.

فالحديد يصدأ، والسلاح ينفد، لكن هناك أشياء أشد صلابة من الحديد: الإرادة، والقدرة على الصمود، والتماسك، والقدرة على الاستمرار.

نقص الغذاء ونقص التركيز

ومن أخطر صور إضعاف الإنسان، وفق هذه الرؤية، ليس فقط تقليل ما يأكله، وإنما تقليل «فاعلية» ما يصل إليه.

قد يبدو الشيء كثيرًا في صورته، لكنه قليل في تأثيره. كما يمكن أن تكون الكمية كبيرة، بينما يكون التركيز والمفعول ناقصين.

وهذا يرتبط بفكرة أساسية: من يريد السيطرة على الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى السيطرة على جسده مباشرة؛ يكفي أحيانًا أن يشتت تركيزه.

فالإنسان غير المركز يمكن أن تُزرع في ذهنه أفكار، ويمكن أن يعاد تشكيل إدراكه للواقع، ويمكن أن تتغير عنده الحقائق لأنه لم يعد يملك القدرة الكافية على التركيز والمراجعة.

ومن هنا يأتي نقد المناهج التعليمية الحديثة.

فالمناهج القديمة، بحسب التصور المطروح، كانت أكثر كثافة ودسامة، وكانت تتطلب من الطالب تركيزًا كبيرًا. أما المناهج الحديثة فقد تتحول فيها المعلومة البسيطة إلى عشرات الصفحات من التكرار والتفصيل، بما قد يؤدي إلى إضعاف القدرة على التركيز بدل تقويتها.

ومن الخطأ، في هذا السياق، مساواة الشهادة بالمعرفة، أو الجامعة بالثقافة، أو التعليم الرسمي بالقدرة على إدراك الصواب.

قد يوجد إنسان لم يدخل المدرسة إلا قليلًا، لكنه يملك قدرة على الإدراك والتركيز أفضل من شخص أمضى عشرين عامًا في التعليم.

فالمشكلة ليست في عدد السنوات التي قضيتها في الدراسة، وإنما في مقدار ما بقي من قدرتك على الفهم.

حين يصبح كل شيء متاحًا يفقد بعض الأشياء قيمتها

من هنا يأتي الاعتراض على فكرة إتاحة كل شيء للجميع دون تمييز.

حين يصبح التعليم مفتوحًا بلا حدود، والمعلومات السرية مفتوحة، وكل شخص قادرًا على تقديم نفسه بوصفه صاحب معرفة، تختلط المستويات وتضيع الخصوصية.

القيمة، في هذا التصور، تحتاج أحيانًا إلى حدود وأسوار؛ لأن ما هو متاح للجميع بصورة مطلقة قد يفقد جزءًا من قيمته.

وهذا لا يعني أن المعرفة سيئة، بل يعني أن المعرفة ليست مجرد كمية من المعلومات. هناك فرق بين أن تملك معلومات، وأن تملك أهلية حملها وفهمها واستعمالها.

التكنولوجيا: أداة ثانوية أم بديل عن الأصل؟

تأتي التكنولوجيا في هذا السياق بوصفها مثالًا واضحًا على انقلاب الوسيلة إلى غاية.

التكنولوجيا في أصلها أداة. لكنها تصبح مشكلة عندما يتحول الإنسان من مستخدم لها إلى عبد لها.

فالإنسان عاش قبل التكنولوجيا، واستطاع أن يبني ويزرع ويأكل ويتواصل ويعيش. ولذلك فإن عدم القدرة على العيش بدون التكنولوجيا قد يكون، في حد ذاته، علامة على تغير العلاقة بين الإنسان والأداة.

حتى الأشياء البسيطة تكشف ذلك.

عندما يغسل الإنسان ملابسه بيده، يشعر بأنه هو الذي قام بعملية التنظيف. أما عندما تضع الآلة الملابس وتضغط زرًا ثم تنتظر، فقد تنفصل عن الفعل نفسه، رغم أن النتيجة قد تكون أفضل.

المشكلة ليست في الغسالة، وإنما في انتقال الإنسان من الفاعل إلى المتلقي.

ولهذا لا تكون التكنولوجيا عدوًا في ذاتها، وإنما تصبح خطرة عندما تعظم الثانويات وتضعف الأساسيات.

الذكاء الاصطناعي والفراغ

ينطبق الأمر نفسه على الذكاء الاصطناعي.

فالانبهار بقدرته على تلخيص الكتب أو إعادة إنتاج المعلومات لا يعني بالضرورة امتلاك معرفة جديدة. قد تحصل على ملخص لكتاب، لكن يبقى السؤال: ماذا فعلت أنت بهذا الملخص؟

المشكلة، في هذه الرؤية، ليست في الأداة نفسها، بل في احتمال استخدامها لدفع الإنسان نحو الفراغ: أن يصبح مستهلكًا للنتائج بدل أن يكون فاعلًا في عملية المعرفة.

ومن هنا يأتي نقد الهوس بالفضاء واستعمار الكواكب، وخصوصًا المريخ.

إذا كان الإنسان لم يستكمل إصلاح الأرض، فلماذا يهرب إلى مكان لا يملك فيه أساسيات الحياة؟

على الأرض يوجد الهواء والماء والنبات والطعام والبنية اللازمة للحياة. أما في مكان آخر، فقد يضطر الإنسان إلى صناعة كل شيء تقريبًا من البداية.

فما الذي نبحث عنه هناك إذا كانت لدينا هنا أرض لم نفهمها ولم نحسن إدارتها؟

السؤال ليس: هل يمكن الوصول إلى المريخ؟ بل: ماذا سنحقق هناك، وما الذي نعجز عن تحقيقه هنا؟

القوة ليست في التكنولوجيا وحدها

ومن هنا يعود السؤال إلى الحرب.

هناك من يتخيل أن الحرب القادمة ستحددها التكنولوجيا وحدها، وأن من يمتلك السلاح الأكثر تقدمًا سينتصر.

لكن هذا التصور ناقص.

فإذا كانت التكنولوجيا متاحة للانتشار، فإن الفارق بينها قد يضيق. وقد تصل أطراف متعددة إلى مستويات متقاربة من التسليح.

أما العامل الحاسم فيبقى أوسع: الجاهزية، والاقتصاد، والمجتمع، والإرادة، والقدرة على التحمل، والعلاقات، والامتداد النفسي والاجتماعي.

ولهذا لا يمكن قراءة قوة دولة من خلال الحديد فقط.

القوة قد تكون في العلاقات التي بنتها الدولة، وفي المجتمع الذي يحميها، وفي قدرتها على الاستمرار، وفي قدرتها على تحمل الحرب.

العودة إلى البرنامج الأصلي

كل هذه الأفكار تعود في النهاية إلى مفهوم واحد: البرنامج الأصلي.

فالإنسان لا يحتاج فقط إلى اكتشاف أشياء جديدة؛ يحتاج أيضًا إلى العودة إلى الأصل.

وأعلى درجات البرمجة، وفق هذه الرؤية، أن يمتلك الإنسان جاهزية كاملة للدفاع عن برمجته الأصلية.

فإذا جاء شيء يريد إفساد البرنامج، فلا ينبغي أن يتحول الإنسان إلى شريك في إفساده.

وهنا تظهر مسألة «الإيقاظ».

الإيقاظ ليس مجرد خروج من حالة نوم، وإنما قد يكون مواجهة مباشرة مع كل ما تم إدخاله إلى البرنامج من أخطاء وانحرافات. وفي أقصى صورة، يصبح التخلص من الخلل شبيهًا بعملية قتل للخلل داخل البرمجة.

لكن هذه الفكرة تضع مسؤولية كبيرة على الإنسان: ليس كل من يدعي أنه يوقظك يكون مصلحًا، وليس كل من يطلب منك هدم ما حولك قد أخرجك من المصفوفة.

الحلاج ومشكلة تفكيك البرمجة

يمكن هنا استحضار الحلاج بوصفه مثالًا على الصراع مع برمجة العصر.

فقد خرج على النظام الفكري السائد في زمنه، وانتهى إلى القتل.

لكن الدفاع عن الإنسان لا يعني بالضرورة الدفاع عن كل ما قاله أو فعله. فهناك فرق بين مقاومة برمجة ظالمة وبين الرغبة في تفكيك كل البرمجة.

إذا كنت تريد تحرير الإنسان، لكنك في الوقت نفسه تريد تفكيك المجتمع والجسد والعلاقات وكل الحدود، فإنك قد تتحول من محرر للبرنامج إلى مفسد له.

فالبرنامج يحتاج إلى الإصلاح، لا إلى الإلغاء.

لماذا تكون القيود ضرورية؟

وهنا نصل إلى مسألة الحرية.

لماذا ينظر الإنسان إلى القيود وكأنها شر مطلق؟

هناك قيود هي جزء من الكينونة نفسها. العلاقة تحتاج إلى حدود، والهوية تحتاج إلى حدود، والجسد يحتاج إلى حدود، والعلاقة مع الإله تحتاج إلى حدود وتشخص وتجسد حتى تصبح علاقة فعلية.

أما العلاقة المفتوحة بلا حدود، فقد تنتهي إلى إلغاء العلاقة نفسها.

فإذا لم تتحدد العلاقة ولم تتشخص ولم تتجسد، يصبح من الصعب الحديث عن علاقة حقيقية.

لذلك ليست كل الحدود سجنًا.

بعض الحدود هي التي تجعل الشيء ممكنًا أصلًا.

من يسمح للعدو بالدخول؟

إذا كان الإنسان برنامجًا، فإن السؤال يصبح: كيف نعرف ما الذي يدخل إلى هذا البرنامج؟

هناك أشياء تدخل من الباب الواضح، وأشياء تتسلل من أبواب خفية.

وفي هذا التصور، ما يحتاج إلى الاختباء قد يكون مؤشرًا على أنه لا يخدم البرنامج.

فالجسد الذي يسمح بدخول ما يفسده قد يصبح موطنًا للخلل. والإنسان الذي يسمح للعدو بأن يسكن فيه، ثم يبرر وجوده، قد يتحول تدريجيًا من سيد لجسده إلى أسير داخله.

ولهذا فإن التنظيف يبدأ من الداخل.

ليس المقصود أن يقوم الآخر بتنظيفك، بل أن تنظف نفسك بنفسك، وأن تراجع ما دخل إليك، وأن تميز بين ما يخدم برنامجك وما يفسده.

«الصحوة» ليست جنونًا

من أخطر الأخطاء تحويل الصحوة إلى عزلة وقطيعة مع الجميع.

ليس معنى أن الإنسان «استيقظ» أن يقطع علاقاته، أو يصبح مشردًا، أو يرفض أسرته ومجتمعه، أو يعلن نفسه مجنونًا.

إذا أصبحت الصحوة سببًا في تدمير حياتك، وإفساد علاقاتك، وفقدان ممتلكاتك، ورفض كل مسؤولية، فهنا يجب أن تسأل: هل هذه صحوة فعلًا؟

لا ينبغي أن يتحول الجنون إلى عقل، ولا العقل إلى جنون.

فالإنسان الذي يرفض مراجعة نفسه، ويرفض الاعتراف بإمكان خطئه، قد يستخدم فكرة «الخروج من المصفوفة» للهروب من المسؤولية.

والإنسان الذي يدعي أنه بلا هوية، بلا اسم، بلا جنس، بلا انتماء، قد يكون في الحقيقة ينكر أبسط المعطيات التي تشكل وجوده.

فالهوية ليست عيبًا.

أن تكون جزائريًا ليس عيبًا، وأن يكون الإنسان ذكرًا أو أنثى ليس عيبًا، وأن يكون له اسم وأسرة ومكان نشأة ليس عيبًا.

المشكلة ليست في الحدود، بل في الخلل الذي يجعل الإنسان يكره وجوده نفسه.

الخيال والوهم

كلما طغى الخيال على الإنسان، قل أثره في الواقع.

وعندما يقل أثره في الواقع، يبدأ الواقع نفسه في الظهور أمامه كأنه خيال.

أما حين يترك الإنسان أثرًا حقيقيًا في العالم، فإنه يشعر بواقعية وجوده.

ومن هنا تظهر العلاقة بين الخيال والوهم.

فالإنسان قد يصبح عبدًا لخيالاته، وقد يتحول الخيال من أداة إلى سيد. وتظهر هذه المشكلة بوضوح في الفانتازيا الجنسية التي يمكن أن تصبح، في هذا التصور، بديلًا عن الفعل الحقيقي، وتستهلك الطاقة بدل أن توجهها إلى التجسد الواقعي.

وهكذا يصبح الإنسان أسيرًا لصورة في ذهنه بدل أن يعيش الواقع.

لا تترك الخلل صغيرًا

الخلل الصغير إذا تُرك يكبر.

لذلك فإن مواجهة الخلل ينبغي أن تبدأ منذ ظهوره، لا بعد أن يصبح جزءًا من البنية.

إذا شعرت بأن هناك شيئًا غير سليم، فراجعه. ابحث عن مصدره. لا تسمح له بأن يتوسع فقط لأن مواجهته الآن تبدو غير مريحة.

فالأفعى تُقتل وهي صغيرة قبل أن تصبح أكبر من قدرتك على السيطرة.

وهذا لا يعني الوسواس المرضي، بل يعني المراجعة الجادة.

الشك المنهجي ليس ضعفًا دائمًا؛ أحيانًا يكون وسيلة لحماية البرنامج. الإنسان الذي لا يراجع شيئًا قد يكون هو الأكثر تعرضًا للخلل، بينما المراجعة الثانية والثالثة والرابعة قد تكون ضرورية عندما يكون الخطر كبيرًا.

لا يوجد توازن بين الخير والشر

من أخطر الأفكار، وفق هذه الرؤية، فكرة «التوازن بين الخير والشر».

فالخير والشر ليسا قوتين متساويتين يجب التعايش بينهما.

العدالة لا تتوازن مع الظلم، وإنما غياب الظلم هو الذي يسمح للعدالة بأن تكون عدالة بمعنى لايوجد توازن بين الخير والشر بل الخير هو التوازن.

ولهذا فإن السماح للشر بالتعايش مع الخير قد يؤدي إلى تطبيع الشر.

فإذا كان المجرم يشكل خطرًا حقيقيًا، فإن العدالة لا تعني أن تتركه يعيش داخل المجتمع كما لو لم يحدث شيء.

المقصود ليس الانتقام، بل حماية النظام من الخلل.

ومن هنا يصبح السلام الحقيقي مختلفًا عن مجرد التعايش مع الشر.

فالشر هو الذي يستدعي الحرب عندما يهدد النظام، لا من يحاول إيقافه.

المقاومة شرط للحماية

إذا لم تقاوم الخلل، فإنه يتمدد.

فالعدو لا يحتاج دائمًا إلى القوة المباشرة؛ يكفي أحيانًا أن يقنعك بعدم المقاومة.

حين تتوقف عن المقاومة، يدخل الخلل، ثم يستقر، ثم يبني لنفسه مكانًا داخل البرنامج، ومع الوقت يصبح إخراجه أصعب.

ولهذا فإن المقاومة ليست دائمًا عدوانًا؛ قد تكون دفاعًا عن الحدود والهوية والجسد والبرنامج.

الطعام الطبيعي والبرنامج الحيوي

تعود الفكرة نفسها إلى الغذاء.

هناك اعتراض على استبدال المصدر الطبيعي بمصدر صناعي لمجرد أن الأخير يقدم نفسه بوصفه بديلًا.

فالحيوان، في هذه الرؤية، جزء من النظام الغذائي والبرنامج الحيوي، واللحم ليس مجرد بروتين يمكن استبداله آليًا بمادة أخرى.

المسألة ليست كمية البروتين وحدها، وإنما طبيعة المصدر والتكوين الكامل الذي يأتي معه.

ومن هنا يظهر نقد تحويل الغذاء إلى منتج صناعي منفصل عن أصله، وكأن الإنسان يستطيع أن يعيد بناء كل شيء بمجرد معرفة بعض مكوناته.

فمعرفة جزء من النظام لا تعني امتلاك النظام كله.

البرنامج الحيوي أعقد من تدخلاتنا

الإنسان نفسه مثال على ذلك.

فالجنين يبدأ من انقسامات لا يظهر فيها شكل الإنسان النهائي. ومع ذلك، تتجه هذه الانقسامات نحو تكوين أجهزة مختلفة: جهاز هضمي، جهاز مناعي، جهاز عصبي، هيكل عظمي وغيرها.

إنها عملية شديدة التعقيد، تجعل من السهل التساؤل عن حدود قدرة الإنسان على إعادة كتابة البرنامج.

قد يستطيع الإنسان التدخل في أجزاء منه، وقد يستطيع تعديل بعض العمليات، لكنه لا يعني بذلك أنه امتلك البرنامج كله أو استطاع استبداله.

ولهذا فإن محاولة إعادة كتابة الحمض النووي أو «كتابة البرنامج من جديد» لا تعني بالضرورة التغلب على البرنامج الأصلي.

فالبرنامج موجود داخل الإنسان نفسه، ولولاه لما استطاع الإنسان أن يحاول تعديله أصلًا.

الطب بين الإنقاذ والتبعية

ينطبق الأمر أيضًا على الطب.

ليس الاعتراض على إنقاذ الإنسان أو علاجه، وإنما على تحويل العلاج إلى نظام يجعل الإنسان عاجزًا عن الاعتماد على برنامجه الحيوي.

فإذا أصبح الإنسان محتاجًا بصورة دائمة إلى تدخل خارجي كي يستمر، فإن السؤال يصبح: هل نحن نصلح البرنامج أم نصنع برنامجًا جديدًا لا يستطيع الاستمرار دون تدخلنا؟

هنا يظهر الفرق بين المساعدة وبين صناعة الاعتماد.

يمكن أن يكون التدخل مفيدًا عندما يعالج خللًا حقيقيًا، لكن يمكن أن يتحول إلى مشكلة إذا أصبح التدخل نفسه مصدرًا للتبعية.

الخلود ليس هنا

وفي النهاية يبقى الموت جزءًا من النظام.

الإنسان الذي يولد يموت.

يمكن للطب أن يقلل الوفيات، ويمكن للإنسان أن يطيل العمر، ويمكن أن تنقذ حياة شخص عزيز من خلال العلاج، لكن ذلك لا يعني أن الإنسان ألغى الموت.

الخلود ليس موجودًا هنا.

ولهذا فإن قبول حقيقة النهاية لا يعني التخلي عن الحياة، بل يعني فهم طبيعتها.

فإذا كان وجودنا مؤقتًا، فإن السؤال الحقيقي لا يصبح كيف نمنع النهاية بأي ثمن، وإنما كيف نعيش داخل البرنامج الذي وجدنا أنفسنا فيه، وكيف نحسن تجسدنا، وكيف نحافظ على ما أعطي لنا، وكيف لا نسمح للخلل بأن يحول وجودنا إلى عذاب.

خاتمة: العودة إلى الأصل

في النهاية، تعود كل الخيوط إلى الفكرة الأولى:

الوجود برمجة، والبرمجة نظام، والنظام تجسد، والتجسد مسؤولية.

ليست الحرية في إزالة كل الحدود، ولا المعرفة في امتلاك أكبر عدد من المعلومات، ولا القوة في امتلاك أكبر عدد من الأسلحة، ولا التكنولوجيا في امتلاك أحدث الأجهزة، ولا الصحوة في قطع العلاقات، ولا التحرر في إنكار الهوية، ولا الصحة في التدخل الدائم، ولا التقدم في الهروب من الأرض.

المسألة كلها تتعلق بقدرة الإنسان على معرفة البرنامج الذي يعيش داخله، والتمييز بين ما يخدمه وما يفسده.

فالذي يتمتع بحدوده قد يرى الحدود حماية، والذي يعاني منها قد يراها سجنًا.

والذي يحسن تجسده قد يرى الجسد نعمة، والذي يسوق جسده إلى القبح قد يراه عذابًا.

ولهذا فإن العودة إلى البرنامج الأصلي لا تعني العودة إلى الماضي، وإنما العودة إلى الأساس: إلى الواقع بدل الوهم، إلى الفعل بدل الفانتازيا، إلى التركيز بدل التشتيت، إلى التجسد بدل الهروب، إلى المسؤولية بدل الإنكار، وإلى حماية ما هو قائم بدل تدميره باسم التحرر.

فالبرنامج الذي نبحث عنه ليس شيئًا خارجنا تمامًا؛ إنه حاضر فينا أيضًا.

والمشكلة ليست دائمًا أن الإنسان لا يملك البرنامج، بل أنه قد ينسى أن البرنامج موجود فيه، ثم يحاول أن يستبدله بشيء أقل منه.

ومن هنا يبدأ الصراع الحقيقي: ليس بين الإنسان والوجود، وإنما بين ما يمكن أن يتجسد في الإنسان من كمال، وبين كل ما يحاول أن يمنع ذلك الكمال من التجسد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كاتب التدوينة
كاتب التدوينة
هذا النص هو مثال لنص يمكن أن يستبدل في نفس المساحة، لقد تم توليد هذا النص من مولد النص العربى، حيث يمكنك أن تولد مثل هذا النص أو العديد من النصوص الأخرى إضافة إلى زيادة عدد الحروف التى يولدها التطبيق.
G.M HERMES