تبدأ المسألة من فكرة تبدو بسيطة، لكنها تمتد إلى العمل والعلاقات والهوية والمجتمع وحتى تصور الإله نفسه: ليست كل مهمة تستحق أن تخوضها، وليست كل مهمة قابلة للإنجاز أصلًا.
عندما ينجح الإنسان في مهمة حقيقية، فإنه يكون قد أنفق جزءًا من رأس ماله: وقته، جهده، طاقته، تركيزه وموارده. ولذلك فإن رأس المال، مهما كان كبيرًا، لا ينبغي أن يُستنزف في مهمة لا تنتهي. فإذا حاول شخص استصلاح أرض لا ينتهي استصلاحها، فلن تكفيه ميزانيته مهما كانت ضخمة؛ لأن الأرض ستظل تستنزفه، والمشروع سيظل يطلب منه المزيد، إلى أن يتحول المشروع نفسه إلى مصدر للفشل.
ومن هنا يظهر تعريف مهم للمهمة الفاشلة: هي المهمة التي لا تنتهي، أو التي لا يمكن إكمالها، أو التي لا توجد لها نقطة طبيعية يتحقق عندها الإنجاز. والمشكلة ليست في أن الإنسان لم يبذل جهدًا كافيًا، وإنما في أن المهمة نفسها غير قابلة للاكتمال. ولهذا فإن الحكمة ليست دائمًا في الإصرار على الاستمرار، بل قد تكون في معرفة ما ينبغي تجنبه منذ البداية.
قد يدخل الإنسان في علاقة، أو فكرة، أو شعور، أو مشروع، ثم يجد نفسه أمام شيء يسحبه باستمرار إلى مزيد من الغرق. هو لا يستطيع أن يكمل، وفي الوقت نفسه لا ينتهي الأمر. يظل عالقًا بين عجزه عن الإكمال وعجز الأمر عن الانتهاء. وهذه هي بداية العذاب: أنت غير قادر على الإكمال، والأمر نفسه غير مكتمل.
وحين يصبح الشيء أكبر من قدرة الإنسان على الإنجاز، من دون أن يمتلك في المقابل بنية تسمح له بالوصول إلى النهاية، يتحول إلى استنزاف. كما أن محاولة إنجاز مشروع ضخم بميزانية صغيرة جدًا قد تجعل المشروع يستهلك كل الموارد قبل أن يبدأ فعليًا. ولذلك قيل إن بعض الأشياء ليست أكبر منك فحسب، ولا أصغر منك فحسب، وإنما غير متناسبة معك أصلًا؛ إما أن تغرق فيها، أو تغرق هي فيك. إما أنك تعجز عنها، أو أنك تفسدها بمحاولة التعامل معها بما لا يناسب طبيعتها.
وهنا نصل إلى قاعدة أعمق: محاولة توحيد ما لا يتوحد هي محاولة فاشلة، ومحاولة جمع الأضداد بلا أساس من التناسق قد تكون محاولة مستحيلة. أنت لا تستطيع أن تفتح برغيًا من دون مفتاحه المناسب؛ فإن أصررت، فقد تفسد البرغي أو تفسد المفتاح، لكن الفساد في الحالتين ناتج عن غياب التناسق بين الشيء والأداة.
وهذا ينسحب على الإنسان نفسه. فالمهمة التي ليست لك، ولا تتناسب مع تكوينك، ولا تنسجم مع قدراتك وحدودك، قد تفشل مهما كنت قويًا؛ ليس لأنك عاجز بصورة مطلقة، بل لأنها ليست مهمتك. فالمناسبة والتناسق شرطان أساسيان للنجاح.
ليس كل شيء صالحًا للجميع
من الأخطاء أن نفترض أن كل مجال يجب أن يكون مفتوحًا للجميع بالطريقة نفسها. ليس كل الناس مطالبين بالشيء نفسه، ولا كل إنسان مناسب لكل مجال، ولا كل فعل يلائم كل شخص.
حين يصبح كل شيء مفتوحًا أمام الجميع دون اعتبار للاختلاف في التكوين والمناسبة، فإننا لا ننتج بالضرورة مزيدًا من الحرية، بل قد ننتج مزيدًا من التجارب الفاشلة والمشروعات الفاشلة والعلاقات الفاشلة.
ويظهر ذلك بوضوح في العلاقات. فليس كل النساء مناسبات لكل الرجال، وليس كل الرجال مناسبين لكل النساء. العلاقة لا تنجح بمجرد إمكان حدوثها، وإنما تحتاج إلى التوافق والتناسب والتناغم. وعندما يفتح الإنسان نفسه لعلاقات عابرة ومتعددة بلا حدود، فإن النتيجة، وفق هذا التصور، ليست زيادة في الحرية، وإنما مزيد من الاضطراب والفساد؛ لأن العلاقة الناجحة هي التي تجعل الطرفين ينموان معًا، بينما العلاقة الفاشلة هي التي تجعل نمو أحد الطرفين، أو نموهما معًا، أمرًا مستحيلًا.
العلاقة المناسبة تبني، والعلاقة الفاسدة تهدم. البناء يعني النمو والزيادة والاكتمال، أما الفساد فهو العملية العكسية: التراجع والتحلل والانقسام.
ومن هنا يمكن القول إن العلاقة الناجحة ليست مجرد اجتماع شخصين، بل اجتماع يسمح لهما بالنمو معًا. فإذا صار الطرف الآخر عائقًا أمام نموك لأنه غير مناسب لك، فإن استمرار العلاقة لا يعني نجاحها، بل قد يعني استمرار الاستنزاف.
المجال المفتوح والحدود المشوهة
يمكن نقل الفكرة نفسها إلى المجالات والمنظومات. فالمجال المفتوح بصورة مطلقة، الذي لا حدود له ولا تعريف ولا شروط، قد يتحول إلى بؤرة للفساد؛ لأنه يسمح بتشوه الحدود، وتشوه الهوية، وتشوه التعريفات.
أما المجال المحدد والمقيد، فإنه لا يلغي الهوية، بل قد يكون هو الذي يسمح بتكوينها. الحدود ليست بالضرورة سجنًا، بل قد تكون الشرط الذي يجعل الشيء شيئًا معينًا.
ولهذا فالهوية ليست، في هذا التصور، تشوهًا في الوعي ولا حجابًا ينبغي التخلص منه، وإنما هي نتيجة من نتائج اكتمال النمو والتجسد. الإنسان ينمو، ويتشكل، وتتراكم عليه الخبرات والعلاقات والصفات والتعيينات، حتى يصبح له اسم وهوية وشخصية محددة.
وعندما تكتمل الهوية، لا يكون الإنسان قد أصبح ناقصًا، وإنما أصبح أكثر اكتمالًا.
أما الفكرة التي تقول إن الإنسان في الحقيقة ليس هو نفسه، وإنه لا يحتاج إلى هوية، وإن الهوية مجرد حجاب يمنعه من رؤية الحقيقة، فتُرفض هنا على أساس أن رفض الهوية قد يكون في جوهره رفضًا للنمو والتجسد. فالهوية المكتملة تعبر عن اكتمال مسار، وليست نقصًا فيه.
الهوية العابرة والإنسان المعلق بين الأشكال
العلاقات العابرة والمتعددة، وفق هذا الطرح، تمنع الإنسان من بناء هوية مستقرة؛ لأنها تجعله في حالة تحرر دائم من التعيين. ويصدق ذلك هنا على الذكر والأنثى معًا: فالعلاقات العابرة قد تجعل الذكر غير قادر على بناء هوية ذكورية مستقرة، والأنثى غير قادرة على بناء هوية أنثوية محددة.
فيصبح الإنسان في تغيير دائم، ينتقل بين الأساليب والمسميات والهويات، ويظل ضائعًا بين أشكال كثيرة دون أن يستقر في صورة متماسكة.
ومن هنا تأتي أهمية الاسم.
فالاسم، في هذا التصور، ليس شيئًا وهميًا أو تفصيلًا ثانويًا، بل هو شيء عظيم: أن يكون للإنسان اسم، وأن تكون له هوية، وأن يكون له انتماء ومعالم محددة. ولهذا تصبح فكرة الإله الذي لا اسم له، ولا هوية له، ولا شخصية له، إشكالية فلسفية؛ لأن الإله الذي يُنزع عنه كل تعريف وكل تعيين وكل شخصية ينتهي إلى مفهوم متهدم، أو مفهوم معطل لا يحقق معنى الألوهية نفسه.
فإذا قلنا عن شيء إنه لا يملك شيئًا من خصائصه الأساسية، فإننا قد نصل في النهاية إلى نفي الشيء ذاته. كما نقول عن أداة تبريد فاسدة إنها لم تعد تؤدي وظيفة التبريد؛ فإذا كانت لا تبرد، فإن فسادها صار سببًا في فقدانها للوظيفة التي تُعرّفها.
وبالمثل، فإن الجسد الفاسد فسادًا كاملًا هو الجسد الميت؛ لأنه لو كان حيًا لما كان فاسدًا بهذا المعنى. ومن هنا يُطرح السؤال: ماذا يبقى من مفهوم الإله إذا نُزعت عنه الشخصية، والهوية، والاسم، والوظيفة، والانتماء والحدود كلها؟
الإله بلا اسم: هل هو إله كامل أم مفهوم معطل؟
من هنا ينبثق مفهوم الإله الفاسد بوصفه مفهومًا لا يحقق مفهوم الألوهية.
فالإله، في هذه الرؤية، ليس مجرد كلمة تشير إلى شيء مطلق ومبهم، بل له شخصية، وله وظيفة، وله اسم، وله انتماء، وله خصائص وأحكام. ووظيفته ليست وظيفة عادية كوظيفة العين أو اليد، وإنما وظيفته أن يكون إلهًا؛ أي أن معنى الألوهية نفسه يدخل في تعريفه.
لذلك فإن الإله الذي لا اسم له ولا شخصية له ولا هوية له ولا حدود له ولا وظيفة له ولا انتماء له يصبح، بحسب هذا المنطق، مفهومًا فارغًا من مقوماته.
وهنا يظهر ترابط بين مسألتين: الأشخاص الذين يرفضون الهوية والانتماء والحدود والأسماء، والأفكار التي تنتهي إلى إله منزوع الهوية والاسم والشخصية. المسألة ليست مجرد تشابه لغوي، بل إن كليهما يقوم على تفريغ الشيء من تعييناته الأساسية.
فالمنظومة التي لا تعريف لها، ولا تنظيم لها، ولا حدود لها، ولا ترابط بينها، ولا تناسق فيها، تتحول إلى منظومة فاسدة. ما هو غير معرف لا يمكن تنظيمه، وما لا يمكن تنظيمه لا يكون متناسقًا، وما ليس متناسقًا لا يكون متناغمًا، وما ليس متناغمًا يفقد ترابطه.
وبذلك يصبح الفساد نتيجة مباشرة لانهيار التعيين والتنظيم والتناسق.
منبع الفساد: نزع الحدود
من هذه الزاوية، فإن الإنسان الذي يعلن أنه بلا هوية، وبلا اسم، وبلا شخصية، وبلا انتماء، وبلا حدود، قد لا يكون قد وصل إلى حالة تحرر مطلق، بل قد يكون يعبر، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، عن فساد في هويته هو.
فالإنسان الذي يعاني من مشكلة عميقة مع هويته قد يحاول الهروب منها بنزع الهوية من الجميع.
وعندما يقول شخص إن كل الهويات سيئة، وإن كل الانتماءات باطلة، وإن الشخصية وهم، وإن الحدود سيئة، فقد يبدو أنه يصدر حكمًا عامًا على العالم، لكنه، بحسب هذه الرؤية، قد يكون في الحقيقة يتحدث عن هويته الخاصة؛ فهو يرى هويته فاسدة، ثم يسقط حكمه عليها على الهويات الأخرى.
ولهذا يصبح تعريف جديد مهم: الذي بلا هوية قد تكون هويته فاسدة، لأنه يقوم بنزع الهوية.
الأمر يشبه شخصًا مطلوبًا من العدالة، فيتخفى وينكر اسمه ويقول: «لست أنا». لماذا ينكر؟ لأنه يريد الهرب من هوية مرتبطة بجريمة أو فساد معين.
وفي المحاكم تتكرر عبارة «لست أنا» لأن المتهم يحاول الانفصال عن الفعل وعن الهوية المرتبطة به.
ومن هنا يصبح إنكار الهوية، في هذا التحليل، علامة تستحق التساؤل: لماذا ينكر الإنسان ما هو عليه؟ ولماذا يهرب من اسمه وأصله وانتمائه وشخصيته؟
ليس المقصود أن كل من رفض هوية معينة مجرم أو فاسد بالضرورة، وإنما أن منطق الإنكار نفسه يطرح سؤالًا عن العلاقة بين الإنسان وبين هويته.
الأصل والانتماء والهوية المزيفة
يمكن تقريب الفكرة بمثال الابن الذي يقال عنه «لا أب له ولا أم». هذه العبارة لا تعني منطقيًا أنه وُجد من دون أب أو أم؛ بل قد تعني أن أبويه تخلّيا عنه، أو أن أصله سيئ، أو أن العلاقة بينه وبين أصله قد انهارت.
وكذلك قول «ليس له أصل» قد لا يعني أن وجوده بلا أصل، بل قد يعني أن أصله سيئ، وأن ما نتج منه جعل نسبه موضع طعن.
وهنا تظهر العلاقة بين الهوية المزيفة والهوية الأصلية.
فالشخص الذي يمتلك هوية مزيفة قد يكون في الحقيقة يهرب من هويته الأصلية بسبب فساد مرتبط بها، فينتحل هوية أخرى. والمتنكر لا يتنكر من فراغ؛ وإنما يتنكر لأن هويته الأصلية أصبحت عبئًا عليه.
وهذا يقود إلى مفهوم «الإله المتنكر»: الإله الذي يظهر للإنسان في صورة إله آخر، أو يُقدم للناس بصورة لا تطابق هويته الأصلية. وهنا يصبح الإله المزيف ليس مجرد خطأ في التسمية، بل هوية منتحلة.
وعليه، فإن كل محاولة للطعن في الشخصية أو الهوية أو الحدود أو القيود قد تكون إسقاطًا لتشوه داخلي على الآخرين. فالإنسان الذي تكون شخصيته سليمة وهويته أصلية لا يحتاج إلى الهروب منها، ولا يحتاج إلى إنكار اسمه أو أصله أو انتمائه.
«ولد الحلال» بوصفه صورة للانسجام مع الأصل
تقدم اللغة اليومية صورة رمزية قوية لذلك في التعبير عن «ولد الحلال» و«ولد الأصل».
ابن الأصل لا يحتاج إلى إخفاء أصله، لأنه لا يراه عبئًا عليه. والإنسان الذي لا يخجل من هويته لا يحتاج إلى التظاهر بأنه ليس هو، ولا إلى الهروب من اسمه أو عائلته أو انتمائه.
أما الذي يتبرأ من أصله بصورة كلية، فقد يكون قد قطع الصلة بمصدره إلى درجة يصبح معها الوفاء والانتماء والاستمرارية أمورًا صعبة. وبذلك يظهر الفساد بوصفه تمردًا على الأصل وانقطاعًا عن المرجع.
وهنا يصبح الانتماء ليس مجرد عاطفة، بل بنية تحافظ على الاستمرار والتماسك.
القيود ليست عدوًا دائمًا
من أهم النتائج التي يقود إليها هذا التصور أن القيود ليست شرًا في ذاتها.
فالإنسان النزيه لا ينزعج من قيود النزاهة، والصادق لا يرى الصدق قيدًا يحرمه من الحرية، والإنسان السليم لا يحتاج إلى التخلص من كل الحدود حتى يشعر أنه حر.
بل العكس: الإنسان الذي يعيش داخل منظومة سليمة قد يرى أن بعض القيود هي التي تحفظه وتحفظ الآخرين.
أما الشخص غير النزيه، فمن الطبيعي أن يرى النزاهة مشكلة؛ لأنها تمنعه من فعل ما يريد. والشخص الذي يريد تجاوز الحدود قد يرى الحدود عدوًا، لا لأنها سيئة في ذاتها، بل لأنها تمنعه من الوصول إلى غايته.
وهنا تتحول المسألة من سؤال: «هل توجد قيود؟» إلى سؤال أعمق: ما طبيعة القيد؟ وعلى ماذا يقوم؟ وماذا يحفظ؟
الإله والفضيلة والوجدان
يمكن نقل الفكرة نفسها إلى تصور الإله.
فالإنسان الفاضل، والصادق، والنزيه، وصاحب الوجدان، يحمل في نفسه منظومة من القيم التي يلتزم بها. ومن الصعب، وفق هذه الرؤية، أن يكون إنسانًا فاضلًا وصادقًا وصاحب وجدان، ثم لا يكون لديه أي تصور مرجعي للإله.
لأن معنى الإله هنا يرتبط بالاسم، والحكم، والقيمة، والفضيلة، والمعايير.
فالإله ليس مجرد كيان منفصل، بل يمكن أن يُفهم بوصفه مجموع القيود والأحكام والفضائل والأسماء والمعايير التي يتقيد بها الإنسان في طريقه إلى الصلاح.
وإذا كان لدى الإنسان وجدان حقيقي، فهذا الوجدان يحمل حدودًا وقيمًا وأحكامًا. ومن ثم يصبح الإله، في هذا التصور، حاضرًا في بنية الوجدان نفسه.
أما إله بلا وجدان، وبلا حكم، وبلا اسم، وبلا شخصية، فلا يعود إلهًا مكتملًا في هذا التصور، بل يصبح مفهومًا معطلًا.
الصراع بين المصلح والمفسد
ومن هنا يمكن النظر إلى العالم بوصفه صراعًا بين اتجاهين: اتجاه يحافظ على البناء واتجاه يدفع نحو التحلل.
هناك من هو صالح ومصلح، وهناك من هو فاسد ومفسد.
الصالح يتقيد بقيود تحفظه من الهلاك، بينما يبحث الفاسد غالبًا عن اللحظة، والشهوة، والنتيجة السريعة، والإثبات المؤقت. الأول يتبع مبدأ يحفظ البناء، والثاني قد يتبع ما يحقق له مكسبًا لحظيًا ولو كان على حساب البنية التي يعيش داخلها.
ولهذا فإن القيد الذي يراه الصالح حمايةً قد يراه الفاسد حرمانًا.
الصالح لا يرى كل قيد عدوًا، لأنه يدرك أن بعض القيود تمنع الانهيار. أما الفاسد فيبحث عن إزالة القيود حتى يصبح الوصول إلى ما يريد أسهل.
وهكذا يمكن فهم الصراع باعتباره صراعًا بين من يريد حفظ البناء ومن يريد تفكيكه.
والذين يحاولون إخفاء هذا الصراع، أو إقناع الإنسان بأنه لا يوجد أصلًا فرق بين الطرفين، قد يساهمون، بحسب هذه الأطروحة، في عملية الإفساد؛ لأن الإنسان إذا لم يعرف أن هناك صراعًا بين البناء والفساد، فقد لا يستطيع أن يحدد موقعه منهما.
الفساد يبدأ من الداخل
إذا كان هناك شخص يعادي الأصل، والشخصية، والانتماء، والحدود، والقيود، والعائلة، والمجتمع، والجسد، وحتى الإله الحقيقي، فإن هذه المواقف قد تكون مظاهر لعملية فساد واحدة.
فبدلًا من أن يكون الفساد مجرد فعل منفصل، يصبح الفساد عملية تفكيك شاملة: تفكيك للهوية، وللجسد، وللعائلة، وللمجتمع، وللحدود، وللأسماء، وللقيم.
وهنا تظهر علاقة عكسية بين البناء والفساد.
البناء يربط، والفساد يفكك.
البناء يحدد، والفساد يذيب الحدود.
البناء يعطي الشيء اسمًا، والفساد يسلبه اسمه.
البناء يحفظ الأصل، والفساد يطعن فيه.
البناء يقيم الحدود، والفساد يحاول إلغاءها.
ولهذا يمكن القول إن منبع الفساد في أي منظومة هو ما يضرب تماسكها الداخلي ويشكك في أصالتها ويهدم الحدود التي تحفظها.
الفيروس الذي لا يريد للجسد أن يتماسك
يمكن تصور ذلك من خلال نموذج الفيروس.
الجسد منظومة من خلايا وأعضاء وأجهزة مترابطة. كل جزء يعرف وظيفته، والأنظمة تتعاون من أجل بقاء الكل.
لكن إذا دخل عنصر مفسد، فإن مصلحته تكمن في أن لا يعرف الجسد مصلحته، وأن لا تتماسك أجزاؤه، وأن لا تتعاون خلاياه، وأن لا تتعرف الأجهزة إلى الخطر القادم من الخارج.
فالفيروس، من منظور مصلحة الفساد، يستفيد من ضعف الترابط.
وإذا أسقطنا هذه الصورة على المجتمع، فإن المفسد يستفيد من المجتمع الذي لا يتماسك أفراده، ولا يعرفون مصالحهم المشتركة، ولا يشعرون بانتماء حقيقي، ولا توجد بينهم رابطة تحفظ الكل.
ولهذا فإن المفسدين، بحسب هذا النموذج، يطعنون في كل ما يمكن أن يصنع التماسك: الأصالة، والقداسة، والقيم، والانتماء، والحدود.
الحرم الآمن ومركز الانتماء
كل منظومة تحتاج إلى مركز يحفظها.
يمكن تسمية هذا المركز، بصورة رمزية، الحرم الآمن: المنطقة التي تمثل مركز الانتماء، والمكان الذي تغذي حمايته باقي المنظومة.
إذا كان في الجسد مركز محفوظ، يصعب على العامل المفسد أن يصل إليه. وإذا كان في المجتمع مركز من القيم والمقدسات والأصول، فإن الحفاظ عليه يحمي بقية البناء.
لكن عندما تفقد المنظومة هذا المركز، يصبح اختراقها أسهل.
ولهذا فإن الطعن في القداسة والأصالة ليس مسألة هامشية وفق هذا الطرح؛ لأن وجود المقدس والأصيل يحدد منطقة لا يجوز العبث بها. وحين تُزال هذه المنطقة الآمنة، يصبح كل شيء قابلًا للاختراق وإعادة التعريف والتفكيك.
القيم هي أساس البناء
القيم ليست شيئًا ثانويًا يضاف إلى الوجود بعد أن يوجد، وإنما هي جزء من الأساس الذي يجعل للوجود شكلًا واستمرارًا.
المجتمع يقوم على قيم، والجسد يقوم على قيم، والنظام الفيزيائي والرياضي يقوم على قيم ومعايير وعلاقات محددة.
كل شيء، في هذا التصور، يحمل قيمة ما: عددًا، أو لونًا، أو مقدارًا، أو نسبة، أو علاقة.
ولهذا فإن السؤال عن القيم يقود إلى سؤال عن الوجود نفسه.
الوجود الذي لا قيمة له لا يختلف كثيرًا عن العدم؛ لأن القيمة هي التي تفرق الشيء عن غيره، وتحدد موقعه، وتحفظ استمراره، وتمنحه تميزه.
القيم هي التي تبقي الوجود وتديمه، وتفصله عن العدم، وتحجب انهياره إلى حالة بلا تمييز.
ولهذا فإن المفسد يواجه مشكلة مع القيم؛ لأنها تكشف له الأساس الذي يريد الطعن فيه.
إذا استطاع أن يهدم القيمة، استطاع أن يطعن في الأساس. وإذا طعن في الأساس، أصبح من السهل أن يطعن في البناء كله.
القيمة والقيام والفاعلية
هنا تظهر علاقة لغوية وفلسفية عميقة بين القيمة والقيام والفاعلية.
فالقيام يعني، في أحد معانيه، الفعل.
الشخص الجالس لا يقوم بشيء ما دام ساكنًا، أما الشخص القائم فهو فاعل. والمجتمع القائم هو مجتمع فعال، والجسد القائم هو جسد ما يزال يؤدي وظائفه.
ومن ثم فإن القيم هي التي تجعل الإنسان قادرًا على «القيام»؛ لأنها تمنحه أساسًا يفعل من خلاله.
الإنسان الذي يملك قيمًا واضحة يمتلك معيارًا يستند إليه، ولذلك يكون أكثر فاعلية وتركيزًا وثباتًا.
أما الإنسان الذي يفقد القيم، فقد يفقد معها فاعليته، ويصبح أكثر تعرضًا للانفعال والاستهلاك والتأثر بالأحداث. يصبح متلقيًا لما يحدث بدلًا من أن يكون فاعلًا فيه.
وهنا يظهر الفرق بين الفعل والانفعال.
الإنسان صاحب القيم يفعل انطلاقًا من مبدأ يؤمن به.
أما الفاسد، في هذا التصور، فلا يفعل انطلاقًا من مبدأ مستقر، وإنما ينفعل. الأحداث تحركه، والظروف تدفعه، والشهوة توجهه، واللحظة تقرر عنه.
الأول يتحرك من الداخل إلى الخارج، والثاني يتحرك من الخارج إلى الداخل.
الصلاح هو النشاط السليم
يمكن تلخيص هذه السلسلة كلها في فكرة بسيطة:
الذي لديه قيم يكون فاعلًا.
والفاعل غير المستسلم للعدم والهلاك والفساد.
والذي ليس مستسلمًا للهلاك يملك قابلية للبناء والاستمرار.
ومن هنا يصبح معنى «الصلاح» أقرب إلى النشاط السليم.
ليس كل نشاط صلاحًا؛ فالنشاط إذا كان مفسدًا لا يصبح صالحًا لمجرد أنه نشاط. النشاط السليم هو الذي يحقق البناء ويحفظ السلامة ويقود إلى النمو.
فالإنسان النشط نشاطًا سليمًا هو الإنسان الذي لديه قيم، والذي لديه قيم يكون فعالًا، والذي يكون فعالًا لا يستسلم بسهولة للعدم والهلاك والتحلل.
أما المستسلم للعدم والهلاك، فإنه يصبح أرضًا خصبة للفساد، لأن الفساد يبدأ حين يفقد الإنسان ما يقوم عليه.
الفاعلية والقرار
الفاعلية مرتبطة كذلك بالقرار.
فإذا كان الإله فعالًا، فهذا يعني، في إطار هذه الرؤية، أنه صاحب قرار. والقرار يقتضي القدرة على الفعل.
والإنسان الفعال يحمل شيئًا من هذه البنية: فهو لا يعيش مجرد رد فعل على العالم، بل يمتلك قدرة على الاختيار والفعل انطلاقًا من قيمه.
وهنا تظهر قيمة القيود مرة أخرى.
القيود التي تحافظ على القيمة لا تعني نفي الحرية، وإنما تجعل الفعل موجهًا نحو غاية. والحرية التي تُفقد الإنسان كل معيار قد تنتهي إلى العجز، لأن كثرة الخيارات دون هوية أو قيمة أو حدود قد تجعل القرار نفسه مستحيلًا.
النتيجة: البناء يحتاج إلى حدود، والفساد يحتاج إلى تفكيكها
إذا جمعنا كل هذه الأفكار في بنية واحدة، نصل إلى أن المجتمع والجسد والعائلة والهوية والشخصية والقيم والإله كلها تدخل، في هذا التصور، في عائلة واحدة من المفاهيم: الأصل، والتعيين، والحدود، والانتماء، والترابط، والتناسق، والتناغم، والفاعلية.
ما هو معرف يمكن تنظيمه.
وما يمكن تنظيمه يمكن أن يتناسق.
وما يتناسق يمكن أن يتناغم.
وما يتناغم يمكن أن يترابط.
وما يترابط يمكن أن يقوم ويستمر.
أما ما يُنزع منه الاسم والهوية والحدود والقيم والانتماء، فإنه يدخل في مسار معاكس:
التفكك، ثم التناقض، ثم التشوه، ثم التحلل، ثم الفساد.
ومن هنا لا يكون الفساد مجرد خطأ عابر، بل عملية انهيار في هندسة الوجود نفسه.
ولهذا فإن المجتمع الذي يفقد قيمه يبدأ بفقدان تماسكه، والجسد الذي يفقد نظامه يبدأ بالتحلل، والهوية التي تفقد أصلها تصبح مشوهة، والعلاقة التي تمنع النمو تصبح علاقة فاسدة، والمهمة التي لا تنتهي تتحول إلى مهمة فاشلة، والمنظومة التي لا حدود لها تتحول إلى منظومة قابلة للاختراق.
وفي الجهة المقابلة، فإن البناء يبدأ من التعيين، ويقوى بالحدود، ويحفظه الانتماء، ويغذيه الأصل، وتدعمه القيم، ويظهر في صورة الفاعلية والنشاط السليم.
الوجود بين البناء والتحلل
ربما تكون الفكرة الأوسع في هذا كله أن الوجود لا يحيا بمجرد وجوده.
وجود الشيء يحتاج إلى ما يبقيه متميزًا عن العدم، وما يحفظ بنيته، ويمنحه قيمته، ويحدد وظيفته، ويربط أجزاءه بعضها ببعض.
ولهذا فإن القيم ليست زينة فوق الوجود، والحدود ليست قيودًا خارجية عنه، والهوية ليست حجابًا يجب التخلص منه دائمًا، والانتماء ليس بالضرورة عبئًا، والاسم ليس مجرد تسمية اعتباطية.
كل هذه الأشياء قد تكون، في منظومة معينة، شروطًا لبقاء الشيء كما هو.
وحين تبدأ هذه الشروط في الانهيار، يبدأ معها التحلل.
فما ينهار أولًا ليس دائمًا الشكل الظاهر، وإنما الأساس الداخلي: القيمة، ثم الحدود، ثم الانتماء، ثم التماسك، ثم الهوية، ثم الفاعلية.
وعندها يصبح الفساد مجرد النتيجة النهائية لمسار بدأ قبل ذلك بزمن طويل.
لهذا فإن المسألة في النهاية ليست فقط: كيف نمنع الفساد؟
بل السؤال الأعمق هو:
كيف نبني منظومة يكون الفساد فيها غير قادر على الدخول أصلًا؟
والجواب، وفق هذا التصور، يبدأ من معرفة ما هو أصيل، وما هو مزيف؛ ما هو مناسب، وما هو غير مناسب؛ ما هو قابل للاكتمال، وما هو مهمة فاشلة؛ ما الذي يبني الهوية، وما الذي يهدمها؛ ما الذي يحفظ الحدود، وما الذي يشوهها؛ وما هي القيم التي تجعل الإنسان والمجتمع والجسد والمنظومة قادرين على القيام والاستمرار.
فالإنسان الذي يعرف مهمته لا يهدر رأس ماله في مهمة فاشلة.
والإنسان الذي يعرف هويته لا يحتاج إلى التنكر منها.
والإنسان الذي يعرف أصله لا يحتاج إلى إنكاره.
والإنسان الذي يمتلك قيمًا لا يخاف من القيود التي تحمي تلك القيم.
والمنظومة التي تعرف مركزها المقدس لا تسمح للمفسد بأن يهدم أساسها.
وفي النهاية، يكون الصراع الحقيقي بين اتجاهين متناقضين: اتجاه يبني، واتجاه يفكك؛ اتجاه يحفظ الأصل، واتجاه يطعن فيه؛ اتجاه يقيم الحدود التي تحمي الحياة، واتجاه يريد إذابتها؛ اتجاه يملك قيمًا فيقوم ويفعل، واتجاه يفقد القيم فيصبح منفعلًا ومستهلكًا وقابلًا للفساد.
وهنا يصبح معنى الصلاح بسيطًا في جوهره: أن يكون النشاط سليمًا، وأن يكون الفعل قائمًا على قيمة، وأن يكون البناء منسجمًا مع أصله، وأن تكون الهوية متماسكة مع حقيقتها، وأن تكون الحدود في خدمة الحياة لا في خدمة الهلاك.
فالفساد ليس مجرد فعل سيئ.
الفساد هو انهيار التناسق.
والبناء ليس مجرد إنشاء شيء جديد.
البناء هو إقامة شيء منسجم، متماسك، متصل بأصله، قادر على النمو والاستمرار.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق