هناك فكرة تبدو بسيطة، لكنها تقلب التصور المعتاد للحب رأسًا على عقب: الحب، إذا كنا نقصد به شيئًا حقيقيًا قائمًا بذاته، لا وجود له في الخارج. ما يوجد في العالم ليس الحب نفسه، وإنما أشباه الحب، وصوره، وانعكاساته، ونماذجه، وآثاره.
فالإنسان الذي ينتظر أن يجد الحب شيئًا ملموسًا ومحسوسًا يستطيع امتلاكه أو الحصول عليه، ينتظر شيئًا مستحيلًا. لأن الحب، بهذا المعنى، ليس شيئًا من الأشياء، وليس فعلًا من الأفعال، ولا صفة من الصفات، ولا صورة من الصور، ولا كائنًا يمكن الإمساك به. الحب «لا شيء»؛ ومن هنا تأتي المفارقة: أن تحب الحب الحقيقي يعني أن تستطيع أن تحب شيئًا لا تستطيع امتلاكه ولا لمسه ولا تحديده ولا تشكيله.
الحب ليس فعلًا ولا قولًا
حين يسأل شخص: ماذا أفعل بك في الحب الحقيقي؟ فالجواب، وفق هذا التصور، هو: لا أفعل بك شيئًا.
لأن كل فعل يضاف إلى الحب يجعله شيئًا آخر. وكل تحديد أو تشكيل أو امتلاك أو طلب أو شرط يحوّل الحب إلى صورة من صور الاحتياج.
قد توجد أفعال نسمّيها حبًا، وأقوال نسمّيها حبًا، وعلاقات نسمّيها حبًا، لكن هذه كلها ليست الحب في ذاته. إنها صور أو انعكاسات عنه.
ولهذا فإن ما يشعر به الإنسان أحيانًا نتيجة عدم فعل شيء قد يكون أقرب إلى الحب من كل الأفعال التي اعتاد أن يسميها حبًا.
الحب لا يحتاج إلى فعل لكي يكون موجودًا؛ بل إن محاولة فعل شيء «لأجل الحب» قد تكون دليلًا على أن الإنسان يتعامل مع الحب بوصفه شكلا خارجيًا يريد الوصول إليه.
الحب والصمدية
الحب، في هذا التصور، صمدي: لا يتجزأ، ولا يتجانس مع غيره، ولا يحتاج إلى شريك لكي يكون ما هو عليه.
أما ما يدخل في الخليط، ويتكون من عدة عناصر، ويتوقف على شروط وعلاقات ومقابلات، فليس الحب في ذاته، بل شيء آخر.
ولهذا لا يمكن أن يكون الحب الحقيقي مجموعة من الأركان: ليس له ركنان أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة. فهو ليس تركيبًا.
فإذا امتزج بما يشبهه، ظهر لنا شيء آخر: تعلق، أو طمع، أو انتقام، أو احتقار، أو استبداد، أو تكبر، أو تذلل، أو رغبة في التملك.
هذه الأشياء قد تكون صورًا منعكسة للحب، لكنها ليست الحب نفسه.
فالذي يريد أن يمتلك الآخر لا يريد الحب، وإنما يريد شيئًا من الخارج. والذي يريد أن يحصل على الحب بوصفه ملكية، فقد حوّل الحب إلى شيء. والذي يشترط شروطًا كثيرة لكي يحب أو لكي يُحَب، قد دخل أصلًا في عالم الاحتياج.
لماذا لا يظهر الحب في الخارج؟
الخارج عالم الكثرة والاختلاط. فيه الأشياء والعلاقات والأجساد والأفعال والصفات والحدود.
أما الحب، بهذا المعنى، فلا يخرج إلى الخارج بوصفه شيئًا مستقلًا؛ لأن خروجه يجعله صورة، والشيء الذي يظهر في الخارج ليس الحب الشخصي ذاته، بل انعكاس له.
لذلك يمكن أن نقول: الكائنات صور للحب، لكنها ليست الحب.
والإنسان الذي يقول: «أنا انعكاس للحب» يقول في الوقت نفسه: «أنا لست الحب». لأنه صورة، والحب ليس صورة.
وهنا تظهر الفكرة الأساسية: الحب لا شكل له، بينما كل ما نراه في العالم له شكل.
الكائنات بوصفها انعكاسات
إذا كانت الكائنات انعكاسات، فإن كل كائن يعكس الحب بطريقة مختلفة. لكن الانعكاس لا يكون الأصل.
والوعي المنعكس هو الذي يرى العالم من خلال المشكلات. فإذا رأى مشكلة، حاول أن يصنع لها حلًا، ثم تحولت الحياة كلها إلى منظومة من المشكلات والحلول.
وهكذا يصبح الإنسان محاصرًا في دائرة لا تنتهي: مشكلة تؤدي إلى حل، والحل ينتج مشكلة جديدة، والمشكلة الجديدة تحتاج إلى علاقة جديدة أو فعل جديد، وهكذا تستمر العملية.
لكن إذا كان أصل المشكلة هو هذا الوعي المنعكس نفسه، فإن استمرار البحث عن الحلول قد يعني استمرار المشكلة.
المشكلة بوصفها نقيض الصمدية
الحب الحقيقي، وفق هذه الرؤية، لا مشكلة له.
فإذا وجدت مشكلة تحتاج إلى الحل لكي يستمر الحب، فالمشكلة ليست في الحب، وإنما في الشيء الذي اختلط بالحب.
العلاقة الممتلئة بالمشكلات ليست علاقة ممتلئة بالحب؛ بل هي علاقة تكشف فراغًا من الحب.
فالفراغ هو الذي يدفع الإنسان إلى التملك، وإلى البحث عن المقابل، وإلى طلب المزيد، وإلى فرض الشروط، وإلى بناء العلاقات التي تعتمد على الاحتياج.
ومن هنا يمكن فهم كثرة المشكلات في حياة الإنسان: كلما ازداد الاحتياج، ازداد الاحتكاك، وكلما ازداد الاحتكاك، ازدادت الشروط، وكلما ازدادت الشروط، ازدادت المشكلات.
الجسد ومراكز المشكلات
حتى الجسد، في هذا التصور، يمكن النظر إليه بوصفه مجموعة من المراكز التي تتعامل مع المشكلات.
الجهاز الهضمي، مثلًا، يخلق الحاجة إلى الطعام ثم يبحث عن حلها. والتنفس يفرض حاجة إلى الهواء. وبقية الأجهزة الجسدية تعمل ضمن شبكة من الاحتياجات التي لا تنتهي.
فيصبح الإنسان كأنه محاط بمراكز تصنع المشكلة ثم تبحث عن حلها.
وهنا لا تعود المشكلة شيئًا خارجيًا فقط، بل تصبح جزءًا من طريقة وجود الكائن نفسه.
فالذي خلق المشكلات، أو صدر عنه نمط الوجود القائم على الاحتياج، يكون في صراع مع الصمدية والوحدة والتجانس النقي.
العلاقات نتيجة للحاجة
كل علاقة، وفق هذا التصور، تظهر عندما توجد حاجة.
إذا احتاج الإنسان إلى الخباز، نشأت علاقة بالخباز. وإذا احتاج إلى الجزار، نشأت علاقة بالجزار. وإذا احتاج إلى الخضار، نشأت علاقة ببائع الخضار.
الأمر نفسه ينطبق على العلاقات الإنسانية.
كلما كثرت الاحتياجات، كثرت العلاقات. وكلما كثرت العلاقات، ازداد الاختلاط. وكلما ازداد الاختلاط، ابتعد الإنسان عن الصمدية التي لا تحتاج إلى شيء خارجها.
ولهذا تصبح العلاقات، في جوهرها، انعكاسًا لمقدار ما في الإنسان من احتياج.
الإنسان وعلاقته بنفسه
من هنا نصل إلى علاقة الإنسان بنفسه.
إذا كان الإنسان لا يستطيع أن يلتقي بنفسه إلا عبر وسيط، أو يحتاج إلى شخص آخر لكي يفهم نفسه، أو يحتاج باستمرار إلى رأي الآخرين كي يعرف ماذا يفعل، فهذا يعني أن بينه وبين نفسه جدارًا.
فالإنسان الذي يستطيع أن يبقى وحده، وأن يتواصل مع نفسه دون وسيط، لا يحتاج إلى هذه الكثرة من العلاقات لكي يعرف ذاته.
أما الذي لا يستطيع البقاء مع نفسه، فإنه يبحث باستمرار عن شخص آخر يشغله عن نفسه.
ولهذا يمكن أن تصبح الحاجة إلى الآخرين مقياسًا للحاجة إلى الذات: كلما عجز الإنسان عن التواصل مع نفسه، ازداد احتياجه إلى التواصل مع الآخرين.
الحب لا يحتاج إلى وسيط
إذا أحب شخصان بعضهما حبًا حقيقيًا، فلماذا يحتاجان بالضرورة إلى شيء ثالث لكي يثبت هذا الحب؟
لماذا يحتاج الحب إلى مجتمع، أو مؤسسة، أو شروط، أو امتلاك، أو أبناء، أو أدوار اجتماعية لكي يصبح حقيقيًا؟
إذا كان شخصان قادرين على الجلوس معًا وحدهما، دون حاجة إلى شيء آخر، فقد يكون هذا أقرب إلى الحب من كل ما يضاف إلى العلاقة من عناصر خارجية.
فالزيادة قد تحجب الأصل.
وكلما أضفنا المزيد من العناصر إلى العلاقة، ازداد احتمال أن تصبح العلاقة نفسها حجابًا بين الإنسان والحب.
الأطفال والحاجة إلى الاعتماد
تظهر فكرة الاعتماد بصورة أوضح عند الأطفال.
الطفل لا يستطيع في بداياته أن يعتمد على نفسه. يحتاج إلى من يطعمه ويحميه ويعبر به الطريق ويطمئنه ويخبره ماذا يفعل.
ولهذا فإن الطفل يمثل صورة واضحة للحاجة إلى الخارج.
فالطفل الذي يمشي وحده في مكان منعزل يثير القلق؛ لأن الأصل في الطفل أنه لا يستطيع الاعتماد على نفسه بالكامل.
لكن كلما ازداد وعي الإنسان بذاته، ازداد استقلاله عن هذا الاعتماد.
ومن هنا يأتي مفهوم «الحب الطفولي»: إنه حب قائم على الحاجة والخوف والطمع والاعتماد، ولذلك فهو ليس الحب بالمعنى الصمدي، وإنما صورة من صور الحاجة إلى الحب.
هل الزواج استمرار للحب أم استمرار للمشكلة؟
إذا كان الحب لا يحتاج إلى مقابل، فلماذا يحتاج شخصان يحبان بعضهما إلى المزيد والمزيد؟
لماذا يحتاجان إلى شروط لا تنتهي؟
أنا أريد منك كذا، وأنت تريد مني كذا، وأنا أشترط كذا، وأنت تشترط كذا.
وهكذا تتحول العلاقة إلى شبكة من الشروط.
والمشكلة أن الشروط لا يمكن تحقيقها كلها، لأن الإنسان نفسه لا يستطيع أن يكون مطابقًا للمسطرة التي يريدها الآخر.
وهنا تبدأ الحدود والحواجز بالازدياد، ويصبح كل طرف أكثر تطرفًا في دوره.
تطرف الأنثى في أنوثتها قد يدفع الذكر إلى مزيد من التطرف في ذكورته، وتطرف الذكر في ذكورته يدفع الآخر إلى مزيد من التطرف، وهكذا تتسع المسافة بدل أن تضيق.
التعلق وقود العلاقات
التعلق، في هذا التصور، ليس حبًا، بل مشكلة.
فالإنسان المتعلق يحتاج إلى الآخر باستمرار، لأنه لا يستطيع الاكتفاء بنفسه.
والعلاقات التي تقوم على التعلق تحتاج إلى الوقود الذي يحافظ عليها، وغالبًا ما يكون هذا الوقود هو المشكلات نفسها.
ولهذا قد تكون العلاقة التي لا توجد فيها مشكلات علاقة يصعب استمرارها عند بعض الناس، لأنهم اعتادوا أن يكون الصراع هو ما يبقي العلاقة حيّة.
فتصبح المشكلة وقودًا للتعلق، والتعلق وقودًا للعلاقة.
الجنس والإنجاب
ومن هنا تأتي النظرة إلى الجهاز التناسلي بوصفه منتجًا لمزيد من المشكلات.
فالإنجاب يولد كائنًا جديدًا يحتاج إلى الاعتماد، والعناية، والطعام، والحماية، والتعليم، والعلاقات، وغير ذلك.
ثم يُقال إن الحياة بلا أطفال لا معنى لها، كما يُقال إن الحياة بلا مشكلات لا معنى لها.
لكن هذه الفكرة، وفق هذا التصور، تكشف شيئًا مهمًا: أن استمرار الحياة الاجتماعية قد يكون مرتبطًا باستمرار إنتاج المشكلات.
فالمشكلة لا تنتهي، لأن استمرار النظام نفسه قائم على استمرار الحاجة.
عالم يصعّب الحب ويسهّل الكراهية
في النهاية، يمكن النظر إلى العالم المعاصر بوصفه عالمًا يجعل بعض أشكال الكراهية أسهل من ممارسة الحب.
نشر الكراهية سهل، أما الحب الخالص فصعب.
لأن الكراهية يمكن أن تجد موضوعًا تتعلق به، ويمكن أن تبني لنفسها خصمًا، بينما الحب، إذا كان لا شيء ولا يمتلك موضوعًا محددًا، لا يحتاج إلى خصم ولا إلى مقابل.
وهكذا يصبح العالم، في هذا التصور، عالمًا «ساقطًا» من حيث قدرته على ممارسة الحب الصمدي.
فالناس يملكون نماذج مشوهة من الحب، ويظنون أنهم يمارسون الحب، بينما هم في الحقيقة يمارسون التملك أو الاحتياج أو التعلق أو السيطرة أو الخوف.
لا تتبنَّ مشكلات الآخرين
ومن أهم النتائج العملية لهذا التصور: لا تحمل مشكلة ليست مشكلتك.
إذا جاءك شخص بمشكلته، فهذا لا يعني أنك مطالب بحملها.
يمكنك أن تعينه، لكن ليس بالضرورة أن تجعل مشكلته جزءًا من وجودك.
فكثرة تبني مشكلات الآخرين تجعل الإنسان يتحول تدريجيًا إلى حامل للمشكلات، حتى يصبح وجوده نفسه قائمًا على حمل ما لا يخصه.
يمكن أن تقول ببساطة: هذه مشكلتك، وأنا لا أملكها.
ليس هذا قسوة، بل رفض لتحويل حياة الإنسان إلى مستودع لمشكلات الآخرين.
الكمال وحساسية الزيادة والنقصان
عندما يشعر الإنسان بأنه لا يملك شيئًا، قد يصل إلى حالة من الإحساس بالكمال؛ لأنه لا يبحث عن شيء يضيفه إلى نفسه ولا عن شيء ينتقص منه.
أما الذي يشعر بالنقص، فإنه يبحث دائمًا عما يزيده، والذي يشعر بأنه زائد يخاف دائمًا مما ينقصه.
ومن هنا تتحول العلاقات إلى عمليات حسابية: هذا ينقصني، وهذا يزيدني، وهذا يكملني، وهذا يعوضني.
لكن الحب الصمدي لا يعمل بهذه الطريقة.
إنه لا يقول: أعطني شيئًا لكي أكتمل.
ولا يقول: خذ مني شيئًا لكي تصبح كاملًا.
إنه لا يفعل شيئًا أصلًا.
أن تحب دون أن تكره
ومن هنا تأتي فكرة بسيطة: لا حاجة إلى أن تكره من لا يحبك.
إذا كان شخص ما يكرهك، فهذه مشكلته.
لماذا تحتاج أنت إلى كراهيته مقابل كراهيته؟
يمكن أن تقول: لا أكرهك، وفي الوقت نفسه لا أحتاج إليك.
يمكنك أن تترك الآخر لما يريد، وأن تترك نفسك لما تريد.
فالحب لا يعني إجبار الآخر على حبك، كما أن عدم حب الآخر لك لا يوجب أن تكرهه.
الحب بوصفه «لا شيء»
في النهاية يعود كل شيء إلى النقطة الأولى.
الحب الحقيقي ليس شيئًا يمكن أن تحصل عليه، ولا شيئًا يمكن أن تمتلكه، ولا شيئًا يمكن أن تضع له وصفًا نهائيًا.
ليس له صورة، ولا شكل، ولا مقابل، ولا شريك، ولا شروط، ولا أركان، ولا وسيط.
ما نراه في العالم هو صور الحب وانعكاساته وأشباهه، لكن الحب نفسه لا يظهر كشيء مستقل في الخارج.
ولهذا فإن الإنسان الذي يريد أن يحب الحب لا ينبغي أن يبحث عن شيء يمسكه بيده.
ربما عليه، بدلًا من ذلك، أن يتخلى عن كل ما يريد أن يضيفه إلى الحب.
عن التملك.
عن الشروط.
عن المقابل.
عن التعلق.
عن الخوف.
عن الحاجة.
عن المشكلات.
وعندها فقط تظهر المفارقة الأخيرة: الحب ليس شيئًا نملكه، بل هو غياب كل ما يمنعنا من أن نكون معه بلا مقابل.
الحب لا يزيدك ولا ينقصك.
لا يحتاج إلى أن تفعله.
ولا يحتاج إلى أن تشرحه.
ولا يحتاج إلى أن تثبته.
ولا يحتاج إلى أن تمتلكه.
إنه، في هذا التصور، الصمدية نفسها: شيء لا يمكن أن يتحول إلى شيء، ولا يمكن أن يختلط بشيء، ولا يمكن أن يصبح صورة، لأنه إذا صار صورة فقد أصبح شيئًا آخر.
ولهذا كان القول: الحب لا شيء، ليس نفيًا للحب بقدر ما هو نفي لكل صورة نعتقد أنها الحب.
فكلما حاولنا أن نجعل الحب شيئًا، ابتعدنا عنه.
وكلما تخلينا عن الرغبة في امتلاكه، اقتربنا من معناه.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق