شعار الموقع لنسخة الدارك مود

شعار الموقع لنسخة الدارك مود

عفن الوجود وإهانة الجسد والظلم الكامن في النظام البشري

 هناك شيء فاسد في هذا العالم، شيء مقزز مهما حاولنا أن نحشره في زاوية معينة أو نضع عليه اسماً يخفف من وطأته. قد نحاول كتمه، لكنه يتنفس عبر الأشخاص والأحداث، ويظهر بين حين وآخر رغم كل محاولات التغطية. يكفي أن يتصفح الإنسان بعض التجارب الفظيعة التي عاشها آخرون، وخصوصاً تجارب السجناء وضحايا العنف والجريمة، حتى يدرك حجم الفظاعة التي يمكن أن يختبئ خلفها الشكل الهادئ الذي نراه في الحياة اليومية.

ليس هناك نهاية للسقوط، فالإنسان يملك قدرة عجيبة على التجاوز: جرائم، قتل، دم، إهانة، دنس، فساد، ثم يتصرف وكأن شيئاً لم يحدث. نحن نغض الطرف باستمرار، ونصنع لأنفسنا رواية عامة تقول إن الشمس جميلة والجو منعش وإن العالم يسير بصورة طبيعية، بينما تقع في زواياه أشياء لا يمكن تصورها.

لكن الرائحة تظهر في النهاية.

مهما حاولنا كتم العفن، فإنه سيجد طريقه إلى الخارج. ومهما حاولنا إخفاء الفساد، فإنه سيتجلى بطريقة أو بأخرى. والدليل أن الإنسان إذا ابتعد عن الرواية العامة، ونظر في زوايا الحياة التي لا تظهر في المشهد المعلن، فإنه سيجد شيئاً متعفناً في كل مكان تقريباً: في الدول والحكومات، في الأسواق، في المذاهب والفرق، وفي مختلف البنى التي ينظم بها البشر حياتهم.

المشكلة ليست دائماً في الجريمة نفسها، بل في المستنقع الذي يجعل الجريمة ممكنة. فالمستنقع هو الذي يجذب الحشرات. وقد يبدو الإنسان الذي لا يتأثر بهذا المستنقع وكأنه يعيش في عالم طبيعي، لكنه في الحقيقة يجلس على الهامش؛ لأن أي مناورة باتجاه العمق، وأي محاولة للتعمق في الأشياء، تكشف شيئاً مخفياً وراء الكذب والرواية التي نحاول تصديقها.

قد يبدو هذا الكلام تشاؤمياً، لكنه في جوهره ليس تشاؤماً بقدر ما هو محاولة للنظر إلى الواقع كما هو.

خذ الجسد نفسه مثالاً. عندما يأكل الإنسان ويشرب، تنتهي العملية الهضمية ببقاء الفضلات في داخله فترة من الزمن. يحمل الإنسان شيئاً متعفناً في باطنه، وكذلك الحيوانات تحمل فضلاتها معها. وإذا تعمقت في أي شيء، فغالباً ستجد شيئاً لا يسرّك، شيئاً قديماً، متراكماً، يفسد الحالة التي يوجد فيها.

ولهذا فإن النخب الحاكمة، أو من يديرون هذا المستنقع، ليست بالضرورة منفصلة عن العفن الذي نراه؛ بل إن من يدير المستنقع قد يكون أشد تعفناً منه. وكما أنك إذا حفرت حفرة عميقة واقتربت من جثة مدفونة ازدادت الرائحة قوة كلما اقتربت من مصدرها، فإن التعمق في النظام يكشف في النهاية مصدر الرائحة. الجثة هي مصدر الرائحة الكريهة، ومن يدير المستنقع هو مصدر الفساد والإجرام الذي تنبعث منه تلك الروائح.

عدم معرفتك بشيء أو عدم رؤيتك له لا يعني أنه لم يحدث. أنت فقط لم تره. ولو رأيت حقيقة ما يحدث، لتغيرت نظرتك إلى أشياء كثيرة بصورة تلقائية.

كأن العالم كله أصبح نظاماً لتصريف الصرف الصحي. وإذا أردت دليلاً على ذلك، فانظر إلى الطريقة التي ينشئ بها الإنسان نظام الصرف الصحي في منزله: الأنابيب تُخرج ما لا يريد الاحتفاظ به إلى الخارج. وكأن الخارج هو المكان الذي تُلقى فيه الأشياء التي لا يريد الإنسان أن يشمها أو يراها.

ولهذا فإن من يريد أن يعيش في هذا العالم يحتاج، بطريقة أو بأخرى، إلى التغاضي وغض الطرف. الإنسان الذي لديه حاسة شم قوية لا يستطيع أن يعيش وسط الروائح الكريهة بسهولة، والإنسان الذي لديه ذوق وحساسية تجاه الإهانة لا يستطيع القيام بكثير من الأشياء التي يقوم بها الآخرون بصورة عادية.

معظم الوظائف والمهام التي يمارسها البشر تحمل، بدرجات مختلفة، نوعاً من الإهانة. وقد توجد أعمال لو عُرضت على شخص لديه حس وذوق وشعور قوي بالكرامة، لما استطاع القيام بها مهما كان المقابل المالي. المسألة هنا لا تتعلق بالمال، ولا بالراتب، ولا بالمكافأة؛ وإنما بالإحساس بأن العمل نفسه يسحق شيئاً داخلياً في الإنسان ويهين وجوده.

ومع ذلك، نجد معظم الناس يقومون بكل شيء تقريباً. يعملون حتى في الأعمال التي تزيد العفن عفناً، لأنهم اعتادوا على المستنقع أو فقدوا القدرة على الإحساس برائحته.

وهنا أصل إلى أسلوب التفكير الذي اتبعته طوال الوقت. أنا لم أبنِ هذه الفكرة على مبدأ واحد ثم حاولت إثباته، بل فكرت في الشيء وضده، وبنيت شيئاً ثم حاولت نقده في الوقت نفسه. وهذا الأسلوب قادني أحياناً إلى نتائج لم أكن أرغب أصلاً في الوصول إليها. كنت أرى بعض النقاط من بعيد وأشعر بها، لكنني كنت أتغاضى عنها وأتفادى النظر إلى ما وراءها.

ثم واصلت التركيز والتعمق، حتى بدأت أقترب من مصدر العفن الذي أتحدث عنه.

والحجاب الذي يحجب الحقيقة يمكن النظر إليه كأنه كيس للنفايات نضعه فوق الشيء حتى لا نراه. وسأقولها بوضوح: لو كان الأمر محموداً في ذاته، لما كانت هناك حاجة إلى كل هذا الحجاب. كلما كان الشيء أقل حمداً وأشد قبحاً، ازدادت الحاجة إلى تغطيته، حتى يصبح الحجاب نفسه أسود ككيس القمامة.

لم أكن أريد أن أصدق أن الأمر يصل إلى هذه النتيجة، لاعتبارات كثيرة. من بينها أن الوصول إليها يجعل الأمر قطعياً؛ فإذا وصل الإنسان إلى هذه الحقيقة، فلن يبقى أمامه الكثير ليجمّله أو يحسّنه. ولذلك حاول الإنسان، عبر التاريخ، أن يفعل المستحيل حتى لا ينطق بالحقيقة القاطعة. يحب أن يرقع، ويبرر، ويعيد صياغة الأشياء، ويضع فوقها طبقة أخرى من التفسير.

وأنا فعلت ذلك أيضاً.

حاولت أن أغطي، وأبدل، وأحسن، وأرقع. كلما ظهر خلل قلت ربما يمكن إصلاحه، وربما يمكن ترقيعه. رقعت بوسائل كثيرة، وربطت الأشياء بالسلك والخيط والغراء وبكل ما يمكن أن يربط به الشيء المكسور. لكن بعد كل هذه الترقيعات أعود إلى النقطة نفسها:

الجسد.

الجسد هو، في هذه الرؤية، أصل المشكلة.

الجسد هو الذي يجعل كل هذه المشاكل ممكنة؛ ومنه تبدأ قضية الظلم. فكيف يمكن للإنسان أن يهضم حقيقة أن شخصاً يولد معاقاً، وآخر ضعيفاً، وآخر قبيحاً في نظر الناس، وآخر مريضاً طوال حياته، بينما يولد غيره سليماً، قوياً، جميلاً، معافى؟ هناك من لا يمرض تقريباً طوال حياته، وهناك من يقضي حياته في المرض. كيف يمكن هضم هذه الحقيقة والقول بعد ذلك إن كل شيء عادل؟

لا بد للإنسان هنا أن يبدأ بالكذب على نفسه حتى يستطيع الاستمرار. لا بد أن يغطي الحقيقة المحضة، لأن هناك ظلماً في القصة، شئنا أم أبينا.

أنا لا أتكلم من نقطة لم أحاول فيها التبرير. لقد أمضيت وقتاً طويلاً في الترقيع والتفسير ومحاولات تحسين الصورة. لكنني وصلت إلى نتيجة أراها واضحة: الجسد مكان للإهانة، والتجسد نفسه يحمل معنى الإهانة والسقوط والنزول.

ولكي نفهم ذلك، علينا أن نعود إلى موضوع الحس والشعور والذوق والشم. حاولت أن أعطّل إحساسي، أن أتظاهر بأنني لا أشم ولا أتذوق ولا أشعر، حتى أستطيع هضم ما أراه. لكن إذا كان الإنسان شفافاً مع نفسه، فإنه لا يستطيع أن يتغاضى عما يشعر به.

ظل هذا الإحساس يتبلور داخلي مدة طويلة. كنت أقول: اصبر، لنرقع مرة أخرى، ربما يصلح الأمر. لكن كل ترقيع كان يقود إلى ترقيع آخر، حتى أصبحت الترقيعات أكبر من الشيء نفسه. وفي النهاية بقيت الحقيقة أمامي: الجسد مكان للإهانة، وللسقوط، وللنزول.

فالإنسان، بمجرد وجوده في هذا الجسد، يصبح معرضاً لكل الأمور السالبة والمؤذية، مثل النفايات الصناعية التي تنتجها عملية الوجود نفسها.

والأغرب أن الإنسان يرى في المكان الذي يوجد فيه العفن مصدراً للحياة. ضع سمكة متعفنة في الطريق، وستأتي إليها الحشرات والعناكب والزواحف والطيور وكل الكائنات التي تستطيع التغذي عليها. وكأن الحياة السفلى لا تقوم إلا على بقايا حياة أخرى.

نحن أنفسنا نتغذى على بقايا الحياة: بقايا حياة الحيوانات، وبقايا حياة الشجرة، وبقايا بقايا بقايا. نعيش من نفايات الخلق، وننتج بدورنا نفايات جديدة. بهذا المعنى، يصبح الوجود الجسدي تعبيراً مناسباً جداً عن البيئة التي نعيش فيها.

إذا كان الإنسان شفافاً مع نفسه، فإن وجوده الجسدي يمكن أن يبدو عقاباً هائلاً. لكنه لا يشعر بذلك إلا من أصبح يحس ويشعر ويعي ويدرك ويعقل ما يفعله البشر وما يحيط به.

ولهذا أشعر، شخصياً، بالحرج الشديد من النهوض صباحاً عندما أستحضر ما أراه في العالم. كثير من الأعمال البشرية تبدو لي إهانة واضحة. النظم والمناهج والحكومات والأنظمة السياسية نفسها تبدو لي، في هذا المنظور، إهانة كبيرة للإنسان.

والسؤال الذي يفرض نفسه هو: متى كان كل هذا؟ ومتى أُرغمنا عليه؟ متى تفوق علينا من يظن نفسه متفوقاً؟ ومتى حكمنا من يظن أنه يحكم لنا؟

بالنسبة لي، النظام البشري، بل وحتى النظام الكوني كما يظهر لنا، يمكن أن يبدو إهانة كبيرة إذا نظرنا إليه من هذه الزاوية. وأنا كنت أكتم هذه الفكرة طويلاً، وأخاف من قولها، لأنها تحمل شيئاً من التصغير والتفاهة والقسوة في آن واحد.

لكن الإنسان الذي لديه إحساس لا يستطيع أن يخضع بسهولة. الخضوع والركوع والتصغير والإذلال تصبح أموراً مقززة بالنسبة إليه.

لقد رأيت وفحصت وقرأت، وحاولت تهدئة نفسي مراراً. وقيل لي، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أن أستغفر وأتجاوز الأمر. ففعلت ذلك سنوات. لكن الاستغفار، في هذه الحالة، لم يلغ السؤال.

بأي حق يكون هذا ملكاً وهذا عبداً؟

وبأي سلطان يصبح هذا أعلى من هذا؟

وبأي معيار يكون جسد شخص سليماً، بينما يعمل آخر في ظروف تهلك جسده وتجر عليه الأمراض؟ ثم يأتي من يحاول تبرير ذلك كله باسم الاستحقاق.

وهنا أرى أن من أكثر الأفكار إهانة أن نقلب القضية كلها فنقول إن الشخص الذي يملك أكثر يستحق أكثر، وإن الذي يخدمه يستحق موقعه الأدنى. وفق ماذا؟ وفق أي استحقاق؟

إذا كان استحقاق شخص ما هو أن يمتلك الثروة، فلماذا يحتاج إلى خزائن وحراس وحمايات؟ وإذا كانت الثروة حقه الحقيقي، فلماذا يخاف عليها؟ وإذا كان ما يملكه مستحقاً له بصورة طبيعية، فلماذا يحتاج إلى كل هذه الوسائل لحمايته؟

الأمر نفسه ينطبق على السلطة. من يصعد إلى الحكم ويدجج قصره بالأسلحة والحراس يعرف، بطريقة أو بأخرى، أن وصوله لم يكن نتيجة استحقاق هادئ فقط، بل نتيجة صراع ونزاع. ولو نام يوماً بلا حراسة، فقد يفقد ما يظن أنه يستحقه.

وهذا يضع فكرة العدالة والاستحقاق تحت السؤال.

يقال لنا: هناك عدالة، وهناك تكافؤ فرص. لكن أي تكافؤ فرص نتحدث عنه؟ كيف يكون هناك تكافؤ فرص بين شخص معاق وشخص سليم؟ بين شخص قوي وآخر ضعيف؟ بين شخص يملك صفات جسدية تجعله مرغوباً اجتماعياً وشخص لا يملكها؟ وكيف نتحدث عن العدالة الاجتماعية بينما هناك أشخاص مقصيون من سوق التزاوج بسبب شكلهم أو ضعفهم أو ظروفهم؟

حتى العلاقات بين الذكور والإناث ليست منفصلة عن القوة والجمال والمكانة والسمات الجسدية والاجتماعية والبيولوجية. ثم يأتي الخطاب ليقول للإنسان: طوّر نفسك.

ولكن ماذا يعني ذلك أمام حقائق لم يخترها الإنسان أصلاً؟

إنها محاولة لتغطية واقع غير عادل بلغة تبدو عادلة.

ولا أرى عدالة في عالم يولد فيه شخص بأنف قصير وآخر بأنف طويل، شخص يرى جيداً وآخر لا يرى جيداً، شخص قوي وآخر ضعيف، شخص بصحة جيدة وآخر مريض. العالم خليط، وهجين، ومدجّن، وفوضى منظمة، وليس الصورة النظيفة التي تقدمها لنا الروايات الاجتماعية.

واللغة واحدة تقريباً في كل الميادين: لدينا برنامج، لدينا مشروع، لدينا خطة، سنوظف العاطلين، سنساعد الفقراء، سنحقق العدالة، سنوفر تكافؤ الفرص. ثم يصبح البرنامج وسيلة للحصول على الأصوات أو السيطرة أو تثبيت النظام نفسه.

وهنا يتحول الخطاب إلى سيف فوق الرقبة:

هل تبايع؟ هل تصدقنا؟ هل تؤمن بما نقول؟ إن لم تفعل، فقد نعاقبك أو نسجنك أو نطردك أو نمنع عنك الطعام أو نفعل بك ما نريد.

في هذه الحالة تصبح قناعة الإنسان مشروطة بالسيف. ويقال بعد ذلك إن الناس مقتنعون.

كيف تكون القناعة حرة والسيف فوق الرقبة؟

أزل السيف أولاً، ثم انظر ماذا سيبقى من القناعة.

إن معظم ما نسميه قناعات قد يكون مجرد نتيجة للتهديد: ادفع أو لا تأكل، أطع أو تُطرد، امتثل أو تُسجن، خضع أو تُقتل. هذه هي سياسة القاتل وفكر القاتل ودنيا القاتل: إما أن تعيش مهاناً، وإما أن تُقتل.

والقتل، من هذه الزاوية، قد يبدو أحياناً أقل إيلاماً من إبقاء الإنسان في حالة عذاب وإهانة وترويض مستمر. لأن الإبقاء على الإنسان حياً مع إخضاعه وإذلاله يمكن أن يكون نوعاً من القتل البطيء.

وهنا يظهر السؤال الأكبر: لماذا تريد ترويضي؟

أنا الحر، فلماذا تروضني؟

وبأي حق تتدخل في شأني إذا لم أتدخل في شأنك؟

إذا كان وجودي لا يؤذيك، فما الذي يعطيك الحق في إخضاعي أو استغلالي أو إرغامي على الكلام والطاعة والتسول؟

أنا لا أريد أن أتحمل الإهانة حتى أكتسب حق إهانة الآخرين. لا أريد أن أصبح جزءاً من المستنقع ثم أطالب الآخرين بالنزول إليه معي.

لأن هذه هي الخطة في النهاية: كلما تحمل الإنسان الإهانة أكثر، قيل له إن ذلك يمنحه استحقاقاً أعلى في إهانة غيره. يتحول الضحية إلى جلاد، ويصبح من عانى من النظام مدافعاً عنه بمجرد أن يحصل على درجة أعلى داخله.

وهكذا يصبح المستنقع عصابة مترابطة من الاستغلال. يقتل هذا من أجل ذلك، ويسرق هذا من أجل الآخر، ويؤذي هذا لكي يخدم ثالثاً، وكل واحد يبرر فعله باسم النظام أو المجتمع أو الضرورة.

وفلسفة قطاع الطرق هي أبسط تفسير لهذه الصورة: قطع الطريق على الآخرين، سرقتهم، تعذيبهم، إهانتهم، ثم إعطاء ذلك كله أسماء أكثر أناقة.

قد يتغير لون قطاع الطرق وشكلهم وملابسهم وألقابهم، لكن الفعل يبقى واحداً إذا كان جوهره هو إجبار الإنسان على الاختيار بين الإهانة والقتل.

ثم يأتي الحمقى للدفاع عن هذا البناء باسم المجتمع، فيقال للإنسان: إذا كنت تريد أن تفيد الآخرين، فاسمح لهم باستغلالك.

وكأن قبول الاستغلال أصبح فضيلة.

وكأن الخضوع أصبح دليلاً على الأخلاق.

وكأن الإنسان لا يستطيع أن يكون نافعاً إلا إذا قبل أن يُهان.

لكن ماذا يحدث عندما ننزع كل هذه الطبقات من المسميات والرتب والملكية والطبقات والسلالم الإدارية؟ ماذا يبقى؟

يبقى الجسد وحاجاته.

أريد أن آكل، أريد أن أشرب، أريد أن ألبس، أريد أن أستمر، أريد أن أمارس الجنس وأنقل جيناتي.

وهنا يظهر خداع آخر: الجسد نفسه يدفع الإنسان إلى الاعتقاد بأنه يريد الخلود، بينما ما يحدث في الحقيقة أن آلية الجسد تسعى إلى استمرار نفسها عبر نقل الجينات. هناك خلود ما، لكنه ليس خلودك أنت بالضرورة. إنه استمرار للميكانيزم.

والإنسان يخلط بين الأمرين.

الجسد يريد الاستمرار، يأكل ويشرب ويتكاثر، ثم يبني فوق هذه الحاجات طبقات ضخمة من الأوهام والتنافس والرتب والمال والعمل والمكانة.

نحن نعمل لكي نأكل، ثم نحتاج إلى سيارة لكي نذهب إلى العمل، ونحتاج إلى المال لكي نشتري الطعام، ونعمل أكثر لكي نمتلك السيارة، ثم نعمل أكثر لكي نشتري أشياء أخرى، فنعود في النهاية إلى النقطة نفسها.

الغذاء.

والتكاثر.

وما عدا ذلك قد يكون، في جزء كبير منه، ملحقات وخدعاً اجتماعية.

نحن نرى الناس يتنافسون في العمل والرواتب والمال، ويمدح الموظف رئيسه أملاً في أن يصبح رئيساً، ويمدح الناس بعضهم بعضاً حتى يحصلوا على مراتب أعلى. ثم يتنافسون في السيارات والبيوت والمظاهر، لأن كل شخص منبهر بما عند الآخر.

ولكن ماذا فعلنا فعلاً؟

شخص راتبه أكبر من شخص آخر، ليس بالضرورة لأنه أكثر قيمة، بل ربما لأنه يمتلك مهارات إدارية معينة: يعرف كيف يكذب أكثر، كيف يسوق، كيف يزيف الحقائق، كيف يخدع الزبون، كيف يقدم صورة مقنعة، وكيف يدير الآخرين.

أما العمل الأساسي، العمل الذي يحفظ الحياة فعلاً، فهو شيء أبسط بكثير.

نحن نأكل ونشرب.

وهذا هو العمل الأساسي للجسد.

أما الكثير مما أُضيف فوقه، من الرتب والشهادات والمناصب والسيارات والإعلانات والديكورات والمسميات، فقد تحول إلى شبكة ضخمة تجعل الإنسان يظن أن هناك شيئاً عظيماً وراءها.

يسافر الإنسان ليكتشف العالم، لكنه قد يكون مخدوعاً باللوحات الإعلانية والديكورات وتلوين الشوارع والصور التي تقدم له العالم بطريقة مصطنعة. وإذا أزلت هذه الطبقات كلها، ماذا يبقى؟

الناس في كل المدن والبلدان تبحث عن الغذاء.

تأكل.

وتخرج الفضلات.

وتتكاثر.

هذا هو الحد الأدنى الذي تقوم عليه الحياة الجسدية.

وما عدا ذلك قد يكون ملحقات جانبية مهما تضخمت، ومهما حاول الإنسان أن يجعلها تبدو عظيمة.

قد يبيع الإنسان محصولاً غذائياً ليشتري تلفازاً، ثم يجلس أمام التلفاز ليشاهد العالم، بينما كان المحصول في الأصل جزءاً من غذائه.

وهكذا تستمر الدائرة: نعمل لكي نأكل، ونأكل لكي نستمر، ونستمر لكي نتكاثر، ثم نبني فوق هذه العملية البسيطة نظاماً هائلاً من المال والرتب والسلطة والمكانة والتنافس والإعلانات والأوهام.

وفي النهاية، قد يكون كل ذلك مجرد خداع متبادل بين كائنات مندفعة بحاجات جسدية، ثم أقنعت نفسها بأن ما تفعله أكبر بكثير من مجرد البقاء والتغذي والتكاثر.

وهنا يعود السؤال من جديد:

إذا نزعت كل الأسماء، وكل الرتب، وكل المظاهر، وكل البروتوكولات، وكل الشعارات، وكل الخطابات، وكل الحجاب، وكل الترقيعات، فما الذي يبقى؟

يبقى الجسد.

وتبقى حاجاته.

ويبقى المستنقع الذي نشأ حول هذه الحاجات.

وربما كان هذا هو أكثر ما حاول الإنسان طوال تاريخه ألا يراه: أن الكثير من عظمته المعلنة قد تكون مجرد طبقات هائلة من التزييف فوق آلية بسيطة جداً، وأن ما نسميه نظاماً وعدالة واستحقاقاً وترقياً ومكانة قد يخفي وراءه صراعاً مستمراً على الغذاء والجسد والموارد والتكاثر، ثم يضيف الإنسان إلى ذلك كله أسماء جميلة حتى يستطيع أن يعيش معه دون أن يشم رائحته.

لكن الرائحة، مهما غطيناها، ستظهر في النهاية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كاتب التدوينة
كاتب التدوينة
هذا النص هو مثال لنص يمكن أن يستبدل في نفس المساحة، لقد تم توليد هذا النص من مولد النص العربى، حيث يمكنك أن تولد مثل هذا النص أو العديد من النصوص الأخرى إضافة إلى زيادة عدد الحروف التى يولدها التطبيق.
G.M HERMES