هناك متغير غير ثابت في هذا الوجود، وربما كان هذا المتغير هو الذي يقلب النعمة إلى عذاب، والعذاب إلى نعمة. فالشيء نفسه الذي ينعم به الإنسان اليوم قد يتحول، في لحظة ما ولسبب ما، إلى مصدر للألم. والشيء الذي كان يؤلمه قد يصبح لاحقًا مصدرًا للسعادة.
وهنا يبدأ السؤال الذي ظل يلحّ عليّ طويلًا: ما سر انقلاب الأشياء؟
لماذا الشيء الذي يسعدك قد يؤلمك، والشيء الذي يؤلمك قد يسعدك؟ ولماذا لا توجد وسادة ثابتة يمكن للإنسان أن يتكئ عليها دون أن تتغير دلالتها؟ لو كان هناك شيء محدد يسعد الإنسان دائمًا، وشيء آخر يزعجه دائمًا، لكانت معضلة الوجود أبسط بكثير. لكن الأمر ليس كذلك. ما يسعدك اليوم قد يزعجك غدًا، وما تظنه خلاصًا قد يتحول إلى قيد، وما تظنه قيدًا قد يصبح بابًا للخلاص.
حتى الأشياء البسيطة تكشف لنا هذا الانقلاب. قد يشتاق الإنسان إلى الشتاء، فإذا جاء الشتاء أزعجه وتمنى الصيف. وقد يحب الصيف، فإذا جاء أرهقه وتمنى البرد. وقد يقول: "تنقصني هذه الحاجة، فإذا حصلت عليها أصبحت سعيدًا"، ثم يحصل عليها، فلا يجد السعادة التي كان ينتظرها.
إذن، يبدو أن الأمر لا يتعلق بالأشياء نفسها بقدر ما يتعلق بسر باطني غائب، سرّ الانقلاب.
الشيء نفسه يفرح ويحزن
ربما لا يوجد رجحان نهائي يمكن أن نقول على أساسه إن شيئًا ما خير مطلق أو شر مطلق، مريح دائمًا أو مؤلم دائمًا.
قد يتنعم الإنسان بالحقيقة نفسها التي يتعذب بها إنسان آخر. الحقيقة واحدة، لكنها ليست "نفس الحقيقة" من حيث التجربة. قد تفرحني وتؤلمك، وقد تؤلمني وتفرحك.
وهذا ما يجعل المسألة أكثر تعقيدًا: لماذا يفرح الفرحون من الحقيقة نفسها التي ينزعج منها المنزعجون؟ لماذا يصبح الشيء نفسه مصدرًا لمعنيين متناقضين؟
بل إن الإنسان قادر على أن ينقلب على نفسه.
قد يكون مرتاحًا في أمر ما، ثم ينقلب عليه فجأة، فيصبح الشيء الذي كان يريحه مصدرًا لإزعاجه. وقد يبني شيئًا بكل قوته، ثم كلما اقترب من إتمامه انقلبت لذته إلى رغبة في هدمه. في البداية كان ألمه في هدم البناء ولذته في بنائه، ثم يصبح ألمه في الإبقاء عليه ولذته في اقتلاعه من أساسه.
والأمر نفسه يحدث مع المطاردة. قد يطارد الإنسان شيئًا سنوات، وعندما يصل إليه يهرب منه؛ لأنه لم يعد يريد ما كان يطارده أصلًا. وقد يريد الإنسان ما كان يهرب منه.
كأن الإنسان يبحث في كل مرة عن قصة جديدة، ثم عندما يصل إلى نهاية القصة يفقد الرغبة فيها، لأن القصة انتهت فلا يريد أن تنتهي.
الخارج مجرد حكاية
أتذكر كيف كنت في طفولتي وبدايات مراهقتي أندمج بشدة في المسلسلات والأفلام. كان الاندماج يصل أحيانًا إلى درجة أنني أنفصل عن الواقع، فأصدق ما يحدث داخل القصة وأتمنى لو كان حقيقيًا.
ثم تأتي لحظة أدرك فيها أن الأمر مجرد مسلسل.
كانت تلك اللحظة تصيبني بخيبة غريبة؛ لأنني كنت قد منحت القصة بعدًا حقيقيًا، ثم اكتشفت أنها مجرد أحداث مكتوبة ومصورة وممنتجة. حتى صانع القصة نفسه لا يطلب منك بالضرورة أن تؤمن بأنها حقيقة؛ بل في بداية العمل قد يخبرك صراحة أن الأحداث خيالية، وأن أي تشابه مع أشخاص أو مؤسسات حقيقية محض صدفة.
هو يريد منك أن تشاهد، أن تندمج، أن تراقب، وربما أن تشعر، لكنه لا يريد منك أن تنسى أنها قصة.
ومن هنا جاء سؤال آخر: ماذا لو كان ما يحدث في الخارج، مهما بدا حقيقيًا، مجرد قصة؟
إذا تعلقت بالقصة تعلّقًا مطلقًا، فإن نهايتها ستؤلمك. سيعود الممثلون إلى حياتهم، وسيفكك فريق الإنتاج موقع التصوير، وينتهي المشهد، بينما أنت كنت قد وضعت فيه دم قلبك.
وهذا ينطبق على العلاقات والأفكار والمشاعر وكل ما يمكن للإنسان أن يتعلق به.
التعلق الشديد يعني أنك وضعت جزءًا هائلًا من وجودك في احتمال واحد.
خطر التعلّق
التعلق ليس مجرد محبة شيء؛ بل هو أن يتحول الشيء إلى مركز يستهلك علاقتك ببقية الأشياء.
عندما يتعلق الإنسان بشخص تعلقًا شديدًا، قد ينفصل عن كل الاحتمالات الأخرى. يصبح ذلك الشخص هو الاحتمال الوحيد، وتصبح بقية الاحتمالات شيئًا ينبغي إطفاؤه حتى تكتمل العلاقة.
وهنا يكمن الخطر.
قد يصل الإنسان إلى درجة ينسى فيها الأكل والشرب والدراسة والراحة، لأنه منح طاقته كلها لشيء واحد. وهكذا يصبح التعلق نوعًا من الانفصال: كلما ازداد اتصالك بشيء واحد، ازداد انفصالك عما عداه.
ثم تأتي اللحظة التي تكتشف فيها أن الشيء الذي ضحيت من أجله بكل شيء كان مجرد فصل من فصول القصة.
ولهذا فإن التعلق قد يكون مؤذيًا ليس لأن الشيء المتعلق به سيئ، بل لأنك جعلته أكبر من حجمه، ومنحته قيمة مطلقة.
من التعلق بشخص إلى التعلق بكل شيء
بعد مراحل وتجارب كثيرة، قد يصل الإنسان إلى حالة يظن فيها أنه لم يعد متعلقًا بأي شيء.
لكن المفارقة أن عدم التعلق بشيء بعينه قد يعني التعلق بكل شيء على مسافة متساوية.
في العلاقات مثلًا، قد يكون الإنسان في البداية متعلقًا بامرأة معينة، إلى درجة أنه يغلق كل الاحتمالات الأخرى. ثم يصل إلى مرحلة لا يتعلق فيها بامرأة بعينها، لأنه يريد أن يبقي كل الاحتمالات مفتوحة.
هنا لا يكون قد خرج بالضرورة من التعلق، بل ربما تغير شكل التعلق.
كان متعلقًا بشخص واحد، فأصبح متعلقًا بإمكان الجميع.
وهذه نقطة مهمة، لأن البقاء على مسافة متساوية من الجميع قد يكون أحيانًا سلوكًا غريزيًا نابعًا من الخوف: الخوف من الخذلان، والخوف من فقدان الاحتمالات، والخوف من أن تقترب من شخص فيؤذيك، بينما الشخص الذي ابتعدت عنه قد لا يكون موجودًا لمساعدتك.
إنه نوع من الحذر، لكنه قد يتحول أيضًا إلى سلوك متوحش؛ لأن الإنسان لا يثق بشخص بعينه، ولا يسمح لنفسه بالارتباط الكامل.
هل يمكن لشخصين أن يتعلقا ببعضهما بالطريقة نفسها؟
هنا تظهر مفارقة أخرى.
هل يمكن أن يكون شخصان متعلقين ببعضهما تعلقًا مطلقًا، بحيث يكون كل واحد منهما للآخر هو التجربة الوحيدة والمطلقة؟
لا يبدو الأمر مقنعًا.
ليس لأن الحب المتبادل مستحيل، وإنما لأن التعلق نفسه يقوم، في صورته القصوى، على اختلال ما في العلاقة.
إذا كان شخصان متعلقين ببعضهما بالطريقة نفسها وبالدرجة نفسها، فإن التعلق يفقد جزءًا من المعنى الذي نكتشفه عند حدوث الانفصال.
لذلك يمكن النظر إلى العلاقة على أنها غالبًا بين شخص متعلق وشخص غير متعلق به، حتى لو كان الطرف الآخر متعلقًا بشيء أو شخص آخر.
وهنا تظهر صورة المصباح المعلق في السقف.
المصباح متعلق بالعلبة، والعلبة بالحبل، والحبل بجزء من السقف، وذلك الجزء متعلق بجزء آخر، وهكذا تستمر سلسلة التعلقات إلى أن تصل إلى نقطة أعلى.
قد يبدو أن الأشياء المتعلقة ببعضها متعلقة ببعضها مباشرة، لكنها في الحقيقة تدخل في سلسلة من التعلقات. كل عنصر متعلق بشيء آخر، وليس بالضرورة بالعنصر الذي نراه تحته مباشرة.
وهكذا يمكن أن يكون الشخص الذي يتعلق بك مرتبطًا، في العمق، بشخص آخر أنت نفسك متعلق به.
أن ترى الجانب الآخر من القصة
افترض أن شخصًا كان متعلقًا بامرأة معينة، ولنسميها "أ". وبحسب هذا التصور، فإن "أ" ليست متعلقة به، بل متعلقة بشخص آخر "ب".
ينفصل الرجل عن "أ" ويمضي في حياته.
ثم تأتي امرأة جديدة وتتعلق به مثلما كان هو متعلق بـ "أ".
في البداية يظن أن هذه المرأة مختلفة تمامًا عن "أ". لكن عندما ينظر بعمق، قد يكتشف أن الطريقة التي تتعامل بها المرأة الجديدة معه تشبه الطريقة التي كان هو يتعامل بها مع المرأة "أ".
فجأة يرى الجانب الآخر من القصة التي كان يعيشها.
لقد كان يرى نفسه في موقع المتعلق، والآن يرى نفسه في موقع الطرف الذي يتعلق به الآخر.
وهنا يفهم شيئًا لم يكن يستطيع فهمه سابقا.
لا شيء يهرب
في البداية قد يعيش الإنسان وهو يطارد الأشياء لأنه يخاف أن تهرب منه.
لكن مراقبة الحياة تكشف مفارقة أخرى: ربما لا شيء يهرب حقًا.
الذي هرب منك يطارد شيئًا آخر، والذي تحرر منك قد يكون متعلقًا بشخص آخر. والذي تراه صعب المنال بالنسبة إليك قد يكون سهل المنال جدًا بالنسبة إلى شخص آخر.
قد يكون الشخص الذي تتمناه ولا تستطيع الوصول إليه هو نفسه الشخص الذي لا يعني شيئًا لشخص آخر.
وهذه إحدى سخريات الحياة: ما تراه أنت أعظم احتمال قد لا يدخل أصلًا في حساب شخص آخر.
وهذا وحده كافٍ لتوسيع منظور الإنسان.
القيمة التي نمنحها للأشياء
هنا نصل إلى فكرة أكثر قسوة، لكنها في هذا التصور ضرورية لفهم التعلق.
الشيء الذي تتعلق به بشدة ليس بالضرورة ذا قيمة في ذاته؛ قد تكون أنت الذي منحته القيمة.
فالإنسان يستطيع أن يمنح شخصًا أو فكرة أو علاقة معنى هائلًا، ثم يتصرف وكأن ذلك المعنى كان موجودًا فيها بصورة مطلقة.
لكن ماذا لو كانت القيمة نفسها تنتقل؟
ماذا لو كان الإنسان الذي يريد أن يبقى متعلقا بشيء للأبد، يتحول بعد ذلك إلى شخص يريد أن يتعلق الآخرون به؟
هنا تتشكل سلسلة:
شخص يمنح القيمة لشخص لا يتعلق به.
وهذا الشخص يحصل على القيمة، فيفقد الآخر القيمة لأنه وهب قيمته لشخص لا يتعلق به، فيريد أن يتعلق به الآخرون لكي يهبوه القيمة بدوره، سيهبها مجددًا للذي هو متعلق به. ونرى هنا أن شخص يهب القيمة لشخص، وذلك الشخص يهبها لشخص آخر. القيمة دائمًا موهوبة ودائمة التمرير بين الأشخاص، لا تقف عند طرفين محددين فقط.والآخر بدوره قد يبحث عن شخص آخر.
وهكذا تنتقل القيمة من كائن إلى آخر، في سلسلة لا تنتهي.
إنها أشبه بتحصيل متتابع للقيمة: هذا يمنحها لذاك، وذاك يمنحها لغيره، ثم ينتقل الأمر إلى آخر.
وفي نهاية السلسلة قد يصل المعنى إلى شيء لا معنى له في ذاته، لكنه أصبح مستفيدًا من القيمة التي منحها الآخرون له.
الفضلة بوصفها صورة رمزية
يمكن توسيع هذه الفكرة رمزيًا إلى شيء أكثر غرابة.
ما الذي يتخلص منه الإنسان دون أن ينظر إلى الوراء؟
إنه ما لم يعد يحتاج إليه: الفضلات، والهواء الخارج، والعرق، والبول، والبراز، وكل ما امتص منه ما يحتاجه ثم طرحه.
الشيء الذي تحرر منه الإنسان يصبح، بالنسبة إليه، بلا قيمة.
ومن هذه الزاوية الرمزية، يمكن القول إن الكائن أو الشيء الذي يُترك ويُستغنى عنه قد يصبح لاحقًا راغبًا في أن يتعلق به الآخرون، لأن تعلقهم به يعيد إليه الإحساس بالقيمة.
وهكذا يصبح المستغل والمستغَل جزءًا من السلسلة نفسها.
والذي كان متعلقًا بالآخر ووهبه كل القيمة التي لديه وجعله مركز القيم يريد من الأخرين أن يتعلقوا به.
لأنه يريد استعادة القيمة التي فقدها.
النظرية: الخارج هو الحالة السابقة
هناك فكرة أخرى أراها مفتاحًا لفهم هذا كله.
ما نراه في الخارج — الأشخاص، الحيوانات، الأشجار، الجمادات، الأشياء، الأحداث، وكل ما يدخل في نطاق رؤيتنا وسمعنا وحواسنا — يمكن النظر إليه بوصفه الحالة السابقة لوجودنا.
كل ما أمامك هو، في هذا التصور، من الإحتمالات و الأشخاص وغيرهم الذي تراهم في الخارج هي إحتمالات سابقة لك كنت قد تخليت عنها من أجل هذا الإحتمال أوهذا الدور.
أنا هنا لأنني تنازلت عن احتمالات أخرى، وأنت هنا لأنك تنازلت عن احتمالات أخرى.
أنا اخترت هذا الدور، وأنت اخترت ذلك الدور.
وبالتالي، عندما أراك، يمكن أن أراك بوصفك احتمالًا تنازلت عنه، كما يمكن أن تراني أنت بوصفك احتمالًا تنازلت عنه، يعني تعلقك بدورك هو لأنك تحررت أو تركت دوري، وتعلقي بدوري هو لأنني تحررت أو تركت دورك.
وهنا يظهر سر التعلق.
التعلق والندم
إذا تعلق الإنسان بشخص ما، فقد يكون التعلق مرتبطًا بالندم على التخلي عن ذلك الشخص.
كأن التعلق يقول في العمق:
لقد تركت هذا الاحتمال، وأنا نادم على تركه.
وكلما ازداد الندم، ازداد التعلق.
ولهذا يمكن أن يكون الشيء الذي نراه أمامنا جزءًا من "الحالة السابقة" التي نتعامل معها الآن.
كل احتمال تنازلنا عنه قد يعود إلينا في صورة مختلفة: شخص، علاقة، فكرة، موقف، فرصة، أو تجربة.
وهذا يجعل العالم الخارجي أشبه بمرآة واسعة لما سبق أن اخترناه وتركناه.
ويبقى المبدأ واحدًا: أنت في هذه الحالة لأنك لأنك تنازلت عن الأحوال الأخرى.
السقوط والاستنارة
إذا كانت هناك أدوار كثيرة، وكان الإنسان قد اختار دورًا معينًا لأنه استبعد أدوارًا أخرى، فإن الحكم على الأدوار الأخرى قد يكون هو الذي يبقيه منفصلًا عنها.
نحن لا نرى الأدوار الأخرى باعتبارها احتمالات، بل باعتبارها أدوارًا مرفوضة.
نحكم عليها، ونصنفها، ونقول: هذا أفضل، وهذا أسوأ، هذا يستحق، وهذا لا يستحق.
لكن الاستنارة، وفق هذا التصور، ليست أن تختار الدور "الصحيح" وتحتقر بقية الأدوار، بل أن تدرك أن البرنامج الذي اختار دورك هو نفسه البرنامج الذي صنف بقية الأدوار.
أنت لديك أحكام على الأدوار الأخرى، بينما لا تملك الحكم نفسه على دورك.
أما الاستنارة فهي عكس ذلك: أن ترى الأدوار كلها دون أن تتعامل معها بوصفها نقصًا مطلقًا بمعنى أن تصبح لاتحكم على أي دور تركته بحيث لاتحتاج أن تحكم على شيء لكي تغادره وتنفصل عنه وأصلا لماذا يجب عليك ان تحكم على حال أو إحتمال سابق لك؟.
أنا عندما أكون موجود هنا لايعني أنك لست موجود هنا أنا لست حالة سلبية لوجودك وأنت لست حالة سلبية لوجودي، وجودي ووجودك مشترك.
الماضي الذي لا يريد أن يموت
لنفرض أنني أريد المضي إلى المستقبل، بينما هناك شخص متعلق بي بشدة.
أنا أشعر أنه شيء من الماضي لا يريد أن يتركني.
هو، من جهته، قد يراني المستقبل الوحيد الممكن له.
هنا تحدث المأساة.
أنا أهرب، وهو يتمسك بي.
كلما هربت، ازداد خوفه من فقدان الأمان، فيزداد تعلقه. وكلما ازداد تعلقه، شعرت أنا بأن الماضي يلاحقني أكثر.
فتنشأ دائرة:
هو يريدني لأنني مستقبله، وأنا أهرب منه لأنه ماضيه.
لكن كلا الطرفين محكوم بالندم والخوف.
ولهذا فإن التحرر الحقيقي لا يحتاج إلى كراهية الماضي.
إذا انتهت علاقة، فلا ضرورة لأن نحكم بأن الطرف الآخر سيئ، أو أن التجربة كانت فاشلة، أو أن الشخص كان شريرًا.
الحكم على الحالة الماضية قد يعرقل تحولها.
فأنت لا تحتاج إلى كراهية الماضي حتى تصل إلى المستقبل.
يكفي أن تعترف بأن الحالة تغيرت.
لا يوجد انفصال كلي
ربما لا يوجد انفصال كلي.
يمكن أن تنتهي العلاقة في مسار معين، لكن هذا لا يعني أن وجود الشخص قد اختفى من الوجود كله.
قد لا تلتقيان مرة أخرى، وقد يكون ذلك مستحيلًا على مستوى المسار الذي تسلكانه، لكن لا يوجد "حظر كوني" يجعل وجود الآخر غير موجود.
أنت تتعامل مع الوجود، والآخر يتعامل مع الوجود، والوجود نفسه يتعامل معكما.
ولهذا قد يكون من الخطأ أن نقول: "تخلصت منه تمامًا."
قد تكون قد تخلصت من شكل العلاقة، لكنك لا تستطيع أن تحظر وجوده من الوجود كله.
وجودك لا يلغي وجوده، ووجوده لا يلغي وجودك.
كلنا الأصل
وهنا تظهر مشكلة أخرى في العلاقات.
قد يظن شخص أنه الأصل، ويرى الآخر بوصفه حالة ثانوية، بينما يرى الآخر نفسه هو الأصل.
لكن ربما كلاهما محق من زاويته.
وجودي لا يعني عدم وجودك.
ووجودك لا يعني عدم وجودي.
لكي أكون، لست مضطرًا إلى إلغاءك، ولكي تكون، لست مضطرًا إلى إلغائي.
وجودي ووجودك يمكن أن يكونا واحدًا من حيث الوجود، دون أن يعني ذلك أننا الشخص نفسه أو التجربة نفسها.
وهذا يلغي جزءًا كبيرًا من الصراع الذي تصنعه العلاقات الأرضية عندما تتحول إلى منافسة على الوجود والقيمة.
العلاقات الأرضية: الندم والخوف والوحدة
كثير من العلاقات قد تقوم، في جوهرها، على ثلاثة أشياء:
الندم، والخوف، والهروب من الوحدة.
شخص متعلق لأنه نادم.
وآخر يطارد الناس لأنه يخاف الوحدة.
وثالث يريد علاقة لأنه يشعر أن وجوده ناقص دونها.
لكن إذا كان الوجود واحدًا، فما الذي ينقص فعلًا؟
قد يكون الشيء الذي تظنه ناقصًا هو نفسه الشيء الذي تنازلت عنه عندما اخترت الحالة التي أنت فيها.
وليس التنازل نهائيًا بالضرورة.
إنه أشبه بأن تضع خاتمًا على الطاولة: وضعته جانبًا، لكن ذلك لا يعني أنه اختفى من الوجود.
الاختيار والتنازل والاسترجاع قد تكون كلها حركات داخل تجربة واحدة.
نحن لا نتاجر بالجملة
يمكن تشبيه الوجود بالتجارة بالتجزئة.
لا يوجد أحد يملك كل شيء ويبيع كل شيء ويشتري كل شيء.
كل كائن يتعامل مع جزء.
حتى من يظن أنه يتعامل مع "الجملة"، فإنه في النهاية يتعامل مع أجزاء من الكل.
لا أحد يملك الكون كله.
لا أحد يشتري كل الاحتمالات.
ولا أحد يبيع كل الاحتمالات.
كل واحد يعيش جزءًا من الصورة، ثم يظن أحيانًا أن الجزء الذي بين يديه هو الصورة كلها.
وهذا أحد أسباب التعلق: أن نعامل الجزء كما لو كان الكل.
إبليس والسقوط كسلسلة من المعاناة
إذا واصلنا هذا التصور إلى أقصاه، يمكن أن نقرأ صورة إبليس والسقوط قراءة رمزية مختلفة.
قد يصبح إبليس هو الساقط، والإنسان هو الساقط، وكل واحد يعذب الآخر بطريقة ما.
أنا أذكّرك بنقصك، وأنت تذكّرني بنقصي.
أنا أرى وجودي ناقصًا بسببك، وأنت ترى وجودك ناقصًا بسببي.
وهكذا يصبح العذاب متبادلًا.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم "الوظيفة الإبليسية" بوصفها وظيفة تقسيم وتصنيف: تقسيم البشر إلى فرق، وتصنيفهم، وجعل كل مجموعة ترى الأخرى بوصفها نقصًا، ثم جعلهم ينتجون معاناتهم بأيديهم.
بدل أن يحتاج السجناء إلى سجان دائم، يمكن أن يصبحوا هم سجّاني أنفسهم.
يتصارعون، ويعذبون بعضهم، ويأكل بعضهم بعضًا ، ويعيدون إنتاج ما يؤلمهم.
وهنا تصبح المهمة الإبليسية — في هذه القراءة الرمزية — ليست مجرد تعذيب مباشر، بل إبقاء السلسلة مستمرة.
نفس السلسلة تغريك وتعذبك
أخطر ما في التعلق أن السلسلة نفسها التي تغريك هي التي تعذبك.
والسلسلة التي تظن أنها تحفظ نعيمك هي نفسها التي تحفظ عذابك.
ما دمت تقول: "لا أستطيع أن أعيش دون هذا"، فقد جعلت الشيء مصدر حياتك، وبالتالي جعلته قادرًا على أن يصبح مصدر موتك النفسي عندما تفقده.
وهذا معنى عميق لعبارة: الدنيا دوّارة.
لا تطغَ عندما تكون في دور معين، لأن الدور قد ينقلب فتسحق نفسك بطغيانك في دورك السابق.
الذي يعذبك اليوم قد يكون الشيء الذي ينعمك غدًا، والذي يمنحك النعيم اليوم قد يصبح يعذبك غدًا.
اختبار الماضي في الحاضر
ربما يكون الحاضر هو المكان الذي نختبر فيه الماضي.
ما أمامك الآن ليس مجرد حاضر مستقل؛ قد يكون أيضًا آثارًا لحالات سابقة، ونتيجة لاختيارات قديمة، واحتمالات تم التخلي عنها.
وبحسب هذا التصور، فإن الحاضر يختبر الماضي.
أنت تنظر إلى ما أمامك، وتعالج ما كان.
ومن الطريقة التي تتعامل بها مع الماضي في الحاضر، تتشكل الاحتمالات المستقبلية.
كأن الإنسان يستمر في مراجعة ملفاته القديمة، لا ليعيش فيها، وإنما ليغير علاقته بها.
كلما استطاع أن يرى الماضي دون ندم، ودون كراهية، ودون تعلق، أصبح المستقبل أكثر اتساعًا.
وكلما ظل يرفض الماضي أو يعبده، ظل أسيرًا له.
الخلاصة
ربما لا تكون المشكلة في الأشياء التي نحبها أو نكرهها، ولا في الأشخاص الذين نرتبط بهم أو نفترق عنهم، بل في المعنى الذي نمنحه لهم وفي مقدار التعلق الذي نضعه فيهم.
الشيء الذي يسعدك قد يؤلمك لأنك غيّرت علاقتك به.
والشيء الذي يؤلمك قد يسعدك لأنك رأيته من زاوية أخرى.
والذي تطارده قد تهرب منه عندما تصل إليه.
والذي تهرب منه قد يصبح يومًا ما الشيء الذي تطارده.
والشخص الذي كنت تظنه مستحيل الوصول قد يكون سهل الوصول بالنسبة لشخص آخر.
والشخص الذي كان بالنسبة إليك مستقبلًا، قد يراك أنت ماضيه.
وما تراه الآن في الخارج قد يكون، في هذا التصور، حالة سابقة أو احتمالًا سابقًا من احتمالات وجودك، بينما ما أنت فيه الآن ليس إلا حالة من حالات لا نهائية.
لهذا ربما يكون التحرر الحقيقي ليس في ألا نتعلق بأي شيء، وإنما في أن ندرك طبيعة التعلق نفسه.
أن نعرف أن القيمة التي نعطيها ليست دائمًا قيمة مطلقة في الشيء.
أن نفهم أن الانفصال لا يعني المحو.
وأن انتهاء علاقة لا يحتاج إلى كراهية.
وأن الماضي لا يحتاج إلى أن نحكم عليه حتى نغادره.
وأن وجود الآخر لا ينتقص من وجودنا.
وأن وجودنا لا يحتاج إلى إلغاء وجود الآخر.
وأن كل دور له وجهان، وكل حالة لها وجهان، وكل اختيار يحمل في داخله الاحتمالات التي تركناها خلفنا.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق