شعار الموقع لنسخة الدارك مود

شعار الموقع لنسخة الدارك مود

العار ووعي الوجود وطريق العودة إلى الواحد

في الحديث السابق تناولنا مسألة الوعي بالوجود، وقلنا إن الوجود، في هذا التصور، ليس مجرد حضور الشيء في العالم، وإنما هو إدراك الكائن لكونه موجودًا، أو بمعنى أدق: شهادة الكائن على نفسه ووعيه بكونه. وقلنا كذلك إن هناك وعيًا حقيقيًا خالقًا ومبدعًا، وإن الخالق هو الذي يُخرج الكائنات من وهم العدم إلى الوجود.

لكن إذا وصلنا إلى النتيجة التي سنبني عليها حديثنا هنا، فإننا نواجه منعطفًا فكريًا مهمًا: إذا كان الوجود هو ما تعرفه البشرية تحت معنى العار، فإن الوعي بالوجود هو نفسه وعي بالعار.

وهنا يظهر السؤال: ما العار؟

العار بوصفه وعيًا بالنقص

حين يقول الإنسان: «أشعر بالعار من نفسي»، فما الذي يعنيه هذا الشعور؟

قد يكون الشعور بالعار مرتبطًا بشعور بالاختلاف وبالنقص، ووعي بأن شيئًا ما لم يكتمل بعد أو أن شيئا ماغير مناسب.

ولهذا فإن العار، في هذا التصور، ليس أمرًا سيئًا ينبغي التخلص منه بالضرورة، بل هو الوعي بالنقص نفسه. فالوعي بالعار هو وعي بالنقص، والوعي بالنقص هو في الوقت نفسه وعي بالوجود.

ومن هنا نعود إلى الفكرة التي طُرحت سابقًا: إذا كان الخالق هو الذي يخلق أثناء عملية الإدراك والوعي بالوجود، فإن وعي الوجود هو نفسه عملية الخلق. وإذا كان الوجود هو العار، فإن وعي العار يصبح هو الوعي الذي يحقق الخلق.

بعبارة أبسط: الخالق هو الذي يُشعر الكائن بكونه، ويُشعره بعار وجوده ونقصه، وهذا الشعور نفسه هو جزء من عملية خلقه وإدراكه لذاته.

فالخلق، وفق هذا المنظور، لا ينفصل عن الوعي. أن تُدرك أنك موجود يعني أن تشهد على نفسك، وأن تشهد على نفسك يعني أن تدرك حدودك ونقصك، ومن هنا يصبح العار علة الخلق.

علة الخلق والإنسان الكامل

في الفلسفة الإلهية، يُطرح مفهوم الإنسان الكامل أو المخلوق الكامل باعتباره المخلوق الذي اكتملت فيه عملية الخلق. وإذا كانت علة الخلق هي العار، فإن الإنسان الكامل هو الذي يشعر بالعار من وجوده .

وهذا لا يعني أن العار نقص في ذاته، بل يعني أن الشعور بالنقص هو الذي يقود الكائن إلى الكمال.

فالكائن الذي يشعر بالعار يدرك علة وجوده، أما الكائن الذي لا يشعر بالعار فلا يدرك علة وجوده. ولهذا يصبح الشعور بالعار، paradoxically، علامة على اكتمال الفطرة، بينما يصبح غياب العار علامة على انتكاسها.

يمكن تقريب الفكرة من خلال مصطلح shameless، أي «بلا عار» أو «بلا حياء». ففي إطار هذه الأطروحة، الإنسان الذي لا يشعر بالعار هو الإنسان الذي لم يدرك علة وجوده، ولذلك فهو يقاوم علة خلقه بدل أن يتوافق معها.

فالذي يشعر بالعار من وجوده مع الخالق يكون في قمة الأدب مع الخالق؛ لأن الأدب هنا هو الافتقار، واستنقاص النفس، والشعور بالنقص والندم.

أما الذي يرى نفسه كاملًا ولا يرى فيه نقصًا، فهو، وفق هذا التصور، أكثر نقصًا؛ لأنه لا يشعر بالعلة التي أوجدته أصلًا.

المفارقة: من يشعر بالعار لا يحتاج إلى العار

وهنا تظهر مفارقة أساسية.

الإنسان الكامل هو الذي يشعر بالعار، لكن اكتماله يعني في النهاية أن علة الخلق قد انتفت عنه بوصفها علةً تدفعه إلى خلق جديد. فإذا وصل إلى الكمال، لم يعد ينظر إلى الخالق باعتباره علة ينبغي الهروب منها، بل يعود إلى الأصل الذي هو علته.

ولهذا يمكن صياغة المفارقة هكذا:

من يشعر بالنقص فهو كامل، ومن يشعر بالكمال فهو ناقص.

فالإنسان الذي يشعر بالعار يدرك نقصه، ولذلك يتحرك نحو الاكتمال. أما الذي لا يشعر بالعار، ويعتقد أنه كامل، فهو قد استسلم لنقصه من دون أن يدركه.

ومن هنا يصبح الشعور بالعار محاولة حقيقية للكمال، بينما يصبح عدم الشعور بالعار نوعًا من التسليم اليائس للنقص.

الانسجام مع علة الوجود

يمكن تبسيط هذه الفكرة بمثال رمزي: لو قلنا إن علة وجود قارورة ما هي العطش، فإن القارورة وُجدت لكي تؤدي وظيفة مرتبطة بالعطش. وإذا حاولت إزالة العطش نهائيًا، فإنك تزيل العلة التي تجعل للقارورة معنى في هذا السياق.

وبالمثل، فإن الكائن الذي يحاول إزالة علة وجوده أو الهروب منها يتحرك ضد السبب الذي أوجده.

ولهذا فإن الإنسان، في هذا التصور، يعاني عندما يسير ضد علة وجوده وهي العار. وليس المقصود أن الخالق يعذب الإنسان تعذيبًا خارجيًا، وإنما أن الإنسان يتعذب لأنه يسير ضد ما خُلق من أجله.

ومن هنا نفهم الإنسان الكامل بوصفه الإنسان الذي يشعر بالعار، لكنه لا يحاول الهروب من وجوده أو رفض قدره، بل يريد أن يكتمل.

إنه لا يريد خلقًا جديدًا بقدر ما يريد إتمام الخلق القائم.

البديل وبداية الانحراف

ومن هنا نصل إلى فكرة أخرى أساسية: كل الانحراف بدأ عندما أصبح هناك بديل عن الواحد.

فالبديل لا يشعر بالعار من أن يتم استبداله، لأنه يقبل منطق الاستبدال والتغيير. أما ما لا يقبل التعويض فهو الذي يحتفظ بقيمته الفريدة وهو الذي يشعر بالعار أن تم وضعه كبديل.

ونحن، وفق هذا التصور، بدائل لاستمرار الوجود، لكن الوجود الكامل لا يستطيع أن يستمر من دون الواحد.

ولهذا لا يوجد بديل عن الواحد، ولا يوجد بديل عن الكمال بوصفه طريقًا للخروج من ظلمات التكرار والكثرة.

فنحن نعيش، في هذه القراءة، داخل ظلمات الكثرة والعدد؛ حيث يصبح الواحد قابلًا للاستبدال، ويصبح ما هو فريد مجرد نسخة يمكن تعويضها ويصبح الوجود بلاعار أي بلا أدب.

وهنا يظهر الفرق بين القلة والكثره.

إذا كان هناك أربعة أو خمسة أشخاص فقط، فإن فقدان واحد منهم يكون أمرًا عظيمًا؛ لأن الواحد منهم عزيز، ولا يمكن تعويضه بسهولة. أما في مجموعة هائلة من الأشخاص، فإن الفرد يصبح أقل قيمة من حيث قابلية الاستبدال، لأن هناك دائمًا من يمكن أن يحل محله.

إذن:

في الكثرة يصبح الواحد قابلًا للتعويض، وفي القلة يصبح الواحد عزيزًا.

وإذا ارتقينا من القلة إلى الوحدانية، فإن الواحد يصبح عزيزًا بصورة مطلقة، لأنه لا بديل له أصلًا.

الواحد وطريق النجاة

إذا كان الخروج من بحر الظلمات، أي من الكثرة والتكرار، يحتاج إلى طريق، فإن السؤال يصبح: هل توجد طرق لا نهائية للنجاة؟

وفق هذا التصور، الجواب هو: لا.

قد تبدو الطرق كثيرة، لكن طريق النجاة الحقيقي واحد؛ لأنه لا يحتمل البديل أو الشريك أو المماثل.

فلا يمكن أن يكون هناك طريقان متعارضان يؤديان بالمعنى نفسه إلى النجاة من الظلمات. وإذا كان الأصل هو الواحد، فإن البحث عن التوفيق نفسه دليل على أن الأصل ليس الاختلاف، بل الوحدة.

ولهذا فإن الطرق البديلة الوهمية لا تؤدي إلى النجاة، بل تعيد الكائن إلى الجحيم وإلى دورة التكرار من جديد.

ومن هنا تصبح المسألة مسألة ولاء وبراء بالمعنى الفكري لهذا التصور: ولاء لمن يسير في طريق الحق، ورفض للطرق التي تستبدل الطريق الفريد بطرق زائفة.

الإنسان وأصل الواحد

ينطبق ذلك كذلك على أصل خلق الإنسان.

في الروايات التي تتحدث عن تعدد الجهات التي شاركت في خلق الإنسان أو إضلاله، لا تكمن النقطة الأساسية هنا في تعدد الجهات التي قد تؤثر في الإنسان، وإنما في التمييز بين من يضل الإنسان ومن يخلقه ويوجهه ويرشده.

فالإنسان، في هذا التصور، خُلق من أصل واحد، وإن شاركت جهات كثيرة في إضلاله أو التأثير فيه، فإن التوجيه الحقيقي والخلق والإرشاد لا يمكن أن تتحول إلى عملية متعددة الأصول.

ولهذا لا غنى للإنسان، مهما امتلك من الاختيارات، عن الواحد.

قد تكون أمامك آلاف الاحتمالات، لكن إذا لم يكن بينها الخيار الصحيح الوحيد، فأنت، رغم كثرة ما تملك، فقير.

أما الغنى الحقيقي فهو أن تمتلك ما لا بديل له.

فالذي يمتلك شيئًا يمكن تعويضه ليس غنيًا بالمعنى الأعمق، أما الذي يمتلك شيئًا لا يعوض ولا يُشترى ولا يُباع، فهو غني بما لا يمكن للسوق كله أن يوفر له بديلًا عنه.

القدر الذي لا يعوض

من هنا تظهر فكرة القدر.

في بعض التصورات الروحية المعاصرة، نجد محاولة مستمرة لتبديل الطرق والأقدار والأجساد والمرشدين والمعلمين، وكأن الوصول إلى الحقيقة يحتاج دائمًا إلى تغيير ما نحن فيه.

لكن إذا أدرك الإنسان ما لا يعوض في قدره، فلن يعود يريد تغييره بالضرورة.

فأنا في هذا القدر، عشت ما عشت، أصبت فيما أصبت وأخطأت فيما أخطأت، وقد يكون في وجودي هنا سر أو حكمة ما كنت لأدركها لو كنت في قدر آخر.

ولهذا يمكن القول:

قدري، رغم نقصه، كامل من حيث عدم قابليته للتعويض.

وهذا هو معنى الإنسان الكامل في هذا السياق: مهما كان فيه من نقص، فهو لا يعوض؛ ولذلك لا ينقصه شيء من حيث فرادته.

الأصل هو الثبات

ومن هنا نصل إلى سؤال آخر: هل الأصل هو التغيير أم الثبات؟

الجواب الذي يقوم عليه هذا التصور هو أن الأصل هو الثبات، والمتغير فرع عنه.

فلو كان الأصل هو التغير المحض، لما استقر شيء أصلًا. ولو كان الأصل هو الاهتزاز، لما استطاع الفرع أن يجد نقطة ثبات.

يمكن تصور ذلك من خلال طاولة تهتز: إذا كان أصل الطاولة نفسه ثابتًا، فإن اهتزاز شيء فوقها لا يزيل ثبات أصلها. أما إذا كان الأصل ذاته مهتزًا، فلن يكون هناك أساس ثابت يمكن أن يستقر عليه شيء.

ولهذا فإن الفرع يمكن أن يهتز، لكن اهتزازه لا يغيّر من ثبات الأصل إذا كان الأصل ثابتًا.

والقاعدة هنا بسيطة:

الأصل ثابت، والاهتزاز طارئ.

الذكورة والأنوثة في نموذج الأصل والفرع

ومن داخل هذا النموذج ينتقل التصور إلى مسألة الذكورة والأنوثة.

إذا كان الاهتزاز هو الأصل، فإن الثبات يصبح فرعًا عنه، وهذا يقود إلى قلب العلاقة بين الأصل والفرع. أما إذا كانت الذكورة هي الأصل الثابت، فإن الأنوثة تصبح فرعًا متغيرًا ومهتزًا، من دون أن يؤثر ذلك في ثبات الأصل.

وبذلك يصبح النموذج السليم، وفق الأطروحة، هو أن يكون الأصل ثابتًا، وأن يكون التغير في الفروع.

أما القول بأن الأصل هو التموج والاهتزاز والتردد والتغير، فيعني أن الأصل نفسه غير ثابت، وهو ما يجعل تحقيق الاستقرار في الوجود إشكاليًا من أساسه.

فالشيء الذي يتغير في أصله لا يمكن أن يمنح فرعه ثباتًا حقيقيًا.

ومن هنا يُنظر إلى الاهتزاز المستمر باعتباره طريقًا إلى فقدان الأصل؛ لأن دوام الاهتزاز قد يؤدي في النهاية إلى اقتلاع الإنسان من أصله، وفصله عن ما هو أصلي، وربطه بما ليس أصليًا.

الفضاء بوصفه صورة للسقوط

وفي امتداد هذه الأطروحة، يُنظر إلى ما يسمى بالفضاء لا بوصفه بالضرورة صورة للارتفاع والسمو، وإنما بوصفه صورة للسقوط والانفصال عن الأصل.

وهذا يختلف عن التصورات التي تجعل الفضاء رمزًا للارتقاء، أو التي تربط العودة إلى الأصل بالعودة إلى الفضاء أو بعوالم أخرى.

ضمن هذا التصور، الأمر معكوس: الأصل هو الثبات، وما يبدو حركة وارتفاعًا قد يكون في الحقيقة صورة من صور السقوط عن الأصل.

ولهذا فإن التحذير الأساسي هنا هو من الأكاذيب التي إذا استقرت في العقول أصبحت جزءًا من الذاكرة، ثم صار من الصعب تفكيكها.

العار والكذب

ومن هنا نعود مرة أخرى إلى العار.

إذا كان الاستنارة تعني شيئًا في هذا السياق، فلا يمكن أن تكون مجرد التخلص من الشعور بالخجل والعار. فالذي يكذب ويزيّف ثم لا يشعر بالخجل أو العار من كذبه لا يكون قد تجاوز العار، بل يكون قد فقد الوعي بعلة وجوده، فالإنسان الذي لديه أمور تشعره بالعار فهو ملتز بالأداب وراعي يمكنك القول انه مستيقظ أما الإنسان الذي لايشعره شيء بالعار فهو كالسفاح كائن مهجن لايهمه شي وليس لديه خصلة أدب.

فالإنسان الذي يشعر بالعار من الكذب لن يختلق الكذب ولن يلبس نفسه كذبة، ولن ينسب إلى الآخرين ما لا دليل عليه، ولن يقف أمام الناس ليقدم لهم الإشاعات على أنها حقائق.

ولهذا فإن المشكلة ليست في أن الإنسان يجهل شيئًا؛ فالجهل يمكن أن يكون حالة مؤقتة إذا اعترف الإنسان به. المشكلة أن يتحول الجهل إلى ادعاء للعلم، وأن يتحول الكذب إلى يقين، وأن يصبح نقل الإشاعات بديلًا عن البحث عن الحقيقة.

إذا لم تعرف، فقل: لا أعلم.

وإذا لم تكن قادرًا على قيادة الناس نحو الحقيقة، فافسح المجال لمن يستطيع.

أما أن تتصدر ثم تقود الناس إلى المجهول الأعمى، فهذه مشكلة أكبر من مجرد الجهل.

الحياة ليست غايتها نفسها

ومن الأفكار التي تظهر في هذا السياق أيضًا رفض القول إن غاية الحياة هي الحياة نفسها.

فإذا قيل للإنسان: «مجرد وجودك يعني أنك حققت الغاية»، فإن ذلك يعني أن وجوده قد حقق العلة، لكنه لا يعني بالضرورة أنه حقق الغاية.

والدليل البسيط هو نهاية الحياة.

فلو كانت الحياة هي الغاية في ذاتها، لما انتهت. لكن الموت يكشف، وفق هذا الاستدلال، أن مجرد استمرار الحياة ليس الغاية النهائية.

لذلك، إذا كان الإنسان لا يعرف غاية وجوده، فالأصدق أن يقول: لا أعرف، بدل أن يجعل جهله دليلًا على أن لا غاية أصلًا.

فالاعتراف بالجهل يترك المجال للعلم، بينما تحويل الجهل إلى حقيقة يغلق الطريق أمام المعرفة.

العلم هو الأصل والجهل عرض

كما أن الأصل، في هذا التصور، ليس الجهل، وإنما العلم.

فالجهل عرض مؤقت، ويمكن أن يصبح مؤقتًا بالفعل عندما يعترف الإنسان بجهله ويسعى إلى العلم.

أما إذا رفض الاعتراف بجهله، فإن ذلك العرض يمكن أن يتحول إلى حالة مستمرة، ثم يصبح مثل نهر يجرف الإنسان معه.

ولهذا فإن الإنسان الذي لا يعلم عليه أن يصمت أحيانًا، وأن يصغي، وأن يبحث عن العلم الحقيقي.

والعلم الحقيقي ليس مجرد كثرة المعلومات التي يتداولها الناس. فكثرة المعلومات لا تعني بالضرورة قيمة المعرفة.

إن المعلومة التي يريد الجميع التخلص منها أو التي لا قيمة لها ليست كالمعرفة التي يحتفظ بها صاحبها لأنها عزيزة عليه، لأنها تمثل أصلًا لا يريد أن يفقده.

لا يصبح الجميع آلهة

ومن هنا يمكن فهم الاعتراض على الشعارات التي تقول للناس: «تعالوا نصبح جميعًا آلهة» أو «تعالوا نحقق الاستنارة جميعًا» من دون تحديد معنى هذه الكلمات.

فالسؤال الأول هو: ما الإله أصلًا؟

إن استعمال المصطلح لأنه جذاب لا يكفي لفهمه.

وكذلك لا يمكن اختزال الاستنارة في مجرد التخلص من الشعور بالعار، لأن الشعور بالعار، في هذه الأطروحة، مرتبط بالوعي بالنقص وبعلة الخلق وبالأدب، وليس عائقًا يجب التخلص منه.

فالإنسان لا يصبح كاملًا بمجرد أن يعتقد أنه كامل، ولا يصبح مستنيرًا بمجرد أن يزيل من داخله كل شعور بالنقص.

المعرفة الفريدة وتعقيد الأصل

وفي النهاية نصل إلى مسألة المعرفة نفسها.

المعرفة الحقيقية، في هذا التصور، ليست شيئًا عامًا يستطيع الجميع امتلاكه بالدرجة نفسها بمجرد تكرار العبارات. بل إن هناك معرفة لها مفاتيح ومداخل ومخارج، ولها أصل وفرع، وتحتاج إلى إدراك العلاقات التي تجمع أجزاءها.

ولهذا لا ينبغي الاستهانة بتعقيد الاتصال الحقيقي بالحقيقة أو بالخالق.

قد يبدو للإنسان أن كل شيء يمكن اختزاله في فكرة بسيطة أو ممارسة سهلة، لكن تعقيد الخريطة لا يعني أن الحقيقة غير موجودة، بل يعني أن الوصول إليها يحتاج إلى حكمة وخبرة وفهم.

فالأصل الذي يجمع الفروع كلها ليس بالضرورة بسيطًا بالمعنى السطحي. وما يوحّد الاختلافات ويجمعها في نظام واحد لا يمكن اختزاله بسهولة إلى جزء واحد من أجزائه.

ومن هنا يمكن أن يكون تعقيد الطريق نفسه دليلًا على أن هناك شيئًا أكبر من قدرة الإنسان على التبسيط الكامل؛ فمهما بلغ الإنسان من الحكمة والخبرة، يبقى هناك دائمًا ما هو أعقد مما استطاع أن يحيط به.

الخلاصة: من الكثرة إلى الواحد

إذا جمعنا هذه الأفكار كلها في سياق واحد، فإن الصورة تصبح أوضح.

يبدأ الوجود بالوعي، والوعي بالوجود هو وعي بالعار، والعار هو الوعي بالنقص. ومن هنا يصبح العار علة الخلق، لأن الكائن لا يدرك وجوده إلا بإدراك حدوده ونقصه.

والإنسان الكامل ليس من يعتقد أنه خالٍ من النقص، بل من يدرك نقصه، ويشعر بالافتقار، ويتعامل مع علة وجوده بدل أن يحاول الهروب منها، والإنسان الذي يشعر بالعار تجاه بعض الأمور هو إنسان انتقائي، لا يقبل كل شيء ولا يساوي بين الأشياء، وهذا الانتقاء هو أحد أبواب الأدب؛ لأنه يدل على وجود حدود ومعايير يلتزم بها الإنسان في سلوكه ووجوده.

ثم ننتقل من الإنسان إلى بنية الوجود نفسها: الأصل واحد، والثبات أصل، والكثرة فرع، والاهتزاز طارئ، والبديل لا يمكن أن يعوض الواحد الحقيقي.

ولهذا فإن الخروج من ظلمات الكثرة والتكرار لا يكون بتعدد الطرق إلى ما لا نهاية، وإنما بالعودة إلى الطريق الفريد الذي لا بديل له.

والغنى الحقيقي ليس في امتلاك البدائل، بل في امتلاك ما لا بديل له.

والكمال ليس في التخلص من كل نقص، بل في إدراك حقيقة النقص وعلة الوجود، ثم الوصول إلى الحالة التي لا يعود فيها الكائن بحاجة إلى الهروب من أصله.

أما الجهل، فليس أصلًا، بل حالة مؤقتة؛ والإنسان الذي لا يعلم يستطيع أن يبدأ من اعتراف بسيط: «لا أعلم». ومن هناك يمكن أن يبدأ البحث عن العلم الحقيقي.

وفي النهاية، فإن القضية كلها تعود إلى سؤال واحد: هل نريد أن نكون مجرد نسخة قابلة للتبديل داخل الكثرة، أم نريد أن ندرك قيمة الواحد، وقيمة الأصل، وقيمة ما لا يمكن تعويضه؟

في هذا التصور، النجاة ليست في كثرة البدائل، بل في اكتشاف ما لا بديل له؛ والكمال ليس في إنكار النقص، بل في الوعي به؛ والاستنارة ليست في التخلص من العار، بل في فهمه؛ والوجود ليس مجرد البقاء، بل وعي الكائن بكونه، وبأصله، وبعلة وجوده.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كاتب التدوينة
كاتب التدوينة
هذا النص هو مثال لنص يمكن أن يستبدل في نفس المساحة، لقد تم توليد هذا النص من مولد النص العربى، حيث يمكنك أن تولد مثل هذا النص أو العديد من النصوص الأخرى إضافة إلى زيادة عدد الحروف التى يولدها التطبيق.
G.M HERMES