شعار الموقع لنسخة الدارك مود

شعار الموقع لنسخة الدارك مود

الزين الغني عن التزيين: الجمال والهوية والتمييز في عصر الدجل

من أكبر العلامات الدالة، في هذه الرؤية، على أن العصر الذي نعيشه أصبح عصرًا يكثر فيه الدجل والاضطراب أن الجمال نفسه أصبح مصطنعًا. وعندما يصبح الجمال مصطنعًا، فإن ذلك يعني أن الإنسان لم يعد يريد الحفاظ على ما هو موجود فيه، بل أصبح يريد تغييره وتبديله باستمرار.

فالجميل الحق لا يحتاج إلى أن يجمّل نفسه؛ كل ما يحتاج إليه هو أن يحافظ على جماله. أما الإنسان الذي يشعر بالحاجة الدائمة إلى تزيين نفسه وتغييرها، فإنه يفعل ذلك لأنه ينظر إلى نفسه من خلال رؤية ظالمة، ويرى في حالته الطبيعية قبحًا أو نقصًا يستوجب الإصلاح. ومن هنا يتحول التجميل من وسيلة إلى غاية، ويتحول الإنسان إلى شخص يعذب نفسه بصورة مستمرة لأنه غير راضٍ عن صورته الأصلية.

الجمال الحقيقي، وفق هذه الرؤية، غني عن التجميل. وبمجرد الدخول في مضمار التجميل المستمر، يصبح هناك اعتراف ضمني بوجود عيب أو قبح يحتاج إلى الإخفاء أو التغيير.

وهنا تظهر إحدى الأفكار الأساسية: الشركات العالمية التي تروّج لمعايير الجمال الجديدة لا تنظر دائمًا إلى الحالة الطبيعية والسوية باعتبارها حالة مكتملة، وإنما تقدمها باعتبارها شيئًا يمكن تحسينه وتغييره. وهكذا يصبح الطبيعي ناقصًا، والمصطنع أكثر قيمة، ويتحول التغيير من خيار إلى ضرورة.

عندما يصبح الطبيعي هو الغريب

يمكن ملاحظة هذه الفكرة أيضًا في بعض الخطابات المعاصرة المتعلقة بالهوية والجندر والعلاقات الجنسية. فقد أصبح من الممكن أن يقدَّم الشخص الذي يحافظ على هويته الجنسية التقليدية باعتباره شخصًا رجعيًا أو منغلقًا، بينما يُقدَّم الشخص الذي يرفض الحدود التقليدية للهوية باعتباره أكثر انفتاحًا واستنارة.

فقد صادفتُ خطابًا لشخص يتحدث عن نفسه وعن مفهوم الانفتاح، وكان يرى أن الشخص الذي ينجذب إلى مختلف الهويات الجندرية أكثر انفتاحًا من الشخص الذي يحافظ على نمط انجذاب محدد. وبحسب هذا الخطاب، يصبح الشخص الذي ينجذب إلى الجنس الآخر فقط، أي الرجل الذي ينجذب إلى المرأة والمرأة التي تنجذب إلى الرجل، شخصًا أقل انفتاحًا من الشخص الذي لا يضع حدودًا واضحة لانجذابه.

وهنا تكمن المسألة في مفهوم التمييز.

فالتمييز لا يعني بالضرورة الإقصاء، وإنما يعني القدرة على معرفة الفروق ووضع الحدود. ومن هذه الزاوية، فإن إزالة الحدود بالكامل لا تعني بالضرورة الوصول إلى حالة أعلى من الوعي، بل يمكن أن تعني فقدان القدرة على التمييز.

ومن هنا تظهر فكرة «الإله الخنثى» التي طُرحت سابقًا ضمن هذا التصور؛ أي الكائن الذي يريد أن يكون في الوقت نفسه هذا وذاك، وأن يلعب أدوارًا متعددة دون أن يستقر في هوية مكتملة.

الهوية وحدودها

ضمن هذا التصور، يصبح الشيطان رمزًا للكائن الذي يتجاوز حدود هويته. فالذكر الذي لا يكتفي بذكورته ويريد باستمرار الانتقال إلى أدوار أخرى، والأنثى التي لا تكتفي بأنوثتها وتسعى إلى تجاوز حدود هويتها، كلاهما يدخلان في حالة من عدم الاستقرار.

الفكرة هنا ليست أن التغيير في حد ذاته هو المشكلة، وإنما أن الدافع وراء التغيير قد يكون الشعور بالقبح وعدم الرضا عن الذات.

فلو كان الذكر مكتملًا في ذكورته وراضيًا عنها، لما احتاج إلى الهروب منها. ولو كانت الأنثى مكتملة في أنوثتها وراضية عنها، لما احتاجت إلى الهروب منها. ولذلك فإن تجاوز حدود الهوية، وفق هذا التصور، يبدأ من شعور عميق بأن الهوية الأصلية غير كافية أو غير جميلة.

ومن هنا يصبح عدم الرضا عن الذات مدخلًا للتغيير المستمر.

الشيطان والتمييز

يرتبط هذا أيضًا بمفهوم التمييز. فالشيطان، في هذا التصور، لا يميز بين الذكر والأنثى، ولا يلتزم بحدود محددة، وإنما يقوم على الانجذاب المحض دون اعتبار للحدود والهويات.

ولهذا فإن الشخص السوي، وفق هذه الرؤية، يتميز بقدرته على التمييز، بينما الشخص المضطرب في هويته يصبح أكثر قابلية للانجذاب إلى كل ما يزيل الحدود بين الهويات.

وبذلك يصبح الانجذاب إلى جميع الهويات، في هذا الإطار، ليس دليلًا بالضرورة على الاستنارة، وإنما قد يكون دليلًا على فقدان التمييز.

وهنا تبرز علاقة أخرى بين الهوية والتمييز: عندما تكون ملامح الإنسان وطاقته وهويته غير واضحة، تصبح عملية التمييز أكثر صعوبة. والشيء غير المميز يمكن أن يصبح أكثر قابلية للخلط والاضطراب.

البناء والأسرة

ينتقل هذا التصور بعد ذلك إلى مفهوم البناء، أي بناء الأسرة والنسل.

فالبناء السوي، وفق الفكرة المطروحة، يقوم على ذكر وأنثى سويين، وعلى وجود توافق حقيقي بينهما. أما عندما يدخل الاضطراب في هوية أحد الطرفين أو في العلاقة نفسها، فإن البناء يصبح معرضًا للاضطراب.

ولهذا طُرحت فكرة «البناء غير المحصن»، حيث يُنظر إلى العلاقة التي يدخل فيها اضطراب شديد في الهوية أو في العلاقة الجنسية باعتبارها بناءً غير مستقر.

وفي هذا السياق، يُطرح الشيطان باعتباره شريكًا رمزيًا في البناء المضطرب، وتُربط هذه الشراكة بما قد يظهر لاحقًا من اضطرابات في الأبناء.

وقد ذُكرت ضمن هذا التصور مجموعة من الصفات التي يُعتقد أنها يمكن أن تظهر لدى الأبناء الناتجين عن مثل هذا البناء، مثل ضعف التركيز، وفرط الحركة والاهتزاز، وضعف التعلق بالوالدين أو اضطراب العلاقة بهما، ثم استمرار هذه الاضطرابات مع التقدم في العمر.

كما يربط هذا التصور بين اضطراب الهوية لدى الوالدين وبين احتمال ظهور اضطرابات لدى الأبناء، بحيث لا تكون المشكلة، بحسبه، محصورة في الوالدين، وإنما يمكن أن تنتقل آثارها إلى البناء الأسري كله.

العلاقات العابرة وفقدان التمييز

ومن هنا تأتي فكرة العلاقات العابرة باعتبارها إحدى بوابات الانحراف.

العلاقة العابرة ليست، في هذا التصور، الانحراف الأعظم في حد ذاتها، وإنما خطورتها في أنها قد تؤدي إلى فقدان التمييز. فالرجل الذي يدخل في علاقات عابرة مع نساء متعددات دون أن تترك العلاقة أي إطار أو أثر مميز، قد يصبح مع الوقت غير قادر على التمييز بين امرأة وأخرى من حيث العلاقة والبناء.

والشيء نفسه ينطبق، ضمن هذا التصور، على المرأة التي تدخل في علاقات عابرة متعددة.

الفكرة الأساسية هنا هي أن العلاقة لا ينبغي أن تكون مجرد لحظة عابرة بلا أثر أو إطار. فكل علاقة تترك أثرًا، وعندما تتراكم الآثار دون وجود إطار ثابت، يصبح الإنسان أكثر اضطرابًا وأقل قدرة على بناء علاقة مستقرة.

ولهذا تُطرح ضرورة التوقف عن العلاقات العابرة لفترة من الزمن لمن يريد العودة إلى حالة الاستقرار، بحيث تكون مدة التوقف مرتبطة بقدرة الشخص على استعادة توازنه والعودة إلى الوضع الذي يراه سويًا.

شروط البناء المقدس

إذا أردنا، وفق هذا التصور، الوصول إلى بناء سليم وجماع مقدس حقيقي، فهناك مجموعة من الشروط.

أولًا: غياب العلاقات العابرة.

ينبغي ألا يكون الرجل والمرأة مستمرين في علاقات عابرة. وإذا كان أحدهما قد دخل فيها سابقًا، فعليه أن يتوقف عنها وأن يمنح نفسه فترة لاستعادة الاستقرار.

ثانيًا: الاختيار الحقيقي.

لا يكفي أن تكون هناك عاطفة؛ بل يجب أن يكون هناك اختيار قائم على العقل. فالاختيار الصحيح هو الذي يكون عقلانيًا أولًا، ثم تأتي العاطفة لتقبله وترضى به.

أما أن تقود العاطفة العقل بصورة كاملة، فذلك يعني، في هذا التصور، فقدان العقل لوظيفته. العقل يجب أن يكون ثابتًا وراجحًا، والعاطفة تتحرك داخله وتستجيب له.

ومن هنا يأتي التشبيه بين العقل والعاطفة، وبين الذكورة والأنوثة: الذكورة تمثل الثبات، والأنوثة تمثل الاهتزاز والحركة. يمكن للاهتزاز أن يقوم على الثبات، كما تتحرك أغصان الشجرة فوق جذع ثابت، لكن لا يمكن للجذع نفسه أن يصبح اهتزازًا ويظل البناء قائمًا.

ولهذا يجب أن يكون اختيار الشريك عقلانيًا، ثم تكون العاطفة راضية بهذا الاختيار. فإذا رفضت العاطفة اختيار العقل بصورة مستمرة، فهذه علامة على وجود خطر أو خلل في الاختيار نفسه.

التربية والتمييز بين الذكر والأنثى

يمتد مفهوم التمييز إلى التربية.

فالذكر والأنثى، وفق هذا التصور، لا ينبغي أن تتم تربيتهما بالطريقة نفسها تمامًا؛ لأن لكل منهما خصائص ودورًا مختلفًا.

وقد يبدو للوهلة الأولى أن مساواة الطفل الذكر بأخواته في كل الأعمال أمر عادل. فإذا كانت البنت تغسل الأواني وتكنس الأرض، فلماذا لا يفعل الابن الشيء نفسه؟

لكن المشكلة، وفق هذه الرؤية، ليست في العمل نفسه، وإنما في إزالة الفروق التي ينبغي أن تساعد الطفل على إدراك هويته.

فالتمييز بين الذكر والأنثى، في هذا التصور، ينبغي أن يكون واضحًا خصوصًا عند الوصول إلى سن التمييز والبلوغ والنضج.

ولا يعني ذلك ظلم أحد الطرفين أو حرمانه من التعلم، وإنما يعني إعطاء كل طفل البيئة التي تساعده على تكوين هويته الخاصة.

الذكر والخروج من المشهد

يُنظر إلى الطفل الذكر، وفق هذا التصور، باعتباره بحاجة تدريجية إلى الخروج من البيئة المنزلية والاعتماد على نفسه.

فالطفل الذكر، مع تقدمه في العمر، ينبغي أن يبدأ في الانفصال التدريجي عن الاعتماد المستمر على الأم، لا بصورة مفاجئة أو قاسية، وإنما بحكمة وتدرج.

يمكن للأب، مثلًا، أن يصطحبه معه خارج المنزل، وأن يكلفه بمهام صغيرة، وأن يرسله لقضاء حاجة قريبة مع مراقبته وحمايته، بحيث يشعر الطفل بأنه قادر على تحمل المسؤولية والقيام بالمهام.

الغاية ليست عزله أو إهماله، بل جعله يعتاد الاستعداد والعمل وتحمل المسؤولية.

فالطفل الذي يظل دائمًا في المنزل، ويعتمد على أمه في كل شيء، قد يصبح شديد الاعتماد على البيئة المحيطة به. أما الطفل الذي يتعلم تدريجيًا الخروج من هذه البيئة، فيكتسب إحساسًا بالاستقلال والاستعداد.

الأنثى والحضن

في المقابل، يطرح هذا التصور أن الطفلة تحتاج إلى بيئة مختلفة.

فالحضن والاهتمام بالنسبة إلى الطفلة الصغيرة يُنظر إليهما باعتبارهما عاملين مهمين في نموها العاطفي وشعورها بالأمان والانتماء.

فالأنثى، في هذه الرؤية، لا تحتاج إلى أن تُدفع مبكرًا إلى الاستقلال بالطريقة نفسها التي يُدفع بها الذكر، وإنما تحتاج إلى البقاء داخل دائرة الاهتمام والحماية.

وهنا يظهر الفرق بين تربية الذكر وتربية الأنثى: الذكر يحتاج إلى الخروج التدريجي من المشهد والاعتماد على نفسه، بينما تحتاج الأنثى إلى الشعور بأنها داخل المشهد ومحل اهتمام ورعاية.

لكن في الوقت نفسه، ينبغي ألا يتحول الاهتمام إلى تدليل مفرط أو إلى تحميل الطفلة أدوارًا لا تناسبها.

فبعض الآباء، عندما لا يكون لديهم أبناء ذكور، قد يعتمدون على ابنتهم كما لو كانت الابن الذي لم يرزقوا به، وهذا، وفق هذا التصور، قد يظلمها لأنه يدفعها إلى موقع لا يناسب طبيعتها.

سن التمييز والبلوغ

عندما يصل الطفل إلى سن التمييز ثم البلوغ، تصبح الحاجة إلى وضوح الهوية أكبر.

وفي هذه المرحلة ينبغي أن يكون هناك تمييز واضح بين الذكر والأنثى، وأن يبدأ الذكر في الانفصال تدريجيًا عن البيئة الأنثوية المحيطة به، وأن يتجه أكثر نحو الاستقلال وتحمل المسؤولية.

ولا يعني ذلك قطع العلاقة بين الأم وابنها أو حرمانه من الحب، وإنما يعني الانتقال التدريجي من مرحلة الاعتماد إلى مرحلة الاستقلال.

والقاعدة الأساسية هنا هي أن التربية السوية يجب أن تراعي اختلاف مراحل النمو، وألا تعامل الأطفال جميعًا بطريقة واحدة لمجرد أن ذلك يبدو عادلًا على المستوى السطحي.

الاضطراب ليس حكمًا نهائيًا

ومع ذلك، فإن هذه الرؤية لا تعني أن الإنسان الذي نشأ في بيئة مضطربة محكوم عليه بالاضطراب إلى الأبد.

فحتى إذا لم تكن التنشئة الأولى سليمة، يمكن للإنسان أن يصل إلى الاستقرار من خلال العلم والملاحظة والتصويب والتصحيح.

هناك، في هذا التصور، علاج لكل اضطراب، وإمكانية لتعديل ما اختل، ولذلك فإن الحديث عن التربية السليمة لا يعني إصدار حكم نهائي على الأشخاص الذين لم يحصلوا عليها.

إنما الغاية هي منع تضخم الاضطرابات منذ البداية، لأن معالجة المشكلة وهي صغيرة أسهل من تركها حتى تصبح جزءًا عميقًا من شخصية الإنسان.

الحضانة والانفصال

ومن الأمثلة التي يطرحها هذا التصور مسألة حضانة الأطفال بعد الطلاق.

فإذا كان الطفل ذكرًا وقد وصل إلى سن متقدمة نسبيًا، فإن إبقاءه في حضانة الأم، وفق هذه الرؤية، قد يؤدي إلى استمرار اعتماده على البيئة الأنثوية وعدم حصوله على الانفصال التدريجي الذي يحتاج إليه.

ويُخشى، بحسب هذا التصور، أن يؤدي ذلك إلى تكوين موقف سلبي من الذكورة والأبوة إذا استمر الطفل في بيئة لا تساعده على بناء استقلاله.

وهنا لا تكون المسألة مجرد حضانة قانونية، وإنما تصبح، في هذا الإطار الفكري، جزءًا من عملية تشكيل الهوية.

عندما يصبح السوي مريضًا

من أخطر نتائج هذا التحول، وفق الرؤية المطروحة، أن يصل المجتمع إلى مرحلة يصبح فيها الإنسان السوي نفسه موضع اتهام.

قد يصل الأمر إلى أن يُنظر إلى الشخص الذي يحافظ على هوية واضحة وينجذب إلى الجنس الآخر باعتباره رجعيًا أو متخلفًا أو غير منفتح، بينما يُنظر إلى الشخص الذي يعيش اضطرابًا أو يرفض الحدود الواضحة باعتباره أكثر تقدمًا واستنارة.

وهنا تنقلب المعايير.

يصبح السوي هو الغريب، والمضطرب هو النموذج، وتتحول المشكلة إلى أن الإنسان الذي يعيش بصورة مستقرة يصبح مضطرًا إلى الدفاع عن استقامته.

وفي هذه الرؤية، ليست الحرية الحقيقية في أن يفعل الإنسان كل ما يخطر له، وإنما في أن يكون قادرًا على العيش دون أن يصبح عبدًا لاضطراباته ورغباته.

فالإنسان الممتلئ بالاضطرابات لا يكون بالضرورة أكثر حرية، بل قد يكون أقل قدرة على بناء شيء مستقر، لأنه لا يزال يبحث عن ذاته ولم يصل إلى حالة الاقتناع بالنفس.

الإنسان السوي والقدرة على الاختيار

الإنسان السوي، وفق هذا التصور، لا يحتاج إلى أن يبحث عن نفسه في كل اتجاه. الرجل يميز المرأة عن باقي النساء، والمرأة تميز الرجل عن باقي الرجال.

وهذا التمييز لا يعني إلغاء الآخرين، وإنما يعني امتلاك معيار واضح للاختيار.

أما عندما يصبح الإنسان منجذبًا إلى كل شيء دون تمييز، فإنه يفقد القدرة على بناء علاقة ذات معنى، لأن الاختيار نفسه يصبح غائبًا.

والبناء يحتاج إلى اختيار، والاختيار يحتاج إلى تمييز، والتمييز يحتاج إلى عقل.

ولهذا فإن الحرب الحقيقية، في هذا التصور، ليست فقط على العلاقات أو الهوية، وإنما هي حرب على العقل والأساس.

النسيان والتشتيت

ومن الأفكار التي ظهرت أثناء طرح هذه الرؤية أن التشتيت والنسيان يمكن أن يكونا من أخطر العوائق أمام التفكير.

فعندما يقترب الإنسان من فكرة يراها حساسة أو خطيرة، قد يشعر فجأة بانخفاض في التركيز، وكأن خيط الفكرة ينقطع، فتتعدد المسارات أمامه ولا يعود قادرًا على تحديد المسار الأصلي.

وعندما يحدث ذلك، فإن أفضل طريقة للعودة إلى التركيز هي الرجوع إلى آخر نقطة كان الإنسان متأكدًا منها، ثم البناء عليها من جديد.

فالعقل يحتاج إلى نقطة ثابتة ينطلق منها. وإذا فقد الإنسان مركزه، أصبح عرضة لمسارات كثيرة تشتته عن المسألة الأساسية.

ومن هنا يصبح التركيز نفسه جزءًا من التمييز، لأن الإنسان لا يستطيع التمييز بين الحق والوهم إذا كان ذهنه مشتتًا وغير قادر على تثبيت الفكرة.

الخلاصة: الزين الغني عن التزيين

في النهاية، يمكن اختصار هذه الرؤية كلها في فكرة واحدة:

الرقي الحقيقي هو أن يصل الإنسان إلى حالة يصبح فيها مستغنيًا عن التزيين والتجميل والكذب والاصطناع والتصنع.

أن يصل إلى مرحلة يقتنع فيها بنفسه، لا لأنه يرى نفسه كاملًا بلا عيوب، وإنما لأنه لا يحتاج إلى الهروب من ذاته باستمرار.

فالكثير من الاضطرابات تبدأ من عدم الاقتناع بالنفس، ومن ثم تأتي عروض التغيير والتبديل لتقول للإنسان إن ما هو عليه غير كافٍ، وإن عليه أن يصبح شيئًا آخر حتى يكون مقبولًا أو جميلًا أو مستنيرًا.

لكن الجمال الحقيقي، في هذه الرؤية، ليس في كثرة التغيير، وإنما في القدرة على الحفاظ على ما هو سليم.

والبناء الحقيقي لا يقوم على عاطفة مجنونة بلا عقل، ولا على علاقات عابرة بلا أثر، ولا على هوية بلا حدود، وإنما يقوم على الاختيار والتمييز والرضا والاستقرار.

فإذا كان الرجل مقتنعًا بالمرأة التي اختارها، وكانت المرأة مقتنعة بالرجل الذي اختارته، فإن هذا الاقتناع يصبح جزءًا من تحصين البناء.

أما عندما لا يكون الرجل مقتنعًا بالمرأة، ولا المرأة مقتنعة بالرجل، ويبحث كل طرف باستمرار عن بديل أو تغيير أو صورة أخرى، فإن البناء يصبح مفتوحًا للاضطراب.

وهكذا يعود كل شيء إلى النقطة الأولى:

الجمال الحق غني عن التزيين، والإنسان المستقر غني عن الاصطناع، والبناء السليم يبدأ من إنسان قادر على أن يعرف نفسه ويقبلها ويميزها ويحافظ عليها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كاتب التدوينة
كاتب التدوينة
هذا النص هو مثال لنص يمكن أن يستبدل في نفس المساحة، لقد تم توليد هذا النص من مولد النص العربى، حيث يمكنك أن تولد مثل هذا النص أو العديد من النصوص الأخرى إضافة إلى زيادة عدد الحروف التى يولدها التطبيق.
G.M HERMES