شعار الموقع لنسخة الدارك مود

شعار الموقع لنسخة الدارك مود

الإنسان الكامل والواسطة: من الظلمات إلى النور ومن الوهم إلى الحقيقة

 قد يبدو للإنسان في بداية رحلته أن الأمور بسيطة، ثم لا يلبث أن يكتشف، شيئًا فشيئًا، مقدار التعقيد الكامن وراء تلك البساطة التي كان يتصورها. ولهذا فإن الدخول في مسائل الحقيقة لا ينبغي أن يكون بطمع امتلاكها دفعة واحدة، وإنما بالتدرج، خطوة بعد خطوة. فقد لا ينال الإنسان من الحق إلا سماعه، وقد لا يستطيع في مرحلة معينة إلا أن يصغي إليه، كما قد يسمع الإنسان عن السعادة دون أن يكون قد بلغها بعد.

ومن هنا تأتي أهمية الاستماع والتأمل وعدم ادعاء امتلاك الحقيقة كاملة. فليس أحد يملك الحق كله بحيث يستغني عن البحث، وإنما نحن أمام رحلة يتدرج فيها الإنسان من السماع إلى الفهم، ومن الفهم إلى التمييز، ومن التمييز إلى التحقيق.

وفي هذه الرحلة وصلنا إلى مفهوم أساسي هو مفهوم الإنسان الكامل، وهو المفهوم الذي يرتبط مباشرة بمفهوم آخر لا يقل أهمية عنه، وهو الواسطة.

الإنسان الكامل والواسطة

الإنسان الكامل، في هذا التصور، هو حضرة لها صفات وسمات تجعلها ذات مركزية وقطبية في الإنسانية. وهو، من هذه الجهة، بمثابة الأب بالنسبة إلى الإنسانية؛ فإليه ينسب الإنسان، وبه يتحدد معنى الإنسانية في أكمل صورها.

والإنسان الكامل هو أيضًا واسطة الخالق في الأرض.

وهنا نصل إلى القضية المركزية: لا يتحقق المراد، على العموم، بلا واسطة.

فالواسطة ليست أمرًا خاصًا بمسألة واحدة، وإنما هي قاعدة عامة في الوجود. كل أمر يحتاج إلى أداة أو طريق أو وسيلة أو شرط يتحقق من خلاله. فإذا أردت الوصول إلى مكان بعيد احتجت إلى وسيلة مناسبة، وإذا أردت معرفة شيء احتجت إلى أداة للمعرفة، وإذا أردت التواصل احتجت إلى وسيلة يتحقق بها الاتصال.

ومن ثم فإن القول بعدم الحاجة إلى الواسطة يحتاج هو نفسه إلى أساس يبرره. فإذا كان الاتصال ذاته أمرًا لا يتحقق إلا بواسطة، فكيف يمكن تصور اتصال الإنسان بالخالق من غير واسطة؟

في هذا التصور، الإنسان الكامل هو الواسطة التي من خلالها تُعرف حقيقة العالم، ويُعرف وجه نسبته إلى الخالق.

فإذا سأل الإنسان: لمن هذه السماوات والأرض؟ لمن الجبال والأنهار؟ لمن الأبراج والكائنات؟ ولماذا يوجد كل هذا؟ وما غايته؟ فإن هذه الأسئلة لا تظل مفتوحة بلا نهاية إذا حضرت الواسطة التي تحدد النسبة وتكشف المعنى.

أما إذا أزيلت الواسطة، فإن النسبة تصبح مفتوحة، والأسئلة تصبح بلا نهاية، ويمكن لكل شخص أن يقدم جوابًا مختلفًا، فلا يبقى هناك معيار حاسم يفصل بين الأجوبة.

وهنا تظهر خطورة غياب الواسطة.

العالم بلا واسطة: عالم بلا هوية

إذا لم تكن هناك واسطة تحدد نسبة العالم إلى الحق، فإن العالم يصبح، من هذه الزاوية، فاقدًا لهويته.

فالعالم، لكي يكون عالمًا ثابتًا في المعنى، يحتاج إلى أصل ينسب إليه. وكما أن البناء لا يستقيم من غير أساس، فإن العالم لا يستقيم في المعرفة إذا بقي أصله مفتوحًا على الاحتمالات بلا معيار.

وعندما تصبح النسبة مفتوحة، تبدأ الشكوك:

ما هذا العالم؟

لماذا يوجد؟

لمن ينسب؟

ما الذي يجعل حقيقته حقيقة؟

وبأي معيار نميز بين الحقيقة والوهم؟

وهكذا يدخل الإنسان في ما يمكن تسميته الجهل المفتوح؛ أي الحالة التي تصبح فيها كل الإجابات ممكنة، ولذلك لا تعود أي إجابة ذات قيمة حاسمة.

ومن هنا يأتي القول إن غياب المركز يجعل العالم مشكوكًا في حقيقته؛ لأننا نحتاج إلى معيار نحقق به العالم ونثبت به معناه.

فإذا كان كل إنسان يرى العالم من زاويته الخاصة، ويتلقى الأشياء بإحساساته الخاصة، وكانت الأحاسيس والرؤى متعارضة، فكيف نصل إلى عالم مشترك وحقيقة مشتركة؟

إنسان يرى شيئًا بطريقة، وآخر يراه بطريقة أخرى، وثالث يسمعه على نحو مختلف، فإذا لم يوجد معيار يفصل بين هذه الرؤى، فإن كل شخص يستطيع أن يهدم عالم الآخر، ويصبح العالم ذاته غير محدد.

لهذا تصبح الواسطة، في هذا التصور، عماد التحقيق: هي المعلم الذي من خلاله يتحقق الحق ويبطل الوهم.

الإنسان الكامل صورة الحق وحقيقة العالم

لا ينظر هذا التصور إلى الإنسان الكامل باعتباره مجرد إنسان متفوق أخلاقيًا أو معرفيًا، وإنما باعتباره الصورة التي أراد الخالق أن يُعرف بها.

فالإنسان الكامل هو الأداة المناسبة لنسبة العالم إلى الحق.

ومن هنا تأتي عبارتان أساسيتان:

الإنسان الكامل واسطة.

والإنسان الكامل حقيقة العالم.

فهو من جهة صورة الحق التي يمكن من خلالها معرفة الحق، ومن جهة أخرى هو المعيار الذي يكشف الفرق بين الحق والوهم.

ولهذا فإن السؤال لا يكون فقط: من هو الإنسان الكامل؟

بل يصبح السؤال الأهم:

ما الذي يجعل الإنسان الكامل كاملًا؟

وعندما نرى الكمال والتميّز في الإنسان الكامل، فإن ذلك يدفعنا إلى البحث عن مصدر هذا الكمال.

من أين لك كل هذا الكمال؟

من أين لك كل هذا التميز؟

ومن أين جاءت هذه الصفات التي جعلتك مختلفًا عن غيرك؟

وهنا يقود المميز إلى مصدر التميز.

فالحق، في هذا التصور، ليس مجرد شيء "متميز" مثل بقية الأشياء؛ بل هو مصدر التميز والقيمة والمعنى. أما الإنسان الكامل فهو المظهر الذي تظهر فيه هذه الميزات بصورة تجعلها قابلة للمشاهدة والتعرف.

ولهذا يصبح الإنسان الكامل علامة على وجود الخالق.

المعيار والفرقان

إذا كان الإنسان يريد أن يقول إن هذا حق وهذا باطل، أو إن هذا صحيح وهذا خطأ، فعليه أن يجيب أولًا عن سؤال أساسي:

بأي معيار حكمت؟

فمن ينفي وجود الفرق بين الحقيقة والوهم يحتاج إلى معيار استند إليه عندما أصدر هذا الحكم.

ومن يقول إنه لا يوجد صواب ولا خطأ، يُسأل: على أي أساس قلت إن القول بعدم وجود الصواب والخطأ صحيح؟

هنا يظهر التناقض.

لأن رفض المعيار لا يلغي الحاجة إلى المعيار.

ومن ثم فإن وجود الفرقان ضرورة.

فالإنسان يحتاج إلى شيء يفرق له بين النور والظلمات، وبين الحقيقة والوهم، وبين الصواب والخطأ.

وفي هذا السياق يظهر الإنسان الكامل بوصفه الفرقان؛ أي المعيار الذي يكشف الفرق بين الحق والوهم.

ولهذا فإن الإيمان بالحق، وفق هذا التصور، يقتضي الإيمان بالفرق الذي يكشف الحق.

فمن صدق الحق صدق الفرقان الدال عليه، ومن رفض الفرقان فقد رفض الوسيلة التي تكشف هوية الحق.

ماذا يحدث إذا غاب الفرق؟

غياب الفرق يؤدي إلى نتيجة خطيرة: تختفي الحدود بين الأشياء.

إذا لم يوجد فرق بين الحقيقة والوهم، فلا حقيقة.

وإذا لم يوجد فرق بين الخالق والمخلوق، اختلط معنى الألوهية بالعبودية.

فلا يبقى الخالق خالقًا بالمعنى الذي يميزه عن المخلوق، ولا يبقى العبد عبدًا بالمعنى الذي يميزه عن ربه.

ولهذا يقال إن الإنسان الكامل، بواسطة حضوره، تتحقق معرفة الألوهية كما تتحقق معرفة العبودية.

وهذه نقطة دقيقة:

وجود الإنسان الكامل لا يعني أن الخالق لم يكن موجودًا قبله، أو أن وجود الخالق يتوقف على وجود الإنسان الكامل. وإنما المعنى أن الخالق، بوصفه ذاتًا أزلية سرمدية، قد يكون موجودًا، لكن معرفة الإنسان به ومعرفة أنه الخالق تحتاج إلى واسطة تكشف هذه الحقيقة.

فالإنسان الكامل هو من يعرف الله معرفة تامة، وهو الذي يكشف للإنسان الفرق بين الحق والوهم.

الإنسان الكامل بين الحق والوهم

يمكن تصور الإنسان الكامل في الوسط بين الحق والوهم.

إذا واجه الحق، عرف أن ما سواه وهم.

وإذا واجه العالم، كان هو المعيار الذي يكشف حقيقته وحدوده.

ومن هنا يمكن فهم العبارة:

الإنسان الكامل هو انتهاء الوهم أمام حضرة الحق.

فعندما يقف الإنسان الكامل أمام الحق، ينتهي الوهم؛ لأن الحقيقة المطلقة لا تترك للوهم مجالًا.

وفي المقابل، عندما يقف أمام العالم، فإنه يمثل مبدأ العالم؛ لأنه الواسطة التي يبدأ عندها الخلق ويتحدد من خلالها.

ولهذا يجتمع فيه أمران:

هو بداية الخلق، ونهاية الوهم.

وهو مبدأ الخلق من جهة، ومنتهى الخلق من جهة أخرى.

وهو الأساس الذي يتأسس عليه الخلق، وفي الوقت نفسه هو الذي ينتهي عنده الوهم أمام حظرة الحق ولهذا يشعر بالعار.

لماذا يشعر الإنسان الكامل بالعار؟

من هنا يمكن فهم معنى آخر سبق الحديث عنه: شعور الإنسان الكامل بالعار.

فلماذا يشعر الكامل بالعار، مع أنه كامل؟

لأنه عندما يقابل الحق يدرك أنه، من حيث هو مخلوق، منتهى الوهم أمام الحقيقة المطلقة.

يدرك أن ما لديه من كمال ليس كمالًا ذاتيًا مستقلًا، وإنما هو من كمال الحق الذي ظهر فيه.

فإذا كان الحق هو الكمال المطلق، فإن الإنسان الكامل، مهما بلغ، يبقى مخلوقًا مفتقرًا إلى الحق.

ولهذا يشعر بالعار أمام الحقيقة.

إنه لا يرى نفسه شيئًا مستقلًا مكتفيًا بذاته، وإنما يرى فقره وحاجته.

أما الإنسان الأبعد عن الكمال فقد يحدث له العكس تمامًا؛ إذ قد يظن نفسه عظيمًا ومكتفيًا، ولا يشعر بنقصه لأنه لا يرى المعيار الذي يقيس به نفسه.

وهنا تظهر علاقة عميقة بين الكمال والشعور بالنقص:

كلما اقترب الإنسان من الحقيقة، ازداد وعيه بفقره إليها.

وكلما ابتعد عنها، ازداد وهمه باستقلاله وكماله.

الظلمات: فضاء بلا معالم

لكي نفهم الانتقال من الوهم إلى الحقيقة، ينبغي أن نفهم معنى الظلمات.

الظلمات هنا ليست مجرد غياب الضوء الحسي، وإنما هي فضاء لا توجد فيه معالم واضحة.

فضاء لا تعرف فيه:

من أنت؟

أين أنت؟

إلى أين تذهب؟

ما الصحيح؟

ما الخطأ؟

ما الحقيقة؟

ما الوهم؟

ما العدل؟

ما القيمة؟

إن الظلمات هي فضاء المجهولات.

وفيها لا توجد معايير ثابتة تقيس بها الأشياء.

فإذا أردت أن تعرف وزن شيء ولم تكن لديك أداة لقياس الوزن، فلن تستطيع تحديد وزنه.

وإذا أردت أن تعرف عمر شخص أو حجمه أو نوعه أو خصائصه ولم تكن لديك أدوات للمعرفة، بقي الأمر مجهولًا.

ومن هنا فإن الأداة شرط في المعرفة.

العقل أداة.

والسمع أداة.

والبصر أداة.

واللغة أداة.

والميزان أداة.

والمرشد أداة.

والإنسان الكامل، في هذا التصور، هو الأداة الجامعة والميزان الذي يقاس به من أراد القياس، ويعدل به من أراد العدل، ويهتدي به من أراد الهداية.

التمييز هو بداية الإنسانية

الإنسان يتميز عن الحيوان بامتلاكه أدوات متعددة للتمييز والفهم.

فإذا وضعت مئة قطة متشابهة، فإن معرفة كل واحدة منها تحتاج إلى علامات تميزها. أما الإنسان فيستطيع أن يميز الأشخاص حتى لو كانوا متشابهين في الشكل، لأنه يمتلك اللغة والعقل والذاكرة وسائر الأدوات التي تمكنه من إدراك الفروق.

ومن هنا يصبح التمييز عنصرًا أساسيًا في الإنسانية.

فالإنسان الكامل هو صاحب الميزة الكاملة، أو صاحب التمييز الكامل.

والميزة هي العلامة التي تجعل الشيء قابلًا للتعرف.

إذا أزيلت العلامة، أصبح التعرف أصعب.

وكلما ابتعد الإنسان عن أدوات التمييز، اقترب من حالة يصبح فيها وجوده غير واضح المعالم.

وهذا هو المقصود بالظلمات في هذا السياق.

الشيطان ورفض التمييز

في البناء الفكري للنص، يظهر الشيطان بوصفه قوة معادية للتمييز.

فالشيطان لا يريد للإنسان أن يظل مميزًا، بل يدفعه إلى فقدان خصائصه التي تجعله إنسانًا، وإلى الرجوع إلى نمط من الوجود يشبه الحيوانية من حيث غياب الحدود والمعايير.

والفرق بين الإنسان الكامل والشيطان، وفق هذا التصور، أن الإنسان الكامل ذو هوية محددة وعلامات وصفات واضحة، بينما يظهر الشيطان بصورة متغيرة، ويتلون ويتحول وفق السياق، فلا تكون له ماهية ثابتة واضحة.

ولهذا فإن محاربة التمييز تعني، في هذا البناء، محاربة العلامة التي تقود الإنسان إلى معرفة الحق.

فالحق لا يُعرف بوصفه شيئًا عشوائيًا، وإنما يُعرف من خلال المميز والعلامة والفرقان.

الحق مصدر التميز

وهنا نعود إلى السؤال:

هل الحق مميز أم غير مميز؟

الجواب، وفق هذا التصور، أن السؤال نفسه يحتاج إلى إعادة صياغة.

فالحق ليس مجرد شيء يتميز عن غيره كما تتميز الأشياء بعضها عن بعض؛ بل هو مصدر التميز ذاته.

منه جاءت القيمة.

ومنه جاءت الميزة.

ومنه جاء الفرق.

ولهذا عندما نرى إنسانًا كاملًا متميزًا بصفات عظيمة، فإن السؤال لا يتوقف عند الإنسان، وإنما يتجاوزه إلى مصدر هذه الصفات:

من أين جاء هذا الكمال؟

والإنسان الكامل، في هذا التصور، يجيب بأن مصدره هو الخالق الحقيقي، خالق الكل، صاحب القدرة والعلم والحكمة والجمال والعفو والرحمة والعزة وسائر صفات الكمال.

وهكذا يصبح المميز دليلًا على مصدر التميز.

العلامات والإنسان الكامل

الإنسان لا يصل إلى الحقيقة من غير علامات.

فالعلامات ليست أمرًا طارئًا في نهاية الطريق؛ إنها موجودة منذ البداية، لكنها قد تزداد كثافة عندما يقترب الإنسان من نهاية الاختبار.

ومن هنا تأتي فكرة أن آخر الزمان لا يعني أن العلامات لم تكن موجودة من قبل، بل إن العلامات تتكاثف.

والسبب، وفق التصور المطروح، أن الإنسان كلما ضعف وعيه احتاج إلى علامات أوضح حتى لا يضيع في الظلمات.

فالعلامة رحمة بالإنسان لأنها تمنحه فرصة للتمييز.

والإنسان الكامل هو العلامة الكبرى التي تدل على النور.

ولهذا فإن الاقتراب من الإنسان الكامل يعني، في هذا التصور، الاقتراب من النور، والابتعاد عنه يعني زيادة الوهم.

الإنسان الكامل وبداية النهاية

إذا كان الإنسان الكامل هو البداية والنهاية، فإنه لا يظهر فقط بوصفه بداية الخلق، بل يظهر أيضًا بوصفه علامة على اكتمال الدورة.

ولهذا يرتبط ظهوره بنهاية الاختبار.

فعندما يبلغ الوقت نهايته، يظهر الإنسان الكامل باعتباره العلامة الفاصلة؛ لأنه يحقق الفرق بين الحق والوهم.

وبعد ظهوره وذهابه، إذا لم يبق في الأرض تمييز قائم على الحق، تبدأ مرحلة فقدان الميزات، ويصبح العالم أقرب إلى الانقراض والفناء.

فقيام النهاية، وفق هذا التصور، لا يكون ببساطة مع وجود الإنسان الكامل ومن يتبعه؛ لأن هؤلاء يمثلون واسطة ومساهمة في الخلق.

أما بعد زوال هذه الواسطة، فيبدأ الانهيار الذي يقود إلى النهاية.

الاستقامة: صورة النعيم

في مقابل الانحناء والاضطراب، تظهر فكرة الاستقامة.

فالذين يبتعدون عن الحق يزداد انحناؤهم، ليس فقط داخليًا، بل حتى على المستوى الرمزي والجسدي.

أما الذين استقاموا، فإنهم يصعدون ويرتفعون إلى عالم لا يقوم على الانحناء والوهم.

ومن هنا يمكن فهم تصور الجنة بوصفها عالمًا لا عوج فيه.

كل شيء فيه مستقيم.

كل شيء فيه مهدي.

كل شيء فيه رحيم.

كل شيء فيه حكيم.

كل شيء فيه جميل.

وكل شيء فيه متفرد.

فالنعيم لا يقوم على التكرار، وإنما على التفرد.

لا يوجد فيه شيء له مثيل يمكن أن يحل محل شيء آخر.

وهذا يقود إلى معنى مهم: إذا كان الشيء قابلًا للاستبدال، فوجود مثيل له ممكن. أما إذا كان لا مثيل له، فلا يمكن تعويضه.

ومن هنا تصبح نعمة الاستقامة نعمة عظيمة، لأن الاستقامة تعني أن الشيء قائم في موضعه، لا يمكن استبداله أو تعويضه.

الزمن والتوقيت والعلامة

ومن الأفكار التي ترتبط بالموضوع أيضًا التمييز بين الزمن والوقت.

هناك وقت يعيشه الإنسان، وهناك وقت يأتي عليه.

وهناك، في التصور المطروح، أوقات ومواقيت مميزة؛ فليست كل اللحظات متساوية في القيمة.

وكما توجد أماكن مقدسة وأشخاص مقدسون، يمكن الحديث عن أزمنة مميزة.

وهناك توقيت يسير وفق نظام ومعنى، في مقابل توقيت فوضوي غير منضبط.

وتظهر هنا أهمية العلامة في التاريخ؛ فالإنسان لا يعيش في زمن محايد بالكامل، وإنما يتعامل مع لحظات وأحداث لها دلالات.

وهذا يقود مرة أخرى إلى الواسطة: لا يستطيع الإنسان أن يقرأ الزمن قراءة صحيحة من غير ميزان يستطيع من خلاله فهم العلامات.

الواسطة طريق النجاة

إذا كانت الظلمات فضاء بلا معالم، فإن الخروج منها يحتاج إلى طريق.

ولا يكفي أن يريد الإنسان الوصول إلى النور؛ بل يحتاج إلى وسيلة توصله إليه.

فمن كان في أفريقيا ويريد الوصول إلى أمريكا لا يستطيع أن يحقق ذلك بمجرد الرغبة، بل يحتاج إلى وسيلة مناسبة: سفينة أو طائرة أو غير ذلك.

ومن يريد الوصول إلى مدينة بعيدة يستطيع أن يمشي، لكن وسيلة أخرى قد تكون أسرع وأكثر ملاءمة.

إذن:

وجود الغاية لا يلغي الحاجة إلى الوسيلة.

والإنسان الكامل، في هذا التصور، هو الوسيلة المناسبة للانتقال من الظلمات إلى النور.

ومن هنا تأتي أهمية المرشد والعلامة والطريق والميزان.

فالقول إن الإنسان يستطيع الوصول وحده، من غير علامة ولا إرشاد ولا وسيلة، يشبه من يريد الوصول إلى غاية من غير طريق.

لا يمكن أن يهتدي الإنسان من تلقاء نفسه إذا كان معنى الهداية نفسه يقتضي وجود ما يهديه.

الأدب والحدود والحرمة

ولا تنفصل الواسطة عن مفهوم آخر هو الأدب.

فالإنسان يتميز عن الحيوان بامتلاكه نظامًا من الحدود والقوانين والأخلاق.

والقول إن الإنسان ينبغي أن يعيش بلا حدود قد يبدو في ظاهره دعوة إلى الحرية، لكنه في هذا التصور قد ينتهي إلى الفوضى.

فالحدود ليست دائمًا سجنًا؛ أحيانًا تكون هي التي تحمي الإنسان من ظلم غيره وتحميه من ظلم نفسه.

ولهذا فإن الحرية من غير حدود قد تتحول إلى فوضى.

والحب نفسه يحتاج إلى حدود إذا أريد له أن يكون عادلًا.

فالعلاقة التي لا تعترف بأي حدود قد تنتهي إلى أن يكون أحد الطرفين ظالمًا والآخر مظلومًا.

أما العلاقة العادلة فهي التي تصون الحدود وتحترم حرمة الإنسان.

وهنا تظهر فكرة الحرمة.

هناك أماكن ينبغي أن تكون لها حرمة.

وهناك خصوصية يجب أن تُحترم.

وهناك جسد وعقل وبيت وعلاقة لا ينبغي أن تصبح مباحة لكل أحد.

والإنسان الذي يحفظ حرمة نفسه يحفظ إنسانيته.

الإنسانية ليست مجرد العطف على الحيوان

ومن هنا يأتي نقد التصور الذي يختزل الإنسانية في العطف على الحيوانات.

لا شك أن الرفق بالحيوان قيمة حسنة، ومساعدة الحيوان الجائع أو العطشان عمل خير.

لكن الإنسانية، وفق هذا التصور، ليست مجرد إطعام الحيوانات.

الإنسانية وعي متميز يجعل الإنسان يدرك نفسه كإنسان ويميز نفسه عن الحيوان وعن سائر الموجودات.

يمكن للإنسان أن يرحم الحيوان دون أن يحول الحيوان إلى معيار للإنسانية.

ويمكنه أن يساعد الحيوان دون أن يعبد الحيوان أو يجعل قيمته مساوية بالضرورة لقيمة الإنسان.

فالاختلاف في القيمة لا يعني إباحة الظلم.

بل يعني أن لكل موجود منزلته ودوره.

الحيوان له قيمة وله دور، والإنسان له قيمة ودور أكبر من حيث التميز والتكليف والوعي.

ومن ثم فإن الرفق بالحيوان لا يتعارض مع مركزية الإنسان، لكن تحويل الحيوان إلى بديل عن الإنسان يقلب الموازين.

مركزية الإنسان

الإنسان، في هذا البناء، ليس حيوانًا محضًا.

هو كائن له حيوانية من حيث بعض الجوانب، لكنه ليس حيوانًا في تعريفه الكامل.

ولذلك يحتاج إلى معاملة خاصة.

فالمعاملة التي تسوي الإنسان بالجماد أو النبات أو الحيوان من دون اعتبار لخصوصيته قد تكون، في هذا التصور، انتقاصًا من إنسانيته.

كلما كملت إنسانية الإنسان ازداد قدرته على الرحمة والعناية بالحيوان والنبات وسائر الموجودات، ولكن من موقع الإنسان، لا من موقع التخلي عن إنسانيته.

فالتمييز لا يعني القسوة.

والتفاضل لا يعني الظلم.

ومركزية الإنسان لا تعني إهمال بقية الموجودات.

إنما تعني معرفة موقع كل موجود وقيمته ودوره.

القيمة مرتبطة بالتميز

القيمة، وفق هذا التصور، ترتبط بالتميز.

فكلما كان التميز أكبر كانت القيمة أعظم.

وهذا لا يعني أن الموجود الأقل تميزًا عديم القيمة، وإنما يعني أن القيم ليست متساوية بالضرورة.

للحيوان قيمة ودور.

وللنبات قيمة ودور.

وللإنسان قيمة ودور أكبر.

وللإنسان الكامل قيمة وميزة أعظم.

وبهذا يمكن بناء سلم للقيمة بدل تحويل كل الموجودات إلى مستوى واحد.

فالخلط بين الأشياء وإلغاء الفروق لا يحقق العدالة، وإنما يلغي المعيار الذي يسمح لنا أصلًا بالحديث عن القيمة.

نقد النزعة التي تلغي الإنسان

من هنا يظهر نقد بعض الاتجاهات المعاصرة التي تدفع نحو إزالة مركزية الإنسان.

فحين يصبح كل شيء مساويًا لكل شيء، ويصبح الإنسان مجرد كائن آخر بلا خصوصية، تختفي الحدود التي تحفظ معنى الإنسانية.

وإذا فقد الإنسان مركزه، أصبح من السهل أن يتخلى عن قيمته وكرامته وحرمة جسده وعقله وعلاقاته.

وهذا ما يجعل الدفاع عن الإنسان، في هذا التصور، دفاعًا عن التمييز والحدود والكرامة والقيمة.

فالإنسان يحتاج إلى أن يقدّر نفسه، ويحفظ نفسه، ويطهر نفسه، ويقيم نفسه، ويعرف أن له حرمة.

وهذه الحرمة ليست ضد الحرية، وإنما هي أحد شروطها.

الاقتصاد وصورة الإنسان المستهلك

ينتقل النقد بعد ذلك إلى الاقتصاد الحديث، حيث تُطرح صورة معينة للإنسان بوصفه مستهلكًا بلا حدود.

فالإنسان الذي لا يملك حرمة لشيء، ولا حدودًا لعلاقاته، ولا ضوابط لرغباته، يصبح أكثر قابلية للاستهلاك والتوجيه.

ومن هنا يظهر نقد تحويل الجسد والرغبة والعلاقات إلى سلع.

فالإنسان الذي يستطيع أن يبيع كل شيء، ويستهلك كل شيء، ويتخلى عن كل حرمة، يصبح أقل قدرة على مقاومة من يريد التحكم فيه.

وهنا ترتبط الأخلاق بالاقتصاد والسياسة والثقافة.

فالإنسان المستقيم الذي يعرف قيمة نفسه ليس مستهلكًا سهل القيادة مثل الإنسان الذي تتحكم فيه غرائزه.

ولهذا فإن الحفاظ على الحرمة والحدود يصبح أيضًا نوعًا من الحفاظ على الاستقلال.

المال والذهب والتحول إلى القيمة الرقمية

ومن الأفكار التي ظهرت في الحديث نقد التحولات التي عرفها المال: من الذهب والفضة، إلى العملات الورقية، ثم إلى الأنظمة المرتبطة بالدولار والنفط، ثم إلى العملات الرقمية مثل البيتكوين.

والفكرة الأساسية في النقد ليست مجرد رفض التكنولوجيا، وإنما التساؤل عن أساس القيمة.

إذا كانت الورقة النقدية لا تحمل قيمتها في ذاتها، فما الذي يضمن قيمتها؟

وإذا كانت القيمة تنتقل من أساس مادي إلى نظام من الثقة والحسابات والمؤسسات، فما الذي يمنع أن تصبح القيمة نفسها خاضعة لمن يملك النظام؟

ومن هنا يظهر الخوف من أن يتحول المال من شيء ملموس يمكن امتلاكه إلى شيء رقمي يمكن التحكم في الوصول إليه.

والسؤال يصبح:

هل يملك الإنسان ماله حقًا إذا كان الوصول إليه مشروطًا بنظام خارجي يستطيع تعطيله أو تقييده؟

هذه الأسئلة تنتمي إلى المسألة الأوسع نفسها: مسألة الواسطة والمعيار والمركز.

فمن يملك الوسيلة يملك قدرة على التأثير في الوصول إلى الغاية.

الجذر والاقتلاع

كل هذه القضايا تعود إلى صورة واحدة:

الإنسان له جذر.

وله أصل.

وله معيار.

وله مركز.

وإذا قُطع الإنسان عن جذره، يصبح من السهل إعادة تشكيله.

قد يُعطى رفاهية بلا أساس.

وقد يُعطى استهلاكًا بلا معنى.

وقد يُعطى حرية بلا حدود.

وقد تُلغى عنه الفروق.

وقد يُطلب منه أن يتخلى عن خصوصيته.

وقد يصبح همه إشباع الرغبة بدل معرفة الحقيقة.

وهنا تصبح القضية ليست مجرد تغيير في العادات، وإنما تغيير في تعريف الإنسان نفسه.

بين الحيوانية والإنسانية

الإنسانية لا تعني إنكار الحيوان ولا كراهية الحيوان.

بل تعني معرفة الفرق.

الحيوان يعيش وفق أدواته وغرائزه وطبيعته.

والإنسان يمتلك أدوات إضافية تمكنه من المعرفة والتمييز والقانون والأخلاق والاختيار.

ولهذا فإن دفع الإنسان إلى التخلي عن هذه الأدوات يعني دفعه إلى حالة أقرب إلى الحيوانية.

وكلما فقد الإنسان الأدب والحدود والميزان والتمييز، أصبح أكثر قابلية للانقياد.

أما إذا استقام، وعرف قيمته، وحفظ حرمته ، وتمسك بميزانه، فإنه يستعيد مركزيته.

الواسطة بوصفها قاعدة عامة

نعود في النهاية إلى النقطة التي بدأنا منها:

كل أمر يحتاج إلى واسطة.

المعرفة تحتاج إلى أداة.

والسفر يحتاج إلى وسيلة.

والاتصال يحتاج إلى وسيلة.

والهداية تحتاج إلى مرشد.

والتمييز يحتاج إلى علامة.

والعدل يحتاج إلى ميزان.

والوصول إلى الحق يحتاج إلى واسطة.

وفي هذا التصور، الإنسان الكامل هو الواسطة الجامعة؛ لأنه العلامة التي تدل على الحق، والميزان الذي يكشف الفرق بين الحق والوهم، ومبدأ الخلق، ونهاية الوهم.

ولهذا فإن رؤيته لا تعني مجرد رؤية إنسان متميز، وإنما رؤية العلامة التي تشير إلى مصدر التميز.

من الظلمات إلى النور

إذا كانت الظلمات هي فضاء المجهولات الذي لا توجد فيه معالم، فإن الخروج منها يبدأ عندما تظهر العلامة.

وعندما تظهر العلامة يبدأ التمييز.

وعندما يبدأ التمييز يظهر الفرق.

وعندما يظهر الفرق يمكن معرفة الحق من الوهم.

وعندما يعرف الحق يبدأ النور.

ومن هنا يمكن فهم سلسلة الطريق:

العلامة → التمييز → الفرقان → المعرفة → النور.

والإنسان الكامل هو الحلقة المركزية في هذه السلسلة.

فكلما اقترب الإنسان منه، قلّ وهمه.

وكلما قلّ وهمه، اقترب من الحقيقة.

وكلما ابتعد عنه، اتسعت الظلمات، وازدادت احتمالات الوهم.

الكمال ليس ادعاء العظمة

المفارقة أن الإنسان الكامل، في هذا التصور، ليس من يشعر بأنه أعظم الموجودات، بل من يدرك فقره أمام الحق.

فالكمال الحقيقي لا يولد الغرور.

بل يولد معرفة الإنسان بحقيقته.

ومن هنا كان شعور الإنسان الكامل بالعار جزءًا من كماله، لأنه لا يرى نفسه مستقلًا عن الحق.

أما من يرى نفسه عظيمًا بذاته، ولا يرى نقصه، فقد يكون غارقًا في الوهم أكثر من غيره.

فالقاعدة تصبح:

كلما ازداد الإنسان قربًا من الحق، ازداد وعيه بفقره، وكلما ازداد بعدًا عنه، ازداد وهمه باستقلاله.

الاستقامة والنهاية

وفي النهاية يعود كل شيء إلى الاستقامة.

فالاستقامة ليست مجرد سلوك أخلاقي صغير، وإنما هي صورة كاملة للوجود.

عالم مستقيم لا عوج فيه.

علاقات مستقيمة.

قيم مستقيمة.

ميزان مستقيم.

طريق مستقيم.

إنسان مستقيم.

وفي المقابل، الانحناء ليس مجرد صورة جسدية، بل رمز للابتعاد عن الأصل.

ولهذا فإن الإنسان الذي يحافظ على استقامته يحافظ على موقعه في النظام، بينما يؤدي فقدان الاستقامة إلى الانحراف ثم إلى الفناء.

ومن هنا يصبح النعيم هو عالم الأشياء التي لا تتبدل ولا تستبدل ولا تعوض؛ عالم لا يقوم على التشابه، وإنما على التفرد.

كل شيء فيه له موضعه.

وكل شيء فيه له قيمته.

وكل شيء فيه لا يحتاج إلى مثيل.

خاتمة: لا حقيقة بلا ميزان

في نهاية الرحلة، لا يعود السؤال مجرد: هل توجد واسطة أم لا؟

بل يصبح السؤال:

كيف يمكن أن نعرف الحقيقة أصلًا من دون واسطة؟

إذا لم توجد علامة، فكيف نميز؟

وإذا لم يوجد ميزان، فكيف نحكم؟

وإذا لم يوجد فرقان، فكيف نفرق بين الحق والوهم؟

وإذا لم توجد وسيلة، فكيف نصل؟

وإذا لم يوجد مرشد، فكيف نهتدي؟

إن رفض الواسطة لا يلغي الحاجة إليها؛ لأن الحاجة إليها متجذرة في طبيعة المعرفة والاتصال والحركة والوصول.

ومن هنا يثبت الإنسان الكامل، في هذا التصور، باعتباره واسطة الخلق، ومبدأ العالم، ونهاية الوهم، والفرقان بين الحق والباطل، والعلامة التي تقود من الظلمات إلى النور.

وحين يرى الإنسان هذه العلامة يبدأ في اكتشاف شيء آخر: أن العالم الذي كان يظنه مكتفيًا بذاته ليس كذلك، وأن وراءه أصلًا ونسبة ومعنى.

ومن هنا تبدأ رحلة البحث عن الحقيقة.

درجة بعد درجة.

وسؤالًا بعد سؤال.

وعلامة بعد علامة.

حتى يتحول الإنسان من فضاء لا يعرف فيه نفسه ولا العالم ولا المعيار، إلى عالم له أصل، وله ميزان، وله طريق، وله غاية.

وهنا يكون الانتقال الحقيقي:

من الظلمات إلى النور، ومن الوهم إلى التمييز، ومن التمييز إلى المعرفة، ومن المعرفة إلى الحق.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كاتب التدوينة
كاتب التدوينة
هذا النص هو مثال لنص يمكن أن يستبدل في نفس المساحة، لقد تم توليد هذا النص من مولد النص العربى، حيث يمكنك أن تولد مثل هذا النص أو العديد من النصوص الأخرى إضافة إلى زيادة عدد الحروف التى يولدها التطبيق.
G.M HERMES