في الحديث عن استرجاع سيادة الإنسان، وصلنا في المرة السابقة إلى مجموعة من الأفكار المتعلقة بكيفية استعادة الإنسان لمركزيته وسيادته على نفسه. واليوم نريد التوقف عند شرط أساسي لا يمكن تجاوزُه: إعادة مفهوم الضغط والتركيز إلى معناه الأصلي.
هناك فهم شائع ومنحرف لهذين المفهومين؛ فكثير من الناس يتعاملون مع الضغط باعتباره شيئًا سيئًا يجب التخلص منه، ومع التركيز باعتباره حالة ينبغي تخفيفها حتى يصل الإنسان إلى الاسترخاء. غير أن هذا الفهم، في هذا السياق، مقلوب تمامًا. فالضغط والتركيز ليسا عدوين للإنسان، بل هما من أهم الشروط التي تسمح له بالمحافظة على سيادته، وحماية بنائه، ومتابعة الطريق الذي يقوده إلى غايته.
الاسترخاء المفرط بوصفه ثغرة
قبل الدخول في مفهوم الضغط والتركيز، من المهم العودة إلى ما تحدثنا عنه سابقًا حول محاولة اختراق المركز أو ما سميناه بالأرض المقدسة.
قلنا إن اختراق المركز يجعل التلاعب أمرًا ممكنًا. فإذا فقد الإنسان تركيزه، أصبح أكثر قابلية لأن يكون ضحية للتلاعب؛ لأن الإنسان الذي لا يركز في شيء محدد يسهل خداعه، وتبديل رأيه، وتغيير توجهه، وسلب وعيه من دون أن ينتبه.
ولهذا فإن السؤال المهم هو: لماذا يُراد للإنسان أن يكون مسترخيًا دائمًا وألا يكون مركزًا؟
السبب أن الاسترخاء المفرط يخفض الدفاعات. وعندما تنخفض دفاعات الإنسان، يبدأ في الاعتقاد بأنه لا يوجد خطر، فتضعف لديه الحساسية التي تمكنه من التعرف إلى المخرب والمفسد والتمييز بينه وبين غيره. يصبح الإنسان في حالة أقرب إلى التخدير أو التنويم، بحيث تمر عمليات التبديل والتغيير من دون مقاومة.
وهنا نعود إلى القاعدة التي طرحناها سابقًا:
إذا كان الشيء كاملًا، فلماذا يحتاج إلى التبديل والتغيير؟
هذه القاعدة بسيطة، لكنها مهمة جدًا. فإذا كان الشيء كاملًا، فلا توجد ضرورة لتغييره. ولذلك فإن عملية التغيير لا تبدأ غالبًا بإخبار الإنسان بأن ما لديه كامل، بل بإقناعه بوجود نقص أو عيب يستدعي التغيير. والأخطر من ذلك أن يُدفع الإنسان إلى الاعتقاد بأن مجرد رغبته في التغيير دليل على وجود عيب في الشيء الذي يريد تغييره.
بهذه الطريقة تصبح الرغبة في التغيير نفسها ثغرة يمكن الدخول منها إلى البناء.
والأمر لا يتعلق بتغيير بسيط فقط، بل قد يصل إلى تغيير هوية الإنسان ذاتها. فإذا أصبح الإنسان لا يعرف من هو، فقد يتحول إلى عدو لنفسه دون أن يدري؛ لأنه لم يعد يمتلك أساسًا يستطيع من خلاله أن ينتمي إلى نفسه أو يميز نفسه عن غيره.
الهوية والانتماء والتمييز
الهوية وجدت أصلًا لكي تميز الإنسان عن غيره. فالإنسان يعرف نفسه من خلال هويته، وهذه الهوية تتغذى من الانتماء.
أما الإنسان الذي بلا هوية وبلا شخصية، فيصبح أكثر قابلية للتردد والريب والارتياب، وهذه الحالة تحديدًا هي التي تجعل احتلاله أو اختراقه أسهل؛ لأنه لم يعد يملك حدودًا واضحة بين ذاته وما هو خارج عنها.
ومن هنا يمكن فهم الفكرة التي طرحناها سابقًا حول مفهوم الشيطان: الشيطان، في هذا التصور، بلا شخصية مستقرة وبلا هوية ثابتة؛ ولذلك فهو عدو نفسه. وهو يتعاقب ويتردد بين حالات متضادة، بين الحياة والموت، وبين الذكورة والأنوثة، ولا يمتلك التركيز الكافي للخروج من حالة الجحيم التي وصفناها سابقًا بأنها حالة من الغيبوبة والهلوسة.
فالخروج من هذه الحالة يحتاج إلى تركيز.
ما هو التركيز؟
لكي نفهم أهمية التركيز، يمكننا استخدام مثال بسيط يعرفه الجميع: التلميذ في المدرسة.
التلميذ الذي يريد الانتقال من صف الراسبين إلى صف الناجحين يحتاج إلى قدر من التركيز يمكنه من متابعة الدرس وفهمه. والراسب غالبًا لا ينجح في ذلك عندما يكون مشتتًا، لا يتابع، ولا يتقيد بالطريق الذي يؤدي إلى النتيجة.
بل قد يحدث أحيانًا أن يبدأ التلميذ الذي فشل في التركيز على الدرس بمحاولة تشتيت الآخرين. فينشئ حملة مضادة للدرس، ويتحول إلى مصدر ضجيج داخل القسم، ويعمل على إفقاد زملائه تركيزهم حتى يصبح هو نفسه مركز انتباههم.
هو لا يريد بالضرورة أن يقول شيئًا مهمًا؛ إنه يريد فقط أن يجعل الآخرين يركزون معه بدل أن يركزوا مع الدرس.
أما التركيز الحقيقي فهو أن يكون وعي الإنسان قادرًا على اتباع العلامات والإشارات والخطوات حتى يصل في النهاية إلى ثمرة.
فإذا كان التلميذ يدرس معادلة، فإنه يتبع خطوات معينة، ويسير في طريق محدد، ويربط بين الإشارات المختلفة حتى يصل إلى النتيجة. وعندما يتمكن من فهم الطريقة، يستطيع أن يستقل عن المعلم أثناء الاختبار، فيحل المسألة وحده ويصل إلى الثمرة المطلوبة.
إذن التركيز ليس مجرد النظر إلى شيء، بل هو اتباع طريق حتى النهاية.
التشتت هو اتباع طرق كثيرة في الوقت نفسه
على العكس من ذلك، التشتت هو محاولة اتباع طرق متعددة في وقت واحد إلى درجة أن الإنسان لا يتبع طريقًا فعليًا.
يمكن أن نجد التلميذ المشتت مركزًا في كل شيء إلا الدرس: في ملابس زميله، وفي ملابس المعلم، وفي حركاته، وفي الأصوات الموجودة خارج القسم، وفي كلام هذا وذاك. إنه ينتبه إلى أشياء كثيرة، لكنه لا يركز في الشيء الذي ينبغي أن يركز فيه.
أما الإنسان ذو التركيز العالي، فتجده قادرًا على حصر انتباهه في الشيء الذي ينبغي أن يتبعه.
وهنا يظهر ارتباط التركيز بالتوحيد أيضًا؛ فالتركيز العالي هو أن تجمع وعيك حول مركز واحد، بينما التركيز المنخفض يجعلك موزعًا بين مراكز متعددة.
ولهذا قلنا إن الشيطان من الناسين، والمشتتين، وأصحاب التركيز المنخفض. إنه لا يستطيع متابعة طريق واحد حتى نهايته، لأن وعيه موزع على أشياء كثيرة، وهذا يمنعه من الوصول إلى النهاية.
الإنسان غير المركز قابل للاختراق
إذا كان الإنسان مسترخيًا إلى درجة فقدان التركيز، وغير قادر على متابعة شيء واحد بوضوح، فإنه يصبح قابلًا للاختراق.
والمقصود بالاختراق هنا أن يصبح من السهل استمالته وجذبه وانحرافه عن الطريق الذي كان يسير فيه.
وهذا أمر يمكن ملاحظته في المثال البسيط للتلاميذ. فالتلميذ الذي لا يتابع دروسه ولا يمتلك تركيزًا عاليًا يكون أكثر عرضة للانحراف والتأثر بالأشياء الموجودة خارج المدرسة من التلميذ الذي يركز في دروسه.
وكذلك الإنسان في الحياة: كلما انخفض تركيزه، أصبح أكثر قابلية لأن يستميله شيء خارجي، وأن يجذبه، وأن يسرق وعيه.
وعي الإنسان، خصوصًا في مراحله الأولى، يشبه أرضًا خصبة للزراعة. وإذا استولى عليه من يريد استغلاله، فلن يزرع فيه بالضرورة ما ينبغي أن يزرع، وإنما قد يزرع فيه مختلف أنواع الآفات والانحرافات.
أما الإنسان المركز، فإنه يتابع ما ينبغي أن يتابعه.
وهنا يجب أن نسأل: ما الذي ينبغي عليك أن تتبعه؟
ليس المطلوب أن تتبع كل شيء. بل أن تضع كل ما هو خارج الطريق على الرف، وأن تتبع المركز.
المركز بوصفه مركز التركيز
قلنا سابقًا إن المركز هو الخالق. وإذا كان كذلك، فإن اتباع الخالق هو الذي يحمي الإنسان من التأثيرات الخارجية التي يمكن أن تسرقه أو تخترقه أو تجعله ينحرف نحو شيء بلا جدوى.
فالخالق، بحسب هذا التصور، هو مركز الجدوى والقيمة والمعنى. ولذلك فإن الانحراف عن المركز يقود بالضرورة إلى شيء يفقد المعنى والقيمة والجدوى.
وهذه ليست مجرد عبارة نكررها، وإنما هي نتيجة للقاعدة التي انطلقنا منها: من يتبع الطريق يفهم ويصل، ومن لا يتبعه يخوض في أمور بلا معنى وبلا جدوى، وفي النهاية يخسر نفسه.
ومن هنا يمكن فهم الهدف من الحركات الشيطانية: إدخال البشرية في حالة من التشويش والفوضى حتى لا تستطيع التركيز على الشيء الذي ينبغي أن تركز عليه.
وما ينبغي التركيز عليه هو عملية البناء.
البناء والتركيز
إذا كان الخالق مرتبطًا بالبناء، فإن الإنسان مطالب بأن يكون مركزًا في عملية البناء. لأن أي تشويش في تركيز الإنسان أثناء البناء يمكن أن يتحول إلى ثغرة في البناء، وهذه الثغرة يستطيع المفسد أو المخترق أو السارق استغلالها.
ولهذا قلنا إن الخالق لا يحب المفسدين.
المفسد لا يستغل البناء من أجل المحافظة عليه وتقديره، وإنما يستغله بطريقة تقوده إلى الهدم. وقد يبدأ الأمر بخطأ صغير في البناء، ثم يؤدي الخطأ إلى أخطاء أخرى، وتتراكم الأخطاء حتى يصبح البناء نفسه وسيلة للإفساد.
وهذا يجعل التركيز مهمًا منذ البداية؛ لأن التركيز في البداية يقلل الأخطاء ويجعلها تقترب من الصفر. أما إذا كان البناء قائمًا على التشويش، فإن الخطأ الأول ينتج خطأ ثانيًا، والثاني ينتج ثالثًا، وهكذا.
البناء المقدس والإنجاب المبارك
من هنا نصل إلى فكرة أخرى تتعلق بالإنجاب.
سبق أن تحدثنا عن البيت المقدس المبارك، وعن الشخص المبارك، واليوم يمكن أن نضيف إلى ذلك مفهوم البناء المبارك والهندسة المقدسة.
وأثناء بحثي في موضوع الإنجاب، وصلت إلى ثمرة فكرية أريد من خلالها تحديث ما طرحته سابقًا: يمكن الحديث عن إنجاب مبارك أو بناء مقدس، إذا صح التعبير.
والسبب في ذلك لغوي أيضًا؛ فكلمة البناء كانت تستعمل قديمًا كناية عن الجماع، كما في التعبير عن الرجل بأنه دخل على زوجته وبنى عليها. وبالتالي فالعلاقة بين مفهوم البناء والجماع ليست عشوائية، وإنما لها أساس في اللغة.
إذا كان هناك بناء مقدس، فإن من الطبيعي في هذا التصور أن تكون له ثمرة مباركة تستحق أن توجد وتُنجَب.
لكن السؤال هو: كيف نعرف أن البناء كان سليمًا؟
يمكن أن نرى أثر البناء في الثمرة. فالأبناء الذين يظهر عليهم تشتت شديد وضعف في التركيز يمكن، ضمن هذا التصور، أن يكونوا انعكاسًا لوجود ثغرات في البناء الذي سبق وجودهم.
إذا كانت عملية الجماع نفسها غير محصنة، فإن الثمرة تكون، بحسب هذا التصور، غير محصنة أيضًا؛ فيظهر عليها التشتت، وضعف التركيز، وعدم اكتمال الارتباط والتغذي من الوالدين.
وهنا يصبح التركيز في عملية البناء مهمًا جدًا، لأن الأخطاء التي تقع في البداية يمكن أن تنتقل إلى المراحل اللاحقة.
التربية جزء من البناء
التربية ليست شيئًا منفصلًا عن البناء، بل هي إحدى ملازماته.
فالإنسان الذي يربي ابنه تربية سيئة قد يترك فيه أساسات تقوده لاحقًا إلى السرقة والقتل والعدوان وغيرها من الأفعال. ولذلك فإن ما يحدث في البداية لا يبقى محصورًا في البداية؛ بل يمكن أن يتضاعف مع مرور الزمن.
الطفل الذي لا يضبط في صغره قد يكبر، وتكبر معه الفجوة، ويتحول من خطر صغير إلى خطر أكبر.
ومن هنا تصبح التربية عملية وقائية تحاول تقليل الأخطاء منذ بدايتها.
ولهذا لا ينبغي أن يكون إنجاب الطفل جزءًا من مشروع فاشل أصلًا. فإذا كان الإنسان غير قادر على التركيز معه، أو غير قادر على تعليمه التركيز، أو غير قادر على تربيته، فإن السؤال يصبح مشروعًا: لماذا يأتي به إلى هذا المشروع؟
الإنجاب ليس مجرد إضافة فرد إلى العالم، بل هو إدخال إنسان جديد في بناء قائم، وهذا يجعل مسؤولية الأساسات الأولى كبيرة جدًا.
الابن المبارك والسلالة المباركة
يمكن، بناءً على ذلك، الحديث عن الابن المبارك باعتباره إنسانًا نشأ على أساسات سليمة.
ومن أهم هذه الأساسات الميثاق الذي يجمع الزوج والزوجة، باعتباره أساس شرعية الابن. فإذا كان هذا الميثاق سليمًا ومؤسسًا على بينة وقدسية للبناء، فإن الابن يصبح، في هذا التصور، صورة من البناء الذي بناه والداه.
وهنا نصل إلى مفهوم السلالة.
إذا كان هناك بيت مبارك، وشخص مبارك، وبناء مبارك، وهندسة مقدسة، فمن الطبيعي أن يمتد التسلسل إلى مفهوم السلالة المباركة.
وفي المقابل، يمكن أن توجد سلالات تحمل ثغرات وأخطاء متراكمة، بحيث يصبح البناء الذي استمر عبرها بناءً فوضويًا.
فإذا أردت بناء منزل على أرض من دون مخطط، ولا أصول، ولا هندسة، ولا دراسة، فإن النتيجة ستكون بناءً فوضويًا قائمًا على الفوضى. وبالمثل، فإن السلالة التي تراكمت فيها الأخطاء دون تصحيح يمكن أن تحمل هذه الأخطاء إلى مراحل لاحقة.
ومن هنا جاء تصور السلالات الملعونة، أي تلك التي استمر فيها البناء بصورة فوضوية، من دون احترام للقواعد والأصول، حتى أصبحت الأخطاء جزءًا من بنيتها.
الشيطان والثغرات في السلالة
ضمن هذا التصور، يستميل الشيطان الأشخاص الذين توجد في بنائهم أو سلالتهم ثغرات.
وقد طُرحت هنا فكرة أكثر تعقيدًا تتعلق بمشاركة الشيطان في عملية الجماع والخلق، وهي فكرة تحتاج إلى تفصيل مستقل لاحقًا. لكن المقصود هنا أن وجود تلك المشاركة، بحسب هذا التصور، يسبب اضطرابًا في النسب والهوية، ويجعل الطفل غير منسوب بصورة مكتملة إلى أبيه.
ومن ثم يصبح هؤلاء أكثر قابلية للاستمالة من طرف الشيطان، لأنهم يحملون في بنيتهم ثغرة تجعله قادرًا على التأثير فيهم، حتى يصبح الشيطان بالنسبة إليهم كأنه أب أو أم أو مرجعية بديلة.
وهذا أمر بالغ الخطورة؛ لأن الشيطان يستطيع، من خلال هذه الثغرات، أن يجيّش أتباعه ويجمع جيشه من السلالات التي تراكمت فيها العيوب.
والغاية النهائية هي الوصول إلى الأراضي المحصنة والمقدسة واختراقها.
الهندسة المقدسة والتحصين
إذا كانت الأرض المقدسة تتميز بأنها محصنة ضد الاحتلال والكوارث والزوابع وغيرها، فإن السلالة المباركة تمتلك، في هذا التصور، هندسة مقدسة.
وهذه الهندسة تعني دفاعًا قويًا، وتحصينًا قويًا، وأساسات قوية، وأهدافًا نبيلة، وغايات سامية، وأنفسًا سليمة.
أما من اعتنقوا الباطل بصورة جذرية، فصورتهم مختلفة تمامًا؛ إذ تكون أهدافهم حقيرة، وغاياتهم رذيلة، وفعلهم قائمًا على الفساد وصناعته والترويج له والتغذي عليه.
ولا أقصد هنا الأشخاص الذين يخلطون بين العمل الصالح والعمل السيئ، أو الذين يتذبذبون بين الحق والباطل؛ فهؤلاء موضوع آخر سنتحدث عنه لاحقًا. المقصود هنا هو من اعتنقوا الباطل اعتناقًا جذريًا.
وهؤلاء، في هذا التصور، لا يمكن أن يأتي منهم إصلاح حقيقي؛ لأن البناء الذي نشؤوا فيه قائم أصلًا على الفساد.
لماذا يخاف الشيطان من الإنسان المركز؟
إذا كان التركيز العالي من الصفات الحسنة، فإن الإنسان المركز لا يستطيع أن يتعايش بسهولة مع الوسخ والفساد والفوضى؛ لأنه يمتلك حدًا واضحًا بينه وبين ما يعتبره سيئًا.
إنه أشبه بمن تمت برمجته على الدفاع عن جسده، وعن نفسه، وعن أفكاره، لأنه يؤمن بأن سلامته تستحق الحماية. وعدم الدفاع عنها يصبح، بالنسبة إليه، خيانة للسلامة والأمن والسلام.
ولهذا، إذا كانت في الإنسان نسمة من البركة والقداسة، فإن الشيطان يسعى إلى استمالته.
فالشيطان يعرف أن استمالة شخص من هذه الرتبة ستفتح له بابًا مهمًا للدخول والإفساد. ولذلك فإن استمالة الإنسان المركز تصبح بالنسبة إليه ذات قيمة كبيرة، لأنها تمنحه إشارة انتصار على من لا يتبع إلا الخالق.
لكن بنية الإنسان المبارك، في هذا التصور، لا تسمح بسهولة بهذا الانهيار؛ فمهما مال، يبقى هناك شيء يعيده إلى الاستقامة. ومهما فشل درع، يوجد درع آخر خلفه، ومهما اخترق حصن، يوجد حصن آخر وراءه.
ولهذا يمكن تشبيه الإنسان المبارك بمن يسير على جسور لا تسقط إلا بعد أن يعبرها. هناك أسرار عميقة في هذا البناء تجعل استباحته أكثر صعوبة، وهذا بالذات يزيد الشيطان غيظًا وكرهًا؛ لأنه يريد استباحة الحرمات، بينما الإنسان الذي يمتلك حرمة حقيقية هو إنسان لا يستطيع الشيطان مشاركته فيها.
الإنسان الكامل: مركز الإنسانية
وهنا نصل إلى مفهوم الإنسان الكامل الذي تحدثنا عنه في بثوث سابقة.
يمكن تحديث ذلك المفهوم بالقول إن الإنسان الكامل هو خليفة المركز على الأرض؛ أي إنه مركز أرضي تابع للمركز المطلق.
ولتقريب الفكرة، يمكن تخيل قاعدة أصلية تتبعها قاعدة أخرى في مكان بعيد. القاعدة الثانية ليست مستقلة عن الأولى، وإنما تعمل بأمرها وتعليماتها.
وبالمثل، فإن الإنسان الكامل هو المركز الإنساني التابع للمركز الأصلي.
والإنسان الكامل، في الحقيقة، هو الشخص المبارك أصلًا؛ لأن أوامره ونواهيه، إذا صحت إنسانيته الكاملة، تكون ترجمة للهندسة المقدسة: لا يأمر إلا بالطيب ولا ينهى إلا عن الخبيث.
وهو نفسه يتبع أوامر ونواهي الخالق، ولذلك فإن أمره ونهيه ليسا مستقلين عن المركز، وإنما يمثلان ترجمة فرعية وتفصيلية لما جاء مركزًا من عند الخالق.
الوحي المضغوط والإنسان الكامل
هنا تظهر كلمة أخرى مرتبطة بالعنوان: الضغط.
الوحي الذي بين الإنسان الكامل والخالق، في هذا التصور، وحي شديد التركيز والضغط، إلى درجة لا يستطيع فهمه أو استيعابه إلا الإنسان الكامل.
إنه أشبه بأمر شديد التعقيد والمركزية؛ لو أعطي لشخص غير مؤهل، فلن يستطيع التعامل معه. أما الإنسان الكامل فيستطيع تحمل ضغط هذا الأمر، وفكه، وتبسيطه، وترجمته إلى مستويات يستطيع الآخرون فهمها.
إذن الإنسان الكامل هو واسطة ترجمة الوحي المعقد والمضغوط والمركز.
ثم تأتي بعد ذلك مراتب أخرى تساعد في نقل هذا الأمر إلى الناس. ومن هؤلاء الأولياء، بالمعنى الحقيقي للكلمة، من يستطيع التعامل مع الإنسان الكامل عن قرب، ولا يحتاج إلى تبسيط كبير منه، ويستطيع بدوره أن يساعد في نقل الأمر إلى مستويات أخرى.
وبهذه الطريقة يحدث التدرج: من الأمر المركز إلى الإنسان الكامل، ومنه إلى من يستطيعون الاقتراب منه وفهمه، ثم إلى مستويات أخرى حتى يصل المعنى إلى الناس.
الإنسان الكامل بوصفه الكائن الأكثر ثباتًا
إذا كان الإنسان الكامل قادرًا على تحمل الضغط الإلهي وفك الوحي المركز، فإنه يصبح، بالنسبة إلى البشر، أكثر الكائنات ثباتًا.
هو القطب غير المتحرك، والعلامة العظمى على وجود الخالق.
لكن الناس لا يدركون ذلك لأنهم ابتعدوا عن الحقيقة الإنسانية الكاملة. ولو كانوا على معرفة بالحقيقة الإنسانية الكاملة، لأدركوا أن كمال الإنسان الكامل نفسه علامة عظيمة على الخالق.
فإذا كان الخالق أصل التعقيد والضغط والتركيز، فإن الإنسان الكامل يصبح، داخل الدائرة الإنسانية، أصل التركيز.
كلما ابتعد الإنسان عنه، قل نصيبه من الإنسانية الكاملة؛ لأن الإنسان الكامل، في هذا التصور، هو من يعرف حقيقة الإنسان ويبالي بأمر الإنسانية.
ولهذا فإن المقتربين منه يكونون، في الحقيقة، أشخاصًا يبالون بأمر الإنسان.
فالذي يدرك حقيقة الإنسان الكاملة لا يمكن أن يدعو إلى انقراض الإنسان. بل على العكس، يرى أن الإنسان يستحق الوجود، وأن الحفاظ على الإنسانية جزء من مهمته.
فالإنسان الكامل بالنسبة لغيره هو شخص مملوء ثابث مركز معقد أما بالنسبة للخالق فهو كالوعاء الفارغ وهذا لعلة وهي أن تركز الخالق هو تركيز عظيم ومعقد ومهما عظمت قدرة الإنسان في محاكات تركيزه يبقى كأنه غير مركز أبدا امام تركيزه.
الإنسان الكامل بوصفه المربي والمعلم والمرشد
إذا كنت تبحث عن الإنساني، فهو الإنساني حقًا.
وإذا كنت تبحث عن المهتم بالإنسان، فهو المهتم.
وإذا كنت تبحث عن المربي، فهو المربي.
وإذا كنت تبحث عن المعلم، فهو المعلم.
وإذا كنت تبحث عن الرسول، فهو الرسول.
وإذا كنت تبحث عن النبي الأعظم، فهو النبي الأعظم.
وإذا كنت تبحث عن المرشد، فهو عين الرشاد، لأنه أوتي رشده.
وهنا تعود فكرة العلامة الكاملة.
في الاختبار، العلامة الكاملة هي النتيجة التي لا يوجد بعدها نقص في ذلك الاختبار.
وبالمثل، فإن الإنسان الكامل هو العلامة الكاملة على الحقيقة الإنسانية، ولذلك فإن التعرف إليه عن قرب يصبح، في هذا التصور، طريقًا إلى التعرف إلى الخالق.
وهذا تحديدًا ما لا يريده الشيطان: أن يستوعب الإنسان وجود علامة حية وكاملة تقوده إلى الخالق.
الشيطان والادعاء بالإنسانية
من الأخطاء المهمة أيضًا الاعتقاد بأن كل من يتحدث باسم الإنسانية هو إنسان بالضرورة.
الشيطان يمكنه أن يتظاهر بالإنسانية، وأن يخاطب الإنسان بلغة التحرير والاهتمام بالبشر، وأن يقول إنه يريد إنقاذ الناس أو تحريرهم، بينما هو في الحقيقة غير مبالٍ بمصير البشر؛ لأنه ليس إنسانًا أصلًا.
الإنسانية ليست مجرد كلمة يضعها الإنسان في خطابه.
ولا يمكن أن يقول شخص عن تعليم ما إنه غير إنساني لمجرد أنه لم يعجبه. لكي تحكم على تعليم بأنه إنساني أو غير إنساني، تحتاج إلى معرفة واسعة، وتركيز عالٍ، وفهم للنتيجة التي يقود إليها، والغاية التي يوجه إليها، وما إذا كان يبني الإنسان أم يهدمه.
ولهذا فإن كثيرًا من الأحكام السريعة على التعاليم بأنها "غير إنسانية" ناتجة عن ضعف التركيز وعدم فهم المسار الكامل للتعليم.
كيف يحدث التواصل؟
عندما سُئل عن كيفية تواصل الشيطان مع البشر، فإن الإجابة لا تختصر في صورة واحدة.
هناك من يشاركهم الجسد، وهناك من يشاركهم البيت، وهناك من يشاركهم الأرض، ويختلف شكل التواصل بحسب طبيعة هذه المشاركة.
أما التواصل مع الخالق أو مع الإنسان الكامل، فالصورة معكوسة.
لا يحتاج الخالق إلى واسطة بسبب عجزه عن التواصل، وإنما يحتاج إلى الإنسان الكامل بكونه يستطيع أن يرفع مستوى تركيزه حتى يستطيع التعامل مع الأمر المركز والمعقد وهو الخالق فالإنسان الكامل هو ترجمان تركيز الخالق لأنه واسطة مع الخالق، على عكس الإتصال بين الشيطان والإنسان لايحتاج الى واسطة فالإتصال بينهما هو إتصال مشتت بعدي غير مركز غير ثابث من هنا نرى ان العلاقة مع الشيطان بدون واسطة على عكس العلاقة مع الخالق.
الفوضى هي لغة الشيطان
الفوضى، أينما وجدت، تصبح وسيلة للتواصل مع الشيطان.
الفوضى الفكرية، والفوضى الشعورية، والفوضى الجسدية، والفوضى الاجتماعية، والعشوائية، والفساد، كلها تخلق بيئة يستطيع الشيطان أن يظهر فيها.
ولهذا يمكن أن يكون الكلام الفاسد والمفسد أحد أشكال هذا التواصل. فالشيطان لا يحتاج دائمًا إلى أن يظهر كشخص ويتحدث؛ فقد يكون حضوره في الفوضى نفسها، وفي الكلام الذي لا يبني شيئًا، وفي الهلوسة التي لا تقود إلى نتيجة.
الإنسان الذي يهذي بلا مقصد، ولا يبني فكرة ولا معنى ولا طريقًا، يعيش في فوضى.
أما الإنسان الذي يتبع العلامات والخطوات ويصل إلى نتيجة، فهو يسير في اتجاه البناء.
لا نجاة بلا هندسة
من هنا أعود إلى فكرة النجاة.
لا أرى، وفق هذا المسار كله، إمكانية لصناعة قارب نجاة حقيقي بعيدًا عن الهندسة المباركة للإنسان الكامل.
لا يمكن بناء قارب نجاة دون أخذ الإرشادات والتعليمات والخطوات التي تأتي من الخبرة الأزلية للخالق.
قد يقول الإنسان: سأصنع بديلًا بنفسي.
ويمكنه أن يفعل ذلك، لكنه سيجرب ويفشل، ثم يجرب ويفشل، ثم يجرب ويفشل، حتى يكتشف في النهاية أن الطريق الذي وصل إليه بعد كل تلك التجارب هو نفسه الطريق الذي كان يمكنه اتباعه منذ البداية.
الفرق أن الخالق، في هذا التصور، خبير بالنجاح والفشل، ويعرف الطريق الذي يقود إلى النتيجة، بينما الإنسان الذي يرفض الخبرة السابقة يختار أن يتعلم من خلال سلسلة طويلة من الأخطاء.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل أستطيع أن أصنع بديلًا؟
بل: هل يوجد بديل أصلًا عن الخبرة التي أعرف أنها تقود إلى النجاة؟
الدين والمعتقد السليم
وهذا يقودنا إلى مسألة الدين.
سبق أن قلنا إن هناك معتقدًا سليمًا، وإن المعتقد السليم هو الدين السليم، وإن كمال الإنسان لا يتحقق دون معتقد سليم.
فكما أن البناء يحتاج إلى أساس، وكما أن التركيز يحتاج إلى مركز، فإن الإنسان يحتاج إلى معتقد صحيح يقوم عليه.
الدين، في هذا السياق، ليس مجرد مجموعة من الأقوال أو الطقوس المنفصلة، وإنما جزء من البناء الذي يربط الإنسان بالمركز ويمنحه طريقًا يتبعه.
ولهذا لا يمكن فصل الدين عن فكرة الكمال الإنساني، كما لا يمكن فصل التركيز عن البناء، أو البناء عن الهندسة، أو الهندسة عن المركز.
خاتمة: العودة إلى المركز
إذا جمعنا كل هذه الأفكار، نجد أن الخيط الذي يربطها جميعًا هو المركز.
فالإنسان الذي يفقد مركزه يفقد تركيزه.
ومن يفقد تركيزه يصبح مشتتًا.
والمشتت يصبح قابلًا للاختراق والاستمالة.
ومن يُخترق يمكن أن تتغير هويته، ويضعف انتماؤه، ولا يعود يعرف نفسه.
وعندما يضعف الإنسان في ذاته، يصبح البناء الذي يشارك فيه معرضًا للخطأ.
وإذا تراكمت الأخطاء في البناء، امتدت إلى التربية والإنجاب والسلالة.
وفي المقابل، فإن البناء السليم يحتاج إلى تركيز، والتركيز يحتاج إلى مركز، والمركز يقود إلى المعنى والقيمة والجدوى.
ومن هنا يظهر مفهوم الهندسة المقدسة، والبناء المبارك، والسلالة المباركة، والإنسان الكامل بوصفه مركزًا إنسانيًا تابعًا للمركز المطلق.
والإنسان الكامل، في هذا التصور، ليس مجرد شخص آخر بين الأشخاص؛ بل هو العلامة الكاملة على الإنسانية، والمربي، والمعلم، والمرشد، والوسيط الذي يستطيع التعامل مع الوحي المضغوط وترجمته إلى مستويات يستطيع البشر استيعابها.
أما الفوضى فهي العكس تمامًا: تشتيت للوعي، وتفكيك للهوية، وفتح للثغرات، وإضعاف للبناء.
ولهذا فإن استعادة سيادة الإنسان تبدأ من أمر بسيط لكنه عميق:
أن يستعيد الإنسان قدرته على التركيز.
أن يعرف ما الذي يجب أن يتبعه، وما الذي ينبغي أن يضعه جانبًا.
أن يتوقف عن متابعة كل صوت وكل حركة وكل تأثير خارجي.
أن يعود إلى المركز.
فلا يمكن للإنسان أن يحمي بناءه إذا كان مشتتًا، ولا أن يحافظ على هويته إذا كان بلا مركز، ولا أن يصل إلى الثمرة إذا كان يتبع طرقًا لا حصر لها في الوقت نفسه.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق