شعار الموقع لنسخة الدارك مود

شعار الموقع لنسخة الدارك مود

المركز والاستقرار: من التلبس إلى القداسة والبيت الحقيقي

خلال هذه الرحلة الطويلة من البحث والتقصي والتأمل، حاولت أن أرصد مجموعة من الإشارات التي قادتني إلى إعادة التفكير في موضوعات مثل المس والتلبس والسحر والشيطان والاستقرار والقداسة. وقد أخذ مني هذا الموضوع وقتًا وجهدًا كبيرين، لأنني لم أكن أريد أن أتعامل معه باعتباره مجرد حكايات أو خرافات متوارثة، بل حاولت أن أبحث عن البناء الذي يربط هذه المفاهيم بعضها ببعض.

ولذلك، ما سأقوله هنا ينبغي ألا يُفهم باعتباره موعظة، وإنما باعتباره محاولة لبناء تصور وفهم. قد يتفق الإنسان معه أو يختلف، وقد يقبل بعض مقدماته ويرفض بعضها الآخر، لكن المهم هو أن يفهم العلاقة بين الأفكار قبل أن يحكم عليها.

الفكرة التي أعود إليها باستمرار هي أن الاستقرار لا يمكن أن يوجد بلا مركز.

وهذه ليست، في هذا التصور، مجرد عبارة أخلاقية أو دينية، وإنما قاعدة عامة يمكن ملاحظتها في أشياء كثيرة. فالمركز هو الذي يثبت الجهات، ويضع الميزان، ويمنح الشيء مرجعه الذي يعود إليه. وإذا غاب المركز، بدأت الفوضى؛ وإذا عمت الفوضى، انعدم الاستقرار، وانعدم الاتزان، واختل العدل.

ومن هنا يمكن صياغة قاعدة أساسية:

كل حالة غير مستقرة هي، في جوهرها، نتيجة لانعدام التركيز أو اضطراب المركز.

وهذه الجملة سنحتاج إليها في فهم بقية المسألة.

الخالق بوصفه المركز

عندما أقول إن الإنسان لا يستطيع أن يحقق الاستقرار النفسي والعقلي والجسدي والوجودي إلا من خلال علاقة سليمة بالخالق، فأنا لا أطرح ذلك باعتباره مجرد وعظ، وإنما باعتباره نتيجة للمنطق الذي نتحدث عنه.

فالخالق، في هذا التصور، هو المركز الأعلى الذي تنتظم حوله الأشياء. ويمكن فهم العبارة بطريقتين متكاملتين: الخالق هو المركز، والمركز هو مصدر الخلق.

والفرق بين العبارتين دقيق، لكنه مهم.

فإذا كان المركز هو مصدر الخلق، فإن انقطاع الصلة بالمركز يعني انقطاع الصلة بمصدر الخلق. ويمكن تقريب الفكرة بمثال بسيط: تخيل جهاز تلفاز يعتمد على مصدر مستمر للصورة. إذا اضطرب المصدر أو انقطعت الصلة به، تبدأ الصورة بالتقطع والتشوش، وقد تختفي أجزاء منها أو تتوقف تمامًا.

المشكلة هنا ليست بالضرورة في الجهاز نفسه، وإنما في العلاقة بين الجهاز ومصدر الصورة.

وبالمثل، يمكن أن نفهم الكائن غير المستقر باعتباره كائنًا مضطرب العلاقة بمصدر وجوده.

كلما اضطربت العلاقة بالمركز، ضعف التركيز، وازداد التذبذب وظهر التناوب، والفجوات والانقطاعات. وكلما اتسعت الفجوة بين أجزاء الشيء، أصبح أقل ترابطًا وأقل استقرارًا.

ومن هنا يصبح العيب، في هذا التصور، هو وجود فجوة في البناء أو انقطاع في الصلة.

البيت بوصفه مركزًا للاستقرار

ومن هنا نصل إلى مفهوم آخر يبدو في البداية بعيدًا عن موضوع التلبس، لكنه في الحقيقة مرتبط به ارتباطًا مباشرًا: البيت.

فالإنسان الذي يمتلك بيتًا يمتلك مكانًا يعود إليه. البيت ليس مجرد جدران وسقف، وإنما هو مركز للاستقرار، ومكان يجد فيه الإنسان نفسه وأهله وأمنه وسكينته.

ولهذا فإن الإنسان الذي لا بيت له، بالضرورة هو غير مستقر.

والبيت، في التصور الذي أطرحه، لا يكتمل بمجرد وجود المكان، بل بوجود أهله.

فالبيت الذي يدخله كل شيء ولا توجد فيه حدود بين أهله وغير أهله، يفقد  معناه. أما البيت الحقيقي فهو بيت له أهل، وله حدود، وله نظام، وله مركز يعود إليه.

ومن هنا يمكن الانتقال من البيت المادي إلى مفهوم أوسع: بيت الخالق.

فالبيت الذي وضعه الخالق ليكون موضع استقرار وأمان وطمأنينة يمكن النظر إليه بوصفه مركزًا يعود إليه الإنسان. ومن يدخل هذا المركز يستقر، ومن يخرج عنه أو يرفضه أو تنقطع صلته به يبدأ في فقدان شيء من الثبات.

لذلك فالبيت ليس مجرد مكان، وإنما هو علاقة بين الكائن ومركزه.

من الانقطاع إلى الشيطان

إذا أخذنا هذه القاعدة إلى نهايتها، يمكننا إعادة النظر في مفهوم الشيطان من زاوية أخرى.

الشيطان، في هذا التصور، هو الكائن الذي ضعف تأثير المركز فيه بسبب رفضه لسلطة المركز أو انفصاله عنها.

فبدل أن يكون تأثير المركز فيه مستمرًا، يصبح تأثيره متناوبًا ومتقطعًا.

وهنا نستعيد مفهومًا تحدثنا عنه سابقًا: النوبة.

النوبة هي الحالة التي تنوب مؤقتًا عن الحالة الأصلية. ففي الجيش أو المستشفى أو أي مؤسسة، توجد مناوبة: مجموعة تحل محل المجموعة الأصلية لفترة معينة ثم تعود الأمور إلى أصلها.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتمرد النوبة على الأصل، أو تفقد صلتها به، أو تتصرف وكأنها هي الأصل.

ومن هنا يمكن فهم الشيطان بوصفه نوبة انفصلت عن الأصل.

ولهذا يرتبط مفهوم الشيطان في هذا التصور بمفاهيم مثل التناوب والتقطع والهلوسة والاضطراب.

فالهلوسة، مثلًا، حالة تجعل الإنسان يقرأ الواقع بطريقة غير مستقرة، ويستقبل إعلانات أو تقارير لا تتطابق مع الواقع. وفي نوبة الهلع أو الارتياب قد يعتقد الإنسان أن شخصًا يتبعه، أو أن كارثة ستقع، أو أنه سيموت، مع أن الواقع لا يثبت ذلك.

إنها حالة يصبح فيها الاتصال بالواقع مضطربًا، فينتج عنها خبر كاذب أو قراءة خاطئة للواقع.

وبهذا المعنى يصبح الشيطان، في هذا التصور، مرتبطًا بحالة اضطرابية تفصل الإنسان عن مركز التحكم، فتجعله أقل إدراكًا لما يحدث، ولماذا يحدث، وإلى أين يقوده.

التلبس: دخول الدخيل إلى البيت

بعد هذه المقدمات يمكن العودة إلى مفهوم التلبس.

إذا كان الإنسان بيتًا، وإذا كان للبيت أهل ومركز وحدود، فإن التلبس يمكن تصوره باعتباره دخول الدخيل إلى البيت واستعماره في غياب أهله أو ضعف حضورهم.

الدخيل لا يدخل لأنه صاحب البيت، بل لأنه يستغل الفجوة.

ولهذا فإن هدفه، في هذا التصور، هو إفساد البيت.

لماذا؟

لأن صاحب البيت، حتى لو طال غيابه، قد يعود.

والدخيل يعرف أن عودة صاحب البيت تعني انتهاء وجوده، ولذلك يحاول أن يترك وراءه الفساد والاضطراب والثغرات والمداخل التي تسمح له بالبقاء.

كلما وجد فسادًا، وجد طريقًا للبقاء.

وكلما وجد اضطرابًا، وجد مجالًا للحضور.

وكلما ظهرت فجوة، أمكنه استغلالها.

وهنا تصبح العلاقة بين التلبس والانقطاع واضحة: التلبس لا يحتاج فقط إلى وجود الدخيل، بل يحتاج إلى وجود فجوة تسمح له بالدخول.

لماذا تعادي القوى غير المستقرة المقدس؟

إذا كان المقدس هو الشيء الذي يتمتع بأعلى درجات الاتصال بالمركز بل هو عينه المركز، فإن القوى غير المستقرة ستكون، في هذا التصور، عاجزة عن الاستفادة منه بصورة طبيعية.

ولهذا أرى أن هناك صراعًا بين الاستقرار والاضطراب.

المقدس لا يغذي حالة الاضطراب، لأنه قائم على الترابط والاتصال والاستمرار.

ومن هنا نفهم معنى القداسة الذي أقترحه هنا:

القداسة هي الحياة الكاملة بلا انقطاع.

ليست القداسة مجرد مظهر أو شكل أو مكان يحمل اسمًا معينًا، وإنما هي حالة اتصال واستمرار لا تتخللها الفجوات.

أما الاضطراب فهو قائم على التقطع والتناوب والانفصال.

ولهذا فإن القوى غير المستقرة تحاول، بدل أن تنشئ استقرارًا حقيقيًا، أن تقلد شكله.

وهنا تظهر فكرة البيت المزيف.

البيت الحقيقي والبيت المزيف

البيت الحقيقي هو الذي يحقق الاستقرار لأنه مرتبط بالمركز.

أما البيت المزيف فهو الذي يحيط نفسه بمظاهر الأمن والاستقرار لكي يجذب الناس إليه، بينما يكون داخله قائمًا على الخوف والاضطراب والانقطاع.

وهذه نقطة مهمة جدًا.

فالشيطان، في هذا التصور، لا يستطيع بناء الاستقرار الحقيقي لأنه لا يمتلك السر المعماري  للاستقرار.

إنه يستطيع أن يقلد الشكل، لكنه لا يستطيع أن يمتلك الأصل.

ولهذا يحاول بناء شيء يشبه البيت المقدس، أو يحيط نفسه بمظاهر تشبه الجنة، لكي يستغل محبة الإنسان للاستقرار والطمأنينة والأمان.

فالإنسان بطبيعته يبحث عن مكان يشعر فيه بالأمان.

ولا يوجد إنسان مستقر حقًا يريد أن يعيش في الخوف والاضطراب.

ولهذا يمكن استغلال هذا الاحتياج الإنساني لبناء بيت مزيف، أو نظام مزيف، أو صورة مزيفة للاستقرار.

أما الاستقرار الحقيقي، فلا يأتي من المظهر، وإنما من الاتصال بالمركز.

البيت المقدس والاضطراب المحيط به

ومن هنا يمكن فهم فكرة قد تبدو متناقضة في البداية: قد يكون المكان المستقر محاطًا بالاضطرابات دون أن يكون هو نفسه مضطربًا.

فإذا كان هناك مكان شديد الاستقرار، فإن القوى المضطربة المحيطة به قد تحاول زعزعة صورته، أو حجب حقيقته، أو إقناع الناس بأنه مكان غير آمن.

وبالتالي قد يرى الإنسان الاضطرابات المحيطة بالمكان فيظن أن الاضطراب صادر عن المكان نفسه.

لكن الفرق هنا بين المركز وما يحيط به.

قد تكون حول المركز عاصفة، دون أن يكون المركز نفسه هو العاصفة.

ومن هنا طرحت سؤالًا عن البيت الحرام أي البيت المقدس فالحرمة هي القداسة باعتباره مفهومًا، لا باعتباره بالضرورة الإشارة إلى المكان المعروف بالاسم في الخطاب الشائع.

أنا أتحدث عن بيت محصن، مستقر، آمن، مرتبط بالمركز، لا يستطيع الدخيل احتلاله أو استعماره أو اختراقه.

وهذه الصفات هي التي ينبغي البحث عنها.

فالمكان الذي يستحيل احتلاله، والذي يستحيل استعماره، والذي لا يسمح للدخيل بأن يصبح من أهله، والذي يحافظ على اتصاله بالمركز، هو الذي يستحق أن يدخل في هذا التصور للبيت المقدس.

الإنسان المقدس والبيت المقدس

ومن هنا يأتي سؤال آخر:

إذا كان هناك بيت مقدس، فهل يمكن أن يوجد إنسان مقدس؟

في هذا التصور، نعم.

فالبيت والإنسان يمكن أن يشتركا في الصفات نفسها.

فالإنسان الذي يمثل الساكن الحقيقي للبيت المقدس ينبغي أن يحمل صفات البيت: الاستقرار، والتركيز، والاتزان، والاتصال بالمركز، والتحصين من القوى المضطربة.

وبهذا يصبح الإنسان المقدس هو الساكن الحقيقي لذلك البيت، ويصبح البيت انعكاسًا للإنسان، والإنسان انعكاسًا للبيت.

ليست هناك قداسات متعددة بالضرورة، وإنما هناك قداسة واحدة هي قداسة الخلق واتصاله بالخالق.

فالقداسة التي في الأرض والقداسة التي في الإنسان ليستا حقيقتين منفصلتين، وإنما هما مظهران لحقيقة واحدة.

الذكر الأصلي والموت

وهنا نصل إلى مفهوم آخر كثيرًا ما يُساء فهمه: الموت.

لطالما قلت إن الذكورة الحقيقية أو الأصلية مرتبطة بالموت، لكن هذا لا يعني أن الذكر الأصلي يحب الموت بمعنى تمني الفناء أو كراهية الحياة.

المسألة أعمق من ذلك.

العلاقة بين الذكر الأصلي والموت، في هذا التصور، علاقة خاصة؛ لأن الموت يكشف الحقيقة ويفصل بين الوهم والواقع.

ولولا الموت، لطغى الإنسان وتجبر، ولظن أنه يستطيع الاستمرار إلى ما لا نهاية.

الموت هو الذي يضع حدًا للطغيان، ويذكر الإنسان بأن له سقفًا.

ولهذا فإن الموت، من هذه الزاوية، ليس شرًا مطلقًا، بل يمكن أن يكون رحمة.

فالإنسان المتشبث بالحياة وبصغائرها وتفاهاتها قد يزداد تعلقًا بها كلما طال بقاؤه، وقد يزداد خوفه من فقدانها.

أما إدراك الموت فيحرره من الوهم.

ولهذا أرى أن الذين يخافون الموت بصورة مرضية قد لا يكونون قد فهموا وظيفته الوجودية.

أما الذكر الأصلي، فهو لا يرى الموت بالطريقة نفسها التي يراه بها الكائن المضطرب؛ لأنه يدرك أن الموت جزء من النظام الذي يحفظ التوازن.

ومن هنا يأتي ارتباط الذكر الأصلي بسر الاستقرار والسلام والبيت الحقيقي.

لماذا لا يحب الشيطان الموت؟

إذا كان الشيطان، في هذا التصور، يمثل حالة غير مستقرة ومتمردة على المركز، فمن الطبيعي أن تكون علاقته بالموت مختلفة.

الموت يمثل الحد الذي لا يستطيع الهروب منه.

ولهذا تصبح محاولة الهروب من الموت محاولة للهروب من الأصل نفسه.

وهنا تظهر مفارقة كبيرة: الذي يريد الخلود بأي ثمن قد يصبح أكثر بعدًا عن الحياة الحقيقية.

فالخلود الذي يبنى على الخوف من الموت قد يتحول إلى مرض.

ومن هنا لا أرى أن سر الحياة الكاملة يكمن في الهروب من الموت، وإنما في فهم الموت باعتباره جزءًا من النظام الكامل فالموت هو الذكورة الأصل.

الأرض: العلاقة بين الروح والمكان

وهنا نصل إلى الأرض.

قد يبدو الحديث عن الأرض حديثًا ماديًا، بينما الحديث عن الروح يبدو معنويًا، لكنني أرى أن الفصل بينهما غير صحيح.

العلاقة بالأرض ليست مجرد علاقة جغرافية.

فالإنسان يرتبط بالمكان الذي يعتبره أصله وبيته، ولهذا فإن محاولة اقتلاعه من أرضه تعني، في مستوى أعمق، محاولة اقتلاعه من مركز استقراره.

ومن هنا يمكن فهم فكرة القوى الاستعمارية أو غير المستقرة التي تحاول إخراج السكان الأصليين من أرضهم.

فالهدف ليس دائمًا الأرض باعتبارها مساحة فقط، وإنما قطع العلاقة بين الإنسان ومركزه.

ولهذا فإن الأرض عند الذكر الأصلي ليست شيئًا رخيصًا يمكن التخلي عنه بسهولة.

العبث بكل شيء ممكن، لكن العبث بالأرض يعني العبث بجذر العلاقة بين الإنسان ومكانه.

ومع ذلك، فالأمر ليس أرضيًا فقط ولا روحيًا فقط؛ بل هو علاقة بين الاثنين.

الجسد بوصفه بيتًا

كما أن الأرض بيت، فإن الجسد أيضًا بيت.

وهنا نعود إلى الفكرة نفسها مرة أخرى.

الجسد الذي لا يضع حدودًا لنفسه يصبح قابلًا للاستهلاك.

كلما زاد الاستهلاك، زاد الرخص.

وكلما زاد الرخص، انخفضت جودة الحياة.

ولهذا فإن احترام الجسد لا يتعلق فقط بمنع الآخرين، وإنما بأن يضع الإنسان هو نفسه حدودًا لما يسمح له بالدخول إليه.

وهذا هو معنى التحريم على النفس في التصور الذي أطرحه.

الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى أن يأتي شخص آخر ليخبره بما يجب أن يفعله. يمكن للإنسان أن يرى شيئًا يضره، فيحرمه على نفسه.

وهذا لا يعني أن كل إنسان يصبح مشرعًا مطلقًا لنفسه، وإنما يعني أن هناك مستوى من الانضباط الشخصي يجعل الإنسان يحصن جسده ونفسه من الأشياء التي يرى أنها تفسده.

الحجاب والتحريم والانضباط

ومن هنا يمكن فهم مسألة الحجاب بصورة مختلفة.

المسألة ليست فقط: هل قال شخص للمرأة غطي نفسك؟

المسألة الأعمق هي: هل يرى الإنسان جسده شيئًا متاحًا للاستهلاك العام، أم شيئًا يضع له حدودًا؟

والتحريم هنا يمكن أن يكون فعلًا اختياريًا نابعًا من احترام الإنسان لجسده.

وليس الحجاب، في هذا المعنى، حكرًا على النساء من حيث المبدأ؛ فقد عرف التاريخ رجالًا يغطون أجزاء من أجسادهم بصورة تحمل معنى دينيًا أو رمزيًا.

المبدأ أوسع من الملابس:

ما يعتبره الإنسان خاصًا به، لا يجعله متاحًا للاستهلاك العام.

وكذلك الرجل يحتاج إلى أن يحرم على عينه أشياء معينة.

فإطلاق النظر في كل شيء، ومتابعة أجساد الآخرين باستمرار، واستهلاك صورهم، لا يجعل الإنسان أكثر حرية بالضرورة، وإنما قد يجعله أقل تركيزًا وأكثر استهلاكًا.

وهكذا يصبح تحريم بعض الأشياء على النفس وسيلة لحماية النفس منها.

إنه ليس فقط منعًا للآخر، وإنما بناء حدود بين الإنسان وبين ما لا يريد أن يدخل إليه.

الاستهلاك ورخص الجسد

كلما أصبح الجسد سلعة، أصبح الإنسان نفسه أكثر قابلية للاستهلاك.

وهذا ما يجعل الثقافة التي تبيع الجسد باستمرار ثقافة تقلل من قيمة الجسد بدل أن ترفعها.

فإذا أصبح كل شيء متاحًا، فقدت الأشياء خصوصيتها.

وإذا أصبح كل شيء معروضًا، فقدت الرؤية دقتها.

ومن هنا يمكن فهم معنى القداسة مرة أخرى: القداسة ليست أن يكون الشيء ممنوعًا بلا سبب، وإنما أن تكون له حدود تحمي قيمته من الاستهلاك.

ولهذا فإن الشيء الأكثر قداسة قد يكون أيضًا الشيء الأكثر احتجابًا.

فالجوهر لا يحتاج إلى أن يصرخ: «انظروا إليّ».

أما الشيء الفارغ، فقد يحتاج باستمرار إلى أن يقول: «انظروا إليّ».

السحر والتلبس كقوى تشوه الاختيار

بعد كل هذه المقدمات يمكن العودة إلى المس والسحر والتلبس.

في التصور الذي وصلت إليه، هناك حالات يكون فيها الإنسان مخترقًا أو مضطربًا إلى درجة تجعله يرى ما يضره نافعًا، وما ينفعه ضارًا.

فيُزيَّن له الضرر، ويُبشَّع له ما ينفعه.

وهذه هي النقطة التي أراها جوهرية في مفهوم السحر الشيطاني:

أن يتغير إدراك الإنسان بحيث يصبح مصلحته عدوًا، وضرره محبوبًا.

عندها لا يعود الاختراق مجرد حدث خارجي، وإنما يصبح تأثيرًا على مركز القرار نفسه.

والإنسان يبدأ في اتخاذ خيارات تزيد اضطرابه بدل أن تعيده إلى استقراره.

ولهذا فإن المس والتلبس والسحر، ضمن هذا البناء الفكري، كلها ترتبط بفكرة واحدة: إضعاف المركز وزيادة الانقطاع.

الشريعة بوصفها حدودًا

وهنا تظهر أهمية الشريعة.

الشريعة، في هذا التصور، ليست مجرد قائمة أوامر ونواهٍ مفروضة من الخارج، وإنما هي هندسة تحفظ الإنسان من الفوضى.

فالإنسان الذي لا يحرم شيئًا على نفسه، ولا يضع أي حدود لسلوكه، يصبح مفتوحًا لكل شيء.

والانفتاح المطلق ليس بالضرورة حرية.

قد يكون أحيانًا فقدانًا للحدود.

ولهذا قلت إن الإنسان يحتاج إلى شريعة، بمعنى أن يحتاج إلى نظام يعرف من خلاله ما الذي يسمح له بالدخول إليه وما الذي يمنعه عن نفسه.

وحتى بعيدًا عن أي نقاش ديني، يستطيع الإنسان أن يدرك هذا على مستوى حياته الخاصة: إذا عرفت شيئًا يدمرك، فلماذا لا تحرمه على نفسك؟

الصلاة: إعادة الاتصال بالمركز

ومن هنا يمكن فهم الصلاة باعتبارها عملية إعادة الاستقرار.

الصلاة ليست شيئًا زائدًا يفعله الإنسان ثم يعود إلى حياته، وإنما يمكن النظر إليها باعتبارها انقطاعًا مؤقتًا عن العالم الخارجي وإعادة اتصال بالأصل.

ولهذا فإن الخشوع الحقيقي، في هذا التصور، يحتاج إلى الحاجة.

فالإنسان الذي لا يشعر بأنه يحتاج إلى الاستقرار قد لا يدرك معنى الخشوع.

أما الذي يدرك اضطرابه ويحتاج إلى العودة إلى مركزه، فإن الصلاة تصبح بالنسبة إليه ضرورة لإعادة الاتصال.

ولهذا فإن الصلاة، في أصلها، ليست مجرد حركة جسدية، وليست مجرد حالة قلبية منفصلة عن الجسد.

إنها قلب وحركة.

والصلاة الحركية، في هذا التصور، تعبر عن هندسة مقدسة.

الحركات ليست عشوائية، وإنما نظام مغلق يحافظ على شكله وتركيزه.

وإذا أصبحت الصلاة قابلة لأن يفعل فيها كل شخص ما يشاء، فإن معنى النظام المغلق يضيع.

لأن العلاقة مع الخالق، في هذا التصور، علاقة مقدسة لا ينبغي أن تكون مفتوحة لكل تدخل بشري.

العودة إلى الأصل

ومن هنا أفهم الشريعة بطريقة مختلفة.

الشريعة ليست اختراعًا جديدًا.

والرسل، في هذا التصور، ليسوا مبدعين يأتون كل مرة بهندسة جديدة للعلاقة مع الخالق، وإنما هم حافظون للأصل وناقلون له.

فالعودة إلى الأصل هي الفضيلة، لأنك لا تستطيع أن تبني هندسة أفضل من الهندسة الأصلية إذا كانت الهندسة الأصلية هي التي تحقق الاستقرار.

ولهذا فإن كثرة التغيير والابتداع قد تكون في بعض الأحيان مجرد هلوسة تبحث عن شيء جديد لأنها فقدت الأصل.

أما العودة إلى الأصل، فهي عودة إلى المركز.

وهم التطور والهرب من السقف

وهنا أصل إلى مسألة أخرى: وهم أن الإنسان كلما تقدم أصبح بالضرورة أفضل.

بل يمكن أن نجد إنسانًا حديثًا يعيش وسط آلاف الوسائل، لكنه عاجز عن النوم، وعن الاستقرار، وعن تحمل الحياة، وعن التحكم في نفسه.

بينما عاش الإنسان القديم، رغم قلة الوسائل، حياة مختلفة تمامًا.

وهذا لا يعني أن الماضي كان كاملًا أو أن كل قديم أفضل من كل جديد، وإنما يعني أن التقدم التقني لا يساوي بالضرورة التقدم الوجودي.

قد تزداد قدرتك على الطيران، وتقل قدرتك على المشي.

قد تزداد قدرتك على التواصل مع العالم، وتقل قدرتك على التواصل مع نفسك.

قد تزداد قدرتك على علاج مرض معين، وتظهر في المقابل أمراض أخرى.

ولهذا لا يكفي أن نقول: «لقد تطور الطب».

السؤال هو: هل اختفى المرض؟

إذا لم يختفِ، فالحل الذي قدمناه قد يكون مؤقتًا.

وهذا لا ينكر قيمة الطب أو العلاج، وإنما يلفت النظر إلى الفرق بين علاج الأعراض وبين حل أصل المشكلة.

الخلود الزائف

ومن هنا أفهم أيضًا هوس الإنسان الحديث بالخلود.

يحاول الإنسان أن يهرب من الموت، وأن يمدد حياته، وأن يبني أنظمة تمنحه شعورًا بأنه تجاوز الحدود الطبيعية.

لكن السقف لا يزال موجودًا.

والإنسان لا يزال يموت.

ولهذا فإن محاولة التعامل مع الحياة وكأنها أبدية قد تجعل الإنسان أكثر تعلقًا بالأشياء وأكثر خوفًا من فقدانها.

الأفضل، في نظري، أن يعيش الإنسان برحمة.

أن يأكل من الطيبات، ويتمتع بالخيرات، ويعيش حياته، لكنه لا ينسى أنه سيموت.

فمعرفة الموت لا تفسد الحياة، بل قد تجعل الإنسان أكثر تقديرًا لها.

أما إنكار الموت فقد يحول الحياة إلى سجن.

الاستقرار الذي يُحارب

وفي النهاية، أعود إلى النقطة التي بدأت منها.

هناك، في هذا التصور، صراع دائم بين الاستقرار والاضطراب، وبين المركز والانقطاع، وبين البيت والدخيل، وبين الأصل والبديل.

والقوى غير المستقرة تحاول باستمرار أن تدفع الإنسان بعيدًا عن مركزه.

تخلق الأزمات، وتزيد الخوف، وتدفعه إلى الشك، وتقطع صلته بأصله، وتجعله يستهلك جسده، ويحتقر أرضه، ويخاف الموت، ويبحث عن الخلود الزائف، ويعتقد أن البديل أفضل من الأصل.

وإذا نجحت في ذلك، يصبح الإنسان بلا بيت، بلا مركز، بلا حدود، وبلا استقرار.

وهنا يمكن أن نفهم معنى «التلبس» على مستوى أوسع: أن يفقد الإنسان سيادته على بيته الداخلي، فيصبح الدخيل أقوى من صاحب البيت.

أما التحصين، فهو أن يستعيد الإنسان مركزه.

أن يعرف أصله.

أن يضع حدودًا لما يدخل إليه.

أن يحترم جسده.

أن يحترم أرضه.

أن يفهم الموت.

أن يعود إلى الأصل.

وأن يحافظ على صلته بالمركز.

الخاتمة

لقد عدت في كل هذه الأفكار إلى النقطة نفسها، مهما ابتعدت عنها:

المركز هو الاستقرار.

والمركز هو مصدر الخلق.

وإذا اضطربت العلاقة بالمركز ظهرت الفجوات.

وإذا ظهرت الفجوات ظهر الانقطاع.

وإذا ظهر الانقطاع ظهر الاضطراب.

ومن الاضطراب يظهر الدخيل.

ومن الدخيل يأتي التلبس والاستعمار والاحتلال.

ولهذا فالبيت الحقيقي هو البيت الذي لا يستطيع الدخيل احتلاله، والإنسان الحقيقي هو الذي لا يسمح للدخيل بأن يصبح صاحب البيت.

والمقدس هو ما حافظ على صلته بالأصل، والقداسة هي الحياة الكاملة بلا انقطاع.

أما الشيطان، في هذا البناء، فهو صورة الكائن الذي فقد استمرارية علاقته بالمركز، فأصبح وجوده متناوبًا ومضطربًا، يحاول أن يعوض فقدان الأصل بتقليده واستغلال حب الآخرين له.

ولهذا فهو لا يستطيع أن يبني الاستقرار الحقيقي، وإنما يستطيع فقط أن يبني صورة تشبه الاستقرار.

وقد تكون أخطر الصور تلك التي تبدو في ظاهرها كالجنة، بينما تخفي في داخلها الخوف والاضطراب والانقطاع.

وفي المقابل، فإن الإنسان الذي يعرف سقفه، ويقبل الموت، ويحفظ جسده، ويحفظ أرضه، ويضع حدودًا لنفسه، ويعود إلى مركزه باستمرار، يكون أقرب إلى الاستقرار.

لذلك لا أرى أن المعركة الحقيقية هي بين إنسان وشيطان بالمعنى البسيط فقط، وإنما هي، في عمقها، معركة بين الترابط والانفصال، وبين الأصل والبديل، وبين الاستقرار والاضطراب.

ومن يفهم هذه المعادلة يستطيع أن يعيد قراءة كثير من الأشياء التي تبدو منفصلة عن بعضها.

التلبس، والبيت، والقداسة، والجسد، والأرض، والصلاة، والموت، والشريعة، والذكر الأصلي، كلها تعود في النهاية إلى سؤال واحد:

هل ما زال الإنسان متصلًا بمركزه، أم أن الفجوة اتسعت حتى أصبح الدخيل هو الذي يتحكم في البيت؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كاتب التدوينة
كاتب التدوينة
هذا النص هو مثال لنص يمكن أن يستبدل في نفس المساحة، لقد تم توليد هذا النص من مولد النص العربى، حيث يمكنك أن تولد مثل هذا النص أو العديد من النصوص الأخرى إضافة إلى زيادة عدد الحروف التى يولدها التطبيق.
G.M HERMES