العواقب وثمن الخطأ وحرية الإنسان بين الحياة والفساد
هل توجد عاقبة ينبغي على الإنسان أن يستعد لها أو يحذر منها؟ نعم، هناك عواقب، والإنسان الذي يعيش غير ملتفت إليها تكون عاقبته سيئة، بينما الذي يعيش متيقظًا للعواقب تكون عاقبته أخف وألطف.
وكما طرحنا سابقًا تلك القاعدة التي تبدو في ظاهرها متناقضة، لكنها في جوهرها تكشف شيئًا عميقًا: الذي يشعر بالعار ليس عليه أن يشعر بالعار، والذي لا يشعر بالعار عليه أن يشعر بالعار. فمن هو الذي ينبغي أن يشعر بالعار؟ هو الذي لا يشعر به. ومن ليس عليه أن يشعر به؟ هو الذي يشعر به.
والقاعدة نفسها تنطبق على العواقب: الذي لا يراعي العواقب يستحق أقسى العواقب، والذي يراعيها يستحق أخفها وألطفها.
ومن هنا قد يسأل الإنسان: لماذا أقيد نفسي وأنا حر؟ لماذا أضع على نفسي قيودًا في شيء أملك فيه الحرية؟
والجواب بسيط: أقيد نفسي حتى لا يقيدني غيري.
فالإنسان الذي لا يقيد نفسه بنفسه، ولا يكلف نفسه عناء البحث والمراجعة والتحقق والترقية والتزكية والوصول إلى الحقيقة، سيأتي وقت يُكلف فيه بذلك جبرًا وقهرًا، وسيحمل مقتًا ووزرًا بدل أن يختار بنفسه طريق الإصلاح.
نعم، أنا حر. ومن مظاهر حريتي أنني أستطيع الآن أن أتجاهل العواقب، وأن أتظاهر بأنني لا أرى ولا أسمع. أستطيع أن أغلف وجداني، وأن أتصرف وكأنني بلا قلب، وأن أستهلك حريتي ما دامت أمامي فسحة.
لكنني أستطيع أيضًا أن أقرر شيئًا آخر: أن أدخر حريتي.
أدخرها لليوم الذي تصبح فيه الحرية غالية، ولليوم الضيق العسير الذي لا أملك فيه هامشًا واسعًا للحركة. فالذي يستهلك حريته ونفسه دون أن يراعي العواقب، عندما تأتيه العواقب قد يجد أنه خسر نفسه وحريته معًا، ولم يعد لديه هامش ينقذ به نفسه.
وهنا يظهر معنى بالغ الأهمية: ليس كل ما أستطيع فعله الآن ينبغي أن أفعله. فالحرية ليست أن أستهلك كل إمكاناتي، وإنما قد تكون الحرية الحقيقية في أن أعرف متى أستخدمها ومتى أدخرها.
الهلوسة ووهم الخلود
ومن هذه الفكرة ننتقل إلى مسألة الهلوسة التي تحدثنا عنها سابقًا.
قلنا إن من سمات المهلوس أنه يظن نفسه خالدًا. فإذا ظن الإنسان نفسه خالدًا، فإنه لا يعود بحاجة إلى التمييز بين السم وغير السم، ولا بين الصالح والفاسد، لأنه يتعامل مع نفسه وكأنه فوق العواقب.
فالخالد، في هذا التصور، لا يحتاج إلى أن يتقصى ما يأكل أو يشرب، ولا أن يتحرى ما يدخل إلى وجوده، لأنه يظن أن شيئًا لن يستطيع أن يؤذيه.
ومن هنا فرقنا بين الوعي السليم وبين وعي الهلوسة، بل قلنا إن الهلوسة، في حقيقتها، ليست وعيًا سليمًا أصلًا؛ لأنها حالة يستغني فيها الإنسان عن ميزان الصواب والخطأ، وعن ميزان الفساد والصلاح، وعن توخي العواقب.
إن المهلوس يتعامل مع نفسه وكأنه فوق الحساب، وفوق القياس، وفوق الميزان. ولذلك يستطيع أن يتناول الفساد ويتجرعه ويفعله ويصدر عنه، لأنه يتوهم أن شيئًا لن يلحق به.
ولهذا فإن المعاقب هو الذي لا يتوخى العواقب، ومن لا يتحرى الجودة هو أصلًا في موضع العقوبة.
الشيطان ووهم النجاة من العواقب
في هذا التصور يظهر الشيطان باعتباره المثال الأوضح للهلوسة: كائن يتوهم أنه استطاع أن يثبت خلوده المزعوم من خلال تناول السموم وإيواء الفساد داخله دون أن يموت.
فهو يعيش ضد الفطرة، ويسير عكس الصواب، ومع ذلك لا ينتهي وجوده فورًا. وهذا يجعله يتوهم أنه نجا من العواقب بفضل براعته، وأنه استطاع أن ينتهك الفطرة والقداسة دون أن يدفع الثمن.
لكن بقاءه ليس دليلًا على النجاة، وإنما قد يكون في ذاته جزءًا من العاقبة.
فالشيطان، في هذا التصور، لا يعيش الحياة الحقيقية؛ إنه بين الحياة والموت. لا هو ذاق الحياة بكامل حقيقتها وقداستها، ولا هو مات وانتهى أمره. إنه عالق في حالة بينية، لأنه يريد الحياة ولا يريد مواجهة الموت، ويريد أن يهرب من الحقيقة التي تنتظره.
ومن هنا نفهم الهلوسة بوصفها محاولة للعيش بلا عواقب: أن يمارس الكائن الفساد في داخله وخارجه، ثم يتوهم أنه بذلك أثبت خلوده، وأنه لم يعد بحاجة إلى الشروط والتكاليف التي تعصمه من الزلل والعيب والفساد.
لكن النتيجة ليست حياة حقيقية، بل حياة فاسدة؛ حياة لا تبلغ كمال الحياة ولا تنتهي بنهاية الموت.
بين الذكورة والأنوثة، وبين الحياة والموت
وفي هذا السياق يمكن فهم إحدى الرموز التي طُرحت سابقًا: الشيطان بوصفه كائنًا مترددًا بين الذكورة والأنوثة.
في الرمزية التي نتحدث عنها هنا، تكون الذكورة مرتبطة بالموت، والأنوثة مرتبطة بالحياة. والشيطان هو ذلك الكائن الذي لا يريد الموت، رغم كونه في أصل وضعه ميتًا، ويريد في الوقت نفسه أن يحيا.
ولهذا يتردد بين الطرفين: بين الحياة والموت، وبين الذكورة والأنوثة.
إنه ميت لا يريد أن يموت، ويريد الحياة لكنه لا يستطيع أن يبلغها كاملة. فيظل متقلبًا بين الحالتين، لا يموت فينتهي، ولا يحيا فيتذوق الحياة كاملة.
وهنا تعود فكرة العقاب إلى الواجهة؛ فالذي علم عاقبته ثم رفض مواجهتها، يريد أن يعود إلى الحياة دون أن يدفع ثمن ما وقع فيه.
وهذا يقودنا إلى مفهوم الهلوسة باعتبارها نوعًا من الإنعاش والغيبوبة. فقد سبق أن قيل إن الهلوسة تشبه حالة المريض الموجود في الإنعاش أو الغيبوبة؛ فهو لا يعيش حياة حقيقية جديدة، وإنما يعيش حياة داخلية تتكرر فيها الذكريات وتتداخل وتتكرر المشاهد.
ومن هنا ارتبطت هذه الفكرة بفكرة التناسخ: أن يكرر الإنسان الحياة نفسها وهو يظن أنه يخوض تجربة جديدة، بينما هو في الحقيقة يعيد الشيء نفسه ويصل إلى النتيجة نفسها، لأنه هارب من عاقبته أو غير متقبل لها.
فكلما أراد الإنسان الحياة بلا عواقب، تشوهت حياته أكثر، وانخفضت جودتها أكثر، حتى يجد نفسه بين الحياة والموت: لا يريد الموت، ولا يستطيع أن يعيش الحياة الحقيقية.
العقاب الذي يصدر من الإنسان ويعود إليه
ومن هنا نفهم أيضًا صورة الرجل المعاقب والأنثى المعاقبة التي طُرحت سابقًا.
في تلك الرمزية، هناك ذكر يعاقب في الأنوثة، وأنثى تعاقب في الذكورة؛ أي إن العقاب لا يبقى في طرف واحد، وإنما ينتقل بينهما. كل واحد منهما يعاقب في الآخر، والآخر يعاقب فيه.
وهذا يقود إلى فهم الشيطان بوصفه الكائن الذي يرسل العقاب ويستقبل العقاب في الوقت نفسه.
فهو يصدر الفساد، ثم يستقبل الفساد. يرسل السم ويتجرعه. ولذلك فهو مسموم من الجهتين: من جهة ما يفعله، ومن جهة ما يعود إليه.
وهذه هي آلية الهلوسة التي تحدثنا عنها: أن يتوهم الإنسان أنه خالد، فيعتقد أنه يستطيع أن يستقبل السم دون أن يموت، وأن يرسل السم دون أن يتأذى.
لكن السم لا يختفي بمجرد أن يرسله الإنسان إلى غيره؛ بل يعود إليه بصورة أخرى.
اليأس من الصواب
وهناك قاسم مشترك آخر بين هذه الحالات كلها: اليأس الجوهري من فعل الصواب، ومن الصلاح، ومن مواجهة الحقيقة.
هذا اليأس قد لا يعلن نفسه بصورة مباشرة، لكنه يظهر في الأعين والأقوال والأفعال.
وقد يظهر في بعض السلوكيات المرتبطة بالأمراض المعدية؛ فهناك من يُصاب بمرض ثم يسعى إلى نقله إلى الآخرين، لا لأنه يريد الشفاء، وإنما لأنه استسلم لليأس وتحول ألمه إلى رغبة في إصابة الآخرين بالألم نفسه.
وهذه الصورة، في سياق الحديث، ليست المقصود بها تعميم الحكم على كل مريض، وإنما بيان نموذج محدد للإنسان الذي يستسلم للفساد حتى يتحول من متلقٍ للأذى إلى ناشر له.
وهكذا يعمل الفساد بصورة هرمية: شخص ينقل الأذى إلى عشرة، والعشرة إلى مئة، والمئة إلى غيرهم، حتى ينتشر الأذى في الجميع.
وهنا يظهر الإنسان الشيطاني في هذه الرمزية: يريد أن يكون في علاقة مع الجميع، لأنه يحمل شيئًا مسمومًا في داخله، ويريد أن ينقله إلى الآخرين حتى يعاقبوا هم أيضًا، ثم يبدأون بدورهم في نقل العقوبة إلى غيرهم.
والسبب أنه يعيش أصلًا داخل العواقب، ولذلك يصبح غير مبالٍ بها؛ فهو لا يراعي العواقب لأنه يشعر أنه يعيشها بالفعل.
السم والعقوبة التي تبدأ منذ لحظة الخطأ
ومن أهم الأفكار التي ينبغي فهمها هنا أن العقوبة لا تبدأ بالضرورة في اللحظة التي تأتي فيها النتيجة النهائية للخطأ.
فالسم، بمجرد تناوله، يكون قد بدأ أثره.
إذا تناول الإنسان السم، فليس صحيحًا أن العقوبة تبدأ بعد فترة عندما تظهر النتيجة؛ بل إن تناول السم نفسه هو دخول في العقوبة.
وبالمعنى الرمزي الذي نتحدث عنه، الإنسان الذي تناول السم دخل بالفعل في العاقبة، ثم أصبح أمام خيارين: إما أن يطرد السم ويطهر نفسه منه، وإما أن يتحول إلى بؤرة للسم وينقله إلى الآخرين.
فإن رفض السم، بدأ طريق العودة إلى حالته الأصلية قبل العقوبة.
أما إذا آواه في داخله وساهم في انتشاره، فإنه لا يتخلص منه، بل يصبح جزءًا من انتشاره، وتزداد عواقبه.
وليس معنى ذلك أن الإنسان يستفيد من انتشار السم؛ بل العكس. فكلما انتشر الألم، شعر به من يتألمون، لأن المعاقب لم يفقد حواسه ولم يتحرر من أثر ما يصدر عنه.
ولهذا فإن أفضل ما يمكن فعله هو رد السم بدل نشره.
لكن رد السم ليس أمرًا سهلًا، لأن السموم التي نتحدث عنها هنا ليست على مستوى واحد.
دفع ثمن الخطأ
وهنا نصل إلى مسألة أساسية: دفع ثمن الخطأ.
ما هو ثمن الخطأ؟
ثمن الخطأ هو التوقف عنه وإصلاحه.
إذا أخطأت، فالثمن الأول الذي ينبغي أن تدفعه هو أن تتوقف عن الخطأ. وإذا كان بإمكانك إصلاح ما أفسدته، فأصلحه. وإذا لم تستطع إصلاحه بالكامل، فعلى الأقل توقف عن الاستمرار فيه.
هذا هو الثمن.
أما أن يستمر الإنسان في الخطأ ثم يساهم في انتشاره، فهذا لا يخرجه من العقوبة، بل يدخله في عواقب إضافية.
وهنا يظهر أحد الفروق الأساسية بين الإنسان الذي يريد النجاة من الخطأ والإنسان الذي يريد الهروب من ثمنه.
فالشيطان، في هذا التصور، لا يريد دفع الثمن.
إنه يريد أن يحصل على النتيجة دون أن يخضع للشروط التي تجعل النتيجة مستحقة. يريد أن يأخذ دون أن يدفع، وأن يخطئ دون أن يتحمل، وأن يعيش دون أن يراعي العواقب.
لماذا تُرفض الشروط؟
الشروط، في هذا التصور، هي التي تعطي الأشياء حجمها الحقيقي.
ولهذا يهرب الشيطان من الشروط؛ لأن الشروط تقيده وتعيده إلى حجمه الحقيقي.
فإذا قامت الشروط، فلا يستطيع أن يناور كما يريد. ولكي يستطيع أن يأكل ويشرب ويتغذى ويتصرف بلا حدود، لا بد أن يطعن في الشروط نفسها.
وهنا نفهم لماذا تصبح العلاقات غير المشروطة، في هذا السياق، فكرة محورية.
فالعلاقة الجنسية الحرة العابرة، أو العلاقة التي لا تحكمها شروط وضوابط، تُقدَّم هنا بوصفها علاقة فاسدة؛ ليس لأن الخطأ مستحيل أو لأن الإنسان لا يخطئ، وإنما لأن إزالة الشروط وإزالة الثمن وإزالة القياس والميزان تجعل العلاقة بلا حدود تحميها من الفساد.
ولا يتعلق الأمر بالتسمية: سواء سُميت حبًا غير مشروط، أو حبًا حقيقيًا، أو علاقة حرة، فالمهم هو آليتها.
فإذا كان الطرفان يحملان طاقة جنسية فوضوية وعشوائية ومفتوحة وغير منضبطة وغير بناءة وغير مثمرة، ثم اجتمعا في علاقة لا تحكمها شروط السلامة والوقاية والطهارة والبناء والنظام، فإن العلاقة تتحول، وفق هذا التصور، إلى علاقة عابرة وفوضوية وغير بناءة وغير مثمرة.
المشكلة هنا ليست في مجرد وقوع الإنسان في الخطأ؛ فالإنسان يخطئ، والجميع يخطئون. لا يوجد إنسان لا يخطئ.
المشكلة الحقيقية هي في السقوط وعدم النهوض.
السقوط ليس النهاية
هناك إنسان يسقط ثم ينهض، وإنسان يسقط ويبقى يسقط.
هناك من يسقط عن معاييره ثم ينتبه ويعود، وهناك من يستمر في السقوط حتى يصبح السقوط نفسه صفته.
قد يفيق الإنسان في منتصف الطريق، وقد يفيق بعد مدة، ولكل إنسان لحظته التي يدرك فيها ما حدث.
ولهذا لا ينبغي للإنسان أن يسمح للخطأ بأن يقنعه بأن الخطأ نفسه هو قدره النهائي.
فالشيطان يريد أن يقنع الإنسان بأنه إذا أخطأ فقد انتهى، وأنه لم يعد هناك معنى للعودة. ثم يدفعه إلى الغرق أكثر فأكثر، حتى يصبح غير قادر على الخروج، ويتحول من إنسان أخطأ إلى شريك في نشر الخطأ.
لكن ما دام الإنسان قادرًا على الخروج، فعليه أن يخرج.
إذا كنت لا تزال قادرًا على الخروج من الغرق، فهذا هو الوقت المناسب.
أما إذا استمريت في الغرق، فقد تصل إلى مرحلة تصبح فيها غير قادر على الخروج، وعندها قد تتحول إلى شخص يعاقب نفسه ويعاقب الآخرين ويعاقب كل من يقع في طريقه.
الخلاصة: ادفع الثمن وامضِ
إذا كنت لا تريد أن تعاقب نفسك أكثر، فلا تظلم نفسك أكثر مما ظلمت.
ادفع الثمن.
إذا كان الثمن هو الندم، فاندَم. وإذا كان الثمن هو الإصلاح، فأصلح. وإذا كان الثمن هو الخسارة، فتحمل الخسارة. وإذا كان المطلوب أن تتوقف، فتوقف.
المهم ألا تستمر في الخطأ، وألا تجعل من خطئك مصدرًا لخطأ جديد، وألا تحول السم الذي دخل إليك إلى سم تنقله إلى غيرك.
فالحرية ليست أن تفعل كل ما تستطيع فعله، وإنما أن تعرف عواقب ما تفعل، وأن تختار بنفسك قبل أن تضطر إلى الاختيار.
والحكمة ليست في ألا تخطئ أبدًا؛ فهذا غير ممكن. الحكمة في أن تنتبه عندما تخطئ، وأن تتوقف عندما تدرك خطأك، وأن تصلح ما تستطيع إصلاحه، وأن تدفع ثمن الخطأ بدل أن تهرب منه.
لأن الإنسان الذي يراعي العواقب يخفف عواقبه، بينما الذي يرفض النظر إليها يستهلك حريته حتى يأتي اليوم الذي لا يبقى له فيه هامش للحركة.
لذلك، ما دمت قادرًا على الخروج من الغرق، اخرج الآن.
لا تنتظر أن يصبح الخروج مستحيلًا.
فالخطأ يمكن أن يقع، والسقوط يمكن أن يحدث، لكن الاستمرار في السقوط هو الذي يحول الخطأ إلى مصير.
ادفع الثمن، أصلح ما تستطيع، توقف عن نشر ما أفسدك، ثم امضِ.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق