إذا كان هناك شيء ينبغي للإنسان أن يتعلمه في طريق العروج والرشاد، فهو كيف يخدم نفسه، وكيف يربي نفسه على أن تخدم ذاتها دون أن تجعل وجودها متوقفًا على خدمة الآخرين لها. فالإنسان حين يخدم الإله الحقيقي إنما يخدم ذاته في أكمل صورة وأحسن طريق وأرقى منزلة؛ لأن الإله، بحكم غناه، لا يحتاج إلى خدمة أحد.
ومن هنا يبدأ فهم أصل كثير من الشرور. فالفساد ينطلق من حاجة النفس إلى من يخدمها ويعبدها ويقدسها ويعظمها. غرور النفس هو أصل الشرور؛ لأن النفس المغرورة تريد أن تتفوق على غيرها، وأن تصبح محور الآخرين، وأن تتأله عليهم بتأله مزيف. ولذلك تبقى في حاجة دائمة إلى من يشعرها بأهميتها وقيمتها ويذكرها بمكانتها.
المشكلة إذن تبدأ عندما تفتقر النفس إلى من يغذيها. فإذا تغذت النفس من الآخرين أصبحت مفتقرة إليهم، أما إذا تغذت من الإله الحق أصبحت غنية عنهم. ومن يخدم نفسه لا يحتاج إلى أحد كي يمنحه قيمته.
لهذا تكون النفس التي تريد أن يخدمها غيرها نفسًا ضالة؛ لأنها رفضت خدمة نفسها، وأرادت أن تجعل غيرها في خدمتها. وهي تحتاج، مع ذلك، إلى الإرشاد والتذكير، لأن طبيعة النفس الغفلة والنسيان. ولذلك تتدرج في مراحل تستعيد من خلالها تذكر أن عليها اتباع الإله الحق؛ لأن خروجها من هذه الدائرة يجعلها عرضة للضياع والاستنزاف والسرقة والاختراق.
اتباع الإله الحق، في هذا التصور، ليس لأن الإله يحتاج إلى أتباع، وإنما لأنه الوسيلة التي تحافظ بها النفس على نفسها.
الإله الذي لا يحتاج إلى أحد
الإله الحق لا يحتاج إلى من يتبعه أو يعبده أو يخدمه؛ لأنه، في ذاته، مكتفٍ بذاته. هو تابع لنفسه، أو خادم لذاته، أو عابد لذاته، بمعنى أنه لا يستمد كماله من الخارج.
فلو كان الإله لا يكون إلهًا إلا بخدمة الآخرين له، لكان محتاجًا إليهم، وإذا كان محتاجًا إليهم فلا يكون إلهًا حقًا. أما الإله الحق فهو القاصد لنفسه والمقصود من طرف نفسه.
ومن هنا يمكن فهم معنى آخر مهم: الإله منغلق في دائرته.
هذه الدائرة مكتملة ومحصنة، لا تضيع ولا تنسى ولا تغفل ولا يدخلها عيب من خارجها. وعندما نقول إن الإله منغلق على نفسه، فهذا ليس نقصًا في الانفتاح، بل هو نتيجة لوحدانيته؛ فلا يوجد آخر مستقل عنه حتى يحتاج إلى الانفتاح عليه.
الإله ليس منفتحًا على آخر، لأنه لا يوجد آخر في هيكله الأصلي. هو المحيط، وإحاطته تعني اكتمال الدائرة وإغلاقها.
ولهذا أرى أن الإنسان إذا أراد معرفة الإله، فعليه أن ينغلق على نفسه أيضًا، لا بمعنى العزلة عن العالم بصورة عمياء، وإنما بمعنى الرجوع إلى الذات وحمايتها من كل ما يسرقها ويشتتها. فالانفتاح غير المنضبط قد يجعل النفس تفقد نفسها بنفسها، وما الذي يسرق النفس أكثر من غيرها؟ هموم التغيير المستمر، والرغبة في أن تكون شيئًا آخر، وملاحقة ما يعرضه الآخرون عليها؟
الانفتاح بوصفه طُعمًا للنقص
من هنا يمكن فهم الاعتراض على الانفتاح المعاصر والعولمة. فحين يقال للإنسان باستمرار إنه ناقص ما لم ينفتح، وإن المجتمع متخلف ما لم يتشبه بغيره، وإن الدولة لن تتقدم إلا إذا فتحت حدودها وقيمها وثقافتها لكل ما يأتيها، يتحول الانفتاح إلى أداة لإشعار الإنسان بالنقص.
يقال لك: إذا لم تكن منفتحًا فأنت متراجع، وإذا لم تأخذ هذه الموضة فأنت متخلف، وإذا لم تتبنَّ هذه الثقافة فقد فاتك الكثير.
لكن هل فاتك فعلًا شيء؟
كثير مما يقدم على أنه جديد ليس جديدًا إلا في شكله؛ إنه إعادة إنتاج وتزيين لما هو موجود أصلًا. ولذلك فإن الإنسان الذي يبحث عن الهداية والرشاد عليه أن ينتبه إلى هذه الآلية: هل أنا أريد الشيء لأنه نافع فعلًا، أم لأنني أُقنعت بأنني ناقص بدونه؟
الانغلاق صعب، لأن النفس متطلبة ولحوحة وغافلة. وهذا ينطبق على الفرد والمجتمع والدولة. وفي عصر الانفتاح يبدو الجميع مستنزفين، ضائعين، مفككين، مخترقين، وغير محصنين.
ومع ذلك، إذا كانت مصلحة الإنسان العليا هي حماية نفسه وسيادته، فلا بد أن يتعلم كيف يغلق الأبواب أمام ما يفسده.
الخلط الذي يمحو الأصالة
هناك نوع من الانفتاح لا ينتج معرفة حقيقية، بل ينتج خليطًا هجينًا: قليل من هذا الدين، وقليل من تلك الثقافة، ومجموعة من المشاعر والأفكار والمبادئ المتناقضة، ثم يقدم كل ذلك على أنه تقدم وتسامح وانفتاح.
وفي النهاية تحصل على منظومة فيها كل شيء، ولذلك لا يوجد فيها شيء أصيل.
إنها ثقافات ممزوجة بطريقة سطحية، وأديان مختلطة، ومشاعر مصطنعة، وأفكار منزوعة من جذورها. وهذا الخليط قد يغري البسطاء، بينما يدرك أولوا الألباب أن الأصالة لا تقوم على جمع كل شيء، بل على معرفة ما الذي ينبغي أخذه وما الذي ينبغي تركه.
والتيارات التي تدفع نحو هذا النوع من الانفتاح قد تستفيد منه اقتصاديًا وسياسيًا وثقافيًا، لكنها في الوقت نفسه تهدم حصونها الخاصة. فالانفتاح الذي يزيل الحدود والمبادئ والخصوصية قد يتحول في النهاية إلى انحلال.
وقد يصل الأمر إلى الانتحار الفكري والثقافي والاقتصادي والسيادي. فمن يبيع أرضه مثلًا للأجنبي مقابل المال قد يظن أنه اكتسب ثروة، بينما يكون قد خسر شيئًا أكبر من المال: جزءًا من سيادته.
المال المصطنع والوفرة الوهمية
ومن هنا تأتي مسألة المال في عصر الانفتاح.
هناك فرق بين المال الذي يأتي نتيجة العمل الحقيقي، وبين المال الذي يتحول إلى غاية في ذاته. وسيكون لهذه المسألة مجال آخر للحديث عن التحولات الاقتصادية التي حدثت منذ الاتفاقيات الاقتصادية في القرن الماضي وصولًا إلى المال الإلكتروني والافتراضي.
فحين يصبح المال افتراضيًا بالكامل، يصبح من الضروري أن ينتبه الإنسان إلى معنى كلمة «افتراضي»: إنه شيء غير ملموس، وقد يبدو مضمونًا لأن الجمهور يتعامل معه على أنه مضمون، لكنه ليس بالضرورة كذلك.
والإنسان الذي يبيع أرضه أو سيادته أو قراره مقابل أرقام أو أوراق قد يظن أنه حصل على شيء، بينما قد يكون قد دخل في عملية استنزاف اقتصادي طويلة.
إن النظام الذي يجعل الإنسان يلهث وراء الرفاهية المستمرة قد يقدم له حياة فاخرة في ظاهرها، لكنها قد تكون في جوهرها طريقًا إلى فقدان الذات.
المال الذي يشترط عليك التخلي عن حصنك
ومن أكثر الأفكار انتشارًا أن المال يتبع الانفتاح، وأن الإنسان كلما فتح نفسه وحدوده للآخرين جاءته الوفرة.
لكن ما نوع المال الذي يأتيك مقابل أن تنزع حدودك وحصنك؟
إذا كان المال مشروطًا بأن تتخلى عن قرارك وسيادتك، فهو مال مفسد؛ لأنه لا يعطيك استقلالًا، بل يجعلك تابعًا لمن يمنحك إياه.
المال الفاسد هو المال الذي يبتزك لكي تبقى بلا درع، بلا حصن، وبلا قرار. وكأن الرسالة تقول لك: سنعطيك المال ما دمت تسمح لنا بالدخول إلى طاقتك وقراراتك وحياتك، أما إذا أغلقت حدودك فسنسحب عنك هذه الوفرة.
وهنا يجب أن نسأل: هل هذه الوفرة فعلًا وفرة؟
خمس أحذية؟ عشر سراويل؟ هاتف جديد؟ حقيبة من علامة تجارية؟ المزيد والمزيد من المنتجات؟
ما الذي ستفعله بكل ذلك؟
قد يكون الأمر مجرد أرقام وسلع ومنتجات، بينما القيمة الحقيقية التي تخسرها هي قدرتك على الاختيار.
الإنسان الذي تحول إلى مستهلك
حين تظهر السلعة الجديدة فيسارع الإنسان إلى شرائها، ثم يظهر الفستان الجديد فيشتريه، ثم الهاتف الجديد فيشتريه، فهو لا يتصرف بالضرورة وفق حاجته، بل وفق ما يفرضه عليه السوق.
ما الفرق الحقيقي بين فستان العام الماضي وفستان هذا العام إذا كانت الفروق هامشية؟ وما الفرق الجوهري بين هاتف وآخر إذا كانت الفروق في كثير من الحالات محدودة؟
المشكلة ليست في شراء الأشياء، وإنما في أن يصبح الإنسان عبدًا لها.
وعندما يفقد الإنسان قراره، يصبح السوق هو الذي يقرر عنه: ماذا يأكل، ماذا يلبس، ماذا يستخدم، وماذا يجب أن يريد.
حتى مفهوم «الترند» يمكن أن يتحول إلى أداة لصناعة الرغبة. فما يقال عنه رائج ليس بالضرورة نافعًا، وما يقال عنه فاخر ليس بالضرورة ذا قيمة.
بل قد تصبح أنت نفسك السلعة.
يُحوَّل الرجل إلى بائع، وتُحوَّل المرأة إلى سلعة، ثم يُقنع الجميع بأن هذا هو النظام الطبيعي للحياة.
حين يصبح المظهر بديلًا عن الذات
ومن الأمثلة على ذلك المبالغة في صناعة المظهر، وخاصة حين يقدم للمرأة خطاب يقول لها: دللي نفسك، ضعي المزيد من مستحضرات التجميل، غيري نفسك، زيدي «استحقاقك»، وافتحي «طاقة الاستقبال» لديك.
المشكلة ليست في مستحضر بعينه، وإنما في الفكرة التي تقول للإنسان إن عليه أن يغير نفسه ويزيفها حتى يحصل على ما يريد.
ما معنى أن تغير نفسك لكي تستقبل شيئًا؟
وما معنى أن يصبح «الاستحقاق» قائمًا على التزييف بدل البناء الحقيقي؟
الاستحقاق الحقيقي، إن كان لهذا المفهوم معنى، ينبغي أن يقوم على بناء القيمة، لا على الكذب على النفس أو الآخرين.
أما أن يقال للإنسان: لا تقل الحقيقة، غيّر الكلمات، زيّف صورتك، تصرف وكأنك تملك ما لا تملك، فهذا يعني أن النظام نفسه قائم على الكذب.
التسويق بوصفه سحرًا
حتى أبسط المنتجات يمكن أن تدخل في هذه المنظومة.
الصابون، مثلًا، في جوهره منتج بسيط يقوم على تفاعل كيميائي بين مواد معروفة. ومع ذلك يمكن أن يتحول في الإعلان إلى منتج خارق، ويُحمّل بوعود نفسية وعاطفية ضخمة.
تتغير الرائحة أو بعض المكونات أو الشكل، ثم تبدأ المبالغة: هذا الصابون سيمنحك إحساسًا معينًا، وسيغير حياتك، وسيجعلك شيئًا آخر.
في هذه اللحظة لا تعود التجارة حول المنتج السليم، بل حول المنتج الأكثر قدرة على الخداع البصري والنفسي.
وهذا يشبه نوعًا من «سحر التسويق»: تغيير اللون، والتغليف، واللغة، والصورة، حتى ينجذب الإنسان.
والنتيجة أن الإنسان المعاصر أصبح يظن أنه عاجز عن صنع أبسط الأشياء بنفسه، وأن كل شيء يجب أن يأتيه من شركة، ومن مصنع، ومن الخارج.
حتى الصابون الذي يمكن إنتاجه بوسائل بسيطة يتحول إلى سلعة معقدة في ذهن المستهلك.
وهكذا يصبح الإنسان مستهلكًا فقط.
هوس الثراء
المشكلة الأخرى أن الجميع يريد أن يصبح تاجرًا وثريًا. حتى التنافس على الثراء أصبح أحيانًا بلا معنى.
المال ليس عيبًا، بل المال الذي يأتي نتيجة العمل الحقيقي مرحب به. لكن عندما يتحول المال إلى هدف وغاية نهائية، يفقد الإنسان معنى وجوده.
أن تقول: «أنا فقير، لذلك لا قيمة لي»، يعني أنك منحت الآخرين الإذن بإهانتك. أنت بذلك تقول إن قيمتك لا توجد إلا في المال.
هل المال هو المقياس الكوني للإنسان؟
إذا أصبح كذلك، فسيكون العالم محكومًا بمن يملك أكثر، وسيُنظر إلى بقية البشر باعتبارهم أقل قيمة.
وهذه نظرة تقود في النهاية إلى عالم لا مكان فيه إلا للأثرياء.
لكن الإنسان الذي يملك البصيرة يدرك أن المال نتيجة، وليس جوهرًا.
الاستحقاق الحقيقي ليس كلامًا
كثير من الخطاب المعاصر حول «الاستحقاق» يقوم على تزييف الاستحقاق بدل بنائه.
بدل أن يسأل الإنسان: كيف أبني قيمتي الحقيقية؟ يصبح السؤال: كيف أبدو وكأنني أستحق؟
وهنا يدخل الكذب إلى العلاقات والعمل والتجارة.
حتى بعض الملفات المهنية تُبنى على عبارات ضخمة: مهارات خارقة، قدرات استثنائية، خبرات لا تنتهي، وكأن صاحب الملف قادر على حل مشكلات العالم، بينما قد لا يملك في الحقيقة إلا مهارة واحدة: مهارة الكذب والتسويق لنفسه.
لكن المشكلة أن الكذب قد يكون حلًا مؤقتًا، لكنه لا يحل المشكلة الحقيقية، بل يزيدها.
وهذا يظهر بوضوح في السياسة العالمية؛ فالكذب المستمر لا يصنع عالمًا أفضل. وإذا كان الرئيس يكذب، والحكومة تكذب، والمؤسسات تكذب، فكيف يمكن للمجتمع أن يصل إلى حل حقيقي؟
الديمقراطية لا تحل المشكلة بمجرد أن ينتخب الناس شخصًا. إذا كان المنتخب كاذبًا، فالناس لم ينتخبوا الحل، بل انتخبوا كاذبًا حصل على ثقتهم من خلال الزخرف والخداع.
الاستحقاق الحقيقي يظهر عند النار
عندما تقع الأزمة، يظهر الفرق بين الاستحقاق الحقيقي والاستحقاق المصطنع.
حين تشتعل النار في الغابات، لا تنفع الكلمات عن الاستحقاق والوفرة والطاقة. الذي يطفئ النار هو من يستطيع تحمل الحرارة والعمل والفصل بين ما يمكن إنقاذه وما يجب عزله.
النار إذا تركت تكبر، تنتقل من الغابة إلى المنازل والثروة الحيوانية والبشر، وقد تفني مدينة أو ولاية كاملة.
وهكذا يمكن النظر إلى الفتنة والانحراف الفكري والاجتماعي: إذا لم توجد جماعة أو أفراد قادرون على إغلاق الأبواب أمام النار، فإنها تنتشر وتحرق الأخضر واليابس.
والذين يهربون من النار لا يطفئونها.
الاستحقاق الحقيقي ليس أن تقول إنك تستحق حياة فاخرة، بل أن تثبت جدارتك عندما يحتاج الأمر إلى التحمل والعمل وحل المشكلات.
الثابت هو المستحق.
ومن يقف مع الحق رغم علمه بأنه سيخسر، ويظل ثابتًا دون مقابل، هو الذي يجسد معنى الجدارة والثبات والإخلاص.
من يقف مع الحق؟
هذه النقطة تقود إلى سؤال أعمق: كيف نعرف الحق؟
ليس بالمظاهر، ولا بالأسماء، ولا بالانتماءات التي يكتبها الإنسان في سيرته أو في وصف حسابه.
قد يقول شخص إنه ينتمي إلى هذا المذهب أو ذاك، أو يرفع شعارًا دينيًا معينًا، لكن ذلك كله لا يكفي لمعرفة أين يقف الحق.
المعيار الحقيقي هو الموقف.
إذا وجدت إنسانًا شهمًا، صادقًا، مخلصًا، ثابتًا، يحفظ الحياء والمروءة، ولا تسمح له شهواته بأن تجره حيث تريد، فهذه الصفات تقول شيئًا عن الطريق الذي يسير فيه أكثر مما تقوله الأسماء.
فالإنسان الوقح، المتقلب، الذي تحركه الشهوة والمصلحة، والذي يتحالف مع الجميع ما عدا الحق، يصعب أن يكون ثابتًا مع الحق.
أما من يثبت عندما يكون الثبات مكلفًا، ويخسر في سبيل موقفه، ويعرف أنه قد يدفع ثمنًا غاليًا ثم لا يتراجع، فهنا يظهر معنى الوقوف مع الحق.
وهذا هو الإنسان الذي يحتاج إليه الآخرون.
فإذا كان حقك سيضيع، هل تحتاج إلى شخص يخاف ويهرب، أم إلى شخص يقف معك لأنه يرى الحق حقًا؟
نعم، يوجد هذا الإنسان.
الحياة التي لا يفهمها منطق المصلحة
كثير من الناس لا يستطيعون فهم منطق من يضحي بمصلحته في سبيل مبدأ، لأنهم ينظرون إلى الحياة من داخل حساب مختلف.
بالنسبة إليهم، رأس المال هو كل شيء، والخسارة في هذه الحياة هي أسوأ ما يمكن أن يحدث.
لكن الإنسان الذي يرى أن الحياة مؤقتة، وأن كل ما فيها ينتهي، يستطيع أن يتعامل معها بمنطق مختلف.
كم سيعيش الإنسان؟
خمسين سنة، أو أكثر أو أقل.
وماذا سيأخذ معه؟
لا شيء.
حتى الشبع ينتهي، والمال ينتهي، والملك ينتهي، والسلطة تنتهي، والجسد ينتهي.
ولهذا فإن من يضحي بشيء دنيوي في سبيل ما يراه حقًا قد لا يكون غبيًا كما يظن الآخرون، بل قد يكون لديه منطق آخر في تقييم الأشياء.
ربما رأى شيئًا لم يروه.
وربما امتلك علمًا أو حكمة أو رؤية جعلته يحتقر الزخرف الذي يتنافس عليه الآخرون.
لماذا لا يتنافس بعض الناس على الدنيا؟
وهنا يأتي السؤال الذي قد يغير نظرة الإنسان كلها:
إذا كان هذا الإنسان قويًا وشجاعًا وذكيًا، فلماذا لا يتنافس على السلطة؟
لماذا لا يبحث عن الملك؟
لماذا لا يسعى إلى المال؟
لماذا لا يريد الشهرة؟
لماذا لا يخاف من الخسارة؟
إذا كان قادرًا على المنافسة ثم اختار ألا ينافس، فلماذا؟
هذا السؤال مهم؛ لأن الإجابة عنه قد تكشف شيئًا عن الحياة نفسها.
ربما لم يكن هذا الإنسان غبيًا.
ربما كان يعرف شيئًا لا تعرفه.
ربما امتلك علمًا أو حكمة أو وصية جعلته يرى أن الحياة التي يلهث الناس خلفها ليست كما تبدو.
ومن هنا تأتي النصيحة: انظر دائمًا إلى الجهة التي لا يريدونك أن تنظر إليها.
واسأل السؤال الذي يزعزع السحر.
النفس التي يجب أن تتغلب على غريزتها
من أكثر الأشياء التي ينبغي أن يعرفها الإنسان أنه قادر على تجاوز غريزته وشهوته وطبيعته المباشرة.
المنظومة الكاذبة لا تريد للإنسان أن يعرف ذلك.
تريدك أن تظن أنك عبد لشهوتك، وأنك لا تستطيع إلا أن تتبع رغبتك، وأن الحياة لا يمكن أن تكون إلا بما تريده نفسك الآن.
لكن التاريخ، في هذا التصور، يخفي نماذج لإنسان استطاع أن يرفض شهوته، وأن يتجاوز غريزته، وأن يقف مستقيمًا عندما كان بإمكانه أن ينحني.
وهذا هو السؤال الذي ينبغي طرحه:
لماذا احتقر هذا الإنسان الدنيا بينما كان قادرًا على امتلاكها؟
لماذا لم ينافس على السلطة؟
لماذا لم يلهث خلف المال؟
لماذا لم تغره مظاهر الحياة؟
هل كان غبيًا؟ أم كان يرى شيئًا لا نراه؟
إذا بدأ الإنسان يطرح هذه الأسئلة، تبدأ صور كثيرة في داخله بالتغير.
الدين والمظهر والجوهر
وهنا نصل إلى مسألة الدين، وهي من أكثر المسائل حساسية.
المشكلة ليست في الدين من حيث المبدأ، وإنما في الطريقة التي يمكن أن يتدخل بها التحريف والتضليل في أي منظومة.
حين تتدخل السلطة، والمصالح، والكذب، والتحالفات، يصبح من الضروري أن يعود الباحث إلى الأصل وأن يسأل: ما الذي حدث فعلًا؟
في التاريخ الديني، لا ينبغي للباحث أن يصدق كل شيء تلقائيًا ولا أن يكذب كل شيء تلقائيًا. عليه أن يقرأ ويتفحص، وأن يتتبع الأحداث والتحالفات والمواقف والنتائج.
ليس الهدف هنا أن نقرر حكمًا تاريخيًا جاهزًا، وإنما أن ندرك أن قراءة الأحداث بتفحص قد تكشف طبقات لا تظهر في القشرة الأولى للرواية.
فالتحريف لا يستطيع إخفاء كل الآثار.
لا توجد جريمة كاملة تخفي كل الأدلة، ولا توجد كذبة كاملة تمحو كل آثارها.
ومن يريد معرفة الحقيقة عليه أن يتتبع الآثار.
هل كل المذاهب سواء؟
قد يقال إن الحقيقة لا تنتمي إلى أي مذهب أو فرقة أو جماعة.
لكن من الناحية العقلية يمكن طرح سؤال مختلف: هل من الضروري أن تكون جميع الفرق متساوية في الحق؟
إن الانقسامات الدينية لم تظهر من فراغ. هناك نزاعات على الشرعية، واختلافات داخل الأجنحة المختلفة، ثم تفرعت الاختلافات حتى ظهرت الفرق والمذاهب التي نعرفها اليوم.
ومن هنا لا يلزم عقليًا أن تكون النتيجة هي: «لا توجد جماعة على الحق».
بل يمكن أن تكون هناك جماعة أو طريق أو مذهب أقرب إلى الحق من غيره، حتى لو لم نسمِّه هنا باسم محدد.
المهم ألا يتحول اختلاف الفرق إلى ذريعة تجعل الإنسان يعتقد أن الحقيقة غير موجودة أصلًا.
في كل دين، وفي كل جماعة، يمكن أن يوجد المخلصون والصالحون والثابتون، كما يمكن أن يوجد الكاذبون وأصحاب الأهواء.
وهؤلاء الذين يقولون إن لا أحد على الحق قد يكونون، في بعض الحالات، من أكثر الناس إسهامًا في إخفاء الحقيقة؛ لأنهم يجعلون الإنسان يتوقف عن البحث أصلًا.
الحق لا يحتاج إلى الزخرف
إذا أردت أن تعرف الطريق الصحيح، فلا تبدأ من الاسم.
ابدأ من الجوهر.
لا تسأل فقط: ماذا يكتب هذا الشخص في وصفه؟ وما المذهب الذي ينتمي إليه؟ وما الشعار الذي يرفعه؟
بل اسأل: كيف يتصرف عندما يكون مع الحق وكل شيء ضده؟
هل يبقى ثابتًا؟
هل يتحمل الخسارة؟
هل يلتزم بالمبدأ عندما لا يحصل على مقابل؟
هل يحافظ على المروءة والصدق والحياء؟
هل يستطيع أن يرفض شهوته عندما تتعارض مع ما يراه حقًا؟
هنا يبدأ ظهور الحقيقة.
فالحق مع من يكون معه، ومن يكون مع الحق.
والإنسان الذي يثبت مع الحق رغم الخسارة أقرب إلى معنى الحق من الإنسان الذي يغير مواقفه كلما تغيرت مصالحه.
الانغلاق بوصفه تحصينًا
وهكذا نعود إلى نقطة البداية: النفس.
إذا أراد الإنسان أن ينقذ نفسه من هذه المنظومة، فعليه أن ينسحب من المستنقعات التي تستنزفه، وأن يطبق مبدأ الانغلاق تجاه الجهات والتيارات التي تفسده.
ليس المقصود أن يجهل العالم، ولا أن يرفض كل جديد لمجرد أنه جديد، بل أن يمتلك حصنًا داخليًا لا يسمح لكل شيء بالدخول.
لأنك ما دمت فاتحًا خطوط العرض والطلب مع كل شيء، فسيكون من الصعب أن تحافظ على نفسك.
التحصين ليس خوفًا.
والانغلاق ليس ضعفًا.
بل قد يكون الانغلاق في بعض المواضع هو أعلى درجات السيادة.
فالبيت الذي لا أبواب له ليس بيتًا منفتحًا، بل بيت بلا حماية.
والدولة التي لا حدود لها ليست بالضرورة دولة متقدمة، بل قد تكون دولة فقدت القدرة على حماية قرارها.
والإنسان الذي لا يملك حدودًا داخلية ليس بالضرورة متسامحًا، بل قد يكون إنسانًا مستباحًا.
نار الانفتاح حين تترك بلا إغلاق
يمكن أن نضرب مثالًا بالنار.
إذا اشتعلت نار صغيرة في غابة، وكان هناك من يستطيع إغلاق مسارها وعزلها، فمن الممكن السيطرة عليها.
لكن إذا هرب الجميع وتركوا النار، فإنها تكبر.
ثم تنتقل إلى الأشجار، ثم إلى المنازل، ثم إلى الثروة الحيوانية، ثم إلى البشر، وقد تتحول إلى كارثة واسعة.
وهكذا يكون الانفتاح غير المنضبط عندما يتحول إلى منظومة تستقبل كل شيء بلا حدود.
النار لا تسأل ما الذي تحرقه.
والمنظومة التي لا تملك قدرة على الفصل بين الطيب والخبيث، والسليم والفاسد، ستلتهم كل شيء.
لذلك فإن المسؤولية تقع على من يستطيع التحمل والفصل.
ليس على من يهرب.
لا تجعلوا الدجالين يحددون لكم قيمة أنفسكم
وفي النهاية، لا ينبغي للإنسان أن يسمح للمنظومة أن تقنعه بأنه ناقص.
لا تحتاج إلى أن تبيع نفسك كي تحصل على المال.
ولا تحتاج إلى أن تفقد حدودك كي تحصل على القبول.
ولا تحتاج إلى أن تغير حقيقتك كي تبدو مستحقًا.
ولا تحتاج إلى أن تصبح عبدًا للسوق كي تشعر أنك حي.
ولا تحتاج إلى أن تشتري كل ما يقال لك إنه ضروري.
ولا تحتاج إلى أن تجعل المظهر بديلًا عن الجوهر.
ولا تحتاج إلى أن تجعل المال مقياسًا لقيمتك.
إن القيمة الحقيقية تظهر عندما يستطيع الإنسان أن يخدم نفسه، ويحفظ نفسه، ويحصن نفسه، ويقف مع الحق حتى عندما يكون ذلك مكلفًا.
فالاستحقاق الحقيقي ليس أن تقول: «أنا أستحق».
الاستحقاق الحقيقي أن تثبت أنك قادر.
والقوة الحقيقية ليست أن تحصل على كل شيء.
القوة الحقيقية أن تستطيع أن تقول «لا» عندما يحاول العالم أن يأخذ منك ما لا تريد أن تعطيه.
والسيادة الحقيقية ليست أن تملك الآخرين.
السيادة الحقيقية أن يكون قرارك ملكك.
والانغلاق الحقيقي ليس أن تغلق عقلك.
إنه أن تغلق الأبواب التي يدخل منها ما يسرق عقلك وقيمك وقرارك.
أما الانفتاح الذي يجعلك تابعًا، ويستنزفك، ويحولك إلى مستهلك، ويخلط هويتك، ويجعلك محتاجًا دائمًا إلى الآخرين كي تشعر بقيمتك، فليس انفتاحًا بالمعنى الذي يستحق الإعجاب.
إنه اختراق.
ولهذا، عندما تريد أن تفهم الحقيقة، لا تنظر فقط إلى الجهة التي يطلب منك الجميع النظر إليها.
انظر إلى الجهة التي لا يريدونك أن تنظر إليها.
واسأل السؤال الذي لا يريد السحر أن تسمعه.
فربما يكون السؤال الصحيح وحده كافيًا لزعزعة الوهم كله.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق