هناك زمن أصلي، وهناك أزمنة مستحدثة، مصطنعة وكاذبة. ومسار الحضارة البشرية، وفق هذا التصور، يتجه نحو تغيرات خطيرة فيما يتعلق بالزمن نفسه. فنحن ننحرف تدريجيًا نحو زمن مصطنع وغير حقيقي، ومن خلاله نختبر أحداثًا غير حقيقية، وتتراكم هذه الأحداث الوهمية إلى درجة تجعل الوعي عاجزًا عن ضبط إيقاعه السليم.
كلما كثرت الأحداث الوهمية وتسارعت، ازداد احتمال ضياع الوعي داخل هذا التسارع. ولذلك، إذا أردت النجاة، فعليك أن تدرك أن هناك شيئًا خاطئًا في هذا الوقت، وأن الأمور لا تسير على عهدها الأول. وفي هذا الانحراف، هناك دائمًا مستفيد.
الزمن الأصلي والزمن المصطنع
الزمن الأصلي هو الزمن الذي يوجد فيه الإله، وله إيقاع خاص، دقيق وحكيم. أما الزمن المصطنع، فكلما ابتعد عن الزمن الأصلي، قاد الإنسان أكثر نحو الفوضى والعشوائية، لأن الإيقاع السليم والضبط الصحيح يغيبان عنه.
ومن هنا يأتي مفهوم الدجال بوصفه المستفيد من هذا الزمن المصطنع؛ لأن إخراج البشر من الإيقاع الأصلي والفطري لوجودهم يجعلهم أكثر قابلية لتقبل الكذب والدفاع عنه.
ولا يمكن للناس أن يصدقوا ما يُعرف بالدجال إلا بعد أن يتم العبث بعقولهم ومعتقداتهم، وزرع الشك فيها، وزعزعة ثباتها وهزها. فالشيء غير العقلاني لا يمكن أن يتقبله البشر العقلاء بسهولة، ولذلك فإن منظومة الدجال، لكي تتمكن من تمرير الجنون المحض، تحتاج إلى نبذ العقلاء والترويج للسفهاء، وتحويل الجنون إلى حرية، وانعدام البصيرة إلى حكمة، والفوضى إلى قيمة.
فالإنسان الذي خرج عن الإيقاع السليم للزمن الأصلي، وأصبح قلبه ينبض بإيقاع يمجد الفوضى والعشوائية، يصبح في النهاية قابلًا لكل شيء تقريبًا، ويرفض الشيء الوحيد الذي كان عليه أن يقبله. يصدق كل شيء إلا الحقيقة، ويعطي احتمالًا لكل شيء إلا الحقيقة، ويقول كل شيء إلا الصدق.
وهذا الاختلال في النظام الأصلي هو الذي يمهد لظهور الدجل في أبهى صوره، وتحويل البشرية إلى ساحة واسعة من الفوضى وتمجيد ما هو أحقر.
العبث بالعقل يبدأ من المسلمات
لكن كيف يمكن الوصول بالإنسان إلى هذه الحالة؟
إن العبث بالعقل يبدأ بزرع الشك في المسلمات والبديهيات. فلا يمكن لعقل أن يصمد دون مسلمات؛ فالمسلمات تحمي العقل، والعقل يحمي المسلمات. هناك علاقة متبادلة بينهما: العقل يحتاج إلى قواعد أولية ينطلق منها، وهذه القواعد تحتاج إلى عقل يصونها ويدافع عنها.
فإذا زُرع الشك في المسلمات والبديهيات، يتحول العقل تدريجيًا عن فطرته العقلانية في صيانة هذه المسلمات إلى عقل مضطرب وفوضوي، لا يصبح هدفه البناء، وإنما تحطيم المعتقدات.
وعندها يمكن أن نرى معتقدًا يصبح هدفه دحض المعتقدات، ويصبح الشك في المسلمات مسلمة، ورفض البديهيات بديهية. وعندما تصل الأمور إلى هذه المرحلة، تكون قد اكتملت قطعة أساسية مما يُعرف بنهاية الزمن.
العقل ليس شريرًا. والبديهيات ليست عدوًا للعقل. كما أن القول بأن العقل يخدع الإنسان ثم مطالبة الإنسان بأن يثق بمن يخبره بذلك يحمل تناقضًا واضحًا.
فإذا قيل لك إن عقلك يخدعك، فبأي شيء تطمئن إلى أن من يخبرك بأن عقلك يخدعك لا يخدعك هو أيضًا؟
إنها حجة عقلية بسيطة: إذا كان العقل نفسه غير جدير بالثقة، فبأي أداة سنميز بين الحقيقة والخداع؟ وإذا كان ما أراه بديهيًا في الفطرة الأولى سيئًا أو شريرًا، فكيف أتأكد من أن من يطلب مني رفضه جيد؟
عندما يصبح البناء شرًا والهدم خيرًا
الذين يروجون لهذه الوصايا السامة والمنحرفة يقولون للناس إن المسلمات التي ورثوها، والبديهيات التي يصدقونها، شريرة أو سيئة. لكن إذا كانت القاعدة سيئة، فإن البناء القائم عليها سيكون سيئًا، وإذا أصبح الهدم جيدًا والبناء سيئًا، فهذه في حقيقتها دعوة إلى القتل والإفساد والانهيار والانقراض والانتحار والإجرام، وإن لم يتم التصريح بذلك بصورة مباشرة.
فالفكرة تصبح شبيهة بمن يقول إن النظام سيئ وإن الفوضى جيدة، وإن البناء سيئ وإن الهدم جيد.
لكنهم أخبث من أن يعترفوا بالنتيجة النهائية لهذا المنطق.
فالإنسان الذي يُقنع بأن أساسه سيئ، وأن هدم ما بُني عليه أمر جيد، يصبح مستعدًا في النهاية لهدم كل شيء. ولهذا فإن الهدف الأساسي هو التشكيك في تناسق البناء وجدواه وقيمته، والتشكيك في كل ما يعتمد عليه البناء لكي يقف على قدميه.
فكل بناء له أعمدة وقواعد. وإذا طُعن في القواعد، خرّ البناء على الأرض.
ولهذا فإن الذي يشكك في القواعد الأصلية التي بُني عليها الإنسان لا يريد مجرد مناقشتها، بل يريد هدمها وسحق البناء الذي تقوم عليه.
نزع الأساسات وتحويل الإنسان إلى دمية
إن تزوير القواعد وإعطاء الإنسان قواعد بديلة هشة لا يحل المشكلة؛ لأن الإنسان إذا نبذ قواعده الأصلية، فلن يجد بالضرورة قواعد بديلة تناسب طبيعته أكثر من قواعده الأولى.
والقواعد البديلة قد لا تكون سوى طُعم يغري الإنسان باتباعها، ثم تجعله أسيرًا لها، حتى تنهار عليه في أي لحظة.
وشتان بين بناء بُني على أساسات صلبة، وبناء بُني على أساس رخو. الأول يمنح ساكنه الطمأنينة والثبات، لأنه لا يخشى انهياره، أما الثاني فيجعل صاحبه متوجسًا ومرعوبًا، لأنه يدرك في داخله أن ما بنى عليه هش، وقد ينهار عليه في أي لحظة.
وهنا نفهم معنى القرار.
فالقرار يتعلق بالأرض والأساس. فعندما نقول عن شخص إنه "بلا قرار"، فالمعنى أنه لا يملك أساسًا يقف عليه. وعندما نقول إن شيئًا يسقط "بلا قرار"، فالمعنى أنه يسقط بلا قاع يتوقف عنده.
ومن هنا يمكن فهم عملية الهدم التي نتحدث عنها: إنها عملية تحويل الإنسان إلى دمية بلا قرار.
فإذا فقد الإنسان الأساسات والقواعد التي يعتمد عليها، والتي تعتمد عليه في الوقت نفسه، فلن يبقى لديه رأي ثابت ولا قرار. يبدأ بالسقوط، ثم يستمر في السقوط، لأن كل شيء يبدأ بالتهدم، ولا يوجد مستوى واضح يتوقف عنده هذا الهدم.
إنها تشبه شرارة الديناميت عندما تشتعل؛ تبدأ في جزء، ثم تنتقل إلى جزء آخر، ثم يشعل كل جزء جزءًا آخر، حتى ينهدم الجبل كله.
وهكذا فإن الإنسان الذي لا يملك معتقدًا أصليًا، ولا قواعد سليمة، ولا أساسات صلبة، يصبح إنسانًا بلا قرار وبلا رأي.
وهذا تحديدًا هو الإنسان المطلوب في المنظومة الكاذبة: إنسان بلا هوية، بلا معتقد، بلا أساس، لكي يخدم الكذب والفساد والدجل.
فالإنسان الساقط أثناء سقوطه يريد أن يُسقط غيره، والهالك أثناء هلاكه يريد أن يهلك غيره.
حرية بلا أساس أم سقوط بلا قرار؟
عملية التشكيك في الأساسات هي في جوهرها عملية إفساد يقوم بها منزوع الأساس؛ أي كائن بلا أسس ولا قاعدة يعيش الحياة دون قاعدة ثابتة.
ولو كان الأمر مجرد حرية، لما كانت المشكلة في الحرية ذاتها. لكن المشكلة أن هذه الحرية تتحول إلى وسيلة لإفساد القواعد والأساسات. وكلما أفسد هذا الإنسان قاعدة أو أساسًا، شعر بأنه أصبح أكثر حرية، بينما هو في الحقيقة يهدم الأرض التي يقف عليها.
إنه يهلك لأنه يسقط بلا قرار.
ولهذا لا يمكن أن تنجح هذه المنظومة الدجالية إلا إذا نُبذ العقلاء، وروّج للسفهاء، وزاد الضغط على البناء، وحاولوا تفجيره وتفتيته، والبحث عن نقاط ضعفه، والتحالف ضد نقاط قوته لكي يسقطوه.
وكلما كان البناء أكبر، كان إسقاطه أكثر دوِيًا. فسقوط البناء الكبير يخلّف أنقاضًا كثيرة، ويمكن لمن ينتظر سقوطه أن يتغذى على تلك الأنقاض، ثم يستخدم هذا السقوط وسيلة لإسقاط بناء أكبر، وهكذا تستمر العملية.
الدفاع عن النفس يبدأ بعدم هدم الأساس
وهنا يأتي السؤال: كيف يدافع الإنسان عن نفسه؟
الغريب أن مجرد امتلاك رأي مخالف للرائج أصبح في هذا العصر يُعامل أحيانًا وكأنه أمر غير مشروع. وكأن الإنسان لا يحق له أن يدافع عن نفسه أو أن يرى ما يراه، لأن الرائج هو المعيار.
لكن إذا كان الرائج هو الكاذب، كما تناولنا سابقًا، فإن مخالفة الرائج الكاذب ليست خطأ، بل قد تكون ضرورة.
عندما تقول للإنسان: دافع عن نفسك، قد يأتيه السؤال: لماذا أدافع عن نفسي؟ ومن الذي يهددني؟
لكن المنطق يقول: دافع عن نفسك تجاه من يريد إفناءك.
وهذا لا يعني أنك شرير، ولا يعني أن الآخرين جميعًا سيئون. وإنما يعني أن هناك من قد يستغل نقاط ضعفك، وقد تكون أنت غير منتبه إلى التفتت الموجود على جدرانك، بينما يوجد من يراقب تلك الشقوق ويستغلها.
قد لا تعلم، وقد لا تنتبه، وقد لا ترى مواضع الضعف في البناء، ولذلك يأتي التحذير ليقول لك: انتبه.
إن الدفاع عن النفس يتطلب عدم الشك في المسلمة الصحيحة لمجرد أنها مسلمة، لأنك كلما امتلكت مسلمة صحيحة وثابتة، كان هدمها دون سبب هدمًا لجزء من البناء الذي يحميك.
فإذا هدمت الأساس الذي تقف عليه، فإنك لا تهدم شيئًا خارجيًا عنك، بل تهدم نفسك.
ولهذا فإن الحفاظ على البديهيات والأساسات الأصلية ليس دعوة إلى الجمود، وإنما هو دفاع عن الأرض التي يقف عليها العقل، وعن البناء الذي يمنح الإنسان القدرة على التمييز بين الحقيقة والكذب، وبين النظام والفوضى، وبين البناء والهدم.
وفي النهاية، ليست المشكلة في أن يسأل الإنسان، ولا في أن يبحث، ولا في أن يفكر. المشكلة تبدأ عندما يتحول السؤال إلى هدم دائم، والشك إلى عقيدة، والفوضى إلى نظام، والهدم إلى غاية.
فالإنسان يحتاج إلى أن يعرف ما الذي يمكنه أن يهدمه، وما الذي لا يستطيع الاستغناء عنه، لأن من يهدم جميع أسسه لا يصبح أكثر حرية بالضرورة، بل قد يصبح مجرد إنسان يسقط بلا قرار.
ولهذا، فإن الوعي الحقيقي لا يكون فقط في القدرة على الشك، بل أيضًا في القدرة على معرفة ما يستحق الشك وما يستحق الحماية؛ لأن العقل لا يعيش في الفراغ، وإنما يحتاج إلى أساس يقف عليه، وإيقاع سليم ينتظم داخله، وحقيقة يستطيع أن يعود إليها كلما حاولت الفوضى أن تسحبه بعيدًا عنها.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق