شعار الموقع لنسخة الدارك مود

شعار الموقع لنسخة الدارك مود

بين الظاهر والجوهر: تأملات في الإنسان والاختلاف وعلاقته بالخالق

 إذا كان الحق حقًّا، والباطل باطلًا، ومع ذلك لا يزال هناك ريب وشك، فاعلم مباشرة أن الأمر يتعلق بتضارب المصالح. وهذه القضية، في نظري، من أعظم القضايا التي يمكن أن يُبحث فيها؛ لأن كثيرًا من الانقسامات والصراعات التي عرفها البشر تبدأ، في جوهرها، من تضارب المصالح.

فليس من مصلحة فئة أن تتبع الحقيقة إذا كانت الحقيقة تهدد مصالحها، وليس من مصلحة شخص أن يعترف بما يخسره باعتناقه للحقيقة، حتى وإن كان يعلم في داخله أنها حق. وإذا عدنا إلى التاريخ المبكر لأي صراع، سنجد في كثير من الأحيان صراعًا على المصلحة: مصلحة الفئة في مواجهة مصلحة الفئة الأخرى، ومصلحة الشخص في مواجهة مصلحة الشخص الآخر، والمصلحة الدنيوية في مواجهة المصلحة الأخروية، ومصلحة الأنا في مواجهة مصلحة الآخر. ومن هنا يبدأ الصراع: من تضارب مصلحة الأنا مع مصلحة الآخر، ومن تضارب مصلحة جماعة مع مصلحة جماعة أخرى، ومن تضارب مصلحة الدنيا مع مصلحة الآخرة.

لهذا، فإن الشيء الذي قد يمنع الإنسان من اعتناق الحقيقة ليس دائمًا جهله بها، وإنما قد يكون اعتناقه للحقيقة مهددًا لمصلحته. فقد يتغذى الإنسان من الوهم، ويجد في استمرار الوهم مصلحة أو راحة أو حماية لموقعه، ولذلك يصبح اعتناقه للحقيقة بالنسبة إليه أشبه بالجوع والخسارة.

وهذا الصراع يظهر بصورة أوضح عند الإنسان الذي بدأ يتلمس الحقيقة. فهناك دائمًا قرار يكون الإنسان على وشك اتخاذه، لكنه لا يستطيع اتخاذه؛ لأن هناك تضاربًا في المصلحة. كل شخص تقريبًا لديه شيء يمنعه من الحقيقة، شيء لا يستطيع التخلي عنه، خصوصًا عندما يرى الجميع يلهثون وراء مصالحهم الخاصة. فيبدأ السؤال الخفي في داخله: لماذا أتخلى أنا عن مصلحتي بينما الجميع يتمسكون بمصالحهم؟

وهنا نصل إلى مسألة جوهرية: تغليب المصلحة الكلية على المصلحة الجزئية، أو تغليب الربح الجوهري على الخسارة الظاهرية، يحتاج إلى إيمان ويقين كبيرين. فالإنسان لا يستطيع أن يغلب مصلحة الكل على مصلحة الجزء إلا إذا كان لديه يقين بأن المصلحة الكلية أعلى، وأن خسارته الجزئية قد تكون في حقيقتها ربحًا جوهريًا.

وقد يحدث أن يفعل الإنسان شيئًا خاطئًا وهو يعلم تمامًا أنه خاطئ. علمه بالخطأ لا يحرك ساكنًا فيه، فلا يتوقف عن فعله. لماذا؟ لأن الصواب ليس في مصلحته وفق منظوره الجزئي والسطحي. فالصواب قد يمنعه من شيء، أو يقيده، أو يجعله يخسر شيئًا، ولذلك يبدو له الخطأ أكثر نفعًا في المدى القريب. لكنه لا يرى أن تلك المصلحة الظاهرية قد تكون مفسدة باطنية، وأن خسارته الظاهرية قد تكون ربحًا حقيقيًا.

إذن، المشكلة ليست دائمًا في غياب العلم، وإنما في غلبة المصلحة الظاهرة على الحقيقة الباطنة.

امتحان المظهر والجوهر

وهنا يظهر امتحان آخر أكثر تعقيدًا: أن تؤمن بشيء دون أن تجد في الخارج أي إشارة ظاهرة تعزز إيمانك به.

ليس سهلًا على الإنسان أن يصدق دون مظهر، وأن يثبت على يقين لا يجد حوله ما يؤيده. خصوصًا عندما تكون المظاهر، بكل زخرفها، تشير إلى العكس. قد توحي لك جميع المؤشرات بأن ما أمامك هو السعد والحظ والنجاح، بينما تكون أنت في داخلك، وفي بصيرتك، تعلم أنه النحس والخسارة.

ولا يرى هذا الفرق إلا من كان متبصرًا ومهتمًا بالحقيقة.

فالمهتم بالحقيقة قد يرى في الحقيقة عكس ما يظهر في الخارج. قد تكون لديك مصلحة دنيوية تبدو رائعة: علاقة، أو عمل، أو وضع معين، أو أي شيء آخر يبدو في ظاهره صالحًا ومفيدًا، بينما تعلم في قرار نفسك أنه خاطئ. هنا تكون في امتحان حقيقي: هل تستطيع أن تصدق ما تعرفه في داخلك، أم ستصدق ما تقوله لك المظاهر؟

الأمر يشبه محققًا تقع أمامه جريمة، وتكون جميع التوقعات والمؤشرات الظاهرية موجهة نحو شخص معين، لكنه يتبع بصيرته حتى يصل في النهاية إلى المجرم الحقيقي. لو اتبع المظاهر والتوقعات وحدها، لما وصل إليه.

وكذلك الإنسان في علاقته بالحقيقة. قد يكون في عالم يبدو فيه كل شيء وكأنه يسير في اتجاه معين، بينما هو في داخله متأكد من أن الاتجاه الصحيح هو العكس. هنا يصبح السؤال: هل يستطيع أن يصمد؟

هل يمكن لمعتقده أن يصمد؟

هل يمكن لصدقه أن يصمد؟

هل يمكن لجوهره أن يصمد أمام كل هذه المظاهر المعاكسة؟

إن الامتحان الحقيقي ليس أن تؤمن عندما تؤيدك المظاهر، وإنما أن تؤمن عندما تعاكسك المظاهر كلها.

هل أنا أعقد القضية أم أن القضية معقدة فعلًا؟

أحيانًا كنت أشعر أنني أنا الذي أعقد القضية، وأن القضية في الأصل ليست معقدة. لماذا؟ لأنني لا أجد تقريبًا أحدًا ينكر المنكر الذي أنكره، أو يخطئ الخطأ الذي أراه خطأ، أو يأخذ الأمر بالاهتمام الذي آخذه به.

قد يكون شخص آخر في مكاني، ولا يفكر أصلًا في التخلي عن ذلك الخطأ، ولا يفكر في تخطئته أو إنكاره. أما أنا فلا أستطيع أن أهضمه.

وهنا يظهر شعور غريب: أخاف حيث لا يخاف أحد، وأخاف من شيء لا يرى الآخرون فيه ما يدعو إلى الخوف، بينما قد يكون الجميع مطمئنين إلى ما يثير قلقي.

وهذا يتطلب إيمانًا وثقة كبيرين حتى أقول لنفسي: ربما لست أنا الذي أعقد القضية؛ ربما القضية معقدة فعلًا.

فالإنسان الذي يحاول تتبع الحقيقة قد يجد نفسه كمن يحاول أن يتذكر وسط عالم كله يشير إلى النسيان، وعالم كله يدفع نحو الاسترخاء والتلاشي. وهنا يبرز سؤال يتردد داخلي باستمرار:

لماذا تكلف نفسك عناء التذكر؟

لماذا أكلّف نفسي هذا العناء، بينما يبدو أن العالم كله يمضي نحو النسيان؟

الاختلاف الذي لا أستطيع إلغاؤه

هناك فكرة أخرى مرتبطة بهذا كله: منذ أن جلست أمام أي شيء تقريبًا، شعرت أنني لست ذلك الشيء.

أنا أنا، وذلك ذلك.

أنا مختلف عن ذلك الشيء.

ومهما حاولت إزالة الحدود بيني وبين أي شيء، وجدت بيني وبين كل شيء حدودًا لا تنتهي وفروقًا لا تعد ولا تحصى.

حاولت أن أعتبر نفسي غير مميز، حاولت أن أندمج، وأن أنحل، وأن أنسى، وأن أرمي نفسي في قلب الغوغاء، في صميم البركان، لكنني وجدت نفسي لا أستطيع الانصهار.

حتى مع الأشخاص، لم أستطع إزالة الحدود. ليس لأنني لا أريد ذلك؛ بل على العكس، حاولت. لكنني وجدت أنني كلما حاولت تبسيط نفسي للآخر، أصبحت مطالبًا بأن أشرح نفسي بلا نهاية.

كان عليّ أن أشرح كل شيء: كيف أفكر، وكيف أشعر، وكيف أنظر، ولماذا أقول ما أقول. وكأنني مطالب بأن أبسط نفسي في عملية شرح لا تنتهي.

قد يكون من السهل على بعض الناس أن يقولوا: «أنا هو أنت، وأنا هي أنا، وأنا نحن». لكنني لا أستطيع قول ذلك؛ لأنني سأكون كاذبًا إن قلته، وأنا لا أستطيع أن أكذب.

أنا لست أنت.

أنا أنا.

وبيننا فروق لا تنتهي.

لكل واحد منا ذكرياته، وطريقته، وأسلوبه، ونَفَسه، وأفكاره، ومشاعره. أسلوبي مختلف، وطريقتي مختلفة، وحتى طريقة رؤية الأشياء مختلفة.

ولهذا لا أستطيع إزالة الحدود، لأن الحدود ليست مجرد حدود شكلية؛ إنها حدود جوهرية.

فالفرق بين الذهاب إلى الأمام والرجوع إلى الخلف ليس فرقًا شكليًا. لا يمكن أن تقول إنهما الشيء نفسه لمجرد أنهما حركتان في الاتجاهين. بالنسبة إلى العاقل، هما مختلفان من حيث المبدأ والأساس.

وهكذا أرى نفسي في هذا العالم: هؤلاء يريدون شيئًا، وأنا أريد شيئًا آخر. واختلافي عنهم ليس اختلافًا عرضيًا يمكن أن أتجاهله، وإنما اختلاف من حيث المبدأ والجوهر.

الاختلاف العرضي يمكن التغافل عنه، أما الاختلاف الجوهري فلا يمكن خداع النفس بشأنه.

الخالق والإنسان ومفهوم التميز

من هنا أعود إلى الفكرة التي طرحتها سابقًا حول أهمية الإنسان.

لماذا ينظر الخالق إلى الإنسان بأهمية؟

لأن الإنسان نفسه نظر إلى نفسه وإلى الخالق بأهمية، وخرج من غفلته، وبدأ يشق طريقه الخاص، طريقه الفريد والمميز.

فالخلق في أصله مختلف، والخالق فريد ومميز، ولذلك فإن الاختلاف والتميز ليسا عيبًا في الخلق، وإنما هما جزء من طبيعة الوجود.

حاولت كثيرًا أن أرمي نفسي في الانصهار والاندماج والانحلال. حاولت بإخلاص أن أكون مجرد ذرة في لا شيء، وأن أنسى الحدود، وأن أذوب في الكل، لكنني لم أستطع.

لم يستطع النسيان أن ينسيني.

ولم تستطع الغفلة أن تحملني، كما أنني لم أستطع حمل الغفلة.

لم نصلح لبعضنا.

لم أستطع تجاهل تعقيدي، ولم أستطع تجاهل الاختلافات الموجودة بيني وبين كل شيء، ولم أستطع أن أنسى وحدتي في هذا العالم.

جربت الطرق من بعيد ومن قريب، الطرق التي اجتزتها والطرق التي رأيتها من بعيد دون أن أسلكها، وفي النهاية وصلت إلى أن هناك كلمة واحدة أشك أن أحدًا يستطيع فهمها بدقة كما أقصدها إلا الخالق.

الكلمات التي لا تعني عندي ما تعنيه عند الآخرين

أحيانًا أستخدم مصطلحًا يعرفه الناس، فيظنون أنني أقصد المعنى الذي عرفوه هم من قبل.

لكنني قد أقصد شيئًا مختلفًا تمامًا.

حين أتكلم عن «الظن» مثلًا، قد يظن السامع أنني أتكلم عن المصطلح كما عُرف سابقًا، بينما أنا أقصد معنى آخر.

ولهذا فإن معرفة الكلمات لا تعني بالضرورة معرفة المقصود منها.

قد تظن أنك تعرفني لأنك سمعت كلامي، لكنك في الحقيقة قد لا تعرفني.

فما أقوله هنا لا يُبنى على نفس المقدمات التي يبني عليها الآخرون كلامهم. هناك تركيب خاص، وحكم خاص على الأشياء، وطريقة خاصة في الربط بينها.

وهذا ما يجعل الانحلال بالنسبة إليّ أمرًا غير ممكن.

فالذي يستطيع أن ينحل ربما يستطيع أن يفتح حدوده؛ لأنه في الأصل لا يرى لنفسه حدودًا ثابتة أو هوية مغلقة. أما أنا فلا أستطيع تجاوز هويتي أو القفز خارج اختلافي.

الهوية والثبات

كنت أرى الناس يتحدثون عن الانفتاح والانحلال والانصهار، عن السيحان والفيضان والبركان الذي يذوب فيه كل شيء.

أما أنا فلم أستطع أن أذوب.

حافظت على حدودي وهويتي.

جربت، وضعفت، وحاولت أن أكسر وأذوب وأن أنحل وأن أتلاشى، لكنني في صلب كل عملية انحلال كنت أجد نفسي أكثر ثباتًا.

كأنني ثابت لا يمكن أن يتزحزح، كهوية لا تقبل التغيير أو التبديل.

حتى عندما يتحدث الناس عن التغيير، لا أفهمه بالطريقة نفسها.

نعم، تغيرت في الشكل والجسم والصوت، وتغيرت أشياء كثيرة عرضية، لكنني لم أتغير في جوهري.

التغير العرضي يمكن تجاهله، لكن التغيير الذي يمس الجوهر لا يمكن تجاهله.

وفي كل مرة حاولت فيها أن أنكر اختلافاتي أو أعتبرها شيئًا يمكن التنازل عنه، وجدتها أعمق من ذلك بكثير، دفينة في صميم صميمي.

وجدتني مختلفًا كليًا، لا جزئيًا.

منذ الطفولة، ثم المراهقة، ثم الشباب، كنت ألاحظ أشياء لا أرى الآخرين يلاحظونها بالطريقة نفسها.

كنت أتعجب من أن شخصًا ما لا ينتبه إلى الشيء الذي أنتبه إليه، أو لا يعطيه الاهتمام الذي أعطيه أنا.

وأحيانًا، بعد بعض الحوادث، كنت أصمت وأفكر طويلًا:

كيف أشرح لهذا الإنسان أنني مهتم، لكنني مهتم بطريقة معقدة جدًا؟

كيف أشرح له شيئًا ربما لا يستطيع استيعابه بالطريقة التي أستوعبه بها؟

الناس لا يرون الفروق كما أراها

مع مرور الوقت فهمت شيئًا آخر: الناس لا ينتبهون دائمًا إلى الفروقات والتفاصيل والترتيب والنظام والآليات والطرق والأساليب بالطريقة التي كنت أظن أنهم ينتبهون إليها.

كنت أظن أن الناس يرون كل كلمة وكل فرق وكل تفصيل.

لكنني بدأت أكتشف أن الأمر ليس كذلك.

عندما أتكلم، قد يظن شخص أن كلامي يشبه كلام شخص آخر، أو أنني أتحدث عن الموضوع نفسه الذي تحدث عنه فلان.

لكنني لم أقل بالضرورة الشيء نفسه.

أنا لا أخلط الأشياء ببعضها. كل كلمة عندي لها مكانها، وكل جملة تأتي بعد التي قبلها، وكل فكرة تنطلق من مبدأ معين.

ولهذا، عندما تُشبه أفكاري بأفكار غيري، أشعر أن هناك شيئًا أساسيًا قد ضاع.

لأن ما أصنعه هنا ينطلق من مبدأ منفرد، ومن طريقة مختلفة في التركيب والحكم على الأشياء.

الإنسان والخالق: درجات في الاستيعاب

وفي هذا السياق، أفكر في العلاقة بين الإنسان والخالق.

ليس كل الناس قادرين على استيعاب الخالق بالدرجة نفسها، لأن الناس أصلًا ليسوا قادرين جميعًا على استيعاب الاختلافات الموجودة بينهم وبين الآخرين.

إذا كان الإنسان لا يستطيع أن يرى الفرق بينه وبين شخص آخر، فكيف يستطيع أن يستوعب الفرق بين الخلق والخالق؟

الناس أحيانًا يخلطون الأشياء، ولا يرون الفروق الدقيقة.

قد يظن أحدهم أن الاختلاف بين البشر دليل على أنهم ليسوا من خالق واحد، بينما أرى العكس تمامًا: اختلاف الخلق يمكن أن يكون دليلًا على أن الخالق مختلف جدًا عن خلقه، ومنفرد، ولا مثيل له.

فلو كان الخالق يشبه الخلق في جوهره، لما كان هناك ذلك الفرق الجوهري بين الخالق والمخلوق.

قد يشبه شخص الخالق في جزئية من الجزئيات، كالصفة أو الاسم، لكن هذا لا يعني أن الخالق يشبه الإنسان؛ لأن الإنسان يستمد صفاته وأسماءه من الخالق، بينما الخالق لا يستمد شيئًا من الخلق.

فالخلق لا يمكن أن يكون مصدرًا للخالق.

وهنا يصبح الفرق بين الطرفين أساسيًا وجوهريًا.

الوحدة التي لم تنكسر

عشت طويلًا وأنا أشعر بأن وحدتي لم تخترق.

لم يدخل إليها شيء يستطيع أن يلغيها.

منذ ولدت، كان هناك شعور بالوحدة.

ليس لأنني اخترت الوحدة دائمًا، وإنما لأن إحداثياتي مختلفة.

أنا لا أسكن حيث يسكن الجميع.

وكأن مسكني يوجد حيث لا يسكن شيء.

الناس، عندما يخرجون من مساكنهم، يضطربون، ثم يعودون إلى الخلط والاختلاط؛ لأنهم يجدون السكينة في التشابه، وفي انعدام التميز، وفي انعدام الاختلاف.

أما أنا، فعندما لا أرى الاختلاف، أضطرب.

وعندما أرى الأمور مختلطة، لا أستطيع الراحة.

لا أستطيع النوم حتى يتفرق الضجيج، وحتى تتفرق الأشياء، وحتى يعود لكل شيء مكانه.

عندها فقط أستطيع أن أسكن.

ومن هنا أدركت أن الناس لا يرون دائمًا الفروقات التي أراها أنا، ولا يرون الفرق بيني وبين شخص آخر، ولا الفرق بين أسلوبي وأسلوب شخص آخر.

ولو رأوا الفرق فعلًا، لرأوا أن هذا الإنسان بنى بناءه على معزل من كل شيء، بأحجار فريدة، وبهندسة مميزة، ولم يستمد هذه الخصوصية إلا من الخالق.

فالخالق، كما أرى، هو مصدر القيمة والميزة في المنفرد والمتميز؛ فالخالق هو المُميِّز.

علاقتي بالخالق: الحب والخشية والرفض الذي ليس رفضًا

ومن كل هذه الأفكار أصل إلى أكثر النقاط تعقيدًا بالنسبة إليّ: علاقتي بالخالق.

أراه من زوايا متعددة، ولا أستطيع اختزال هذه العلاقة في معنى واحد.

أحبه، وأخشاه، رغم أنني لا أخاف من أشياء كثيرة.

تتمكن مني الخشية، ويملؤني العجز أمام عظمته، وفي الوقت نفسه أشعر أنني لست بعيدًا عنه.

توقفت عن الكلام معه منذ زمن، لكنني أعلم في العمق أنني لم أتوقف.

حاولت رفضه مرارًا، ودعوت ألا أنجح في ذلك.

تمنيت أن أنساه، ونسيت أشياء كثيرة، لكنني وجدت نفسي لا أتذكر إلا أن هناك علاقة معقدة جدًا لا أستطيع الانفصال عنها.

العلاقة قوية، وعظيمة، ومتينة، ولا يمكن أن تتلاشى.

ومهما كان العتاب، أجد نفسي في صميم الأمر محبًا.

وكأن هذه المحبة الأصلية تغيّر المعادلة كلها.

فإذا كانت العلاقة قائمة على المحبة والعدل، فإنها لا تنهار بسهولة.

قد أقول إنني أريد رفض الخلق، وقد أحاول أن أرفض، وقد أدعو ألا يكون الأمر كذلك، لكنني في صميم الأمر أجد نفسي أمام علاقة لا أستطيع إنكارها.

أنا متألم، وأعلم أن الألم مستمر ما دمت في هذه الحالة، لكنني لا أملك أن أقطع العلاقة.

ولست أخاف من الخالق خوفًا عاديًا؛ بل أخاف لأنني أعلم أنني مختلف، وأنني لا أشبه شخصًا آخر حتى أُعامل بالضرورة معاملته نفسها.

ولهذا فإن الخالق عندي يُحَب ويُخشى في الوقت نفسه.

وهذا الميزان دقيق جدًا.

قليلون يستطيعون المشي عليه.

فالمسألة ليست مجرد خوف من شيء محدد، بل هي معنى أعمق: إذا أراد الإنسان أن يخاف، فالأولى أن يعرف مما يخاف، وإلا فلا معنى للخوف.

لذلك تبدو هذه العلاقة غريبة في ظاهرها: خوف بلا خوف، وعتاب بلا عتاب، ورفض بلا رفض.

ورغم كل ذلك، تبقى العلاقة قائمة، لأن ما هو أعمق من الخوف والعتاب والرفض هو الأساس الذي لم يستطع شيء أن يلغيه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كاتب التدوينة
كاتب التدوينة
هذا النص هو مثال لنص يمكن أن يستبدل في نفس المساحة، لقد تم توليد هذا النص من مولد النص العربى، حيث يمكنك أن تولد مثل هذا النص أو العديد من النصوص الأخرى إضافة إلى زيادة عدد الحروف التى يولدها التطبيق.
G.M HERMES