شعار الموقع لنسخة الدارك مود

شعار الموقع لنسخة الدارك مود

الرسالة واليقين: الإنسان بين فوضى الظن ومركزية الوجود

 إذا أردنا أن نواصل الحديث من النقطة التي انتهينا إليها، فعلينا أن نتوقف عند مصطلح بالغ الأهمية: الظن. فهذا المصطلح ليس تفصيلاً عابراً، بل هو مفتاح لفهم جانب كبير من الإشكال الذي يحيط بمسألة المصدر والوجود والإنسان.

لقد سمّينا الكون اللامتناهي، في سياق حديثنا السابق، كوناً ظنياً؛ لأن الإنسان، حين يجعل المصدر مفتوحاً على عدد لا نهائي من الاحتمالات والتصورات، يدخل بالضرورة في سلسلة لا تنتهي من الظنون. وإذا اتبع الإنسان ظنونه حول المصدر، فلن يصل إلى يقين نهائي، بل سيظل ينتقل من تصور إلى آخر، ومن احتمال إلى احتمال، ومن اعتقاد إلى اعتقاد، دون أن يبلغ نقطة يستطيع عندها أن يقول: لقد وصلت إلى الحقيقة.

وهنا تظهر المسألة بصورة أكثر وضوحاً: أمام الإنسان طريقان لا ثالث لهما؛ إما أن يبقى في دائرة الظنون المتعددة حول المصدر، وإما أن يبحث عن يقين ثابت حوله. فالظن، بطبيعته، يحمل دائماً شيئاً ناقصاً؛ وما دمت تظن، فأنت لم تبلغ اليقين، لأن في رؤيتك احتمالاً مفتوحاً وشكاً لم يُحسم بعد.

ولهذا لا أرى أن أمر المصدر يمكن أن يكون مفتوحاً على أسماء لا نهائية أو تصورات لا نهائية. هناك مصدر، وله هوية، وله اسم، وله خصائص وحدود، ولا يمكن أن يتحول الحديث عنه إلى مساحة لا متناهية من الاحتمالات.

المصدر ليس فكرة مجردة بلا هوية

من هنا نصل إلى مسألة أخرى شديدة الأهمية: هل المصدر مجرد؟

لقد سرت طويلاً مع الفكرة التي تقول إن الله مجرد، أو إن المصدر ينبغي أن يكون منزهاً عن كل هوية واسم وصفة وخصوصية. لكن الاستمرار في هذه الفكرة قادني في النهاية إلى نتيجة مختلفة: المصدر ليس مجرداً بهذا المعنى.

فالتجريد المطلق للمصدر من كنهه وهويته وخصائصه وأسمائه وصفاته يمكن أن يتحول، في نهاية المطاف، إلى تعرية للمصدر من هويته نفسها. فإذا نزعت عنه كل ما يجعله هو هو، فعمّن تتحدث أصلاً؟

المصدر الذي لا هوية له، ولا اسم، ولا خصوصية، ولا صفات، ولا أي إمكانية للتعيين، يصبح مصدراً مفتوحاً بلا حدود، وهذا المصدر بهذه الصورة لا يمكن أن يكون موجوداً على النحو الذي نتحدث عنه؛ لأنه يتحول إلى فكرة عامة يمكن إسقاط أي معنى عليها.

ولهذا وصلت إلى أن للمصدر هوية وخصوصية وحدوداً وأسماء، وأن الوصول إليه لا يكون بمجرد الظن المتغير، بل من خلال يقين ثابت.

ومن هنا أيضاً يمكن فهم خطورة محاولة تجريد المصدر من كنهه. فمن يحاول تغيير هوية المصدر أو إزالة خصائصه لا يكتفي بتغيير طريقة الحديث عنه، بل قد يكون، من حيث النتيجة، بصدد استبدال المصدر الحقيقي بمصدر آخر؛ أي وضع تصور بديل للمصدر ثم تقديمه للإنسان باعتباره المصدر نفسه.

وبذلك يصبح تغيير المعتقدات وسيلة لتغيير صورة المصدر في ذهن الإنسان.

الرسالة بين الخالق والبشر

بعد هذه المقدمة، أستطيع أن أصرح بموقفي من مسألة الرسالة: أؤمن بوجود رسائل بين الخالق والبشر.

والرسالة، في جوهرها، ليست مجرد نقل معلومات، وإنما هي إعلان للأهمية.

لماذا؟

لأن تأكيد وجود الخالق وتأكيد تدخله في الوجود يمنح الإنسان يقيناً بأنه ليس موجوداً بصورة عشوائية أو بلا غاية أو نظام. فإذا كان هناك خالق يتواصل مع الإنسان، فهذا يعني أن هناك نظاماً، ونغمة، وحكمة، ورحمة، وحساباً، وميزاناً، وقسطاساً، وعلماً، وقدرة، وإرادة، وسائر معاني الصفات الإلهية.

إن تأكيد وجود الخالق وتدخله يعزز لدى الإنسان الشعور بأهمية وجوده. أما تصور الخالق على أنه خلق العالم ثم تركه دون أي تدخل أو تواصل، فيدفع الإنسان تدريجياً نحو الشعور بالتهميش وانعدام القيمة والعشوائية.

فإذا كان الخالق قد خلق شيئاً ثم تخلى عنه تماماً، فبأي معنى يكون لذلك الشيء أهمية؟

أما التواصل، فإنه يعني أن الإنسان ليس شيئاً متروكاً بلا اعتبار.

وهنا لا نتحدث بعد عن تفاصيل تاريخية لما حدث بالفعل، وإنما نتحدث عن كنه الرسالة وضرورتها ومنطقها.

الإنسان يستمد مركزيته من الخالق

الإنسان لا يستطيع، منفرداً، أن يمنح نفسه مركزية مطلقة.

إن مركزيته في الوجود تستمد معناها من مركزية الخالق. فإذا انقطعت علاقة الإنسان بالخالق، فقد الإنسان، مع مرور الوقت، الأساس الذي يمنحه شرعية تميزه ومركزيته.

فالإنسان لا يكون متميزاً لمجرد أنه قرر أنه متميز. إن تميزه يحتاج إلى أساس أعلى منه.

وهنا تأتي فكرة الفرق والتميز.

الخالق هو الذي ميز الإنسان عن غيره من المخلوقات بخصائص انفرد بها الإنسان. وهذا الانفراد يمنحه نوعاً من الأهمية والمركزية والعلاقة الفريدة مع الخالق.

ومن هنا نفهم لماذا نجد دائماً، في بعض التصورات التي ترفض العلاقة الخاصة بين الخالق والإنسان، محاولة للطعن في أهمية الإنسان نفسه: الإنسان، وفق هذا التصور، يتوهم أنه مهم؛ ويتوهم أنه متميز؛ ويتوهم أنه يستحق أن يتدخل الخالق من أجله.

لكن هذا التصور، في نتيجته، يسلب الإنسان مركزه ويقطع العلاقة التي تمنحه معنى تميزه.

فالإنسان، منذ بدايات وجوده، اهتم بفكرة الخالق بطريقة أو بأخرى، وبوصف من الأوصاف، وبشكل من الأشكال. وجود الخالق أو عدمه كان دائماً مسألة ذات أهمية بالنسبة إليه.

وهذا يقود إلى علاقة متبادلة: الإنسان يهتم بالخالق، والخالق يهتم بالإنسان.

لماذا تكون الرسالة مهمة؟

الرسالة لا تكون مهمة إلا إذا كان المرسل إليه مهماً.

لكن ما يحدث في العصر الحديث هو نوع من الرخص الشديد لمفهوم الرسالة. كثرة الرسائل جعلت الرسالة نفسها تفقد شيئاً من قيمتها؛ أصبح الإنسان يتلقى الرسائل باستمرار حتى صار التواصل الدائم نفسه أمراً عادياً لا يدل بالضرورة على أهمية.

وهذا يقود إلى ملاحظة أعمق: عندما يصبح التواصل بلا غاية، تصبح الرسالة بلا قيمة.

أما الرسالة في أصل معناها، فهي أمر مهم جداً؛ لأن شخصاً يرسل شيئاً إلى شخص آخر يعني أن هناك أمراً يستحق أن يُنقل.

ومن هنا فإن الرسالة الإلهية إلى البشر يمكن فهمها باعتبارها إعلاناً عن أهمية الإنسان.

فالخالق، بوصفه مبدأ الأهمية الأول، هو الذي يمنح الأشياء قيمتها. وعندما يجعل الإنسان أهلاً لأن يكلمه، ويعرفه، ويتواصل معه، فإنه يمنحه في المقام الأول أهمية.

وفي المقابل، يصبح المطلوب من الإنسان أن يدرك أهمية الخالق؛ لأن إدراك أهمية الخالق هو الذي يجعل لأهمية المخلوقات والوجود نفسه معنى.

فإذا لم يكن الخالق مهماً، فلا شيء يصبح مهماً بصورة حقيقية.

وعندها تنتقل الأهمية إلى الوهم والعدم والمستحيل، وتصبح القيمة نفسها بلا مركز.

الرسالة كنظام للتواصل

إذا تأملنا في الأنظمة من حولنا، سنجد أن التواصل والرسائل أساس قيامها.

حتى أجهزتنا البيولوجية تعمل من خلال إرسال الإشارات والرسائل؛ كل جهاز يتواصل مع أجهزة أخرى، وكل جزء يرسل إشارات إلى أجزاء أخرى.

وكذلك الأنظمة التي يصنعها الإنسان: قطاع يرسل المعلومات إلى قطاع آخر، والقطاع الأكبر يوجه القطاعات الأصغر، وتنتقل المعلومات من مستوى إلى آخر حتى يعمل النظام كوحدة واحدة.

فمن دون التواصل تظهر الفجوات والاختلالات.

ومن هنا تصبح الرسالة وسيلة أساسية لتحقيق النظام والتكامل.

وإذا كان هذا الأمر موجوداً في الأنظمة البيولوجية والبشرية، فإن الرسالة بين الخالق والمخلوق، ضمن هذا التصور، تصبح وسيلة لإقامة العلاقة التكاملية بين المصدر وما صدر عنه.

الرسول والإنسان الكامل

وهنا نعود إلى فكرة سبق طرحها حول الإنسان الكامل.

قيل إن الإنسان الكامل هو واسطة العلاقة بين الخلق والخالق. واليوم يمكن أن نضيف إلى ذلك أن الرسالة نفسها واسطة هذه العلاقة.

فالرسول هو جوهر هذه الوساطة.

قد نرى تعدد الرسل في التاريخ، لكن التعدد لا يعني بالضرورة تعدد الأصل. يمكن أن يكون هناك رسل متعددون يأخذون من مصدر واحد، بحيث يكون هناك مفهوم كلي للرسول، بينما يكون الآخرون رسلاً عنه أو حاملين لرسالته.

وبهذا يصبح الإنسان الكامل هو الرابط، وتصبح الرسالة هي ما يتم نقله عبر هذا الرابط.

فالرسالة تحمل من الخالق إلى المخلوق القيم والتعاليم والعلوم والإرشادات والهدايات والعظات والجمال، وكل ما يؤدي إلى بناء العلاقة الصحيحة بين المصدر والمخلوق.

إنها عملية تحويل للمعنى والأهمية من المصدر إلى المخلوق.

ولهذا فإن الرسالة ليست مجرد كلام؛ إنها جزء من بنية العلاقة نفسها.

الرسالة والتمييز بين الإنسان وغيره

لماذا يرفض البعض الرسالة بين الخالق والمخلوق؟

لأن الرسالة تعني، في جوهرها، تمييز الإنسان.

فالرسالة تعلم الإنسان وترشده، وتنقله من حالة عدم المعرفة وعدم الهداية والضلال والجهل، إلى حالة يستطيع فيها أن يميز بين الضار والنافع، وبين الخير والشر.

ومن خلال هذا التمييز يصبح الإنسان قادراً على أن يتمركز في أفضل موضع:

جغرافياً، ونفسياً، واجتماعياً، ومعرفياً، ووجودياً.

وهنا تظهر علاقة عميقة بين تفضيل الخالق للإنسان وبين تفضيل الإنسان للخالق.

فعندما يفضل الإنسان الخالق على غيره، ويميزه عن غيره، فإنه في الوقت نفسه يميز نفسه عن غيره من المخلوقات من خلال هذه العلاقة.

وفي النهاية يعود الإنسان إلى مركزيته، لا باعتبارها ادعاءً ذاتياً، وإنما باعتبارها نتيجة لعلاقته بمصدر المركزية.

البيت المقدس والإنسان المميز

ومن هنا يمكن ربط هذه الأفكار بما قيل سابقاً حول البيت المقدس.

فالبيت المقدس، وفق ذلك التصور، هو البيت الذي أقيم على أساس صحيح، وفي مكان مميز، من طرف إنسان مميز، وهو ما سُمّي سابقاً بالإنسان المقدس.

إذن لدينا:

إنسان مميز، وبيئة مميزة، ومكان مميز.

وهذا التمييز يدل على مكانة ذلك الإنسان عند الخالق.

وقد يُطرح سؤال: هل الخالق ظالم لأنه لم يمنح الجميع الدرجة نفسها من الأهمية؟

والجواب، وفق هذا التصور، بسيط: لأن الإنسان المميز أعطى الأهمية للخالق وميزه عما دونه.

فحين يتوجه الإنسان إلى الخالق ويجعله مركزاً، تنعكس هذه المركزية عليه.

ومن هنا يصبح الحديث عن البيت الطاهر أو الأرض الطاهرة حديثاً عن مكان جغرافي مميز ومكانة روحية مميزة، مرتبطة بإنسان مميز وعلاقة مميزة بالمصدر.

تمييز الخالق عن المخلوق

إذا كانت الرسالة هي التي تميز الإنسان عن غيره، فإن الإنسان هو المخلوق القادر على استيعاب أمر الخالق ومفهوم الخالق.

فالإنسان يستطيع أن يفرق ويميز ويعقل.

ومن هنا تأتي إحدى أهم قواعد الرسالة: تمييز الخالق عن من سواه وتقديسه عن من سواه.

الخالق ليس مثل المخلوق.

قد يستمد المخلوق بعض الصفات أو السمات من الخالق، مثل العلم والقدرة والسمع والبصر والحكمة والإرادة والجمال، لكن العلاقة لا تسير في الاتجاه المعاكس.

فالمخلوق يمكن أن يستمد صفة من مصدرها، أما الخالق فلا يستمد شيئاً من المخلوق.

لماذا؟

لأن الخالق هو مصدر الميزة ومنبع القيمة.

فإذا كانت لدى المخلوق صفة كاملة أو سمة أو خاصية، فإن أصلها، وفق هذا التصور، يعود إلى المصدر.

ولهذا فإن تمييز الخالق عن المخلوق ليس مسألة ثانوية، وإنما هو قاعدة أساسية لفهم الخلق والعلاقة بين المصدر وما صدر عنه.

الخلق الكامل والخلق الناقص

ومن هنا نصل إلى فكرة أخرى أساسية: الخلق الجيد والخلق السيئ.

إذا كان الخلق قد حصل بواسطة الإنسان الكامل، فهناك ما ينفع الإنسان الكامل وما يضره.

فالخلق الجيد هو ما كان بواسطة الإنسان الكامل، بينما الخلق السيئ هو ما كان بواسطة الإنسان الناقص.

لكن الشر لا يستطيع أن يكتمل؛ لأنه لا يستطيع أن يحصل على دعم الخالق في مشروعه.

وهنا تظهر قاعدة مهمة: مشروع الإنسان الكامل سيكتمل، بينما مشروع الشر لن يكتمل.

لماذا؟

لأن الخالق يحب الخير والكمال، ويميل إلى إتمام المشروع الموافق للحكمة والصلاح.

فالذين يفعلون الخير يجدون، وفق هذا التصور، عوناً في إكمال خيرهم، أما الذين يفعلون الشر فلا يحصل مشروعهم على هذا العون.

وإذا لم يساعد الخالق المشروع الفاسد، فإن هذا المشروع يصبح ناقصاً ومشوهاً، أشبه بخلق يظهر للحظة ثم يموت لأنه لم يحصل على أسباب الاستمرار.

ولهذا فإن الإنسان الكامل هو صاحب الرسالة الكاملة.

لماذا يرفض المفسدون الرسالة؟

الرافضون للرسالة يريدون، في هذا التصور، أن يخلقوا بصورة عشوائية دون الاستعانة بالخالق.

لكن الخالق لا يعين المفسد في إفساده.

بل قد يمنعه من إتمام عمله.

ولهذا لا يريد المفسدون سماع الرسالة ولا الإصغاء إلى إرشاداتها؛ لأن الرسالة تمنعهم من تحويل الفساد إلى مشروع كامل.

والحكمة نفسها لا تُمنح للمفسد بصورة كاملة.

فلو امتلك المفسد حكمة كاملة وقدرة كاملة واستغلها في الفساد، لأمكنه أن يفعل كل شيء.

ولهذا تبقى حكمة المفسدين ناقصة، وقدرتهم ناقصة، مهما بلغ ذكاؤهم.

فالذكاء الكامل لا يجتمع مع الغفلة الكاملة؛ لأن الغافل، مهما اشتد ذكاؤه، لا يمكن أن يكون ذكاؤه كاملاً.

ولو كان كاملاً لأدرك فساد الطريق الذي يسلكه.

الفوضى تجعل الإنسان غير مهم

وهنا نصل إلى نتيجة بالغة الأهمية.

عندما تنهض الفوضى، يصبح الإنسان غير مهم.

تخيل مجتمعاً تندلع فيه فوضى سياسية أو أهلية شاملة: يصبح القتل مستباحاً، والجريمة مستباحة، والقوة والمال هما معيارا الحضور، ويصبح الإنسان قابلاً لأن يُقتل لأي سبب.

في حالة الفوضى، لا يعود الفرد مهماً.

ولهذا فإن رسالة الخالق، وفق هذا التصور، تدعو الإنسان إلى السلام، وتعطيه الإرشادات التي تساعده على تحقيقه.

ومن هذه الإرشادات: ألا يساعد الإنسان المفسدين، وألا يمنح الفساد شرعية، وأن يمنع الفساد في بدايته قبل أن يكبر.

فالفتنة إذا كبرت لا تميز بين الصالح والفاسد.

إذا استيقظت الفتنة، فإنها تحرق الجميع.

ولهذا فإن إخماد الفساد في بدايته ليس مجرد دفاع عن الأخلاق، وإنما دفاع عن أهمية الإنسان نفسه.

لأن الفساد إذا تُرك حتى يكبر، فإنه يسلب الجميع أهميتهم.

تصبح القوة هي المعيار، والمال هو المعيار، والفوضى هي المعيار، ولا يعود للإنسان قيمة مستقلة.

انتصار مشروع الإنسان الكامل

إذا كان مشروع الإنسان الكامل مشروعاً مؤيداً من الخالق، فإن نهايته ستكون الانتصار على المشروع المقابل.

فالخالق، بوصفه المركز الكلي، لا يمنح الشرعية للمفسد.

والشرعية هنا تعني أن يصبح الفساد هو المألوف والصلاح هو الاستثناء.

لكن هذا لا يمكن أن يكون النهاية؛ لأن الخالق لن ينزع الشرعية من الإنسان الكامل لمجرد أن المفسدين حاولوا السيطرة.

ولهذا سيظل مشروع الإنسان الكامل مؤيداً، لأنه قائم على الصلاح والكمال والقيمة والحكمة.

أما المشاريع التي تقع خارج هذا المشروع، فهي مشاريع لا تحصل على الدعم الإلهي نفسه.

ولهذا تكون مشاريعها فوضوية، فاقدة للنظام والحكمة التي تمكنها من الاستمرار.

فالخالق لا يشارك حكمته الكاملة مع المفسد، لأن المفسد سيستعملها في إفساده.

العودة إلى المحور

من هنا يمكن أن نفهم الصورة الكلية التي تجمع هذه الأفكار كلها.

هناك رسالة بين الخالق والمخلوق.

وهناك رسول كامل يتوسط في تبليغها.

وهناك مشروع للإنسان الكامل.

وهناك عودة للإنسان إلى مركزيته الأصلية.

وهناك نهاية للفوضى والفتنة.

وهناك عودة للمدارات إلى محورها.

وهناك نفي للمنفيين إلى موضع النفي، وإعادة بناء المانع الذي يمنعهم من العودة إلى الأرض.

هذه ليست أفكاراً منفصلة، وإنما أجزاء من نظام واحد.

ولهذا فإن فهم نقطة واحدة منها ينبغي أن يقود إلى فهم النقاط الأخرى، لأن العلاقة بينها هي علاقة نظام وترابط.

الإنسان ليس ذرة في الفضاء

ومن هنا تأتي مسألة أخرى ينبغي التوقف عندها: فكرة أن الإنسان مجرد ذرة في الفضاء.

لا ينبغي للإنسان أن يسمح بإقناعه بأنه مجرد ذرة لا قيمة لها، وأن وجوده لا يمثل شيئاً في هذا الكون.

فهذا التصور، في النهاية، يؤدي إلى النتيجة نفسها التي كنا نحذر منها: إذا كان الإنسان مجرد ذرة، فلا شيء مهم.

لكن الأخطر أن هذا التصور لا يسلب الإنسان قيمته فقط، بل يسلبه أيضاً إحساسه بموقعه وأهميته وما يمتلكه.

ولذلك فإن الفكرة التي تجعل الإنسان ذرة في فضاء لا نهائي ينبغي النظر إليها بوصفها وهماً، لا بوصفها حقيقة نهائية لا تقبل النقاش.

فحتى لو افترضنا جدلاً صحة هذا التصور، فإننا سنصل إلى مفارقة كبيرة: إذا كان الإنسان لا شيء، وإذا كانت الأرض لا شيء، وإذا كان كل شيء غير مهم، فما الذي يجعل معرفة هذه "الحقيقة" نفسها مهمة؟

لماذا ينبغي للإنسان أن يهتم بمعرفة أنه غير مهم إذا كانت النتيجة النهائية هي أن لا شيء مهم؟

بل حتى الشخص الذي يخبرك بهذه الحقيقة يصبح، وفق منطقه نفسه، غير مهم.

وهنا يظهر التناقض.

فإن كانت الحقيقة التي يقدمها لك تؤدي إلى أن الإنسان غير مهم، والأرض غير مهمة، والمعرفة نفسها غير مهمة، فما الفائدة من تصديقها؟

ولهذا فإن رفض هذه الفكرة ليس مجرد رفض لمعلومة، وإنما رفض للمسار الذي تقود إليه: مسار يجعل كل شيء بلا قيمة.

الأرض ليست كما تُختزل في هذا التصور

ومن هنا يمكن القول باقتضاب إن الأرض ليست كما يُصوَّر للإنسان أحياناً.

الأرض أعظم مما يظن.

والمقصود هنا ليس الدخول في التفاصيل أو تحويل الحديث إلى معركة حول كل الجزئيات، وإنما الإشارة إلى أن الصورة التي تجعل الأرض مجرد نقطة تائهة في فضاء لا نهائي ليست بالضرورة الصورة التي ينبغي للإنسان أن يقبلها دون تفكير.

فالأرض، وفق التصور المطروح، واسعة جداً، والأرض المعروفة بالنسبة لنا تمثل مركزاً ضمن هذه الأرض.

وكلما اقترب الإنسان من المحور، أصبحت البيئة أكثر اعتدالاً وصلاحاً للحياة، وكلما ابتعد عن المحور ازدادت الاضطرابات وفسدت البيئة.

وإذا كانت البيئة مضطربة، فإن المخلوقات التي تعيش فيها تكون مضطربة أيضاً.

هذه الفكرة لا نحتاج هنا إلى الدخول في جميع تفاصيلها؛ يكفي أن نثبتها باعتبارها جزءاً من التصور الذي يقودنا إلى فهم العلاقة بين المحور والبيئة والإنسان.

لا تجعل الشك عقيدة

المشكلة ليست في السؤال أو في البحث أو حتى في الشك المؤقت.

المشكلة تبدأ عندما يتحول الشك إلى عقيدة دائمة، ويصبح اليقين نفسه شيئاً مرفوضاً.

فالباحث عن الحقيقة ينبغي أن يبحث عن اليقين، لا أن يجعل الشك غايته النهائية.

ولهذا فإن الإنسان الذي لا يبحث إلا عن تكذيب كل شيء، ولا يهتم إلا بإسقاط كل احتمال، لن يصل إلى الحقيقة، لأنه لا يبحث عن الحقيقة أصلاً، وإنما يبحث عن استمرار الشك.

أما من يبحث عن بصيص الحقيقة، ويتدبر ويربط الأمور ببعضها، فإنه يستطيع أن ينتقل من الظن إلى الفهم، ومن الفهم إلى اليقين.

الخلاصة: من الظن إلى اليقين، ومن الفوضى إلى المحور

يمكننا الآن أن نعيد جمع الخيط كله.

بدأنا من الظن: الكون الذي يُترك مفتوحاً على ظنون لا نهائية حول المصدر لن يمنح الإنسان يقيناً.

ثم انتقلنا إلى هوية المصدر: المصدر ليس فكرة مجردة بلا اسم أو هوية أو خصائص، بل له كنه وخصوصية وحدود وأسماء.

ثم وصلنا إلى الرسالة: وجود الرسالة بين الخالق والبشر يعني أن هناك علاقة، وأن الإنسان مهم بما يكفي لأن يتلقى خطاباً من المصدر.

ثم انتقلنا إلى الإنسان الكامل والرسول: فالرسول هو واسطة نقل الرسالة من الخالق إلى المخلوق، والرسالة هي واسطة العلاقة بين المصدر وما صدر عنه.

ثم وصلنا إلى التمييز: الإنسان يتميز بقدرته على معرفة الخالق وتمييزه عن غيره، والخالق هو مصدر كل قيمة وكل صفة كمال.

ثم ظهر مشروع الإنسان الكامل في مقابل مشروع الإنسان المفسد: الخير يجد طريقه إلى الاكتمال، بينما الشر لا يحصل على الدعم الذي يسمح له بالاكتمال.

ثم فهمنا الفوضى: عندما تستولي الفوضى، يصبح الإنسان غير مهم، وتصبح القوة والمال والعنف هي المعايير، ولذلك فإن إخماد الفتنة والفساد ضرورة لحماية قيمة الإنسان.

وأخيراً نصل إلى المحور: عودة الإنسان إلى مركزيته الأصلية، وعودة المدارات إلى محورها، وانتهاء حالة الفوضى، وإعادة بناء الحدود التي تمنع الفساد من إعادة احتلال المجال الذي أُخرج منه.

ولهذا فإن هذه الأفكار لا ينبغي أن تُقرأ كجمل منفصلة، بل كنظام مترابط.

من الظن إلى اليقين.

ومن التجريد إلى الهوية.

ومن القطيعة إلى الرسالة.

ومن الضلال إلى الهداية.

ومن الفوضى إلى النظام.

ومن الهامش إلى المركز.

ومن التيه إلى المحور.

وهذا هو الخيط الذي ينبغي أن يبقى حاضراً ونحن نواصل البحث: الإنسان ليس ذرة بلا قيمة، والوجود ليس فوضى بلا معنى، والرسالة ليست كلاماً بلا غاية؛ بل إن وراء هذه العلاقة كلها نظاماً ينبغي فهمه وربط أجزائه بعضها ببعض.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كاتب التدوينة
كاتب التدوينة
هذا النص هو مثال لنص يمكن أن يستبدل في نفس المساحة، لقد تم توليد هذا النص من مولد النص العربى، حيث يمكنك أن تولد مثل هذا النص أو العديد من النصوص الأخرى إضافة إلى زيادة عدد الحروف التى يولدها التطبيق.
G.M HERMES