شعار الموقع لنسخة الدارك مود

شعار الموقع لنسخة الدارك مود

الثبات في عالم يهتز: بين وهم التحرر وفقدان المحور

 تنتشر في الخطابات المعاصرة، وخصوصًا في بعض الطروحات المرتبطة بالطاقة والوعي، فكرة تقول إن الكون لا يبالي بأخلاق الإنسان ولا بقيمه ولا بمعتقداته، وإنه لا يتصرف وفق المبادئ أو الثوابت، وإنما وفق «الموجات» و«الاهتزازات». ووفق هذا التصور، إذا ارتفع «تردد» الإنسان استجاب له الكون، وإذا انخفض تردده لم يستجب له.

لكن قبل أن نسأل: هل الكون يتصرف وفق القيم أم وفق الاهتزاز؟ ينبغي أن نطرح سؤالًا أسبق وأكثر جوهرية:

أي كون نتحدث عنه أصلًا؟

ما هو هذا الكون الذي يقال إنه يستجيب أو لا يستجيب؟ وما صفاته وخصائصه؟ وهل نستطيع تحديده ووصفه؟

فإذا قيل إن لهذا الكون صفات وسمات محددة، فإن السؤال ينتقل فورًا إلى مستوى آخر: لماذا اتصف الكون بهذه الصفات أصلًا؟ وإذا كان الكون، كما يقال، لا يبالي بالأخلاق والقيم والمبادئ، فمن أين جاءت الصفات والثوابت التي نصف بها هذا الكون؟


الكون المرصود والكون المفترض

هنا يظهر التمييز الأساسي بين كون مرصود، أي الوجود الذي نراه ونسمعه وندركه ونستطيع الحديث عنه، وبين كون مفترض خارج الرصد والمراقبة.

فعندما يتحدث أصحاب هذا الطرح عن «الكون اللانهائي»، فإنهم يقصدون في كثير من الأحيان حالة الوجود قبل الرصد، أو ما يسمونه الحالة الموجية للمادة قبل مراقبتها.

لكن المشكلة تبدأ من هنا؛ لأننا لا نستطيع إثبات وجود شيء خارج الرصد إلا بواسطة الرصد نفسه.

فالإثبات رصد، والمعرفة رصد، والمشاهدة رصد، والشهادة على وجود شيء رصد. ولذلك فإن الحديث عن وجود مستقل تمامًا عن الرصد يواجه مفارقة أساسية: كيف نثبت وجود ما لا يمكن إثباته إلا إذا رصدناه؟

ولهذا يصبح «الكون خارج الرصد» افتراضًا، لا حقيقة محققة.

أما الكون الذي نراه ونسمعه وندركه، فهو الكون المرصود؛ الوجود الذي تحقق لنا من خلال الرقابة والرصد والمشاهدة.

ومن هنا يمكن صياغة المسألة بصورة أوضح:

إذا كان المقصود بالكون كونًا خارج الرصد، فإن وصفه بالاهتزاز وحده لا يمثل مشكلة من داخل هذا التصور؛ أما إذا كان المقصود الكون المرصود الذي نعيش فيه، فإن القول بأنه لا يتصرف وفق ثوابت أو مبادئ يصبح محل إشكال.

فالكون المرصود لا يظهر لنا كفوضى محضة، بل يظهر من خلال انتظام وثوابت وقوانين يمكن إدراكها.

ماذا يعني «الاهتزاز»؟

حتى كلمة «اهتزاز» تحتاج إلى فحص.

فالاهتزاز في هذا السياق لا يعني مجرد حركة فيزيائية، بل يتحول إلى مفهوم فلسفي: حالة غير ثابتة، مترددة، احتمالية، غير يقينية.

وعندما يصبح الاهتزاز هو الأصل، والثبات شيئًا طارئًا، تصبح الصورة مقلوبة: يصبح اليقين هو الاستثناء، والشك هو القاعدة، والثبات قيدًا، والتحرر هو العودة إلى حالة الاهتزاز.

وهنا تكمن المشكلة.

إذا كان الكون الأصلي، كما يزعم هذا الطرح، هو الكون المهتز خارج الرصد، فإن الوصول إليه يتطلب التخلص من الأشياء التي تمنح الإنسان ثباته: المعتقدات، والقيم، والمبادئ، والثوابت والأحكام.

فالإنسان، وفق هذا التصور، ينبغي أن «يرفع اهتزازه» حتى يطفو ويخرج من الحالة المرصودة إلى حالة غير مرصودة.

لكن ما معنى «رفع الاهتزاز» هنا؟

إنه، في جوهر الطرح، يعني التخلص من القيود التي تثبت الإنسان في مكانه: القيم والمبادئ والأحكام والمعتقدات.

وبذلك تصبح القيم نفسها عائقًا أمام الصعود، ويصبح الثبات عائقًا أمام الحركة.

المفارقة الكبرى: كيف يقيد الفرع الأصل؟

هنا يظهر السؤال الأهم:

إذا كان الوجود المهتز خارج الرصد هو الأصل، وكان العالم المرصود هو الفرع، فكيف يستطيع الفرع أن يقيد الأصل؟

إذا كان الوجود الأصلي هو الاهتزاز، وكان الثبات الذي نعيشه مجرد قيد طارئ، فمن أين جاء هذا القيد؟

كيف استطاع وجود غير أصلي، كما يصفونه، أن يخفض اهتزاز الأصل ويضع عليه القيم والثوابت والمبادئ؟

إذا كان القيد وهميًا، فكيف استطاع أن يقيد وجودًا حقيقيًا؟

هذه ليست مسألة ثانوية، بل هي قلب الإشكال كله.

فلا يكفي أن يقال للإنسان: «ارفع اهتزازك وتخلص من القيود». بل يجب أولًا الإجابة عن السؤال السابق:

كيف انخفض اهتزازك أصلًا؟ وكيف قُيّدت أصلًا؟

فإذا كان الاهتزاز هو الأصل، وكان العالم المرصود فرعًا، فلا يمكن لهذا الفرع أن يفرض على الأصل قيدًا حقيقيًا إلا إذا كان الفرع قادرًا على التأثير في الأصل، وهو ما يهدم الفكرة من أساسها.

القيم ليست قيدًا مصطنعًا

ومن هنا يمكن قلب المعادلة بالكامل.

ربما لا تكون القيم والمبادئ والثوابت هي الشيء المصطنع الذي قيد وجودًا أصليًا مهتزًا، بل العكس:

ربما يكون الاهتزاز غير المنضبط هو الحالة المصطنعة، بينما الثبات والمبدأ والقيمة هي الأساس.

فالوجود المرصود هو الوجود الذي تحقق، بينما الوجود غير المرصود الذي لم يقع ولم يتحقق لا نستطيع أن نجعله أصلًا للوجود المحقق.

وإذا كان الشيء ممتنع الوقوع والتحقيق، فإن محاولة «تحقيق المستحيل» لا تجعله ممكنًا.

وهنا يمكن فهم انتشار عبارات مثل «حقق المستحيل» في بعض الخطابات المعاصرة. فالمستحيل ليس مشروعًا ينتظر من يحققه؛ بل هو، بحسب تعريفه، ما يمتنع تحققه.

ومن ثم فإن محاولة جعل المستحيل حقيقة لا تؤدي إلى التحرر من الواقع، بل إلى الخروج من ميزان التحقق نفسه.

الرصد هو مفتاح الوجود المحقق

إذا أردنا الوصول إلى أبسط نقطة في هذه المسألة، فإنها تتمثل في الرصد.

لولا الرصد، لما عرفنا أننا موجودون أصلًا.

العين ترى، والأذن تسمع، والوعي يدرك، والعقل يربط بين الأشياء. وكل هذه الأفعال مرتبطة بعالم مرصود.

ولهذا يصبح غريبًا أن يُنظر إلى الرصد باعتباره سجنًا يجب التخلص منه، ثم يُنظر إلى الحالة التي لا نستطيع حتى إثباتها باعتبارها الوجود الحقيقي.

فحتى مفهوم «الاستنارة» نفسه لا يمكن أن يظهر في الخطاب إلا لأن هناك كائنًا موجودًا، مدركًا، سامعًا، مشاهدًا، قادرًا على التفكير في معنى الاستنارة.

فإذا ألغيت كل شيء، فما الذي سيبقى ليقول: «لقد استنرت»؟

الوهم والمستحيل والعدم

وفق هذا التصور، فإن الشيء غير المرصود لا يتحول تلقائيًا إلى «وجود أعلى»، بل يمكن أن يكون مجرد وهم أو احتمال ممتنع التحقيق.

والوهم هنا يرتبط بما لم يتحقق، والمستحيل هو ما يمتنع تحققه، والعدم هو غياب الوجود.

ولهذا فإن الانتقال من الوجود المرصود إلى وجود غير مرصود لا يعني بالضرورة انتقالًا إلى حقيقة أعلى؛ بل قد يعني، بالعكس، التراجع عن الوجود المحقق إلى شيء لا أساس له في الواقع.

ومن هنا تأتي دلالة فكرة «الطفو».

فالطفو، في هذا السياق، ليس مجرد ارتفاع، بل يمكن فهمه بوصفه تراجعًا عن الوجود الثابت إلى وجود متراجع، غير محقق، غير مرصود.

إنها عملية «تراجع عن الفعل»؛ تراجع عن الثبات إلى الاهتزاز، وعن التحقيق إلى الاحتمال، وعن المبدأ إلى الحركة غير المحددة.

السمكة التي خرجت من البحر

يمكن تقريب هذه الفكرة بصورة بسيطة.

السمكة في البحر تتحرك، لكنها تتحرك داخل وسط يمنح حركتها إطارًا واتجاهًا.

هناك سكون يحيط بالحركة، وثبات يسمح للحركة أن تكون منظمة.

أما عندما تخرج السمكة من البحر، فإن حركتها تصبح مضطربة وعشوائية؛ تهتز وتتحرك بعنف، لكن هذا الاهتزاز لا يعني أنها ارتقت إلى مستوى أعلى.

بل يعني أنها فقدت الوسط الذي يمنح حركتها انتظامها.

وهكذا يمكن التمييز بين اهتزاز له محور واهتزاز بلا محور.

الأول حركة داخل نظام.

والثاني اضطراب فقد النظام.

وهذه هي النقطة التي يغفل عنها خطاب «رفع الاهتزاز»: ليس كل ارتفاع في الحركة ارتقاءً، وليس كل اهتزاز تحررًا.

أحيانًا يكون الاهتزاز علامة على فقدان الاستقرار.

السكون ليس عجزًا

من هنا تصبح السكينة مفهومًا أساسيًا.

الإنسان الذي يستطيع أن يجلس دون أن يبحث باستمرار عن شيء يفعله، أو يشتريه، أو يبيعه، أو يستهلكه، أو يغيره، قد بلغ درجة من الاستقرار لا يستطيعها الإنسان الذي يعيش في اهتزاز دائم.

بل إن القدرة على إيقاف الأجهزة، وإيقاف الحركة، والتوقف عن الاستجابة المستمرة للمؤثرات، تصبح عنوانًا من عناوين الملكية.

فالذي لا يستطيع التوقف لا يملك نفسه بصورة كاملة.

أما الذي يستطيع أن يقول: «سأتوقف»، ثم يتوقف، فقد امتلك الإرادة على الحركة والسكون معًا.

فالملكية ليست أن تتحرك دائمًا؛ الملكية أن تستطيع أن تتحرك حين تريد، وأن تسكن حين تريد.

المريد لا يريد الاهتزاز لذاته

إذا كان الإنسان صاحب إرادة، فالإرادة لا تعني أن يريد الاهتزاز لمجرد الاهتزاز.

بل إن الإنسان قد يريد الثبات.

قد يريد أن يستقر في مكانه، وأن يجد مستقرًا عظيمًا، وأن يبقى ثابتًا حتى لو جاءت الزلازل والبراكين والأعاصير.

فالإنسان المستقر لا ينبغي أن يتحول إلى ورقة تحركها الريح.

إذا جاءت الريح من الشمال ذهب إلى الجنوب، وإذا جاءت من الجنوب ذهب إلى الشمال، وإذا تحركت من الشرق تحرك معها، وهكذا بلا محور.

هذا ليس تحررًا بالضرورة.

قد يكون فقدانًا للمركز.

الفساد بوصفه اضطرابًا

من هذا المنظور، لا يعود الفساد مجرد مخالفة سطحية، بل يصبح اضطرابًا في النظام.

فعندما تدخل العشوائية إلى جهاز من أجهزة الإنسان، يصبح الجهاز أقل ضبطًا وأكثر اضطرابًا.

وكلما ازدادت العشوائية، زاد احتمال فقدان الاتجاه والمحور.

وهذا ما يفسر الاعتراض على بعض الخطابات التي تجعل الفوضى الجنسية أو اضطراب الحدود أو إسقاط القوالب الثابتة طريقًا إلى «الاستنارة».

فالمشكلة ليست في الحركة الطبيعية، ولا في الاختلاف الطبيعي بين الذكورة والأنوثة، بل في تحويل الاضطراب إلى قيمة، وتحويل فقدان الحدود إلى تحرر، وتحويل السقوط من المحور إلى ارتقاء.

فالاهتزاز الطبيعي يمكن أن يكون جزءًا من الحياة، لكن الاهتزاز الذي يفقد محوره يتحول إلى اضطراب.

الذكورة والأنوثة بين الحركة والمحور

يمكن تطبيق الفكرة نفسها على العلاقة بين الذكر والأنثى.

ليس المقصود أن تكون الأنثى ساكنة بلا حركة، ولا أن يكون الذكر جامدًا بلا مرونة.

بل المقصود التمييز بين الحركة التي تحتفظ بمحورها والحركة التي تتحول إلى اضطراب.

فالأنثى أنثى، والذكر ذكر، ولكل منهما طبيعته.

والأنثى قد تهتز، لكن اهتزازها لا يعني أنها بلا محور. والذكر قد يتحرك، لكن حركته لا تعني أنه فقد جذعه.

والمشكلة تبدأ عندما يصبح الاضطراب هو الطبيعي، وتصبح السكينة شيئًا غريبًا.

فالاستقرار لا يعني غياب الحركة؛ بل يعني أن الحركة لا تهدم المركز.

لماذا أصبح الإنسان يرى النقص في كل شيء؟

هناك مشكلة أخرى مرتبطة بهذا كله: الإنسان المعاصر الذي يعيش في حالة بحث دائم عن النقص.

يستيقظ ليعالج نقصًا، ويعمل ليعالج نقصًا، ويخرج ليعالج نقصًا، ويشتري ليعالج نقصًا، ثم يعود ليبحث عن نقص جديد.

وبذلك تتحول حياته إلى دائرة لا تنتهي:

نقص، ثم إصلاح، ثم نقص جديد، ثم إصلاح جديد.

وكأن الإنسان لا يستطيع أن يجلس لحظة ويقول: لقد اكتفى الأمر.

ولهذا فإن السكينة تصبح أغلى من كثير من الأشياء.

أن تجلس مطمئنًا، مستقرًا، غير مضطر إلى مطاردة شيء، قد يكون أعظم من امتلاك أشياء كثيرة.

فالغنى الحقيقي هنا ليس كثرة ما تملك، وإنما مقدار سكينتك وشعورك بالإستقرار.

الاستقرار أغلى من المال

يمكن للإنسان أن يأكل في أفخم المطاعم، ويسكن في الفنادق، وينفق الأموال، ويتنقل من مكان إلى آخر، لكنه مع ذلك لا يملك مكانًا يشعر فيه بالسكينة.

وقد يمتلك المال والعلاقات والمظاهر، لكنه يبقى مهددًا ومضطربًا.

فما قيمة المال إذا لم يمنح صاحبه الاستقرار؟

وما قيمة الفندق إذا لم يشعر الإنسان أن لديه مكانًا يعود إليه؟

وما قيمة كثرة العلاقات إذا كان الإنسان لا يستطيع أن يثق في أحد؟

السكينة، والمبدأ، والاستقرار، والشعور بالأمان، ليست أشياء هامشية؛ إنها من أثمن ما يمكن أن يمتلكه الإنسان.

الثبات أساس الأمان

لا يستطيع الإنسان أن يعطي الأمان إلا إذا كان ثابتًا.

الأمان يحتاج إلى كلمة ثابتة، وحدود محترمة، ومبادئ لا تتغير كل لحظة.

أما الإنسان الذي يقول شيئًا اليوم ثم يتراجع عنه غدًا، ويدخل علاقة ثم ينسحب منها بمجرد تغير مزاجه، ويشتري ثم يريد إرجاع كل شيء، ويعد ثم لا ينفذ، فإنه يبعث على عدم الاطمئنان.

الحب نفسه يحتاج إلى الثبات.

والسلام يحتاج إلى الحدود.

والحرية تحتاج إلى المسؤولية.

وإذا انفصل الحب عن كل ثبات، فقد يتحول إلى مجرد رغبة مؤقتة في الشعور الجيد.

ولهذا لا يمكن بناء الأمان على الاهتزاز المستمر.

المبدأ ليس صفقة

حتى الأشياء المادية يمكن أن تكشف لنا طبيعة الإنسان.

هناك فرق بين البيع والشراء وبين المساومة على كل شيء.

إذا كان الشيء له سعر واضح وقيمة واضحة، فإما أن تقبله أو تتركه.

لكن عندما يصبح الإنسان مستعدًا للمساومة على كل شيء، فإنه قد يصل في النهاية إلى المساومة على مبادئه، وحدوده، وهدوئه، وشخصيته.

المشكلة ليست في المساومة التجارية في حد ذاتها، بل في تحويل كل شيء إلى صفقة.

حتى العلاقات قد تتحول إلى سوق، والزواج إلى عقد ضمانات متبادلة للخروج، بدل أن يكون التقاءً قائمًا على الرضا والقبول.

فالزواج ليس مشروعًا يبدأ صاحبه من اللحظة الأولى وهو يخطط للطلاق.

إذا كان الإنسان يريد الارتباط، فعليه أن يسأل أولًا: هل أنا راضٍ بهذا الشخص؟ وهل هو راضٍ بي؟

نعم أو لا.

أما تحويل العلاقة إلى صفقة تجارية، فقد يجعل العلاقة نفسها قائمة على الخوف من نهايتها قبل أن تبدأ.

لا يمكن الهروب من الحساب بالخروج من المعادلة

وهنا نصل إلى فكرة أخرى أساسية: محاولة الهروب من الحساب عن طريق «الخروج من المعادلة».

ما دام الإنسان موجودًا، فهو داخل الوجود.

ولا يمكنه ببساطة أن يعلن أنه خرج من المعادلة.

حتى محاولة العدم لا تحقق بالضرورة ما يتصوره الإنسان عنها؛ لأنها لا تجعل التناقض الوجودي أقل تعقيدًا.

فالخروج من الحساب ليس بالضرورة حلًا.

قد يكون مجرد إضافة خطأ جديد إلى المعادلة بدل تصحيح الخطأ السابق.

ولهذا فإن الطريق ليس في زيادة مساحة الأخطاء، بل في تصحيحها.

النظام ليس فوضى

الخطأ الأساسي في تصور الكون بوصفه فوضى محضة هو الاعتقاد بأن عدم رؤية النظام يعني عدم وجوده.

قد يرى الإنسان شخصًا مجرمًا يمتلك المال ويعيش بصورة جيدة، فيقول: «أين عدالة الكون؟»

لكن عدم رؤيتك للعقوبة لا يعني عدم وجود النتائج.

وعدم رؤيتك للحرمان لا يعني أن الإنسان غير محروم.

قد يكون الإنسان محرومًا من السكينة، ومن الأمان، ومن القدرة على الثقة، ومن القدرة على الاستقرار، وإن كان يمتلك المال.

فالمال وحده ليس معيارًا للحياة الجيدة.

والجريمة التي لم ترَ عقوبتها بعينك لا تعني أن الجريمة أصبحت خيرًا.

الثبات في مواجهة عالم الاهتزاز

كل ما سبق يقود إلى نقطة واحدة:

ليس كل ما يتحرك يتقدم، وليس كل ما يهتز يرتقي.

قد يكون الاهتزاز حركة، وقد يكون اضطرابًا.

وقد يكون التحرر خروجًا من قيد، وقد يكون خروجًا من المركز.

وقد تكون القيم قيودًا إذا فُهمت بصورة سطحية، لكنها في مستوى أعمق قد تكون هي التي تمنح الإنسان قدرته على التمييز والاختيار والاستقرار.

فالإنسان الذي لا يملك مبدأ لا يصبح بالضرورة حرًا؛ قد يصبح قابلًا لأي تأثير.

والإنسان الذي لا يملك حدودًا لا يصبح بالضرورة متحررًا؛ قد يصبح عاجزًا عن حماية نفسه.

والإنسان الذي لا يستطيع التوقف لا يصبح بالضرورة حيًا؛ قد يكون عاجزًا عن السكون.

أما الإنسان الذي يستطيع أن يتحرك ويسكن، وأن يقول نعم ولا، وأن يحافظ على حدوده، وأن يعرف لماذا يفعل ما يفعل، فقد امتلك شيئًا أعمق من مجرد «ارتفاع الاهتزاز»:

لقد امتلك محورًا.

الخلاصة

إذا كان الكون الذي نتحدث عنه هو الكون خارج الرصد، فإننا نتحدث عن وجود مفترض لا نستطيع إثباته استقلالًا عن الرصد.

أما إذا كنا نتحدث عن الكون المرصود، فهو كون يظهر لنا من خلال الثوابت والانتظام والقوانين، ولا يمكن اختزاله في مجرد الاهتزاز.

ومن هنا تصبح فكرة أن «الكون لا يبالي بالقيم» بحاجة إلى إعادة النظر؛ لأن السؤال الأول ليس ماذا يريد الكون، بل أي كون نعني؟

الكون المرصود هو الوجود الذي نعرفه، والوجود الذي نعرفه لا يظهر لنا كاهتزاز بلا محور، وإنما كنظام يمكن إدراك انتظامه.

أما محاولة الوصول إلى «الوجود الأصلي» عبر التخلص من القيم والثوابت والمبادئ، فتواجه سؤالًا لا يمكن تجاوزُه:

إذا كان الثبات فرعًا، فكيف استطاع الفرع أن يقيد الأصل؟

وإذا كان الاهتزاز هو الأصل، فمن أين جاء الثبات؟

وإذا كان الرصد وهمًا، فمن الذي اكتشف الوهم؟

وإذا كانت الاستنارة خروجًا من الوجود المرصود، فمن الذي استنار؟

ربما لا تكون المشكلة في أن الإنسان منخفض الاهتزاز، بل في أنه تعلّم أن يعتبر الاهتزاز غاية في ذاته.

وربما لا يكون الطريق إلى الكمال هو أن نتحول إلى كائنات تتحرك بلا محور، بل أن نصل إلى درجة من الثبات تجعل الحركة نفسها ذات معنى.

فالإنسان لا يحتاج دائمًا إلى أن يرفع نفسه.

أحيانًا يحتاج فقط إلى أن يتوقف.

أن يسكن.

أن يستقر.

أن يعرف حدوده.

أن يعرف مبادئه.

أن يستطيع إطفاء الضجيج من حوله، ثم يجلس دون أن يهرب من نفسه.

لأن الملكية الحقيقية ليست أن تستطيع الذهاب في كل اتجاه، وإنما أن تكون قادرًا على اختيار الاتجاه.

والحرية الحقيقية ليست أن تتحرر من كل قيد، وإنما أن تعرف أي القيود تحمي وجودك وأيها يستحق أن تكسره.

والاستنارة الحقيقية، إن كان لها معنى، لا ينبغي أن تكون سقوطًا من المحور إلى الفوضى، بل انتقالًا من الجهل إلى الفهم، ومن الاضطراب إلى السكينة، ومن الحركة العشوائية إلى الحركة ذات المعنى.

فليست كل حركة حياة، وليست كل سكينة موتًا، وليست كل اهتزازة ارتقاءً.

 أعظم ارتقاء يمكن أن يحققه الإنسان هو أن يبقى ثابتًا، بينما كل شيء من حوله يهتز.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كاتب التدوينة
كاتب التدوينة
هذا النص هو مثال لنص يمكن أن يستبدل في نفس المساحة، لقد تم توليد هذا النص من مولد النص العربى، حيث يمكنك أن تولد مثل هذا النص أو العديد من النصوص الأخرى إضافة إلى زيادة عدد الحروف التى يولدها التطبيق.
G.M HERMES