في صراع النفس مع الوجدان، تصل النفس في النهاية إلى حمد واسع، فتدرك أن من أعظم ما يستحق الحمد في هذا الوجود هو وجود الوجدان والضمير. فلولا الضمير والوجدان، كيف سيكون العالم؟ إن مجرد تخيل عالم يخلو من الضمير والوجدان أمر مرعب، لأن الوجدان يمثل، في هذا التصور، أكمل ما يمكن أن يظهر في الإنسان من جهة إدراك الحق وتمييزه.
ومن هنا يصبح وجود الوجدان في الإنسان شبيهًا بوجود الإنسان الكامل في العالم؛ فكلاهما يمثل اكتمالًا في موضعه. ولذلك يمكن فهم انحناء العارفين احترامًا لمن شكروا الله وحمدوه على وجود الإنسان الكامل. وقد يرى بعض الناس في هذا تعظيمًا مبالغًا فيه، ويتساءلون: كيف يمكن أن يبلغ تعظيم الإنسان الكامل حدّ الحمد لله على وجوده؟ غير أن هذا الاعتراض لا يدرك قيمة الإنسان الكامل وحضرته ووظيفته بوصفه واسطة بين الخالق والخلق.فالغاية هي الخالق، باعتباره العلة، أما الوسيلة فهي الإنسان الكامل.
الحقيقة والوسيلة
إذا كان الإنسان يريد لقاء الحق، فلا بد له من وسيلة تدله عليه؛ فالإنسان الكامل هو النبراس والسراج، والوسيلة المثلى والطريق الأسلم إلى باب الحق.
وقد قاد التأمل الطويل في الوسائل المختلفة للوصول إلى الخالق إلى نتيجة مفادها أن تعدد الوسائل لا يؤدي بالضرورة إلى الحق نفسه. فكلما جرى النظر في وسائل مختلفة، ظهر أن بعضها قد يوصل إلى شيء غير الخالق، أو إلى تصور ناقص عنه. ومن هنا يظهر السؤال: هل توجد وسائل متعددة للوصول إلى الخالق، أم أن للخالق الفريد وسيلة فريدة؟
إن التأمل في أصل الخلق يقود إلى السؤال نفسه من زاوية أخرى: على أي أساس خلق الخالق هذا الخلق؟ هل كانت هناك أدوات متعددة، أو مواد أزلية، أو مبادئ مستقلة استعملها الخالق في فعل الخلق؟ وهل كان معه شيء آخر يستعين به؟
في نهاية هذا التدبر، يظهر تصور يقوم على أن الخالق لم يكن معه أحد، ولم تكن لديه أدوات متعددة، بل كانت هناك أداة واحدة، هي أداة الوحدة والفردانية؛ أداة واحدة يمكن بها أن يتحقق الخلق.
لكن ما حقيقة هذه الوسيلة؟
لا معرفة بلا واسطة
كل شيء يحصل بواسطة شيء، أو من خلال شيء، أو عن طريق شيء. ومن هنا يبرز السؤال الأكثر أهمية: هل يمكن للإنسان أن يرى الحقيقة دون واسطة؟
يمكن للإنسان أن يقف أمام شيء حقيقي دون أن يعرف أنه الحقيقة. فقد يرى الشيء أمامه، ولكنه لا يعرف حقيقته ولا يعرف كيف يميزه عن غيره. فإذا لم يكن هناك ما يعرّفه بذلك الشيء، فمن أين تأتيه معرفة حقيقته؟
ولهذا فإن معرفة الحقيقة ليست مجرد رؤية؛ فالرؤية وحدها لا تكفي لتحديد ما هو حق وما ليس بحق.
ومن هنا يمكن التمييز بين حقيقتين: الحقيقة المطلقة، وهي الحق نفسه، عين الحق وذاته، وهو المقصود النهائي من كل وجهة وقصد وطلب؛ وحقيقة متفرعة عن هذا الحق، ليست عين الحق، وإنما هي وسيلة الحق في التعريف بنفسه.
ويمكن تقريب الفكرة بمثال الكلام. حين أتحدث إليكم، فإن كلامي هو واسطتي إليكم. أنتم تعرفونني من خلال كلامي، لأنني اخترت الكلام لأعبّر عن نفسي. فالكلام ليس عين المتكلم، ولكنه وسيلة للتعريف به.
وبالمثل: الكلمة تدل على صاحبها، والخلق يدل على خالقه، والسلوك يدل على صاحبه، والخلقة تدل على خالقها، والفكرة تدل على المفكر فيها، والشعور يدل على من شعر به. فالوسيلة هنا ليست غاية مستقلة، وإنما هي الطريق الذي يكشف عن صاحبها.
وهكذا يصبح السؤال أكثر تحديدًا: إذا كان الإنسان يريد معرفة الحق نفسه، الحق القائم بذاته، أفلا يحتاج إلى أن يفتح أذنيه للوسيلة التي يستعملها الحق في التعريف بنفسه؟
الحكيم يعرف بنفسه بالحكمة
لو أراد حكيم بذاته أن يعرف عن نفسه، فسيظهر أثر حكمته في كلامه. فإذا سمعنا كلامًا حكيمًا لا يقبل العبث، عرفنا من خلاله أن صاحبه حكيم. أما إذا لم نسمع كلامه ولم يصل إلينا أثره، فكيف يمكن أن نعرفه؟
من هنا يأتي التصور بأن معرفة الله لا تكون بلا واسطة، بل من خلال وسيلة الحق في التعريف بنفسه.
وإذا أراد الخالق أن يعرّف بنفسه، فإن الوسيلة المثلى هي خلق مخلوق كامل تظهر فيه براعة الخالق ودقة خلقه وكمال تصميمه. فالإنسان الكامل، في هذا التصور، هو الموضع الذي تكتمل فيه آثار الخلق، فتظهر فيه دقة الصنعة وتتجلى فيه آثار الخالق.
وكما أن الإنسان لا يعرف المتكلم حق المعرفة إلا بسماع كلامه إلى نهايته، فإن معرفة الحقيقة تتطلب الإحاطة بما يدل عليها وعدم الاكتفاء بجزء مبتور منها. فمن يسمع الكلام إلى نهايته يستطيع أن يحيط بالمعنى ويفهمه ويعيه، أما من يأخذ منه جزءًا ويترك الباقي، فقد يصل إلى حقيقة ناقصة.
ذروة العبودية طريق معرفة الألوهية
من هنا تظهر فكرة أخرى أكثر عمقًا: لا يمكن معرفة حقيقة الألوهية إلا عند الوصول إلى ذروة العبودية.
فالإنسان لا يستطيع أن يحكم على الإله أو يصفه بأنه حكيم أو جميل أو عادل أو غير ذلك إلا إذا اتخذ وضعية العبودية؛ لأن اتخاذ وضعية العبودية هو إفساح المجال للألوهية لكي تتجلى وتعرّف عن نفسها.
أما من لا يتخذ وضعية العبودية، فكيف ستتجلى له الألوهية؟ وكيف سيعرف الإله عن نفسه لمن لم يفتح المجال لهذه العلاقة أصلًا؟
لذلك تصبح العبودية ضرورية في هذا التصور؛ لأنها ليست مجرد حالة من حالات الإنسان، وإنما هي الوسيلة التي تتيح للألوهية أن تظهر في معناها الكامل.
ومن يقاوم العبودية يقاوم، من جهة أخرى، الألوهية نفسها، لأن العلاقة بين العبد والإله هي أقوى علاقة في هذا التصور. إن انتفاء أحد طرفي العلاقة يؤدي إلى انتفاء الآخر من حيث التسمية والعلاقة: فلو لم يكن هناك خلق، فهل يكون هناك خالق؟ إن الخالق يسمى خالقًا لأنه خلق، والمخلوق يسمى مخلوقًا لأنه خُلق.
ومن ثم فإن ظهور معنى الخالق مرتبط بوجود الخلق، وظهور معنى العبد مرتبط بوجود الإله.
وهكذا يصبح الوصول إلى ذروة العبودية هو، في الوقت نفسه، وصولًا إلى أعلى تحقق لمعنى الألوهية.
ما هي الوساطة؟
عندما يُطرح السؤال: ما تعريف هذه الوساطة؟
فالجواب هنا هو: العبودية، أو ذروة العبودية، أو عين العبودية.
وبذلك تتضح السلسلة كاملة:
الحقيقة المطلقة هي الحق نفسه، وهناك حقيقة متفرعة عنه، وهي الوسيلة التي يتحقق بها الوصول إلى الحق. وكيف تتحقق حقيقة الحق في العلاقة مع الخلق؟ من خلال حقيقة العبودية.
ولهذا لا بد لكل إنسان، وفق هذا التصور، أن يمر بحقيقة العبودية؛ فإذا لم يمر بها، حُجب عن الوصول إلى حقيقة الألوهية.
الإنسان الكامل وحقيقة العبودية
هنا يعود الإنسان الكامل إلى مركز المسألة.
إذا كانت علة الخلق، في أحد التصورات الممكنة، هي أن يحقق الخالق غايته من الخلق، فإن هذه الغاية تبلغ تمامها في الإنسان الكامل. فهو العبد الذي بلغ من العبودية ما يجعله أهلًا لظهور هذا المعنى.
لكن للوصول إلى هذا المستوى لا بد من فهم مسألة الحدود.
الحدود، في هذا التصور، ليست نقصًا. فليس كل ما يحد الشيء ينقص منه؛ بل قد تكون الحدود نفسها دليل رفع وسمو وكمال. فما زاد عن الحد نقص، وما نقص عنه نقص، ولذلك تكون الحدود هي موضع الكمال.
والإله يتصرف مع جميع المخلوقات ضمن حدود وحجب معينة. وكل المخلوقات، مهما بلغت درجاتها، يتم التعامل معها بحدود وحجاب.
لكن من هو الكائن الذي لا يتعامل معه الإله بهذه الصورة نفسها؟
إنه الإنسان الكامل.
الإنسان الكامل: الذي لا ينازع في الألوهية
الإنسان الكامل هو الذي بلغ قمة العبودية، وما معنى بلوغه قمة العبودية؟
معناه أنه لا ينازع الإله في الألوهية، بل لا يلتفت أصلًا إلى الألوهية لنفسه. ليس له نظر إليها ولا دعوى فيها، وإنما يرى نفسه عبدًا، ويرضى عن عبوديته رضًا تامًا.
وهنا يظهر سر العلاقة بين الإنسان الكامل والحجاب.
فالإنسان الكامل يحتجب بالعبودية.
ومعنى ذلك أنه يدرك أن الحجاب ليس عدوًا له، بل إن الحجاب نفسه يمكن أن يكون صورة من صور الحماية والكمال.
الحجاب ليس عدوًا للحقيقة
إذا كان حجاب الله هو صورته، فإن الصورة ليست عين الذات، وإنما هي حجابها.
وهنا يصبح الإنسان الكامل مدركًا لأمر بالغ الدقة: هو نفسه حجاب، وهو نفسه يكشف الحق. إنه يحجب الحق عن الوهم، بحيث إن الحق بالنسبة إلى الأعيان الواهمة يكون محجوبًا؛ لأنها لا ترى إلا الحجاب. أما العيون المتحققة، فإنها حين ترى الحجاب ترى صورة الحق.
وهذه النقطة هي التي تجعل الحجاب مفهومًا مركزيًا في هذا التصور.
فالإنسان قد يظن أن إزالة الحجاب تعني الوصول إلى الحقيقة، ولكن إزالة حجاب قد تؤدي إلى ظهور حجاب أعظم.
يمكن تقريب ذلك بصورة رمزية: لو كان هناك إنسان متحجب، ثم نزعنا عنه الحجاب، فقد نظن أننا رأينا حقيقته. ولكن ما وراء الحجاب الذي نزعناه قد يكون حجابًا أعظم. ولذلك فإن نزع الحجاب لا يعني بالضرورة الوصول إلى الحقيقة.
بل قد يحدث العكس: كلما نُزع حجاب ظهر حجاب أعظم.
الطريق المفتوح والطريق المغلق
من هنا تأتي المفارقة: الطريق الذي يبدو مفتوحًا قد لا يكون هو الطريق الموصل، والطريق الذي يبدو مغلقًا قد يكون هو الطريق الحقيقي.
ولهذا قد يصطدم بعض العارفين في طريقهم بكثرة الحجب. يظنون أنهم يقتربون، فإذا بهم يجدون حجابًا بعد حجاب، وكأنهم غير مرحب بهم، وكأن الطريق يطردهم.
لكن المشكلة ليست بالضرورة في وجود الحجاب، بل في اختيار الطريق.
فالطريق الحقيقي ليس بالضرورة طريق الفتح المستمر، بل قد يكون الطريق المغلق؛ لأن الطريق المفتوح قد يكون هو الطريق الذي يقود إلى الوهم، بينما الطريق المغلق هو الذي يعيد الإنسان إلى حدوده وعبوديته.
كلما نزع الإنسان الحجاب، ازداد احتجاب الخالق. وكلما استباح الحدود، اشتدّت الحدود. وكلما ظن أنه يصل إلى الخالق بنزع الحدود، حدث العكس تمامًا.
أما إذا لم ينزع الحجاب، بل احتجب بذات الحجاب، واعتبر حجاب الخالق حجابَه، ففي تلك اللحظة تنقلب المعادلة:
يفتح المغلق ويُغلق المفتوح.
والمغلق هنا هو الطريق الذي كان الإنسان يظنه ممنوعًا، بينما هو في الحقيقة الطريق الذي ينبغي أن يسلكه. والمفتوح هو الطريق الذي كان يظنه موصلًا، بينما كان ينبغي أن يُغلق.
الرحمة في الحجاب
في هذا المعنى يمكن رؤية الحجاب بوصفه رحمة أيضًا.
هناك أناس كثيرون ضائعون في الطرق إلى الله. قد تكون النية موجودة، والرغبة موجودة، والبحث صادقًا، ولكن الوسيلة غير واضحة.
ومن هنا تأتي الرحمة: أن يُكشف للإنسان عن الوسيلة عن طريق إخفائها.
فالإنسان الذي يبحث عن إزالة حجاب الخالق قد لا يدرك أن إزالة الحجاب نفسها يمكن أن تكون وضعًا لحجاب أعظم. أما إذا اعتبر حجاب الخالق حجابَه هو، فإنه يتوقف عن الرغبة في انتهاك الحدود.
وهنا تنقلب المعاناة إلى أهلها.
فالذي كان يعاني من الطريق المغلق لأنه يريد دخوله، يكتشف أن الإغلاق لم يكن لعنة عليه، وإنما كان حماية من التعدي. والباب المغلق ليس بالضرورة طردًا لمن يستحق، وإنما هو طرد لمن يتعدى، لمن يريد أن يدخل إلى ما ليس من شأنه.
أما أهل الله، في هذا التصور، فلا يحتاجون إلى فتح الحجاب؛ لأنهم لا يحاولون اقتحامه أصلًا.
إنهم يتركون الحجاب حجابًا.
اعتبار حجاب الخالق حجاب الإنسان
حين يعتبر الإنسان حدود الخالق حدوده، وحجاب الخالق حجابه، وهويته وهويته، تتغير نظرته إلى المسألة كلها.
فبدل أن يرى الحجاب عائقًا أمامه، يبدأ في رؤيته بوصفه صورة لسموه وحصانته ورفعته وقيمته وميزته وحرمته.
وهنا يحدث الانقلاب الحقيقي في المفاهيم.
الذي كان يرى الحجاب جحيمًا يراه نعيمًا، والذي كان يرى الطريق المغلق عذابًا يراه حماية، والذي كان يظن أن الفتح غاية يبدأ في إدراك أن الإغلاق قد يكون عين الرحمة.
ولهذا فإن السر في هذه المسألة لا ينبغي أن يُتعامل معه باعتباره شيئًا يمكن كشفه بالطريقة العادية؛ لأن محاولة كشفه قد تطمس معناه، بينما إبقاءه في حجابه قد يكون هو نفسه طريق كشفه.
إنه سر لا يُكشف كشيء معلن، بل يُكشف كسر.
الإنسان الكامل: الطالب المطلوب والقاصد المقصود
وعند جمع هذه المعاني كلها يظهر الإنسان الكامل في صورة مختلفة.
إنه الطالب المطلوب والقاصد المقصود.
فهو تابع ومتبع، عبد لا يدعي الألوهية، بل يحقق العبودية.
هو تابع حقيقي للحق، ولاحق للحق.
ولأنه يلاحق الحق، فهو ملاحَق؛ ولأنه يقصد الحق، فهو مقصود؛ ولأنه يتبع الحق، فهو متبوع؛ ولأنه يطلب الحق، فهو مطلوب.
وهنا تكتمل الدائرة:
الحق هو الغاية، والإنسان الكامل هو الوسيلة؛ والوسيلة هي العبودية، وذروة العبودية هي مقام الإنسان الكامل؛ والحجاب ليس عائقًا، بل يمكن أن يكون عين الحماية؛ والطريق المغلق ليس بالضرورة طريقًا مسدودًا، بل قد يكون هو الطريق الذي يفتح للإنسان باب الحقيقة.
وفي النهاية، لا يعود الإنسان الكامل مجرد إنسان بلغ مرتبة عالية، بل يصبح في هذا التصور موضع التقاء المعاني كلها: هو العبد الذي رضي بعبوديته، والوسيلة التي يُعرَف من خلالها الحق، والحجاب الذي يحجب الحق عن الوهم ويكشف صورته للمتجرد من الوهم، والطالب الذي يطلب الحق، والمطلوب لأنه يطلبه، والقاصد الذي يقصد الحق، والمقصود لأنه قصد الحق.
وهكذا تتحول العلاقة من البحث عن إزالة كل حجاب إلى فهم الحجاب نفسه، ومن محاولة تجاوز كل حد إلى إدراك معنى الحد، ومن البحث عن طريق مفتوح إلى معرفة الطريق الذي ينبغي أن يكون مغلقًا.
وعند هذه النقطة، يصبح الوصول ليس في نزع الحجاب، وإنما في معرفة موضعه، وليس في تجاوز العبودية، وإنما في بلوغ ذروتها؛ لأن العبودية التامة، في هذا التصور، هي نفسها الوسيلة إلى معرفة الألوهية التامة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق