شعار الموقع لنسخة الدارك مود

شعار الموقع لنسخة الدارك مود

الإنسان الكامل: الحقيقة، الهداية، وصراع الحق والباطل

 إذا أردنا أن نختزل جوهر هذا الطرح كله، فعلينا أن نبدأ من قاعدة أساسية: لا مجال للفوضى والعشوائية في وجود الخالق. فإذا كان هناك خالق، فإن القول بوجود فوضى مطلقة أو عشوائية حقيقية يصبح متناقضًا مع وجوده؛ إذ لا يمكن أن يجتمع وجود الخالق مع وجود شيء قائم بمعزل عنه، بلا حكمة ولا نظام ولا علة ولا غاية.

وعليه، فإما أن يقال إنه لا خالق، وإما أن يُسلَّم بأن الوجود ليس فوضى عمياء، وأن ما يجري فيه قائم ضمن نظام وحكمة وسبب وغاية.

العشوائية والوهم والعدم

من هنا يظهر معنى الوهم بوصفه شيئًا مستحيل التحقق والوقوع. فإذا كان وجود الفوضى والعشوائية المطلقة مستحيلًا، فإن تصور وجودها ليس إلا وهمًا؛ لأن الشيء الذي لا يمكن أن يقع لا يمكن أن يكون واقعًا.

ولا يعني هذا أن الإنسان لا يرى الفوضى أو لا يشاهد الفساد والانحراف، وإنما المقصود أن ما يبدو له عشوائيًا لا يخرج في حقيقته عن النظام الإلهي. فالرقابة الإلهية لا تغيب، وإنما الذي يغيب هو انتباه الإنسان إلى وجود الرقيب.

فالإنسان حين لا يعود منتبهًا إلى الخالق وإلى الرقابة الإلهية، يبدأ في تصور أن المجال أصبح متروكًا للفوضى، كما يتصور أن الفساد ينتشر لأن الرقابة غير موجودة. لكن الرقابة في التصور المطروح ثابتة لا تنتفي؛ الذي ينتفي هو وعي الإنسان بها.

ومن هنا تصبح الحكمة والعلة والغاية مترابطة: ما دام الشيء واقعًا، فله علة لوقوعه، وما كان له علة وُجد ضمن غاية، أما الشيء الذي لا علة له ولا غاية له فلا يقع أصلًا.

لذة العدم ولذة الوهم

في مقابل ذلك تظهر فكرة لذة العدم.

المقصود بلذة العدم هو التلذذ بشيء مستحيل الوقوع؛ وهي في الوقت نفسه لذة الوهم، لأن الإنسان يتلذذ بأمل لا يمكن أن يتحقق. وهذه اللذة، وفق هذا التصور، هي من الإغراءات التي يدفع بها الشيطان الإنسان نحو الوهم.

فاللذات الشيطانية هي لذات وهمية، واللذات الوهمية هي لذات مستحيلة، واللذات المستحيلة هي لذات عدمية؛ لأنها تتجه إلى شيء لا علة له ولا غاية له ولا سبيل إلى تحققه.

ولهذا تصبح لذة العدم طريقًا إلى الهلاك: فالإنسان قد يتصور أن خلاصه يكمن في التخلص من وجوده، أو في الإفلات من الحقيقة، أو في الخروج من الرقابة والحساب. لكنه في الحقيقة يطلب أمرًا مستحيلًا فالشيطان يوصي الناس بتلذذ بزوالهم وعدمهم وهذا هو المستحيل.

محال أن يعدم الإنسان نفسه عدمًا مطلقًا.

ومن هنا تأتي المفارقة: الإنسان الذي يطلب العدم باعتباره خلاصًا من تبعات وجوده لا يصل إلى العدم، وإنما يزداد اضطرابًا وتشوهًا وضلالًا. فلا يموت ليستريح، ولا يحيا حياة مستقيمة ليكمل ويتطهر، بل يبقى مترددًا بين ما كان وما لن يكون، وبين الواقع والمستحيل.

الهلاك الناتج عن انقلاب الفطرة

الفطرة، في هذا الطرح، تقتضي أن يتلذذ الإنسان بالصلاح والحكمة والاستقامة. أما انتكاس الفطرة فيجعل الإنسان يتلذذ بالفساد والسقوط والهلاك.

ولهذا فإن المتلذذ بالفساد لا يكون في الحقيقة مستمتعًا بما يظنه نعيمًا، بل يكون متلذذًا بهلاكه. وقد يتظاهر الإنسان بالضحك والراحة والسكينة، بينما يكون في داخله ألم وخراب واضطراب.

فالتظاهر باللذة لا يغيّر حقيقة الألم، كما أن اصطناع السكينة لا يصنع السكينة.

ولهذا فإن الطريق الذي يعرضه الشيطان بوصفه طريقًا للمتعة والحرية قد يكون في حقيقته طريقًا إلى الجحيم؛ لأنه يقوم على محاولة الهروب من الحقيقة بدل السكون إليها.

الحقيقة ثابتة والماضي لا يُمحى

من أخطر الأوهام محاولة الإنسان التنصل من ماضيه.

فالإنسان الذي يرفض ماضيه لأنه سيئ قد يحاول أن يعيش وفق صورة أخرى عن نفسه، أو يريد أن يُحاسَب وفق الوهم الذي صنعه عن ذاته بدلًا من الحقيقة التي كان عليها. لكنه لا يستطيع أن يمحو ما وقع.

الماضي لا يُنسى بمجرد الرغبة في نسيانه، ولا يمكن للإنسان أن يتنصل منه. وحتى إذا حاول الإنسان أن ينساه، فإن الحقيقة ستعيد تذكيره به بطريقة أو بأخرى.

ومن ثم فإن محاولة تغيير الحقيقة ليست إلا تزويرًا لها. والحقيقة ثابتة لا يمكن الفرار منها.

ولهذا يصبح أمام الإنسان طريقان: إما أن يسكن إلى الحقيقة، وإما أن يسافر بعيدًا عنها. السكون إلى الحقيقة نعيم، والسفر بعيدًا عنها جحيم.

الإنسان لا يستطيع تغيير حقيقته

ومن الأفكار المركزية في هذا الطرح رفض فكرة الانفصال عن الأنا أو التخلص من الذات.

فالإنسان يستطيع أن يغيّر أشياء كثيرة في حياته: شكله، سلوكه، ظروفه، مواقفه، ومعارفه، لكنه لا يستطيع أن يحوّل حقيقة وجوده إلى حقيقة أخرى لمجرد إرادته.

يمكن تشبيه الأمر بملف ثابت يدخل إليه الإنسان ليراه ويفحصه ويحقق فيه ويقيّمه، فيرضى عنه أو يسخط عليه، لكنه لا يستطيع تعديل الحقيقة نفسها. فإذا حاول تعديل الملف وتزويره، فلن يقبل النظام حفظ التغييرات المزورة.

وهنا يصبح الفرق بين الشهود والرضا أو السخط وبين محاولة تغيير الحقيقة فرقًا أساسيًا: يمكن للإنسان أن يشاهد واقعه، وأن يرضى عنه أو يسخط عليه، لكنه لا يستطيع أن يعيد كتابة الحقيقة كما يشاء.

من عدو الإنسان إلى عدو نفسه

عندما يرفض الإنسان وجود الخالق، ويرفض وجوده الذي صدر عنه، ويحاول تغيير ذاته والهروب من حقيقته، فإنه يتحول إلى عدو لنفسه.

فالشيطان، بحسب هذا التصور، هو عدو نفسه؛ ومن يتبعه يتحول بدوره إلى عدو لنفسه، لأنه يبدأ بمحاربة وجوده وحقيقته بدلًا من إصلاحها.

وهنا يصبح الانفصال عن الذات بابًا من أبواب الضلال. فالإنسان قد يحاول التخلص من هويته أو ماضيه أو انتمائه أو ذاته، لكنه لا يستطيع أن يتخلص من حقيقة وجوده بهذه الطريقة.

ولهذا يُنتقد الخطاب الذي يقول للإنسان: «تخلص من نفسك، تخلص من أناك، انسَ ماضيك، انسَ هويتك وانتماءك». فبحسب هذا الطرح، هذا الخطاب لا يقود إلى التحرر، وإنما قد يقود إلى الفوضى والشك والانفصال عن الذات.

السقوط ممكن، أما القيام فليس ذاتيًا

تظهر هنا قاعدة أخرى: يمكن للإنسان أن يسقط بنفسه، لكنه لا يستطيع أن يقوم بنفسه بمعزل عن الخالق.

يمكن للإنسان أن ينحرف إذا عزل نفسه عن الخالق، ويمكن أن يسقط إذا اختار الانفصال، لكن الاستقامة ليست شيئًا ينشئه الإنسان من ذاته استقلالًا.

ومن هنا تأتي فكرة الواسطة.

فالإنسان يرى بواسطة عينه، ويسمع بواسطة أذنه، ويهتدي بواسطة العلامة، وبالتالي فإن الاتصال بالخالق، وفق هذا التصور، لا يُفهم باعتباره استقلالًا عن كل واسطة، بل هناك واسطة للخالق، وهذه الواسطة هي الإنسان الكامل.

الإنسان الكامل والواسطة

الإنسان الكامل هو، في هذا الطرح، النموذج الباطني للإنسان في أكمل صورة؛ وهو الحقيقة الإنسانية الكلية، والنموذج الذي تجتمع فيه أعلى خصائص الإنسان وأسمائه وصفاته الموهوبة له من الخالق.

فكما يُطرح مفهوم الاسم الأعظم بوصفه جامعًا للأسماء الحسنى، يُطرح الإنسان الكامل بوصفه جامعًا لخصائص الكمال الإنساني، وممثلًا لما يمكن تسميته الاسم الأعظم بالنسبة إلى الكمال الإنساني.

إنه الإنسان الذي بلغ درجة الامتياز الكامل: 100 من 100، أو 10 من 10، أو 20 من 20؛ أي النموذج الذي يمثل تمام الكمال الإنساني.

وبهذا المعنى فالإنسان الكامل ليس مجرد إنسان عادي بلغ مرتبة عالية، وإنما هو حقيقة إنسانية نموذجية: حقيقة الاستخلاف، وحقيقة الترقي، والتزكية، والهداية، والحكمة، والاتصال بالخالق.

وهو كذلك، في هذا التصور، واسطة بين الخالق والعالم.

فالقول بالواسطة هنا يشبه القول بأن الإنسان يأخذ الكأس بواسطة يده، ويرى بواسطة عينه، ويسمع بواسطة أذنه. فالواسطة ليست شيئًا زائدًا عن الفعل، وإنما هي الأداة التي يتم بها الفعل.

وعليه، فالإنسان الكامل هو الواسطة التي يتم من خلالها هذا الاتصال بين الخالق والعالم.

النبي والرسول بوصفهما واسطة

ضمن هذا الإطار تُفهم الرسالة أيضًا.

فعندما يقال: «ما على الرسول إلا البلاغ»، فإن الرسول يُنظر إليه باعتباره أداة وواسطة تؤدي وظيفة البلاغ. فهو لا يملك أن يفرض الباطن على الناس، وإنما يؤدي وظيفته في الإظهار والتبليغ.

وهذا يفسر كذلك مسألة المنافقين: قد يعلم النبي شيئًا عن أحوال بعض الناس، لكنه لا يحاسبهم على ما في باطنهم لمجرد علمه به، لأن التكليف الذي يظهر للناس مرتبط بالظاهر، أما الباطن فحسابه عند الخالق.

ومن هنا يمكن فهم كيف وُجد المنافقون في محيط النبي دون أن يعني ذلك أن النبي لم يكن يعلم شيئًا عنهم؛ فالتمييز هنا بين معرفة الباطن وبين إقامة الحكم على الظاهر.

لماذا لم يؤمن بعض الناس؟

يُطرح هنا سؤال جوهري: إذا كانت الرسالة تدعو إلى الإيمان بالخالق، وترك الفساد والكذب والفجور، واتباع طريق الاستقامة، فلماذا رفض بعض الناس الإيمان؟

وفق هذا الطرح، لا تكمن المشكلة دائمًا في الكلمة نفسها. فقول «لا إله إلا الله» مثلًا قد يكون سهلًا من الناحية اللفظية، لكن المشكلة تكمن فيما يترتب على هذه الكلمة من كشف للظلم والفساد والانحراف القائم.

فالرسالة عندما تكشف ما هو قائم، فإنها تمس مصالح وبنى وأشخاصًا لا يريدون أن تُكشف حقيقتهم.

ولهذا يمكن أن يوجد من يتظاهر بالإيمان بينما يكون في داخله معارضًا لما جاءت به الرسالة. وقد يؤمن بعض الناس ظاهرًا خوفًا أو نفاقًا أو انتظارًا لانتهاء تأثير الرسالة بموت صاحبها.

وهنا تصبح الآيات التي تتحدث عن المنافقين ذات أهمية مركزية، لأنها تصف أشخاصًا يقولون: «آمنا»، بينما لا يكونون مؤمنين، ويخادعون ويستهزئون، وَإِذا خلَوا إِلَىٰ شياطينهم قَالوا إِنا معكم.

من هم المنافقون؟

السؤال هنا ليس مجرد تحديد أسماء، وإنما فهم طبيعة الفئة التي يتحدث عنها النص القرآني.

فهناك من يقول إن هذه الآيات تتحدث عن قوم مجهولين، لكن الطرح يطالب بإعادة قراءة الآيات باعتبارها تصف فئة موجودة داخل المجتمع الذي نزلت فيه الرسالة.

فهم يقولون الإيمان، بينما لا يؤمنون؛ ويقولون إنهم مصلحون بينما هم مفسدون؛ ويقولون للمؤمنين إنهم آمنوا، ثم إذا خلوا إلى شياطينهم أعلنوا موقفًا مختلفًا.

ولهذا يُطرح السؤال: من هؤلاء الذين كانوا قريبين من مركز الرسالة، ويظهرون الإيمان بينما يضمرون شيئًا آخر؟

ومن هنا تأتي أهمية التمييز بين الشهرة والمكانة التاريخية وبين معنى «كبار مؤيدين الدعوة». فليس المقصود أن كل مشهور أو كبير في السن منافق، وإنما السؤال عن أشخاص مشهورين تاريخيًا كانوا في البيئة المحيطة بالنبي، وعن مدى إمكانية وجود المنافقين في دوائر القرب منه.

صراع الحق والباطل ليس مجرد صراع سياسي

من هنا ينتقل الطرح إلى التاريخ نفسه.

فالصراع بين الحق والباطل لا يُختزل في السياسة والحروب والتحالفات الظاهرة. السياسة قد تكون مجرد الصياغة الإعلامية الظاهرة لصراع أعمق يتعلق بالحقيقة والباطل.

والسؤال المهم ليس فقط: من حكم؟ ومن انتصر سياسيًا؟ بل: من كان صاحب الحق فعلًا؟ ومن حاول طمس هذا الحق؟

ولهذا يُنتقد الاعتقاد بأن التاريخ يكتبه المنتصرون دائمًا. فقد يكون المنتصر الحقيقي عاجزًا عن كتابة التاريخ، بينما يحاول المهزومون أو أصحاب القوة الظاهرة كتابة رواية بديلة تخفي هزيمتهم، فالمنتصر لماذا يكتب التاريخ أصلا فهو التاريخ ومن هنا فكل محاولة لكتابة التاريخ فهي من المهزوم دائما.

ومن هنا تظهر فكرة الرواية البديلة: إنفاق الأموال والجهود لبناء قصة تجعل الناس يصدقون أن الباطل انتصر، أو أن ما حدث كان مختلفًا عما وقع في الحقيقة.

لكن الحقيقة، وفق هذا التصور، لا يمكن استبدالها برواية مزيفة مهما كان حجم الدعاية التي تقف خلفها.

الحق يجمع والباطل يفرّق

هناك فرق جوهري بين دعوة الحق ودعوة الباطل.

دعوة الحق قائمة على الحق نفسه، ولذلك يجتمع أصحابها على أساس واحد، ورابطة واحدة، ومعتقد واحد، وأصل واحد.

أما دعوة الباطل فتجمع أصحاب الأهواء؛ فكل واحد منهم يأتي بهواه، ويجتمعون ما دام الهوى جامعًا لهم. لكن الهوى متغير، ولذلك فإن التحالف القائم عليه هش من داخله.

فكل واحد يغرد بشهوته، وكل واحد يريد تحقيق مصلحته، وكل واحد يمكن أن يتحول على الآخر عندما تتغير مصالحه.

ولهذا يُقال إن حلف الباطل غير متماسك؛ لأنه لا يقوم على أساس ثابت.

أما الحق، فحتى لو كان أتباعه قلة، فإن قوته ليست في العدد وإنما في جوهره.

وقد تكون «شعرة» واحدة من الحق كافية لهدم بناء كامل من الباطل؛ لأن الباطل لا يمتلك أساسًا ثابتًا ولا هندسة حقيقية ولا توازنًا حقيقيًا.

الكثرة ليست معيار الحقيقة

من هنا لا تكون الكثرة دليلًا على الحق.

قد يكون أتباع الباطل أكثر عددًا، وقد يمتلكون الأموال والجيوش والأسلحة والدعاية، لكن ذلك لا يجعلهم أصحاب حق.

فالحق غالب بجوهره، لا بكثرته.

ولهذا يُطرح معنى أن الحق قد تعظمه القلة، بينما تُسفَّه الكثرة إذا كانت قائمة على الباطل. فليس معيار الحقيقة عدد المؤمنين بها، وإنما حقيقة ما يؤمنون به.

ولهذا أيضًا فإن المشروع القائم على الباطل يمكن أن يفشل حتى لو استثمر فيه الناس أموالًا ضخمة، وحتى لو اعتقد أصحابه أنهم رابحون؛ لأن أساسه غير ثابت.

الطريق المستقيم واحد

ومن الأفكار المرتبطة بذلك رفض فكرة أن هناك طرقًا متعددة متساوية للوصول إلى الحقيقة.

فالطريق المستقيم، وفق هذا التصور، واحد. أما الطرق الكثيرة فهي طرق منحرفة بدرجات مختلفة.

وهذا يرتبط كذلك بمفهوم الحرية؛ إذ يُنتقد تصور الحرية باعتبارها قدرة الإنسان على اختيار أي معتقد أو أي طريق دون معيار للحقيقة.

فالقول إن كل إنسان حر في أن يعتقد ما يشاء لا يعني أن جميع الاعتقادات صحيحة. هناك معتقد صحيح ومعتقد غير صحيح، وهناك حقيقة ووهم.

والحرية التي تؤدي إلى تعذيب النفس وإهلاكها لا تُعد في هذا التصور حرية حقيقية، وإنما تتحول إلى قيد آخر.

أما الاستقامة فتقوم على جمع الإنسان لعقله وشعوره وجسده وإرادته في طريق واحد، بدل أن يجعل عقله في اتجاه، وشعوره في اتجاه آخر، وجسده في اتجاه ثالث.

التدرج نحو النموذج الكامل

تتصل فكرة الإنسان الكامل بفكرة أخرى، وهي أن ظهوره أو تجليه لا يُفهم بالضرورة باعتباره ظهورًا واحدًا مفاجئًا.

فالناس لا يتعاملون بالدرجة نفسها مع النموذج الكامل، ولذلك يمكن أن يكون هناك تدرج في النماذج والتجليات.

يمكن تقديم نموذج أولي، ثم نموذج آخر، ثم آخر، حتى يصبح الناس مستعدين للنموذج الختامي.

ومن هنا تُقسَّم الأدوار إلى مقدمة للمقدمة، وخاتمة للمقدمة، ومقدمة للخاتمة، ثم خاتمة للخاتمة.

فكما أن التعليم قد يتدرج من الدرس الأول إلى الدرس الأخير، يمكن أن تتدرج التجليات والنماذج حتى الوصول إلى الختم.

وهنا يُطرح مفهوم سر الختم، وهو التعبير الذي يُنسب في هذا السياق إلى ابن عربي.

وبحسب هذا الطرح، فإن ظهور النموذج الختامي يمثل مرحلة فاصلة؛ لأنه يصبح معيارًا يميز الحق من الباطل بدرجة لا يبقى معها مجال كبير للالتباس.

ومن لم يستوعب هذا النموذج رغم قيام الحجة عليه، لا يبقى له سبيل إلى الهداية بحسب هذا التصور.

النموذج الختامي والسفينة والربان

تظهر هنا صورة رمزية أخرى: السفينة والربان.

فإذا كانت البشرية تمر بمراحل متتالية، فإن المرحلة الأخيرة تحتاج إلى نموذج قادر على القيادة والهداية والإرشاد.

ويُطرح السؤال: ماذا يحدث إذا لم يوجد هذا الربان الممتاز؟

الجواب في التصور المطروح أن الناس لن ينجوا من أهوال المرحلة الأخيرة؛ ولذلك تظهر الحاجة إلى ربّان ذي درجة امتياز في القيادة والهداية والإرشاد.

ومن هنا تأتي صورة «الفلك»؛ فمن ركبها نجا، ومن لم يركبها بقي في مواجهة الموج.

عيسى بن مريم والمرحلة الأخيرة

يُناقش الطرح أيضًا مسألة عيسى بن مريم، لكنه يميز بين وظيفته السابقة وبين النموذج الختامي المقصود هنا.

فالنبي عيسى، بحسب هذا التصور، أدى وظيفته وبشر وأنذر، ولذلك لا ينبغي افتراض أن كل حديث عن نموذج أخير يعني بالضرورة عيسى.

كما أن مسألة نزول عيسى مستقبلًا لا يُعلن بشأنها موقف قطعي؛ بل يصرح الطرح بوجود بحث وتحقيق مستمر حول الروايات المتعلقة بها، واحتمال وجود اختلافات أو روايات غير صحيحة، ولذلك لا يُراد تقديم الأمر على أنه محسوم قبل اكتمال التحقيق.

المهم هنا هو أن النموذج المقصود يجب أن يظهر في صورة إنسانية يمكن للناس الاقتداء بها واتباعها، لا أن يكون مجرد «وعي» مجرد لا يتجسد في شخص.

المهدي والوعد الإلهي

تصل هذه السلسلة من الأفكار في نهايتها إلى مفهوم المهدي أو الرجل الصالح.

ولا يُطرح المهدي هنا بوصفه موضوعًا لسوق من الدعايات والعلامات والشخصيات التي تدعي المهدوية، بل بوصفه ــ إن ثبت وجوده ــ تحقيقًا لوعد إلهي يتعلق باستخلاف الصالحين وإقامة العدل.

فالمسألة ليست أن يبحث الناس في كل شخص ويقولوا: هل هو المهدي؟ وليست أن يتبعوا مدعي المهدوية. بل إن الرجل الصالح، إذا ظهر، سيظهر بما يؤيده ويميزه، ولن يحتاج الأمر إلى ذلك السوق من الادعاءات.

ويُطرح كذلك وجود ممهِّدين للرجل الصالح؛ أي أشخاص يساعدون على ظهوره ويعرفون الرجل الصالح بحقيقته وقدره، وليس المقصود أن وظيفتهم جمع الأموال أو إقامة الدعاية له.

وهؤلاء، وفق هذا التصور، يؤمنون به قبل ظهوره، وإيمانهم به يكون جزءًا من التمهيد لظهوره ومساعدته على معرفة نفسه وأداء وظيفته.

الوعد الذي لا بد أن يتحقق

في النهاية يعود الطرح إلى القاعدة الأولى: ما كان وعدًا إلهيًا حقًا لا بد أن يتحقق.

فإذا كان هناك وعد باستخلاف الصالحين في الأرض، وإقامة العدل، وتمكين أهل الصلاح، فإن تحقق هذا الوعد يصبح جزءًا من منطق التصور كله.

ولهذا يُفهم «الإمام الحجة» هنا بمعنى خاص: الإمام بوصفه قائدًا ورئيسًا، والحجة بوصفه بينة وعلامة من علامات الخلق، ومرحلة ختامية لتحقيق الوعد.

وهكذا لا يكون البحث عن شخص بعينه هو الغاية، بل فهم الحقيقة التي يمثلها: اكتمال نموذج الإنسان الصالح، وتحقيق الاستخلاف، وظهور العدل، وتحول الوعد إلى واقع.

الخلاصة: الحقيقة لا تهزم

تلتقي جميع هذه الأفكار في نتيجة واحدة:

لا توجد فوضى مطلقة في وجود الخالق، ولا توجد عشوائية مستقلة عنه، ولا يمكن للإنسان أن يفر من الحقيقة، ولا أن يمحو ماضيه، ولا أن يعدم نفسه، ولا أن يغير حقيقة وجوده بمجرد الوهم.

لذة العدم وهم، ولذة الوهم مستحيلة، ومحاولة الهروب من الحقيقة ليست خلاصًا وإنما طريق إلى الجحيم.

أما النعيم الحقيقي فهو السكون إلى الحقيقة، والاستقامة، والهداية، والرضا بما هو حق.

والحق لا يحتاج إلى كثرة حتى يكون حقًا، كما أن الباطل لا يصبح حقًا بكثرة أتباعه أو ضخامة أمواله أو قوة جيوشه أو سيطرته على الرواية.

فالحق يجمع أهله على أساس واحد، أما الباطل فيجمع أصحابه على الأهواء المتفرقة، ولذلك يبقى تحالفه هشًا مهما بدا قويًا.

والإنسان الكامل يمثل، في هذا التصور، النموذج الأعلى للحقيقة الإنسانية: نموذج الكمال، والهداية، والتزكية، والحكمة، والاستخلاف، والواسطة.

ومن ثم فإن التاريخ كله يُقرأ باعتباره مسارًا من التجليات والنماذج المتدرجة التي تقود نحو نموذج ختامي، نموذج يكون ظهوره فاصلاً بين الحق والباطل.

وفي النهاية، مهما طال الصراع، ومهما كثرت الروايات البديلة، ومهما عظمت الدعاية، تبقى القاعدة التي يقوم عليها كل هذا التصور واحدة:

الحقيقة هي الحقيقة، ولا يمكن استبدالها بوهم، ولا تزويرها برواية، ولا الهروب منها إلى العدم. وما كان حقًا ووعدًا إلهيًا حقًا، فلا بد أن يجد طريقه إلى التحقق.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كاتب التدوينة
كاتب التدوينة
هذا النص هو مثال لنص يمكن أن يستبدل في نفس المساحة، لقد تم توليد هذا النص من مولد النص العربى، حيث يمكنك أن تولد مثل هذا النص أو العديد من النصوص الأخرى إضافة إلى زيادة عدد الحروف التى يولدها التطبيق.
G.M HERMES