الاعتبار المادي وأشدّ عذاب الإنسان
هناك ثلاث حالات أساسية في علاقتنا بالمادة. الحالة الأولى هي أن تكره المادة، والحالة الثانية هي أن تحب المادة، أما الحالة الثالثة فهي أن لا تعتبر المادة موجودة أصلًا. وبما أن الحالة الثالثة قد تبدو غير واضحة، فمن المهم أن نفهم أولًا معنى الاعتبار، لأن الناس المتعلقين بالمادة هم في الحقيقة متعلقون باعتباراتهم المادية، ولذلك لا يحتملون أن يتم اعتبارهم غير موجودين.
فأنت قد تتمسك بالمادة سواء بالحب أو بالكره. قد تكره المادة لأنك تعتبرها ناقصة، وتعيش باستمرار في هذا الاعتبار، وتشعر أن كل شيء يقلل من اعتبارك. وقد ترى المادة زائدة وتحبها لأنك تعيش في اعتبار متزايد. وفي الحالتين أنت ما زلت متعلقًا بالمادة؛ أحدهما يعتبرها سيئة أو ناقصة، والآخر يعتبرها جيدة أو زائدة، لكن كليهما يعيش داخل الاعتبار المادي نفسه.
ولذلك فإن أكبر عذاب بالنسبة إلى الإنسان هو أن يفقد اعتباره. قد يقول شخص: «عذبني، افعل بي ما تشاء، لكن لا تعتبرني غير موجود». وهذه من أساليب العذاب والتلاعب بالروح، لأن الإنسان عندما يكون متعلقًا بشخص تعلقًا شديدًا، فإنه يفضل أي شيء على أن يتم اعتباره غير موجود. والمثال هنا يمكن أن يمتد من علاقة الإنسان بشخص معين إلى علاقته بالمادة عمومًا.
ومن هنا يجب أن نغير نظرتنا إلى انعدام الاعتبار. عندما لا يعطيك القدر مثلًا اعتبارًا، أو عندما لا يعطيك شخص ما اعتبارًا، أو عندما لا يفعل لك ما كنت تنتظره، فلا تقرأ الأمر مباشرة على أنه دعوة إلى التمسك أكثر. فقد يكون المعنى ببساطة أنه لا يراك، أو لا يعتبرك، أو لا يتعامل معك من الأساس. وليس من الضروري أن تسمي ذلك مباشرة «معاملة سيئة». فقد ترى شخصًا وكأنه يسيء معاملتك، بينما الحقيقة، وفق هذا التصور، أنه لا يراك أصلًا، ولا يرى فيك شيئًا يتعامل معه.وهنا نعود إلى الحالات الثلاث: الحالة الأولى هي كره المادة، والحالة الثانية هي حب المادة، والحالة الثالثة هي عدم اعتبار المادة موجودة. والحالة الثالثة حالة عدمية، بمعنى أن الإنسان لا يعتبر المادة أصلًا، ولا يعتبر الوجود المادي أصلًا. وعند هذه النقطة تختلف الأمور؛ لأن الناس في الحالتين الأولى والثانية عالقون في المادية: شخص يكره المادة لأنه يعتبرها ناقصة ويحاول مطاردتها بكل ما يستطيع، وشخص يحب المادة لأنه يراها زائدة ويحاول تفريغها قدر ما يستطيع. والتخلص من المادة هنا لا يُقصد به بالضرورة المعنى السلبي، وإنما المقصود هو الإفراغ.
إذن كلاهما ما زال قابعًا في القلب المادي وفي الاعتبار المادي. هذا يعتبر المادة سيئة، والآخر يعتبرها جيدة. ولو أجريت إحصاءً عالميًا وسألت الناس: ما حكمكم على المادة؟ فستجد أن الإجابات في الغالب تدور حول «أحب» أو «أكره»، لأن لغة المادة هي لغة هذا التفاعل الذي يمكن تسميته سابقًا بـ«القصة»: مؤيد ومعارض. هناك من يؤيد وهناك من يعارض.
ولو صدر أي قرار اجتماعي أو سياسي أو فكري أو أي قرار معين، فسترى الناس بين مؤيد ومعارض، لأن الحكم هنا مادي. ولو لم يكن هناك هذا التفاعل بين اللذة والألم، وبين الكراهية والمحبة، وبين الإعجاب والكره، فلن تكون هناك مادة بهذا المعنى. فالمادة تكون في حالة اعتبار؛ أي إنها تكون مكروهة أو محبوبة، ومن هنا تصبح موجودة بالنسبة إلى الناس الذين يكرهونها وبالنسبة إلى الناس الذين يحبونها. أما بالنسبة إلى من لا يقومون باعتبارات مادية، فالمادة لا تكون موجودة بالنسبة إليهم؛ ليست قليلة ولا كبيرة، وليست سيئة ولا جيدة، وإنما غير موجودة.
فكلما لم يضع الإنسان اعتبارًا للمادة، تصبح المادة غير موجودة بالنسبة إليه. وهنا نصل إلى معنى مهم يتعلق بالقصة نفسها. كلما تأثرت بشيء، وكلما عارضت أو أيدت شخصًا أو حدثًا، فإن هذه المعارضة وهذا التأييد يتحولان إلى شخصية داخل القصة. أنت تصبح شخصية في القصة: إما شخصية معارضة أو شخصية مؤيدة.
بمجرد أن تقول: «أنا أكره القصة الفلانية»، فقد صنعت لنفسك شخصية داخل تلك القصة، شخصية لا تحبها. وإذا قلت: «أنا أحب القصة الفلانية»، فقد أصبحت أيضًا شخصية داخلها، شخصية تحبها. وفي جميع الحالات، سواء عارضت أو أيدت، فأنت داخل البرنامج، داخل السردية، داخل القصة.
حركة عينك نفسها تصبح حركة داخل سياق معين من القصة، أو داخل سياق فرعي منها. إما أن تكون داخلة في السياق الرئيسي، أو داخل سياقات فرعية تبرر السياق الرئيسي. فوجودك كمعارض، مثلًا، قد يبرر وجود المؤيد، ووجود المؤيد قد يجعله يثبت نفسه من خلال وجودك كمعارض. وبذلك يصبح الطرفان جزءًا من القصة نفسها.
ومن هنا تأتي الفكرة الأساسية: لا يمكن أن تتحرر من الاعتبار وأنت ما زلت تعتبر. إذا وجدت حكمًا أو اعتبارًا معينًا حول القصة، فهذا الحكم لن يخرجك منها، بل سيدخلك فيها أكثر.
قد يكون هناك شخص يقول إنه ضد القصة وضد كل ما يحصل فيها، ويظن أنه لأنه يخالف كل شيء فإنه سيتحرر منها. لكنه، وفق هذا التصور، لن يتحرر، بل سيظل لازمًا من لوازم القصة. وسيعاد استدعاؤه كلما ظهرت القصة من جديد، لأنه كان داخلها رافضًا لكل ما حدث فيها.
لذلك فإن أفضل ما يمكن فعله مع أي قصة، وفق هذا المنظور، هو أن تعتبرها غير موجودة، وأن تعتبرها لم تحصل أصلًا.
وهنا قد يقول الإنسان: «هل هذا يعني أنني أكذب على نفسي؟» والجواب هو أن هناك فرقًا بين الكذب والصدق. أنت هنا لا تكذب، وفي الوقت نفسه لا تدخل في حكم الصدق والكذب. لا تقول «نعم»، ولا تقول «لا». لا تقول «نعم، هذا موجود»، ولا تقول «لا، هذا غير موجود» بمعنى الدخول في القضية؛ بل لا تقول شيئًا. لأنك عندما تقول «نعم» أو «لا» فإنك تدخل في الاعتبار.
أما إذا قلت «نعم» لتجسد، فسوف تتجسد كشخص يقول نعم، وإذا قلت «لا» لتجسد، فسوف تتجسد كشخص يقول لا. وهذه هي الخدعة: أن تعتقد أنك تخرج من القصة بالمعارضة، بينما أنت في الحقيقة تتجسد داخلها كشخصية معارضة.
خذ مثالًا واضحًا: عندما تخرج إلى الشارع وتقوم بمظاهرة ضد نظام معين، فإنك، سواء أيدت النظام أو عارضته، تظل داخل النظام نفسه من حيث القصة والسردية. أنت ما زلت تعطيه اعتبارًا من خلال موقفك منه.
وهنا نصل إلى مسألة أخرى: الناس الذين ما زالوا متعلقين بشخصيات القصة. هؤلاء ما زالوا متعلقين بالماضي، وما زالوا يكتبون في الماضي: «كم أحببت هذا، كم كرهت هذا». إنهم يعيدون إحياء أشياء ماتت ولم تعد موجودة. كانت مجرد قصص، وهم يعيدون إحياءها عن طريق التعليق حولها. فأي شيء أنت متعلق به، فأنت، بهذا المعنى، تعيد إحياء شيء من الماضي لأنك ما زلت تعطيه اعتبارًا.
ولتوضيح معنى الاعتبار المادي أكثر، يمكننا الانتقال إلى مفهوم المائدة. فالعائلة لها مائدة، وكلمة «المائدة» مرتبطة بالمادة من الناحية اللغوية في هذا التصور؛ فالمائدة هي الطاولة التي توضع فوقها المواد الغذائية. وإذا لم توضع عليها المواد الغذائية، فهي طاولة فقط، وليست مائدة. وهذا الشرح مهم لفهم الفكرة الرمزية.
إذا كانت المائدة هي الطاولة التي توضع فوقها المواد الغذائية، فإن ارتباط الأفراد بالعائلة يمكن فهمه باعتباره ارتباطًا بالمائدة. فالمائدة تصبح رمزًا لاجتماع مجموعة من الأشخاص الذين يتشاركون مادة معينة: المادة الوراثية، والمادة الغذائية، أو أي مادة أخرى. المهم أنهم يتشاركون في مادة ما.
فإذا كان الأب، مثلًا، متغطرسًا ويعتبر أحد أبنائه أو إحدى بناته غير موجود، فإن هذا يعني، وفق هذا التصور، حرمانًا ماديًا. قد يحرمه من الجلوس على المائدة معه، وهذا حرمان مادي، والغاية منه أن يبقى الإنسان متعلقًا بالمائدة إلى درجة أن يطيع رب المائدة.
ورب المائدة هنا هو المسؤول عن جلب الغذاء وتحضيره ووضعه فوق الطاولة. فمفهوم المائدة هو أن يوضع الغذاء على الطاولة ويتم اقتسامه. وبالتالي فإن رب المائدة أو رئيسها هو الشخص الذي يقدم الاعتبار ويطالب بالاعتبار، لأنه إذا اعتبر ابنًا من الأبناء غير موجود، فإن ذلك الابن لن يتغذى من المادة.
ولا أقصد برب المائدة المنزل فقط، وإنما المعنى أوسع. فالمادة الوراثية، مثلًا، موروثة من طرف أو طرفين، من أب وأم، ونحن نرث عنهم المادة الوراثية. والذي لا يقدم الاعتبار لهؤلاء الأسلاف ومن يرتبط بهم يتم حرمانه ماديًا، فلا يسمح له بالجلوس معهم على المائدة.
وهنا يمكن أن نرى كيف يعمل أرباب الموائد في علاقتهم بالمادة. لديهم اعتبارات وثيقة ومعقدة بالمادة، ويقومون باستغلالها والتحكم فيها. والشخص الذي يستغل المادة بشكل كبير يستطيع أن يجعل الناس يجلسون على طاولته، وتتحول طاولته إلى مائدة عندما يوضع فوقها الطعام والغذاء.
وبصفته الأكثر استغلالًا للمادة والأكثر تحكمًا فيها، يقوم بتقسيمها وفق السلطة التي يملكها: يعطي هذا، ويعطي ذاك، وقد يحرم شخصًا آخر، لأنه لا يعتبره أو لا يراه مستحقًا. وهنا يصبح الصراع حول القسمة.
المفترض أن يسأل من هو على المائدة: لماذا تريد هذا؟ لأن صاحب المائدة، في هذه الصورة الرمزية، يرى أن لديه اعتبارًا معينًا، وقد يعتبر حكمه صحيحًا، بينما يعتبر حكم الآخرين سيئًا، وقد يرى أن قسمته عادلة أو ظالمة بحسب مقدار ما أعطى لكل شخص.
فإذا قسم الأرزاق، وأعطى لبعض الناس كثيرًا ولبعضهم قليلًا، يبدأ الإنسان في النظر إلى القاسم باعتباره ظالمًا لأنه لم يعطه كثيرًا. تخيل مثلًا قطعة اللحم الكبيرة: من كان يأخذها في العائلة قديمًا؟ ربما الجد، ثم الأب، ثم الأخ الكبير، ثم العم، وهكذا تتناقل المائدة أدوارها داخل هيكل العائلة القديم حتى تصل في النهاية إلى البنت الصغرى التي قد لا يصلها إلا القليل أو بقايا الصحن.
وهنا يظهر مفهوم تقسيم الأرزاق: من لم يصل إليه الكثير يرى أن القسمة ظالمة، ليس فقط لأن نصيبه قليل، وإنما لأنه يعتبر نفسه أقل اعتبارًا. لقد أُعطي القدر الكبير لغيره، بينما أعطي هو قدرًا صغيرًا.
وهذه كلها، وفق الفكرة المطروحة، قصص مادية. فالصراع الذي نراه في العالم يمكن النظر إليه باعتباره صراعًا ماديًا في الأساس: الغذاء وقسمته، ومن يملك الغذاء، ومن يتحكم فيه، ومن يأخذ منه الكثير، ومن يأخذ منه القليل.
ولهذا يمكن النظر إلى سورة قريش من زاوية مرتبطة بهذا المعنى: «لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ». فالغذاء والأمن مرتبطان هنا؛ لأن الخوف يمكن أن يرتبط بنقص الغذاء. الإنسان لا يخاف فقط من شخص يسبب له الخوف، بل قد ينشأ الخوف من الظروف التي تهدد الغذاء والحياة ورب البيت هو الذي قدم اعتبار مادي لجميع افراد الاسرة، فالإعتبار الذي قدمه اطعم جوعهم وإمنهم من الخوف.
ومن هنا يمكن فهم لماذا يؤمن الناس أحيانًا بقصص معينة ويعبدون أربابًا معينين، وفق هذا التصور؛ لأن الأمر يتعلق بالغذاء. فمن يجلب الغذاء، ومن يتحكم في الغذاء، ومن يتحكم في المادة، يُعتبر ربًا. هذا هو الاعتبار الذي يتشكل في رؤوسهم: الشخص الذي يجلب المادة ويتحكم فيها ويستطيع تقسيمها كما يريد يصبح، في نظرهم، ربًا.
لكن خلف كل هذا توجد حقيقة أخرى خفية: المادة نفسها هي مادة. فالمادة الموجبة والمادة السالبة، في هذا التصور، ليستا المادة الأصلية، وإنما مادة وهمية، أي مادة ليست هي المادة الأصلية.
كيف يحدث ذلك؟ الإنسان المتعلق بالمادة، والذي لا يرى شيئًا خارج المادة ويقتات فقط من المادة، يصبح جزءًا من المادة، أو بتعبير آخر يصبح هو المادة نفسها. وعندها يصبح رب المادة ورب المائدة غير موجود في ذاته؛ بل يكون موجودًا فقط بسبب الاعتبارات المادية. فلولا الاعتبارات المادية لما كان رب المائدة ربًا أصلًا.
هو رب لأنه يتحكم في المادة. وبذلك يتحكم في الناس، سواء في الناس الذين يحبونه أو في الناس الذين يكرهونه. فالذين يحبونه يحبونه لأنه يتقاسم معهم المادة، والذين يكرهونه يكرهونه لأنه لا يتقاسم معهم المادة ولا يشاركهم فيها.
وهنا يمكن إدخال المادة الوراثية والمادة الغذائية والمادة العلمية والفكرية، وكل نوع من أنواع المادة. فالأرباب يظهرون لأن هناك عدم اقتسام للمادة الواحدة، ولأن الناس لا يعتبرون أنفسهم من مادة واحدة.
ويبقى سؤال يمكن تركه للدارسين: هل هذا حقيقي؟ وهل الروايات التي تقول إننا لسنا من المادة نفسها صحيحة؟ فكل رب من أرباب الفرق يمكن أن يقول إن سبب وجوده وسبب اختلافه عن غيره هو أن الآخرين ليسوا من المادة الوراثية نفسها، وأنهم لا يشتركون معه في المادة نفسها.
لكن وفق التصور المطروح هنا، هؤلاء ليسوا إلا شخصيات قصصية وهمية وغير حقيقية، وجدت في القضية كغذاء. هم أنفسهم الغذاء؛ إما أنهم يتغذون أو يُتغذى عليهم. فهم المتحكمون أو القابلون للتحكم، ومن لا يتغذى عليهم ينقسم بدوره إلى غير قابل للتحكم، وهكذا تتشكل الشخصيات داخل القصة.
المهم هنا أن الشخصيات التي تراها في القصة هي غذاء أصلًا، وهي المادة أصلًا: مادة وراثية، مادة غذائية، مادة علمية، مادة فكرية، أو أي مادة أخرى. والمادة التي تساعدك في الهضم، وتساعدك في الوجود، وتغذيك، هي التي تتفاعل معها. فإذا كنت مؤيدًا لها، ترفع يدك وتقول: «أنا مع هذه المادة». وإذا كانت لا تساعدك أو لا تراها مناسبة لك، تقول: «أنا ضد هذه المادة» أو «أنا أعارض هذه المادة».
لكن هذا التأييد أو المعارضة نفسه يصبح تغذية للقصة، أي تغذية للمادة وتغذية لكاتب القصة أو قارئ تلك المادة.
ومن هنا يمكن فهم نظرة المتحكمين في المادة إلى الناس. هم ينظرون إليكم على أنكم مادة. خذ مثلًا الآباء والأمهات، فإذا أردت أن تفهم كيف يمكن أن ينظر بعضهم إلى أبنائهم من زاوية مادية، فتخيل أنهم يحسبون عدد السنوات التي طبخوا فيها، وعدد السنوات التي غسلوا فيها، وعدد السنوات التي جلبوا فيها الغذاء من الخارج، وعدد السنوات التي وفروا فيها الملابس، وكل ما يحتاجه الطفل.
بهذه الطريقة يمكن تحويل الإنسان إلى أرقام من المادة، ويمكن التحكم فيه من خلال هذه المادة. لكن قبل أن تقول إن هذا جيد أو سيئ، عليك ألا تدخل مباشرة في الحكاية. فإذا دخلت في الحكم، أصبحت جزءًا من القصة. فالمادي ينظر إلى الأمر من زاوية مادية، وهذا طبيعي بالنسبة إليه، لأنه يعتبر نفسه أصلًا عبارة عن هذا الشيء.
وهكذا يصبح الجالسون على المائدة مواد أو بطاريات يتم شحنها بمادة معينة لكي يتم استعمالها من جديد كبطاريات. «لقد غذيناك»، «نحن لا نحتاجك الآن»، «سنستدعيك عندما نحتاجك»، وفي المواسم أو الظروف الطارئة يتم استدعاؤك من جديد.
ويمكن رؤية صورة رمزية مشابهة في الأسطورة اليونانية أو الإغريقية، حيث تروي الأساطير أن الآلهة خلقت البشر ليكونوا خدمًا لها. لكن وفق القراءة المطروحة هنا، لم يكونوا قد خلقوا الإنسان بالمعنى الحقيقي، وإنما تبنوا الإنسان وفرغوه من كل شيء، ثم أعادوا الكتابة عليه واعتبروه بطارية تمدهم بما أودع فيها.
مثل الخادم الذي يذهب إلى المخزن ويحمل الخمر أو الغذاء ويأتي به إلى سيده؛ فهو يحمل شيئًا ليس له لكي يقدمه إلى غيره. والخادم هنا أداة لتحقيق مراد الآلهة أو السادة. يُعطى له الشيء لكي يحمله، وليس لكي يكون له هو بالضرورة.
حتى الأرض، وفق هذه الصورة، يمكن أن تُفهم بوصفها جزءًا من دورة المادة: لا تفسد نفسك كثيرًا، وفي النهاية تأتي وتدفن في الأرض، فتتحول المادة نفسها إلى غذاء للمادة. فالأرض تلتهم الجسد، والمادة تتغذى على المادة، والسادة يستغلون العبيد، والعبيد يستمرون داخل الدورة نفسها.
وهنا نصل إلى التعديل الذي حدث في الإنسان: الهوس بالمادة. فالإنسان لم يكن مهتمًا بالمادة بهذه الدرجة، ثم دخل إليه هذا الهوس، فأصبح مهتمًا بالمادة كثيرًا. ومن هنا انقسم الناس بين كاره للمادة ومحب للمادة.
لكن لكي تكره شيئًا بهذا المعنى، يجب أن تكون القضية كبيرة في اعتبارك؛ فالإنسان لا يقول عادة إنه يكره شيئًا لمجرد أنه أزعجه قليلًا. الكراهية نفسها تحتاج إلى اعتبار كبير. وهكذا يصبح الحب والكره للمادة وجهين للتعلق نفسه.
ولا ينبغي أن يصل الإنسان إلى درجة يقول فيها: «أنا أحب المادة». لأنك عندما تجعل حب المادة هو مركز حياتك، فأنت تعمل في خدمة المادة. قد تدخل عملًا يأخذ وقتك وجهدك وكل ما لديك، وفي النهاية تصبح أنت عبارة عن مادة فقط، حتى لو كانت تلك المادة «محبوبة».
قد تكون هناك شخصية في فيلم نحبها ونفعل من أجلها الكثير، لكنها ستظل داخل ذلك الصندوق، داخل الفيلم، داخل القصة. ولذلك لطالما كان التحذير من قضية الحب، وليس الحب كحب في حد ذاته، وإنما من أن يتحول الحب إلى هوس.
هناك فرق بين الحب والهوس. فقد يكون الإنسان محبًا، لكن عندما يصبح مهووسًا، يتغير الأمر. والأخطر أن بعض الناس يظنون أنفسهم محبين وهم في الحقيقة مهووسون، وبعض المهووسين يظنون أنفسهم محبوبين. ولذلك يمكن أحيانًا استبدال كلمة «الحب» بكلمة «الهوس» لفهم ما يحدث بصورة أوضح.
فالإنسان الذي أصبح لا يستطيع أن يعيش إلا من خلال المادة، والذي تم التعامل معه على أنه مادة فقط، يصبح جزءًا من المنظومة التي تتحكم في المادة. وهذه هي الفكرة التي أردت توضيحها: المشكلة ليست في وجود المادة فقط، وإنما في الاعتبار الذي نعطيه لها، وفي تحول الإنسان إلى مادة، وفي تحوله من إنسان يتعامل مع المادة إلى شخصية تعيش داخل قصتها وتغذيها وتُستخدم من خلالها.
هذا هو الأمر الذي كان المقصود توضيحه: كيف يتحول الاعتبار إلى تعلق، وكيف يتحول الحب والكره إلى دخول في القصة، وكيف تصبح المادة مائدة، والمائدة اعتبارًا، والاعتبار تحكمًا، ثم يتحول الإنسان نفسه إلى مادة داخل القصة، سواء كان مؤيدًا لها أو معارضًا لها، ما دام قد أعطاها اعتبارًا أصلًا.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق