ما ليس طبيعيًا ليس بالضرورة سيئًا
ليس كل ما هو غير طبيعي أو غير عادي سيئًا. فالوجود غير الطبيعي يمكن أن ينقسم إلى نوعين: وجود خارق للطبيعة ومتفوّق عليها، ووجود منهزم للطبيعة ومتلاشٍ فيها. وكذلك ما وراء الطبيعة يمكن النظر إليه من خلال عالمين: عالم فائق، وعالم سفلي.
ومن هنا يصبح التفريق ضروريًا بين ما يتجاوز الطبيعة لأنه ارتقى فوقها، وبين ما يخرج عنها لأنه سقط إلى ما تحتها. فليس كل خروج عن القانون العام للطبيعة خروجًا في الاتجاه نفسه؛ قد يكون صعودًا، وقد يكون سقوطًا.
وقبل فهم العالم السفلي، لا بد من فهم طبيعة الوجود الفائق، لأن المقارنة بينهما تكشف الفارق الحقيقي بينهما.
نزع الحجاب قد يكون حجابًا أعظم
سبق أن طُرح معنى الحجاب ونزع الحجاب، وقيل إن نزع الحجاب قد يكون في ذاته حجابًا أعظم. فكلما نزعت حجابًا، قد تكتشف أن الحجاب الذي بقي أشد كثافة، لأن الحجاب الذي نزعته كان ألطف من الحجاب الذي لم يُنزع بعد.
ولهذا فإن عملية التقشير والتعرية ليست بالضرورة عملية كشف حقيقي، بل قد تكون في حقيقتها عملية تلبيس. فقد يظن الإنسان أنه كلما كشف شيئًا فقد أظهر الجوهر، بينما قد يكون ما فعله هو نقل الجوهر إلى طبقة أخرى من الإخفاء.
وهنا نصل إلى مسألة الجوهر والمظهر، وهي من أهم المفاتيح لفهم العالم السفلي.
الوجود الفائق وحماية الجوهر
من أهم مميزات الوجود الفائق أن الموجودات فيه ذات لباس مدرّع ومحصّن وكثيف، بمعنى أن جوهرها محمي بدرجة عالية من الهلاك. أما الموجودات الطبيعية، فضلًا عن الموجودات السفلية، فهي معرضة بدرجات مختلفة للفساد والزوال.
والقاعدة هنا أن كل جوهر عارٍ معرض للاضمحلال والانحلال.
في الوجود الفائق يكون الجوهر محصنًا، فلا يكون معرضًا للنزف والهلاك كما هو الحال في الوجود السفلي. ولذلك فإن العالم الفائق، أو الوجود في الوجود الأصل، هو وجود تكون فيه نسبة الفساد معدومة، ويكون فيه الجوهر مضمونًا ومحصنًا.
أما في العالم السفلي، فالعكس يحدث تمامًا.
إبليس صدى موت الجوهر
إذا أردنا أن نتكلم عن إبليس أو العالم الإبليسي بعيدًا عن الكلام الشائع، فيمكن فهم إبليس باعتباره صدى موت الجوهر وتردّد انكشافه.
عندما ينكشف الجوهر ويصبح معرضًا للانحلال، يبدأ الكائن بالبحث عن الشكل؛ لأنه يظن أن الشكل والمظهر يمكن أن يحميَا جوهره من التآكل والهلاك.
لكن العملية تكون معكوسة تمامًا.
فالذي يريد حماية جوهره من الهلاك لا يحميه بالمظاهر، لأن الإفراط في تغطية الجوهر بالمظاهر قد يكون هو نفسه عملية تعرية للجوهر. وكلما حاول الكائن إخفاء جوهره، دل ذلك على أن في جوهره سوءًا أو عيبًا أو مرضًا يخشى انكشافه.
أما صاحب الجوهر السليم فلا يحتاج إلى إخفاء جوهره.
وهنا يظهر الفرق بين من يحاول إخفاء شيء ومن لا يحتاج إلى إخفائه. فالمجرم، مثلًا، يحاول إخفاء الجريمة لأنه يعلم أنها تعرضه للعقاب. وكذلك الكائن الذي يحمل سوءًا في جوهره يحاول حجز ذلك الجوهر داخل مظاهر معينة، معتقدًا أنه بذلك يحمي نفسه، بينما هو في الحقيقة يعاقب نفسه بحجز جوهره داخل تلك المظاهر.
وكلما اعتمد على المظهر أكثر، دل ذلك على ضعف جوهريته وقلة إدراكه للحق، وعلى عدم ثقته بالحقيقة وعدم اعتماده على الحق.
معنى السوء والسيئات
عندما نقول إن في باطن الكائن سوءًا، فلا ينبغي أن يُفهم السوء بالمعنى الذي يريده كل شخص وفق تفسيره الخاص.
السوء هو كل ما يقف بين الكائن وبين نفسه، أو بينه وبين طبيعته، أو بينه وبين إمكان أن يكون في أحسن حالاته.
فالإنسان يستاء عندما يدخل شيء بينه وبين نفسه؛ فإذا دخل خنجر في جسده، فإن المشكلة ليست فقط في وجود الخنجر، بل في أنه أصبح حاجزًا وسببًا للقطع بين الإنسان ونفسه.
ومن هنا يمكن فهم السيئات على أنها حجب وعوائق.
فإذا كان في باطن الكائن عائق، فهذا العائق يجعله غير قادر على أن يكون على طبيعته بأحسن صورة، ويفسد طباعه وأعراضه وسلوكاته. ولذلك فالسوء ليس مجرد صفة منفصلة، بل هو عائق يمنع الكائن من الانسجام مع طبيعته، ويمنعه أيضًا من السمو فوق الطبيعة.
فوق الطبيعة وتحت الطبيعة
إذا كان لدينا مقياس يفرّق بين الوجود الطبيعي والوجود الذي فوقه والوجود الذي تحته، فإن الخروج من الطبيعي لا يعني دائمًا الانحراف.
هناك وجود فوق الطبيعة، وهناك وجود تحتها.
فالذي يخرج من القانون العام الطبيعي إلى حالة أفضل من المعتاد يكون قد تجاوز العادة، لا بسبب الظروف التي جعلته كذلك، بل بسبب شيء في داخله جعله لا يتبع الطبيعة السيئة التي قد تفرضها ظروفه.
قد تكون ظروف الإنسان سيئة، ومع ذلك لا يكون هو سيئًا.
وهذا هو معنى أن يكون خارقًا للعادي: أن يخرج من القانون العام الذي يجري على العموم إلى قانون خاص، طابعه خالقي ونسمي هذا بالوجود الذي فوق الطبيعة وهو الوجود الطابع.
أما الشياطين أو الأباليـس، فهم أيضًا خرجوا من القانون العام الطبيعي، لكن خروجهم كان إلى قوانين ظالمة؛ تحكمهم قوى ظالمة وإرادات ظالمة ونوايا ظالمة، وهي نفسها السيئات.
فالسيئات يصنعها المرء، ثم تقوده إلى عالم الأباليـس.
السيئة عائق يصنعه الإنسان لنفسه
إذا كانت السيئات عوائق، فإن الإنسان هو الذي يصنع هذه العوائق.
كيف يصنعها؟
بأن يعيق الطبيعة.
فإذا بدأ الإنسان في إعاقة الطبيعة، أصبح أسفل الطبيعة، وإذا بدأ يساعد الطبيعة على التحسن، أصبح فوق الطبيعة.
لكن ينبغي الانتباه إلى أمر مهم: الهدف ليس أن تكون على طبيعتك فقط.
كثيرون يقولون: «عد إلى طبيعتك»، وكأن الطبيعة في ذاتها هي الغاية. لكن كون الإنسان على طبيعته أمر عادي، وليس بالضرورة جيدًا أو سيئًا. الغاية ليست أن تكون على طبيعتك، بل أن تسمو فوق الطبيعة.
فالذي لا يستطيع أن يكون على طبيعته توجد بينه وبين طبيعته عوائق، وهذه العوائق هي السوء. وإذا استمر السوء في داخله فإنه لا يمنعه فقط من الانسجام مع الطبيعة، بل يمنعه أيضًا من تجاوزها، ويغلق عليه داخلها حتى يغرق في أسفل الطبيعة.
ولهذا يمكن القول إن إبليس غارق في عمق بحر الطبيعة، في أسفلها.
سجن السيئات وتعدد القيود
إبليس، وفق هذا التصور، يحمل معيقات كثيرة تمنعه من الصعود. وحتى لو أراد الصعود، لا يستطيع أن يوحّد إرادته نحو الصعود، لأنه مشتت ومتفرق بسبب سيئات متعددة.
ليست هناك سيئة واحدة فقط تسحبه إلى الأسفل، بل أشياء كثيرة.
كلما أراد أن يفك قيدًا وجد نفسه مربوطًا بألف قيد آخر، وكلما فك عائقًا ظهر له عائق جديد.
وهنا ينبغي التفريق بين القيود والقوانين والحدود والآداب والأغلال.
فالآداب ليست أغلالًا، بل هي العكس الصريح للأغلال.
الأدب هو التقيد الطوعي
الأدب هو التقيد الطوعي بالقانون. أنت تتقيد بالأدب لأنك اخترت أن تتقيد به، لا لأن هناك صوتًا فوق رأسك يجبرك عليه.
أما الشيء الذي تتقيد به كرهًا، فهو ليس أدبًا؛ إنه قانون أو قيد، وقد يكون قيدًا للسيئ.
وهناك فرق بين القيود التي يتقيد بها الأخيار والقيود التي يتقيد بها الأشرار.
الأشرار لا يتقيدون إلا كرهًا، بينما الأخيار يتقيدون طوعًا. ولذلك تكون قيود الأخيار آدابًا طوعية، أما قيود الأشرار فتتحول إلى أغلال قهرية.
وبما أن إبليس ينتمي إلى عالم الكره والإكراه والحتم والقهر، فهو مغلول بالأغلال. ولذلك ينظر إلى القانون باعتباره عدوًا له، ويراه مجحفًا وظالمًا، لأن القانون يقيده ويرميه في أسفل درجات الوجود.
القانون بالنسبة إليه عدو، لأن القانون نفسه يتعامل معه باعتباره عدوًا.
الحسنات تتحول إلى آداب
كما تتحول السيئات مع مرور الوقت إلى أغلال، تتحول الحسنات في المقابل إلى آداب.
والأدب عادة متفوقة، أو تفوق على العادة.
قد يكون لدى الإنسان سلوك إضافي ليس مفروضًا عليه بطبيعته، لكنه يختاره طوعًا ومحبة. ومع استمرار اختياره له، تتحول تلك العادة الإضافية إلى شيء يسمو به فوق العادة الطبيعية.
وهكذا تصبح الحسنات بمثابة مراكب يركبها الأخيار والمحسنون. إنها تميزهم عن غيرهم، وتجعلهم أكثر خصوصية وأكثر تحصينًا.
وفي الوجود الفائق تكون الموجودات مدرعة ومحصنة، لأن الجوهر لا يتعرض للنزف والفساد. وكل ما يُفقد هناك يكون أقرب إلى القشور، وفقد القشور نفسه يساهم في الحفاظ على الجوهر.
أما في العالم الإبليسي السفلي، فالعكس يحدث: يحاولون الحفاظ على القشور ظنًا منهم أن بقاء القشور سيمنع زوالهم وهلاكهم.
لكن الخطأ في ذلك أن منع القشور من أن تتقشر وتفنى قد يمنع الجوهر نفسه من أن يتجدد ويبقى.
لماذا يشوّه إبليس الأنوثة؟
إذا كانت الأنوثة تمثل العادة الكونية والحركة الطبيعية، فإن تشويه الأنوثة يصبح مفهومًا داخل هذا البناء.
فالعادة الطبيعية هي ما يجري بصورة متكررة ومنتظمة: مجيء الشمس، وحركة القمر، وتتابع الأشياء وفق انتظامها. هذه الحركة الطبيعية هي الأنوثة في هذا التصور.
ولهذا يقوم إبليس بتشويه الأنوثة لأنه يرى فيها ما يحجزه ويقيده داخل العادات الكونية، ويمنعه من الخروج منها.
فوجود الأنثى الطبيعية يرهقه، لأنها تمثل الحركة الطبيعية التي يريد خرقها.
إبليس يريد خرق العادة، لكنه لا يدرك أن العادة لا يمكن تجاوزها بمجرد التمرد عليها.
الخارق الحقيقي والخارق السفلي
العالم غير الطبيعي ينقسم إلى عالم سفلي وعالم علوي.
العالم العلوي خرق الطبيعة لأنه تفوق عليها.
أما العالم السفلي فيحاول اختراق الطبيعة، لكن اختراقه لا يجعله فوقها؛ بل يجعله أسفل منها.
وهذا هو الفرق بين الخارق الحقيقي والخارق السفلي.
إبليس يريد خرق الطبيعة وخرق العادة وخرق القانون، وكلما حاول فعل ذلك ازداد سفالة، لأنه لا يستطيع الوصول إلى فوهة الخروج من سجنه.
فكل محاولة للتمرد على العادة تزيد سجنه، وكل محاولة لخرق القانون دون فهمه قد تتحول إلى قيد جديد.
القانون وسيلة لا عدو
للخروج من سجن العادة، ليس المطلوب أن تتمرد على العادات أو القوانين أو القيود، بل أن تعرف كيف تستعمل القانون.
المطلوب أن تعرف كيف تستخدم القيد بحيث لا يقع عليك الجانب السلبي منه، ولا يتحول القانون إلى سلطة فوقية متسلطة عليك.
القانون يمكن أن يصبح وسيلة بين يديك.
وهذا لا يعني أن تكون «فوق القانون» بمعنى أنك فوق الحساب أو لا تخضع له، بل يعني أن تسمح بالحساب.
فإذا سمحت بالحساب، أسرعت عملية الحساب وانتهت بسرعة. أما إذا حاولت عرقلة الحساب، فإنك تفرض على نفسك مزيدًا من القيود والرقابة والتدقيق.
من يعقّد القانون يعقّد حسابه
يمكن تصور الأمر من خلال شركة تخضع لتدقيق دوري من إدارة الضرائب.
إذا طلبت السلطة الاطلاع على سجلات الشركة في إطار طبيعي وعادي، وتعاونت الشركة معها، فلا يوجد في ذلك ما يثير الشك.
لكن إذا رفضت الشركة التعاون، يبدأ السؤال: لماذا ترفض؟ ماذا تخفي؟ هل هناك تهرب ضريبي؟ هل هناك شيء غير معلن؟
وبالتالي، كلما صعّبت الشركة عملية التدقيق، زادت الشكوك، وزادت الرقابة، وزاد التدقيق، وربما أصبح الحساب أكثر عسرة.
وهذا هو الفرق بين من يسهّل الحساب ومن يحاول التملص منه.
الذي لا يحاول التملص من الحساب يكون حسابه يسيرًا، لأنه لا يحتاج إلى تدقيق عميق. أما الذي يخفي ويحاول التهرب، فيتعمق الحساب في شأنه أكثر فأكثر، وكلما تعمق الحساب ظهرت أسباب أخرى لمزيد من التعمق.
ولهذا يكون إبليس من الكائنات التي يكون حسابها عسيرًا وعميقًا، لأنه من الكائنات التي تحاول التملص من الحساب وإخفاء ما لديها.
الحساب اليسير والحساب العسير
هذا المعنى يظهر أيضًا في مفهوم الحساب اليسير والحساب العسير: هناك من يمر حسابه بيسر، وهناك من يتعمق حسابه بسبب ما يحمله وما يحاول إخفاءه.
فالحساب ليس في ذاته المشكلة، ولا ينبغي أن يتحول القانون إلى معضلة.
المطلوب هو أن تعرف القوانين، وأن تعرف كيف تحول القانون من شيء خارجي متسلط عليك إلى شيء داخلي يصبح صديقًا لك.
لأنك إذا اعتبرت القانون شيئًا خارجيًا يتسلط عليك ثم قاومته، فإنك تصنع حالة من التمرد، وفي النهاية تكون أنت الخاسر.
لا يوجد قانون منفرد أو سلطة منفردة
لا يوجد قانون حر منفرد، ولا يوجد قانون هو القانون الوحيد الذي لا يضبطه شيء.
هناك قانون يضبط قانونًا، وسلطة تضبط سلطة، وسلطة أخرى تضبط سلطة أخرى.
ولا توجد سلطة تستطيع أن تقضي عليك بشكل مطلق، لأن الحكم يجري وفق قوانين متعددة ومستويات متعددة.
وفي النهاية توجد السلطة الإلهية الجامعة التي تضبط السلطات كلها، وهي منضبطة بميزان لا يقبل الخطأ والظلم.
ومن هنا فإن قول الإنسان «سأكون مظلومًا» قد يكون ناتجًا عن عدم معرفته بصلاحه وبالأبواب المتاحة أمامه.
لا يوجد باب واحد فقط
إذا لم يُفتح لك باب، فهذا لا يعني أن الوجود أغلق أبوابه كلها أمامك.
هناك أبواب أخرى يمكن طرقها، وطرق أخرى يمكن السير فيها.
والذي يفشل في اختبار يمكن أن يُفتح له اختبار آخر حتى ينجح. لا يوجد بالضرورة اختبار مفصلي نهائي يجعل الفشل فيه نهاية كل شيء.
هناك دائمًا أبواب وطرق، ولا يوجد عائق كلي يجعل الإنسان في حالة شلل مطلق.
ومن هنا يمكن فهم خطأ الاعتقاد بأن فساد منظومة ما يعني فساد المنظومة كلها.
قد يوجد فساد في مستوى صغير، أو مستوى فرعي، أو مستوى تفصيلي، لكنه يبقى داخل الحكم الكلي، وقابلًا للمعالجة ضمن الحكمة الكلية.
لا يمكن أن تفسد المنظومة كلها
إبليس ومن يتبعه قد يتوهمون إمكان الفساد الكلي للمنظومة، لكن هذا غير ممكن ضمن هذا التصور.
قد يوجد خلل في جزء، وقد يوجد فساد في مستوى، لكنه لا يتحول إلى فساد كلي للمنظومة، لأن هناك دائمًا حكمًا أعلى يضبطه ويعالجه.
ولذلك، حتى لو كنت في أعمق ورطة يمكن تصورها، فهذا لا يعني أن الوقت قد فات، ولا يعني أنك هالك بالضرورة.
هناك دائمًا آليات وسلوكيات وأبواب مفتوحة أمام التائبين، والراجعين، والمسيئين، والمذنبين، والعصاة، بل حتى أمام أشد الحالات سوءًا.
هناك دائمًا مراكز للمعالجة، ومراكز للهداية، ومراكز للتعليم، ومراكز للإرشاد.
وفي أعمق ورطة يمكن أن توجد يد من أيدي الله، أو مساعدة من سواعد الله، مهما بلغ تعقيد الورطة.
وما يبدو لك معقدًا جدًا يظل بسيطًا مقارنة بتعقيد المنظومة الإلهية.
ولهذا فكل شيء يمكن أن يتصلح، باستثناء من لا يريد أن يتصلح، ومن يرفض الإصلاح نفسه.
كل من كانت فيه نية صالحة يمكن إصلاحه، ولو ذرة بعد ذرة.
تعدد السلطات والقوى في الوجود
في هذا الكون قوى وسلطات وقوانين لا تعد ولا تحصى.
ولا يتعلق الأمر بالقوانين الطبيعية فقط، بل بالقوانين التي فوق الطبيعة والقوانين التي تحتها، بما فيها قوانين العوالم المتمردة.
هناك أوامر يمكن أن تدخل الإنسان إلى السجن، وأوامر يمكن أن تعفو عنه. هناك أوامر تقبض عليه، وأوامر تطلق سراحه. وهناك قوى أو سلطات قد تنظر إليه باعتباره عدوًا، وأخرى قد تنظر إليه باعتباره صديقًا.
ولهذا لا ينبغي للإنسان أن يعيش في مشاحنة دائمة مع السلطة، بل عليه أن يفهم تعقيد السلطة.
فالسلطة في الوجود ليست كتلة واحدة.
نعم، في النهاية السلطة لله، ولكن في طريقة المعالجة توجد سلطات متعددة: سلطة العلم، وسلطة الرزق، وسلطة المال، وسلطة الحكم، وسلطة الحكمة، وسلطة الجمال وغيرها.
وهذا لا يعني أن هذه السلطات تتضارب في النهاية، لأن جميعها تجتمع في النهاية ضمن السلطة الجامعة.
قد يبدو للإنسان أن سلطة العلم تمنعه من الرزق، أو أن سلطة الرزق تمنعه من الحكمة، أو أن الحكمة تقف في طريق شيء آخر. لكن هذا المنع ليس بالضرورة منعًا كليًا.
ما يبدو صراعًا قد يكون بداية وئام
قد يبدو أن هناك تضاربًا بين الفروع، بينما يكون الأمر في الحقيقة جزءًا من تنسيق أكبر.
فالمنع ليس دائمًا منعًا نهائيًا، والضبط ليس دائمًا إلغاءً.
كل شيء له سبب، وكل شيء له حكمة.
ولهذا لا توجد سلطة واحدة منفردة، بل توجد سلطات متعددة، وتوجد سلطة جامعة محيطة بها جميعًا، توفّق بين العناصر المختلفة.
ومن الخطأ أن نحكم على المنظومة بحكم تجزيئي لا يرى الصورة الكاملة.
فليس كل وفاق وفاقًا حقيقيًا، وليس كل صراع صراعًا حقيقيًا.
قد ترى صراعًا بين شيئين تظنهما عدوين، بينما يكون ذلك الصراع بداية وئام بينهما.
وقد ترى شيئين متوافقين وتظنهما صديقين، بينما هما في الحقيقة في هدنة فقط.
ولهذا قبل أن تطعن في المنظومة أو تطعن في السلطة، عليك أن تفهم الآليات المعقدة التي تسير بها العناصر مع بعضها البعض.
محكمة فوق محكمة وحكم فوق حكم
هناك محكمة فوق محكمة، وحكم فوق حكم، وأمر فوق أمر.
فوق كل ذي علم عليم، وفوق حكم حكم آخر، وفوق الأمر أمر آخر.
ولا يوجد أمر طاغٍ بصورة مطلقة، ولا يوجد أمر يمكنه أن يكون الأمر الفصل النهائي بمعزل عن بقية المنظومة.
وفي النهاية، لا شيء يطغى بصورة مطلقة، لأن ما يبدو لك طاغيًا قد يكون طغيانه في نظرك ناتجًا عن إصرارك على رفض دوره في القضية.
أنت ترى الشيء طاغيًا لأنك ترفض الدور الذي يؤديه ضمن الصورة الأكبر.
فهم الجمع هو فهم الحقيقة
قد يبدو الكلام قصيرًا، لكنه في الحقيقة معقد، وفيه أمور مترابطة.
ومن لم يفهمه يمكنه أن يعيد سماعه، ومن لم يستوعبه يمكنه أن يكتبه ويجزئه إلى فصول، ثم يحاول أن يربط بين الفصول ويجمع بينها.
لكن لا تقل إنك فهمت حتى تفهم الجمع.
لأن فهم العناصر منفردة لا يعني فهم الشيء الذي يجمع بينها.
يمكن أن تعرف أن هذا الحرف هو «ألف»، وأن هذا الحرف هو «باء»، لكن معرفتك بالألف والباء منفصلين لا تعني أنك فهمت معنى كلمة «أب».
عندما نقول «أب»، فنحن لا نقصد الألف وحدها ولا الباء وحدها، بل نقصد الألف والباء مجتمعين في تركيب واحد.
وهكذا الأمر في هذه القضايا كلها.
عندما نقول الجوهر والمظهر، والطبيعة وفوق الطبيعة وتحتها، والقانون والقيد والأدب، والحساب والسلطة، والسلطات المتعددة والسلطة الجامعة، فنحن لا نقصد كل عنصر منفردًا فقط، وإنما نقصد أيضًا المجموع الذي يجمع هذه العناصر كلها.
فمن يعرف العناصر ولا يعرف الجمع بينها لم يفهم الصورة الكاملة بعد.
إن فهم الحقيقة هنا لا يقوم على معرفة كل جزء منفصلًا فقط، بل على معرفة العلاقة التي تجمع الأجزاء، والنظام الذي يجعلها تعمل معًا، والمكان الذي يحتله كل عنصر داخل المنظومة الكلية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق