تمهيد العودة إلى الإنسان الكامل
قبل أن نكمل الحديث عن الإنسان الكامل، لا بد من العودة إلى بعض الأفكار التي سبق طرحها، لأن القضية الجديدة لا يمكن فصلها عن الأسس التي بني عليها الكلام السابق. ومن أهم هذه الأسس قضية الحرية والقيود، ثم قضية الرجل المعاقب والأنثى المعاقبة، وما يرتبط بهما من معنى الذكورة والأنوثة، والعلاقة بين الجوهر والشكل، وبين الالتزام والنتيجة.
لقد طُرحت سابقًا فكرة أن الحرية والعذاب وجهان لعملة واحدة، وأن الإنسان لا يستطيع أن يثبت حريته إلا إذا نفى النعمة. فعدم التمتع بشيء يمكن أن يكون دليلًا على الحرية، لأن الذي يتمتع بشيء ما يكون مقيدًا بالأداة التي تمكنه من التمتع به. فالإنسان السميع لديه أذن، والأذن شرط للسمع وأداة له، والإنسان البصير لديه عين، والعين شرط للبصر وأداة له. ومن لا يملك العين لا يملك البصر، ومن ثم فإن التمتع بالوجود نفسه لا ينفصل عن الشروط والحدود والقيود التي تجعل هذا الوجود ممكنًا.
ومن هنا يصبح السعي إلى التحرر من جميع القيود سعيًا إلى التحرر من الوجود نفسه؛ لأن إزالة الشروط التي تجعل النعمة ممكنة تؤدي في النهاية إلى الهلاك والعدم. والعدم هنا ليس مجرد حالة أخرى من حالات الوجود، بل هو انتفاء فرصة الوجود، واقتراب من الاستحالة. وما يقترب من الاستحالة لم تعد لديه فرصة لأن يكون.
ولهذا تكررت ثلاثة مفاهيم متصلة ببعضها: العدم، والمستحيل، والوهم. فالنتيجة التي تأتي بلا عملية حقيقية هي وهم، والنتيجة التي لا تقوم على شروطها لا تكون نتيجة حقيقية أصلًا. وما لا يمكن أن تحصل عليه من خلال عملية وشروط وقواعد يصبح اقترابًا من العدم والاستحالة. ولذلك فالعدم هو أيضًا الوهم والمستحيل والعذاب؛ لأنك لا تستطيع أن تحصل على ثمرة حقيقية من دون عملية تؤدي إليها.
الوجود بين قيد الذكورة وقيد الأنوثة
إذا أردنا النظر إلى الوجود من هذه الزاوية، فإن أول قيد من قيوده هو أن الإنسان يكون في سجلات الوجود مقيدًا بكونه ذكرًا أو أنثى. أي أن كود الوجود، قبل الدخول في تفاصيله الأخرى، ينقسم إلى كودين رئيسيين: كود الذكورة وكود الأنوثة.
ومن هنا جاء الحديث عن الرجل المعاقب والأنثى المعاقبة. فالرجل المعاقب هو الرجل الذي يريد أن يتحرر من القيود التي هي في الأساس جزء من كونه ذكرًا؛ ولذلك قيل إنه رجل لا يريد أن يكون رجلًا. والأنثى المعاقبة هي الأنثى التي تريد التحرر من القيود التي هي في الأساس جزء من كونها أنثى.
لكن المقصود هنا ليس بالضرورة أن الرجل المعاقب يريد أن يتحول إلى أنثى، ولا أن الأنثى المعاقبة تريد أن تتحول إلى ذكر. الحقيقة الأعمق في هذا التصور هي أن الرجل المعاقب لا يحب الأنوثة أصلًا، كما أن الأنثى المعاقبة لا تحب الذكورة أصلًا. فالقضية ليست مجرد انتقال من جنس إلى جنس، بل رفض للآخر الذي يقوم بدوره المقابل.
فالذكر الذي يحب الأنوثة يحب الذكورة، والأنثى التي تحب الذكورة تحب الأنوثة؛ لأن كل طرف لا يُفهم في عزلة عن الطرف الآخر، بل من خلال العلاقة التي تقوم بينهما.
العلاقة لا تقوم بلا شروط
العلاقة بين الذكر والأنثى، مثل أي علاقة حقيقية، علاقة مشروطة. بل إن كل علاقة حقيقية مشروطة، ولا توجد علاقة بلا شروط على الإطلاق. فإذا أزلنا الالتزام والعهد والوعد والقيد من العلاقة، لم يبقَ لدينا شيء يمكن تسميته علاقة.
إذا التقينا بذكر لا يتقيد بأي شرط، وأنثى لا تتقيد بأي شرط، فإن ما بينهما لا يكون علاقة حقيقية، لأن العلاقة لا تقوم إلا على الالتزام. ولذلك فإن ما يجمع الرجل المعاقب بالأنثى المعاقبة ليس بالضرورة حبًا حقيقيًا، وإنما قد يكون رغبة مشتركة في الانتقام من الشروط التي يعتبران، وفقها، فاشلين أو رافضين لها.
ولهذا يتعذبان ببعضهما ولا يتنعمان ببعضهما. فالذي يتنعم بالآخر هو الذكر الذي يلتزم بشروط ذكورته والأنثى التي تلتزم بشروط أنوثتها. وكما أن الأذن شرط للسمع والعين شرط للبصر، فإن الشروط ليست عدوًا للنعمة، بل هي مقدمة النعمة.
فالنعمة في أصلها نتيجة تتحقق عبر شروط معينة. وإذا ألغيت الشروط ألغيت الأساسات التي تقوم عليها النتيجة.
الثمرة الحقيقية لا تأتي من العشوائية
يمكن فهم ذلك من خلال مثال الزراعة. إذا أردت الحصول على ثمرة حقيقية، فلا بد أن تزرع، وأن تختار البذرة المناسبة، وأن توفر لها البيئة المناسبة، وأن تتعامل معها وفق شروط تجعلها تنمو بشكل سليم. أنت كمزارع تقوم بدورك، والأرض تقوم بدورها، والبيئة تقوم بدورها، والبذرة تقوم بدورها، وكل عنصر من هذه العناصر يدخل في العملية التي تنتج الثمرة.
أما إذا تركت الأمر للعشوائية والفوضى، فلا يمكنك أن تتوقع ثمرة حقيقية. أن تضع سمادًا لهذا المكان، وتغيره لهذا، وتتصرف بلا حكمة ولا قاعدة، يعني أنك تتجه بالمزرعة نحو الهلاك بدل الإنتاج.
ومن هنا تصبح الثمرة المحرمة، في هذا التصور، هي الثمرة التي تأتي بلا شروط؛ لأنها ثمرة عشوائية لم تقم على قيود وعهود والتزام. وانعدام الشروط يجعل الثمرة غير حقيقية، لأنك نزعت الأساسات التي كان ينبغي أن تبنى عليها.
وهكذا فإن عدم التقيد بالشروط يعني ترك الأمر للفوضى، والفوضى ليست طريقًا إلى الثمار.
لماذا لا يحب الرجل المعاقب النساء؟
إذا سألنا: لماذا لا يحب الرجل المعاقب النساء في قرارة نفسه؟ يمكن تبسيط الأمر بالقول إن هناك شعورًا بأن الأنثى أخذت مكانه، كما تشعر الأنثى المعاقبة بأن الذكر أخذ مكانها. ومن هنا يظهر الحسد الدفين والغيرة والرغبة في الانتقام.
الرجل المعاقب يريد أن ينتقم من الأنوثة عن طريق الخروج من دوره. لكن خروجه من دوره كذكر لا يؤثر فيه وحده، بل يجعل قيام الأنثى بدورها غير منتج أيضًا؛ لأن النتيجة لا تحصل إلا بقيام الذكر والأنثى بدوريهما معًا.
كما في الزراعة: لا يكفي أن يكون المزارع موجودًا، ولا يكفي أن تكون الأرض موجودة، ولا تكفي البذرة وحدها. لا بد أن تقوم العناصر بأدوارها ضمن العملية نفسها. فإذا خرج أحد العناصر عن دوره، تعطلت العملية.
ولهذا فإن خروج الذكر عن دوره قد يصبح في الحقيقة إفشالًا للأنثى وإرغامًا لها على الخروج من دورها أيضًا. فالذي لا يريد أن يكون في دوره لا يريد، في الوقت نفسه، أن يرى الطرف الآخر مستقرًا في دوره؛ لأن وجود الآخر في دوره يضع أمامه أحكامًا تكشف أنه هو غير صالح للعملية.
والشيء نفسه ينطبق على الأنثى المعاقبة التي تريد إخراج الرجل من دوره؛ فهي لا تريد للرجل أن يكون في مركز دوره، لأن وجوده فيه يسلط عليها أحكامًا تكشف مدى صلاحيتها للعملية.
الاتحاد المزيف وحلف أهل العقاب
من هنا يمكن فهم الاتحاد بين الرجل المعاقب والأنثى المعاقبة بوصفه اتحادًا مزيفًا، شبيهًا باتحاد أشخاص لا يجمعهم الحب وإنما تجمعهم مصلحة سفلية: سرقة شيء، أو زعزعة شيء، أو إشعال فتنة.
فهما قد يمدحان بعضهما بعضًا، وقد يصف كل واحد منهما الآخر بأنه متحرر أو متنور أو مسالم، لكن هذا المدح لا يعني بالضرورة وجود حب حقيقي. بل قد يكون كل واحد منهما يذكّر الآخر، ولو بصورة خافتة، بأنه مخطئ.
فالأنثى المتحررة، حين ترى الرجل، حتى لو كان متحررًا مثلها، قد تراه تذكيرًا بدورها الطبيعي، والرجل يرى الأنثى تذكيرًا بدوره. ولذلك فإن الحب والسلام اللذين يظهران بينهما قد يكونان شكليين إذا كان ما أخذ من الذكورة والأنوثة هو الشكل دون الجوهر.
وهنا يظهر الفرق بين الحب الشكلي والحب الجوهري. من يحب حقًا لا يقول إن الحب يلغي القيد؛ لأن الجوهر نفسه هو التقيد والالتزام.
الجوهر هو الالتزام
قد يقول شخص: «لو كنت تحبني حقًا، لما قيدتني». لكن السؤال ينقلب هنا: ما العلاقة التي لا يوجد فيها التزام؟
إذا كان هناك حب حقيقي، فهناك وفاء ووعد وعهد وشروط. ومن يحب يقيد نفسه بالشروط التي تحفظ العلاقة، أما من لا يحب فلا يريد أن يقيد نفسه.
حتى في أبسط الأمثلة: إذا كنت تقود دراجة أو سيارة أو طائرة، فعليك أن تتقيد بالمسار الخاص بك. عدم التقيد بمسارك قد يؤدي إلى الهلاك، وإخراج الآخرين عن مساراتهم يؤدي إلى الفوضى، ولا يعود أحد آمنًا في مساره.
ومن هنا يصبح احترام المسار الخاص جزءًا من السلام. والرجل الأصل، وفق هذا التصور، لا يسير في المسار المعاكس؛ لأن المسار المعاكس خاص بالأنثى. وهو يقدس الخصوصية، وكونه يملك مساره الخاص يجعله مطالبًا باحترام المسارات التي ليست خاصة به.
الخصوصية ليست عدوانًا
قد يبدو الإنسان الذي يتمسك بمساره، ويدافع عن حدوده، وكأنه عدواني أو نرجسي أو ظلامي في نظر من لا يرى معنى الخصوصية. لكن الدفاع عن الشيء الخاص لا يعني الاعتداء على الآخرين.
أن تقول: «هذا مساري، وهذا الشيء خاص بي، ولا أريد أن يدخل أحد إليه أو يرغمني على الخروج منه»، ليس عدوانًا في ذاته. بل إن محاولة إجبار الإنسان على الخروج من مساره هي التي قد تكون اعتداءً على خصوصيته.
والغريب أن من لا يدافع عن خصوصيته قد يريد من الآخرين أيضًا ألا يدافعوا عن خصوصياتهم؛ لأن دفاع الآخر عن حدوده يجعله يشعر بأن عدم دفاعه عن حدوده كان خطأ.
لذلك فإن اتهام شخص بالغرور أو الأنا لمجرد أنه يقول: «لا أريد أن أكون مثلك» لا يكفي لإثبات شيء. فإذا كان الاستنارة لا تتحقق إلا بأن أصبح نسخة منك، فإن رفضي لأن أكون مثلك لا يجعلني بالضرورة غير مستنير، بل يعني فقط أنني أتمسك بخصوصيتي.
القوانين طريق الأمان
يمكن تقريب الفكرة أكثر من خلال قوانين المرور. لماذا توجد قوانين المرور؟ لكي تضمن لكل قائد مركبة قدرًا من السلامة بمجرد التزامه بها.
إذا قالت لك القوانين: مر، فإن مرورك يكون ضمن نظام يضمن سلامتك. وإذا قالت لك: توقف، فإن توقفك يكون جزءًا من النظام. ومن يخالف القانون هو المخطئ، لا من يلتزم به.
ولهذا فإن وجود القوانين من أكبر منابع الأمان في الوجود. والعالم الذي لا توجد فيه قواعد يصبح عالمًا عشوائيًا وظالمًا.
أما الذي يقود بطريقة عشوائية ثم يسخر من شخص يسير في مساره وفق القانون، فيصفه بالرجعي أو المتخلف لأنه لا يقود كما يشاء، فهو في الحقيقة يريد تحويل العشوائية إلى قاعدة.
لو قاد الجميع بهذه الطريقة، لما استطاع أحد أن يخرج إلى الطريق بأمان؛ لا الراكب، ولا السائق، ولا راكب الدراجة، ولا الماشي على قدميه.
ومن هنا فاحترام خصوصية كل نوع وجنس ومسار ليس إلغاء للمساواة، بل اعتراف بالاختلاف. فليست كل الطرق متساوية في طبيعتها، وليست كل المركبات متشابهة، ولا الناس متشابهين، ولا كل القضايا تصلح لها القاعدة نفسها. قد يصلح أمر في حالة واحدة ولا يصلح في عشرات الحالات الأخرى.
خصوصية الرجل ومسؤولية الرجل عن نفسه
إذا كان مطلوبًا من الرجل أن يحترم خصوصية المرأة، فعليه أولًا أن يحترم خصوصيته هو. والرجل الذي لا يقدس الحدود، ولا يتقيد، ولا يلتزم، لا يستطيع أن يطالب المرأة بفهم معنى الخصوصية.
قبل أن يطالب الرجل المرأة بأن تراه مختلفًا عن الأنثى، يجب عليه أن يكون هو نفسه مختلفًا، وألا يخلط نفسه بالنساء. فإذا خلط الرجل نفسه بالأنثى، كان للمرأة أن تقول: لا أرى فرقًا بيني وبينه، لأنه هو نفسه لم يصنع فرقًا.
فالخصوصية تبدأ من الإنسان نفسه. والرجل الذي يريد من المرأة أن تميز بينه وبينها يجب أن يكون أولًا قد ميز نفسه، وقدس هويته وحدوده وشخصيته والتزامه.
وهنا لا تكون المشكلة في المرأة وحدها، لأن الرجل الذي لا يطبق ما يطالب به لا يستطيع أن يطلب من غيره الالتزام به.
الطاعة ليست طاعة الشخص بل طاعة الحق
ومن هنا تظهر قضية الطاعة. فليس المقصود أن المرأة تطيع الرجل لمجرد أنه رجل، ولا أن الرجل يطيع المرأة لمجرد أنها امرأة. السؤال الحقيقي هو: في ماذا تكون الطاعة؟
إذا كان هناك مبدأ حقيقي وقانون مفيد وحكم حكيم، فالأولى أن يطبقه صاحبه قبل أن يطالب غيره بتطبيقه.
لو وُجد قانون حقيقي، فلا معنى لأن يقول واضعه: أنا لا أطبقه لأنني أنا الذي وضعته. وإذا كان القرار حكيمًا، فالحكمة لا تتغير بحسب كون من ينفذه رجلًا أو امرأة.
فالقضية ليست طاعة شكلية لشخص، بل اتباع جوهري للحق. والرجل الذي يقول للمرأة: «أطيعيني» أو «أطيعيني لأنك مخلوقة لطاعتي» دون أن يقدم مبدأ أو حكمة أو حقًا يستحق الاتباع، لا يطلب طاعة حقيقية، وإنما يطلب شكل الطاعة.
أما إذا كان هناك حق واضح، فالإنسان العاقل يتبعه لأنه حق، سواء كان رجلًا أو امرأة.
الرجل الذي يتبع النساء والفرق بين الشكل والجوهر
الرجل الذي يتبع النساء شكليًا ليس بالضرورة رجلًا يحترم المرأة أو يحبها حقيقة. قد يكون منبهرًا بالشكل فقط.
وهذا الاتباع الشكلي يمكن أن يؤدي إلى نزيف الجوهر؛ لأن الرجل الذي يترك الجوهر ويتبع الشكل يفقد شيئًا من كمال ذكورته. وكمال الذكورة، وفق هذا التصور، ليس في اتباع الشكل، وإنما في اتباع الجوهر.
ولهذا لا يصح أن يطالب الرجل المرأة بأن تتبع الجوهر بينما هو نفسه لا يتبعه. فالمرأة ترى الرجل الذي لا يحترمه أصحابه ولا يقدرونه، ثم يأتي ليطالبها بأن تقدره وتطيعه، فتسأل: لماذا؟
وكذلك لا يستطيع رجل لا يلتزم بما يقول أن يطالب المرأة بالالتزام. فإذا كان الرجل نفسه غير جوهري، فكيف يريد من المرأة أن تتبع جوهرًا لا يطبقه هو؟
الرجل يبدأ بالمثال
إذا أراد الرجل أن يدعو إلى الاحتشام، فعليه أن يكون هو نفسه محتشمًا. وإذا كان الاحتشام حقًا، فالأولى أن يبدأ به من نفسه.
إذا كان الرجل يقول إن العري يشتت النظر ويؤثر في التركيز، فعليه أن يكون هو أول من يضبط نظره. فالعين في رأسه، ويستطيع أن يغض بصره.
وهذا لا يعني رفع المسؤولية عن المرأة، وإنما يعني أن صدق الدعوة يبدأ من صاحبها. متى تكون دعوتك صادقة؟ عندما تكون أنت مثالًا لما تدعو إليه.
فإذا كان الشيء الذي تدعو إليه حقًا، فطبقه أنت، ولا تجعل صدقه متوقفًا على أن يتبعك الناس. إن اتبعك غيرك تضاعف الخير، وإن لم يتبعك أحد، فقد اتخذت سبيل النجاة والسلامة لنفسك.
ومن هنا يظهر معنى قوله إن بعض الناس يقولون ما لا يفعلون؛ فالذي ينظر بعمق لا يكتفي بما يقال، بل ينظر إلى مطابقة القول للفعل.
الحكم ليس شكليًا
الحكم الحقيقي ليس حكمًا شكليًا. فإذا قيل عن شخص إنه مفسد أو ضال، فالمقصود في هذا الطرح ليس مظهره وحده، وإنما جوهر فعله وموقفه.
ولهذا يجب التفريق بين الحكم الجوهري والحكم الشكلي. فالمشكلة في الحكم الشكلي أنه لا يرى أبعد من المظهر، بينما الحكم الجوهري يبحث في الحقيقة التي تقف وراء المظهر.
كما أن فساد القواعد والأصول يحدث عندما يتحول الغرض منها إلى مجرد إرضاء الشكل أو الوصول إلى غاية سفلية. فإذا صار الهدف هو اتباع النساء أو الحصول على القبول منهن، أصبحت القواعد ثانوية، وأصبح المبدأ خادمًا للشهوة بدل أن تكون الشهوة محكومة بالمبدأ.
ولإعادة القواعد إلى مركزها، يجب أن يتوقف الرجل عن اتباع المرأة شكليًا، وأن يعود إلى الجوهر.
الرجل المعاقب والأنثى المعاقبة كهدّامين
الرجل الذي يتمرد على المبادئ والقواعد ليس بنّاءً، بل هدّام. والرجل المعاقب، في هذا التصور، هدام؛ لأنه ناكث للعهود، وكذاب ومنافق عندما يرفض الالتزام بما يقوم عليه البناء، ويصبح هدفه اللذة والهدم والاستهلاك والهلاك.
والأنثى المعاقبة كذلك غير صالحة للبناء ما دامت لا تقبل القواعد والمبادئ والالتزام بها.
فلا يوجد بناء بلا قواعد ومبادئ. ومن ثم فإن حلف الرجل المعاقب مع الأنثى المعاقبة هو حلف للهدم والفوضى والفتنة، لا حلف للبناء.
وشتان بين من يبني شيئًا سليمًا لا يأتي منه الفساد ولا يطرأ عليه الأذى، وبين من يهدم. والفرق بينهما كالفرق بين الخير والشر، وبين الوجع والنعمة، وبين البلاء والنعمة.
ومن لا يستطيع أن يرى الفرق بين الصلاح والفساد لن يستطيع أن يرى الفروق الأخرى؛ لأنه لا يرى الفرق بين العمى والإبصار، ولا بين الحق والباطل.
الإنسان الكامل والاقتداء بالحق
بعد هذه المقدمة يمكن العودة إلى الإنسان الكامل.
لقد قيل إن الإنسان الكامل في ذروة العبودية، أي في ذروة الاتباع. ووفق هذا المعنى، فإن الإنسان الكامل مقتدٍ بالحق جوهرًا وشكلًا.
الإنسان الكامل هو القدوة الحسنة والكاملة التي يُقتدى بها، لا لأنه قدوة من ذاته، وإنما لأنه يرى ما لا يراه الآخرون، ويصون ويحفظ ويتذكر الحقيقة الغائبة عن أعين الناس.
وهذه الحقيقة ليست غائبة بصورة مطلقة، وإنما قد تكون غائبة شكليًا وحاضرة جوهريًا. والإنسان الكامل يكشف له ما غاب عن الآخرين لأنه متقيد ومتبع للحق في الجوهر.
فالذي يتبع الحق في الجوهر يكشف له ما غاب شكليًا من الحق. وهناك أمور قد لا تظهر في عالم العرض الآن، لكنها تكون حاضرة في الجوهر، ثم تظهر آثارها وعلاماتها في النهاية.
كما أن المرض قد يكون موجودًا قبل ظهور أعراضه، لكن عندما تظهر الأعراض يصبح وجود المرض ظاهرًا في عالم العرض. والإنسان الكامل لا ينتظر حتى تظهر أعراض العذاب والفساد لكي يعرف أنه يسير في الطريق الخطأ، بل يستبق ظهور العلامات، ويكشف ما لم يظهر بعد من علامات الصلاح والفساد.
وهذا هو المقصود بالحقيقة الغائبة: ليست حقيقة معدومة، وإنما حقيقة لم تظهر بعد في الشكل.
الرجل المعاقب لا يحب الرجل الذي يحب النساء
ومن هذه الزاوية يمكن فهم قضية أخرى: لماذا أصبح في هذا الزمان يُنظر أحيانًا إلى الرجل الذي يحب النساء وكأن حبه للنساء أمر غير جيد؟
لأن الأنثى المعاقبة قد تعمل على جعل الرجل يكره النساء، فهي لا تحب الرجل الذي يحب النساء، لأن هدفها أن يتوقف الرجل عن حب النساء.
وكذلك الرجل المعاقب لا يحب المرأة التي تحب الرجل، لأنه يريدها أن تترك اتباع الرجل وتتبعه هو. فيقول لها بصورة ضمنية: لا تتبعيه، اتبعيني أنا، وسأغنيك عن الحقيقي، وسأقدم لك ما يغنيك عنه.
ومن هنا يمكن أن تظهر علاقة ظاهرها الجذب والحب، بينما جوهرها عكس ذلك تمامًا. وقد يبدو بعض هؤلاء في غاية الجاذبية والاستعداد للبناء، بينما تكون الحقيقة في الداخل مختلفة.
وهذا يفسر كيف يمكن أن يكون ما نراه عكس ما هو موجود فعلًا؛ فالمظهر قد يقول شيئًا، بينما الجوهر يقول شيئًا آخر.
الانتقاء الطبيعي حين يغيب الجوهر
إذا غاب أهل الجوهر، ولم يعد هناك إيمان جوهري بالجوهر، فإن الاختيار يتحول إلى حالة عشوائية شكلية وعرضية. وهذا هو الانتخاب أو الانتقاء الطبيعي عندما يصبح الشكل هو أساس الاختيار.
حينها تختفي القيم الجوهرية ويخفت الجوهر، ويصبح التزاوج والبناء قائمين على أمور شكلية، حتى يصبح الإنسان أدنى من الحيوان أو شبيهًا به في طريقة الاختيار.
فبدل أن يكون الاختيار قائمًا على الجوهر، يتحول الإنسان إلى منافسة في الشكل: من يخرج ريشه أكثر، ومن يبدو أكثر جذبًا، ومن يملك مظهرًا أقوى. ويصبح الأمر قريبًا من طاووس يستعرض ريشه لكي يُختار عشوائيًا.
وعندما يختفي الجوهر، يصبح الشكل هو الحاكم.
الأنثى محور الشكل إذا غاب الخالق من المعادلة
من هنا يمكن فهم الكلام الذي يجعل الأنثى محور الوجود والاختيار. فإذا افترضنا غياب الخالق والخلق والمبادئ والقيم والمعايير، فلن يبقى إلا الشكل المحض.
وفي الشكل المحض تصبح الأنثى هي المحور؛ لأن الأمر يتحول إلى مادة وشكل وغريزة واختيار عرضي. فإذا لم يوجد خالق، فلا يعود هناك معنى للحق والباطل، ولا معنى للصح والخطأ، ولا معيار يمكن أن نحاسب به الظلم أو نحكم به على الصلاح والفساد.
ولهذا فإن القول بأن الأنثى هي الأصل أو المحور قد يكون صحيحًا بنيويًا داخل نموذج لا يعترف إلا بالشكل، لكنه يظل ناقصًا لأنه نسي عنصر الخالق.
فالخالق هو الذي يجعل للحق والباطل معنى، وللصح والخطأ معنى، وللقيمة والحدود والقواعد معنى.
أما إذا أزلنا الخالق، فسنبقى أمام شكل محض بلا معيار حقيقي للحكم عليه.
الطبيعي ليس دائمًا جيدًا
من هنا تأتي ضرورة التمييز بين الطبيعي وغير الطبيعي.
قد يقول شخص إن الرجل بطبيعته خاضع للمرأة، وإن الرجل الذي لا يخضع لها غير طبيعي. لكن مجرد كون شيء طبيعيًا لا يجعله بالضرورة جيدًا، كما أن كون شيء غير طبيعي لا يجعله بالضرورة سيئًا.
فالإنسان قد تكون له عادة سيئة، وقد تكون هناك طبيعة سيئة، ولذلك قد تكون مخالفة العادة أمرًا جيدًا. وإذا كانت الطبيعة أو العادة سيئة، فإن الخروج منها قد يكون انتقالًا من طبيعة سيئة إلى طبيعة حسنة.
ولهذا يجب تقسيم ما هو غير طبيعي إلى ما هو فوق العادة وما هو تحت العادة. فالشيء غير المعتاد ليس بالضرورة دائما سيئًا، قد يكون حسننا وقد يكون سيئا.
الرجل الجيد فوق الغريزة
الرجل الجيد، في هذا التصور، هو الرجل الذي يستطيع أن يتفوق على الغريزة، لا الرجل الذي تحكمه الغريزة.
فالإنسان الذي تحكمه غرائزه وطبيعته يكون محكومًا بها، بينما الإنسان الذي يستطيع التحكم في غرائزه وطبيعته يكون متفوقًا عليها.
ولهذا لا يجوز تعميم الحكم على الرجال بالقول إن «الرجل كذاب» أو إن «الرجال هكذا». فالتعميم غير صالح؛ لأن رجلًا قد يكذب مرة، وآخر قد يكذب أكثر، وثالث قد لا يكذب أصلًا.
المقصود إذن ليس الرجل بإطلاق، بل الرجل الذي يتبع غريزته ويفعل أي شيء للوصول إليها دون مقاومة. فالغريزة لا تعترف بالصواب والخطأ، وإذا جعلت الغريزة هي الحاكم، أصبحت الطرق كلها مباحة للوصول إلى غايتها.
ومن هنا فإن الرجل الذي يتبع الغريزة ليس بالضرورة هو الرجل الذي يستحق أن يُتبع فهو رجل يخضع للعادة ونحن نبحث عن رجل يخرج من العادة ليكون فوق لعادة وأرقى من العادة.
تحمل الخسارة الشكلية من أجل الربح الجوهري
إذا أراد الرجل أن يهذب طبيعته، فعليه أن يتحمل الخسارة الشكلية.
الرجل الذي لا يستطيع تحمل الخسارة الشكلية تبقى الطبيعة مسيطرة عليه، أما الذي يستطيع أن يخسر شكليًا في سبيل أن يربح ضمنيًا وجوهريًا، فإنه يستطيع تهذيب طبيعته.
وقد يكون الإنسان أمام خيارين: أن يربح شكليًا ويخسر جوهريًا، أو أن يخسر شكليًا ويربح ضمنيًا وجوهريًا. والاختيار الأول، وفق هذا المنطق، هو اختيار أحمق؛ لأن الربح الشكلي لا يعوض الخسارة الجوهرية.
ولهذا فالحرية من الطبيعة الوهمية لا تعني الهروب من الوجود، بل تعني القدرة على عدم عبادة طبيعة سيئة أو الخضوع لها عندما تكون هي نفسها عائقًا أمام الكمال.
تربية الرجل والخروج من الشرنقة
الرجل، مثل الطفل، يحتاج إلى تربية تساعده على التمييز والانضباط والخروج من العادات السيئة.
ولهذا طُرحت سابقًا فكرة أن الطفل يحتاج إلى تربية مختلفة، وأنه بعد مرحلة معينة ينبغي عزله عن بعض عادات المنزل، حتى يتعلم الاستقلال والخروج من شرنقته، ويعتاد على تحمل الخروج عن طبيعته الأولى عندما يكون الخروج وفق إرشاد حقيقي.
فالخروج عن الطبيعة ليس أمرًا سيئًا دائمًا. وقد يكون مطلوبًا عندما تكون الطبيعة أو العادة التي تحكم الإنسان سيئة.
المهم هو ألا يكون الخروج عشوائيًا، بل أن يكون خروجًا موجّهًا نحو الأفضل.
الرجل والمرأة بين الظاهر والجوهر
المشكلة الأساسية إذن ليست في أن يكون الإنسان ظاهرًا أو باطنًا، بل في الفصل بينهما.
التقيد الشكلي لا يكفي وحده إذا كان القلب خاليًا من الجوهر، لأن التقيد بلا جوهر قد يكون نفاقًا. لكن وجود الجوهر لا يجعل الشكل بلا قيمة.
فالقول إن الإيمان في القلب فقط يمكن أن يصبح بابًا لترك التقيد بمجمله، بينما الإيمان الحقيقي، في هذا الطرح، يظهر في الباطن والظاهر معًا.
فإذا كنت تحب شيئًا حقًا في داخلك، فما الذي يمنعك من إظهار أثر هذا الحب في الخارج؟ وإذا كان الجوهر موجودًا، فلماذا يكون التقيد الشكلي عبئًا عليك؟
القلب هو الأساس في معرفة الصدق، لكن الشكل يمكن أن يكون علامة على وجود ما في الداخل. ولهذا فإن التقيد الشكلي بلا جوهر نفاق، بينما الجوهر الذي يرفض أي أثر ظاهر له يحتاج إلى سؤال: ما الذي يمنع هذا الجوهر من الظهور؟
التقيد الشكلي وأهمية التفاصيل
التقيد الشكلي ليس أمرًا ثانويًا. فاللباس والأكل والشرب والكلام وكل التفاصيل تدخل في معادلة الكمال.
لا يمكن للإنسان أن يقول إن بعض التفاصيل لا علاقة لها بالحقيقة إذا كان كل شيء مرتبطًا بالخلق. فكل شيء له علاقة بالحق من حيث علاقته بالخلق.
والشيء الذي يفقد أهميته هو الشيء الذي يفصل عن المركز. فإذا ربطت الشيء بالخلق أصبح مهمًا، وإذا فصلته عن المركز أصبح بلا أهمية.
ومن هنا فإن الرسالة من الخالق إلى الإنسان تعلن أهمية الإنسان بالنسبة إلى الخالق، وأهمية الخالق بالنسبة إلى الإنسان. والإنسان الذي يفصل نفسه عن هذه العلاقة يفقد معنى أهميته.
ولهذا ينبغي النظر إلى الأشياء الصغيرة بنظرة الأهمية؛ لأن الإنسان الذي يهمل الصغير قد يصل في النهاية إلى إهمال الكبير. البناء الكبير يتكون من صور وحجارة وأسوار وتفاصيل صغيرة، ومن لا يهتم بالتفاصيل قد يفتح الباب لزعزعة البناء كله.
التقيد الشكلي علامة فارقة
ما الذي يفرق بين المؤمن وغير المؤمن، في هذا الطرح؟ التقيد الشكلي يمكن أن يكون علامة فارقة.
إذا كان الإنسان متقيدًا شكليًا، فهذا يدل على أن هناك تقيدًا ضمنيًا وراء الشكل، أو على الأقل أن الإيمان له أثر ظاهر. أما إذا رفض التقيد الشكلي تمامًا، فلا يعني ذلك بالضرورة أنه غير مؤمن، لكنه يفتح علامة استفهام حول طبيعة إيمانه.
فالشخص الموقن عادة لا يخجل من إظهار ما يؤمن به. وإذا كان يرى الحق حقًا، فما الذي يمنعه من الأخذ به؟
ولهذا فإن التقيد الشكلي مهم، مع بقاء القلب هو الفيصل الأخير في معرفة حقيقة الإنسان.
الصدق مع النفس ومطابقة الداخل للخارج
علامة صدق الإنسان أن يطابق فعله قوله، وقوله فعله، وأن يتطابق ما في داخله مع ما يظهر منه.
إذا كان الإنسان صادقًا، ثم لم يتبعه الناس، فالأمر لا يخرج عن نطاقه. هو أدى ما عليه، أما استجابة الآخرين فهي قضيتهم.
المشكلة تبدأ عندما يكذب الفعل القول، أو يكذب الظاهر الباطن.
فإذا كان الاحتشام حقًا، فليبدأ به من يدعو إليه. وإذا كان الالتزام حقًا، فليكن الداعي أول الملتزمين. وإذا كان المبدأ صحيحًا، فلا ينبغي أن يتوقف صدقه على إعجاب الناس به أو اتباعهم له.
الحق لا يصبح حقًا لأن الناس اتبعوه، ولا يصبح باطلًا لأن الناس رفضوه.
الإنسان الكامل هو المثال المتطابق
وهنا نعود إلى الإنسان الكامل.
الإنسان الكامل ليس كاملًا لأنه ادعى الكمال، ولا لأنه فرض نفسه قدوة، وإنما لأنه مقتدٍ بالحق جوهرًا وشكلًا. هو لا ينتظر أن تظهر النتائج والأعراض والعلامات حتى يصدق الحقيقة، بل يستبقها لأنه يتبع الحق في جوهره.
وهو كذلك لا يجعل بين الباطن والظاهر انفصالًا. لا يقول إن القلب يغني عن كل شكل، ولا يجعل الشكل بديلًا عن القلب. بل يجمع بينهما.
فالإنسان الكامل هو الإنسان الذي تتحد فيه الحقيقة الداخلية مع صورتها الخارجية، ويتحول الالتزام عنده من قيد يكرهه إلى شرط للنعمة، ومن حدود يخاف منها إلى طريق يحفظ وجوده، ومن قواعد يراها عائقًا إلى أساس للبناء.
العودة إلى معنى الحرية
إذا عدنا في النهاية إلى فكرة الحرية الأولى، سنجد أن الحرية ليست التخلص من كل قيد.
فالإنسان الذي يريد التحرر من الأذن حتى يسمع، ومن العين حتى يرى، ومن الشروط التي تمنحه النعمة، لا يتجه إلى حرية أعلى، بل إلى العدم.
الوجود نفسه قائم على القيود. والنعمة قائمة على الشروط. والعلاقة قائمة على الالتزام. والبناء قائم على القواعد. والأمان قائم على القانون. والخصوصية قائمة على الحدود. والجوهر يظهر أثره في الشكل.
ولهذا فإن الحرية الحقيقية ليست أن تفعل كل شيء بلا قيد، بل أن تعرف أي القيود هي التي تحفظ وجودك، وأي القيود هي التي تهدمك، وأي طبيعة ينبغي أن تطيعها، وأي طبيعة ينبغي أن تتجاوزها.
فالإنسان الذي لا يميز بين هذه الأشياء لا يستطيع أن يرى الفرق بين الصلاح والفساد، ولا بين الحق والباطل، ولا بين العمى والإبصار، ولا بين النعمة والعذاب.
أما الإنسان الكامل، فهو الذي يميز، ويتبع الحق، ويلتزم به في الجوهر والشكل، ويعرف أن الطريق إلى الكمال ليس بإلغاء القيود، وإنما بمعرفة القيود التي يقوم عليها الوجود، والالتزام بها عن وعي، والخروج فقط من القيود والطبائع التي تمنعه من الوصول إلى الحق.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق