ما وراء الستار: حين يهتزّ اليقين
ماذا يوجد وراء الستار؟ إن الذي يعي حقيقة ما وراءه قد يرتعد من الهول والويل، ومن تساقط القطع في طاحونة لا ترحم، حيث تتفكك الأشياء وتفقد أشكالها، ويغدو كل ما كان يبدو ثابتًا عرضةً للانهيار. ماذا يوجد خارج حدود العقل سوى انفلات خطر غير معيّن، وفوضى لا يستطيع المرء أن يحيط بمداها أو أن يتنبأ بنهايتها؟
لقد ذهبت ورأيت، وقبل أن أغرق، وجدت كل شيء يغرب ويتلاشى، فقلت في طيات سري: يا من لا يغرق، يا من لا يفنى حين يفنى كل شيء، ويا من يبقى حين تتلاشى الآثار، ما الذي يمكن أن يبقى إذا عصفت العاصفة، ونسفت الأشكال نسفًا، وذاب كل شيء في الحميم؟ إن المشهد الذي تتراءى فيه الشكوك وهي تنخر أساسات أكثر الأشياء رسوخًا في نفوسنا مشهد ترتعد له الحواس؛ إذ يهتز ما كنا نعدّه أوثق ما نثق به، كورقة تذروها الرياح، ويجد العقل نفسه أمام ما لا يطيق احتماله.
في تلك اللحظة، لا يعود السؤال مجرد سؤال عن المجهول، بل يصبح سؤالًا عن إمكان بقاء أي شيء إذا انهارت الروابط التي تحفظ الأشياء على هيئتها، وإذا ذاب كل ما نعرفه في فوضى لا تترك للمرء موضعًا يستند إليه. ما الذي قد يبقى إذا لم يبق شيء على حاله؟ وأي رابطة يمكن أن تصمد إذا زلزل هذا العالم زلزالًا يكسر الروابط كلها؟ وإذا فقد المرء كل ما كان يربطه باليقين، فبأي شيء يتمسك كي لا يسقط؟
إن هذه الأسئلة ليست هينة، ولا يستطيع الإنسان أن يتعامل معها باعتبارها مجرد مغامرة فكرية عابرة؛ لأن المسألة تتعلق بالأساس الذي يقوم عليه إدراكه، وبالروابط التي تمنحه القدرة على التمييز بين الأشياء، وبالحدود التي تحفظه من أن يندفع إلى ما لا يستطيع الرجوع منه.
الحفظ: الغشاء الدقيق بين العقل والجنون
إن بين العقل والجنون غشاءً دقيقًا اسمه الحفظ والصون. وهذا الغشاء هو الذي يفصل بين ما يستحق أن يُمسك به وما ينبغي أن يُترك، وبين ما يمكن للعقل أن يقترب منه بأمان وما قد يؤدي تجاوزه إلى الهلاك. إنه حدّ رفيع، دقيق وممحّص ومميّز، لا تظهر قيمته الحقيقية إلا عندما يقف المرء على حافة الانهيار، فيدرك أن ما كان يحفظه لم يكن قيدًا يحرمه من شيء، بل كان أساسًا يمنعه من السقوط.
لقد وجدت عقلي يناجي موجده من حيث لا أدري، وقلبي يحاول الصمود في دركات الوهم، وكأن شيئًا في أعماقي كان يبحث عن نقطة ارتكاز وسط عالم تتساقط فيه النقاط والروابط. وفي تلك اللحظات أدركت أن العقل ليس مجرد قدرة على التفكير، ولا مجرد أداة لتحليل الأشياء، بل هو نعمة تحفظ للإنسان إمكان الرجوع، وتمنحه أساسًا يستطيع أن يعود إليه إذا اضطربت عليه الأمور.
ومن يستخف بالعقل إنما يستخف بعقله، ومن يستخف بعقله يعرّض نفسه لأن يستخف به كل شيء. فهناك عالم يصبح فيه المرء موضع سخرية الأشياء، ويسمع ضحكاتها عليه، وكأنها تقول له: يا مخدوع، يا مسحوق، لقد ظننت أنك تملك الطريق، فإذا بك قد فقدت الطريق الذي كان يحفظك.
ذلك هو الجحيم حين يتحول الإدراك إلى أداة للعذاب، وحين يصبح المرء عاجزًا عن العودة إلى الأساس الذي كان يضمن له التمييز. وليس أشد على الإنسان من أن يدرك خطأه بعد أن يفقد القدرة على إصلاحه، أو أن يرى السقوط بعدما يكون قد سقط بالفعل؛ إذ لا ينفعه عندئذ إدراك السقوط كما كان سينفعه قبل وقوعه.
إن العقل لا ينبغي أن يُعامل باعتباره عائقًا يجب التخلص منه، ولا باعتباره حاجزًا ينبغي اختراقه لمجرد الرغبة في اكتشاف ما وراءه. فليس كل ما يُحجب عن المرء خيرًا مخفيًا عنه، وليس كل باب مغلق دليلًا على أن وراءه نعيمًا ينتظره. قد يكون الحجب نفسه جزءًا من الحفظ، وقد يكون الامتناع عن تجاوز حدّ معين هو ما يصون للإنسان إمكان البقاء والعودة.
وهم الجنون وخداع المجهول
إن الجنون مادة هائجة خدعت كثيرين، وجعلتهم يظنون أن ما وراء حدود العقل أوسع من عالمهم، وأن تجاوز ما يحفظهم سيقودهم إلى حقيقة أعظم أو نعيم لا يعرفونه. لكنهم، عندما يدخلون في التيارات التي اندفعوا إليها، قد يدركون أن الوقت قد فات، وأن العقل الذي سلّموه لتلك التيارات لم يعد قادرًا على استعادة ضبطه السابق.
وهنا تكمن خطورة الوهم: فهو لا يقدم نفسه دائمًا في صورة الخطر، بل قد يتزيّن في صورة المعرفة، أو الكشف، أو التحرر، أو الوعد بالخروج من الحدود التي يظن المرء أنها تحاصره. وقد يأتي من يخبر الناس أن العقل لم يوجد إلا ليحجب عنهم الخير، وأن ما وراءه هو الحقيقة التي ينبغي لهم بلوغها، فيدعوهم بذلك إلى قطع الحد الفاصل بين السلامة والهلاك.
لكن من يدعو الإنسان إلى إلقاء نفسه في المجهول، ويطلب منه أن يتخلى عن أساساته وبديهياته من غير أن يقدم له أساسًا ثابتًا بديلًا، لا يقدم له بالضرورة طريقًا إلى النجاة. إن الوعد لا يصبح حقيقة لمجرد أنه يبدو جذابًا، ولا يصبح الطريق آمنًا لأن صاحبه يتحدث عنه بثقة، ولا تكون الدعوة إلى تجاوز العقل دليلًا على أن ما وراء العقل نعيم.
إن ما يحيط بالإنسان من خداع قد يكون دقيقًا إلى درجة أن الأغلبية تنخدع به بسهولة، ولا سيما حين يتخذ الخداع هيئة المعرفة التي يصعب على المرء التمييز بينها وبين الوهم. وقد يكون من يدعو الآخرين إلى ذلك الطريق قد أدرك، في قرارة نفسه، أنه يسير في اتجاه خاطئ، لكنه بدلًا من أن يصحح مساره، يحاول أن يجعل الآخرين يسيرون فيه معه، حتى لا يبقى وحده أمام حقيقة ما آل إليه أمره.
وهذا من أخطر أشكال الخداع؛ لأن المرء لا يكتفي فيه بإفساد طريقه، بل يحاول أن يجعل من ضياع الآخرين وسيلة لتخفيف وطأة ضياعه، أو لتبرير ما وقع فيه. وقد يقدّم لهم الحكايات والتأويلات والتعاويذ التي تجعلهم يظنون أن ما يدعوهم إليه نعيم، بينما هو في الحقيقة يدفعهم إلى طريق قد لا يملكون الرجوع منه.
لقد رأيت من فاتهم القطار، ومن سقطوا في جب اليأس، ورأيت المتحاذقين والمتذاكين حين ظنوا بأنفسهم ظن الوهم، فكان ما مزق الستار عنهم فضيحةً لا تشبه غيرها. وهل تعلمون ما الفضيحة؟ إنها أن يبلغ المرء من الانكشاف مبلغًا يكره فيه نفسه، فيبدأ بترقبها والتربص بها، وكأنه يريد أن يمزق نفسه بيده وأن يجازيها أسوأ الجزاء. إنها لحظة يصبح فيها الإنسان خصم نفسه، ويرى في ما آل إليه أمره اعترافًا قاسيًا بأنه قد أضاع ما كان ينبغي له أن يحفظه.
وليس كل من يتحدث عن هذه التجارب قادرًا على إدراك حقيقتها، ولا كل من يروي ما رآه يملك أن يميز بين ما ينفع الآخرين وما يضرهم. فقد يعود بعضهم من تجربته حاملًا روايات وتأويلات، ثم ينصح الناس بخلاف عقولهم، ويشير إليهم في الاتجاه المعاكس، فيدفعهم إلى المصير الذي وقع فيه، وكأنه يريد أن يذيقهم ما ذاقه.
إنني أقول ذلك من صميم العقل، لا رغبةً في تخويف الناس لمجرد التخويف، بل لأنني أدركت أن الخروج مما يحفظ الإنسان قد لا يكون تجربة يمكن التراجع عنها متى شاء. فبعض الطرق لا تسمح لصاحبها بأن يعود إلى نقطة البداية، وبعض الخسارات لا تترك وراءها ما يكفي لاستعادة ما ضاع.
نعمة العقل: الحبل الذي لا ينقطع
لم أشعر بالامتنان العميق لنعمة العقل كما شعرت به بعد أن أدركت خطورة فقدان الأساس الذي يقوم عليه الإدراك. فالعقل نعمة لا تُعرف قيمتها كاملة إلا حين يرى المرء ما قد يحدث إذا فقدها، وحين يدرك أن ما كان يظنه حدًّا يقيده ربما كان في الحقيقة حبلًا ينزل إليه من موضع ثابت لينقذه من الغرق.
إن العقل الأول، أو الأصل الأزلي الذي يقوم عليه إمكان الضبط والثبات، نعيم لا يشبهه تخيل. إنه الحبل الذي لا ينقطع، والأساس الذي لا يهتز، والفكرة التي لا يمكن هدم أصلها، والقاعدة التي لا يمكن كسرها، والبديهية التي لا يمكن الاستغناء عنها من غير أن يفقد المرء معها ما يتيح له فهم بقية الأشياء.
ولكي أقرب المعنى، تخيلوا عمليات الإنقاذ في القرى والجبال عندما تجتاح السيول الأودية والأنهار، فتشتد المياه ويصبح العبور خطرًا. عندئذ يُمدّ حبل ثابت يستطيع الناس الإمساك به كي يعبروا إلى بر الأمان، أو كي ينقذوا من جرفتهم المياه. فهل يكون هذا الحبل عدوًا لهم لأنه يحدّ من حركتهم؟ وهل يكون التخلي عنه دليلًا على الحرية؟ أم أنه الوسيلة التي تضمن لهم ألا تجرفهم المياه إلى مكان لا يستطيعون العودة منه؟
هذا هو العقل: حبل ممدود بخالقه، ليس ليقيّد الإنسان كما يظن المخرفون، بل ليضمن له السلامة، وليمنحه أساسًا يتمسك به حين تضطرب الأشياء من حوله. إنه ليس نقيض النجاة، بل أحد شروطها؛ وليس عائقًا أمام الوصول، بل ما يجعل الوصول ممكنًا من دون أن يفقد المرء نفسه في الطريق.
ومن هنا، فإن الإنسان الذي يملك عقلًا ثابتًا يستطيع أن يميز بين ما يستحق الثقة وما لا يستحقها، وبين ما يقوم على أساس وما لا يقوم إلا على الوعد. فلا ينبغي له أن يسلّم نفسه لتيار جارف لمجرد أن أحدًا أخبره بأنه سيحمله إلى مكان أفضل، ولا أن يتخلى عن حبل النجاة لأن من حوله أقنعوه بأن الإمساك به علامة ضعف أو جهل.
إن الأشياء التي لا تملك أساسًا ثابتًا لا تستحق أن تُمنح الثقة المطلقة، مهما كانت الوعود التي تقدمها، ومهما بدا أصحابها واثقين من أنفسهم. فالمرء لا يُختبر فقط فيما يصدقه، بل أيضًا فيما يرفض أن يصدقه من دون دليل، وفيما يحافظ عليه حين يحاول الآخرون زعزعة يقينه به.
ذوبان الأشياء: حين لا يبقى برّ أمان
ما معنى أن يذوب كل شيء؟ إن ذوبان الأشياء ليس مجرد اختفاء أشكالها الخارجية، بل هو تصور لانهيار الروابط التي تتيح للإنسان أن يميز بين نفسه وما حوله، وبين الفاعل وما يقع عليه الفعل، وبين الشيء وما يترتب عليه من آثار. فإذا ذابت هذه الروابط، لم يعد الأمر مجرد فقدان لشيء من الأشياء، بل أصبح فقدانًا للأساس الذي يمنح الأشياء معانيها وحدودها.
تخيل إنسانًا يقضم تفاحة، فإذا به يشعر بالقضمة كما لو أنه هو التفاحة نفسها، ويتنفس نفسًا فيشعر أنه ذلك النفس، ثم يريد أن يخرج منه فلا يجد الحد الذي كان يفصل بينه وبين ما يتنفسه. إن هذا التصور يقرب معنى ذوبان الحدود: فلا يعود المرء قادرًا على الاطمئنان إلى وجود برّ أمان ثابت، ولا يجد شيئًا معصومًا من الهلاك في العالم الذي تلاشت فيه الروابط.
إنني أحذركم من أن تنخدعوا بمن يصور ذوبان كل شيء على أنه نعمة، أو يصف انهيار الحدود كلها بأنه تحرر مطلق. فأنتم لن تدركوا وخامة هذا التصور بمجرد سماعه، بل قد لا تدركونها إلا حين تجدون أنفسكم داخل ما كنتم تظنونه نعيمًا، وقد أصبحتم عاجزين عن استعادة الحدود التي كانت تحفظكم.
إن النار، حين تضطرم، ليس من السهل إيقافها، ولا سيما حين لا يكون المرء مستوعبًا لسرعتها ولهيبها ومدى انتشارها وما تلتهمه في طريقها. قد تبدأ من موضع صغير، ثم يجد الإنسان أنها امتدت إلى موضع آخر قبل أن يدرك كيف وصلت إليه؛ وقد يبدأ الخطر بعيدًا عنه، ثم يفاجأ بأنه بلغ عنقه، وأن الماء قد وصل إلى أنفه وهو غافل عن مسار ما يجري.
ولهذا فإن من نجا بأعجوبة يدرك أنه لم يكن يملك الأمر كما كان يظن، وأن النجاة ليست دليلًا على أن كل شيء كان تحت سيطرته. بل قد تكون دليلًا على أنه كان محاطًا بأسباب حفظ لم يكن يعي قيمتها إلا بعد أن رأى ما كان يمكن أن يحدث لو فقدها.
إن وهم امتلاك الأمر والسيطرة المطلقة عليه قد يكون من أسباب الهلاك؛ لأن من يظن أنه قادر على الرجوع متى شاء قد يندفع إلى مواضع لا تتيح له العودة. وليس كل ما يستطيع الإنسان الاقتراب منه يستطيع الخروج منه، وليس كل ما يقدر على بدايته يملك القدرة على إنهائه.
الشفقة على الضالين وثقل الأمانة
إنني، والله، أشعر برأفة عميقة حين أتذكر تلك اللحظات المظلمة؛ فقد أدركت فيها كم نحن مخدوعون، وكم تتجدد محاولات الخداع كل يوم، وكم يمكن أن يكون الوهم دقيقًا حتى تنطلي الحيلة على الأغلبية بسهولة.
ولولا هذه الرأفة لما نطقت. أقسم لكم أن ما يدفعني إلى الكلام ليس الرغبة في التشفي، بل الخوف على من قد يسلكون الطريق نفسه من غير أن يعرفوا ما ينتظرهم. ومع ذلك، فإنني أعلم أن بعض من يروون تجاربهم لا يفعلون ذلك بدافع الشفقة؛ فقد يكون المحرك عندهم هو الانتقام، وقد يحاولون دفع الآخرين إلى الطريق نفسه حتى لا ينفردوا بما آلوا إليه.
إن من أخطر ما رأيته أن بعض الذين يسقطون لا يكتفون بما وقع لهم، بل يحاولون تسليط ما حلّ بهم على غيرهم. إنهم يدعون الناس إلى ما هم فيه، ويقدمون لهم ما يجعلهم يظنون أن الخطر خير، وأن فقدان الأساس تحرر، وأن التخلي عن العقل هو السبيل إلى معرفة أوسع.
وقد يكون المرء منهم قد أدرك أنه يسير في طريق خاطئ، لكنه بدلًا من أن يتراجع، يحاول أن يصوّب الطريق في نظر الآخرين بأن يجعلهم يسيرون فيه. وهذا لا يغير حقيقة الطريق، ولا يحول الضياع إلى نجاة، بل يضاعف عدد من يتعرضون للخطر.
إن المنكرين للحقيقة التي يدركونها، والذين يتخلون عن أنفسهم ويلقون بها في الهلاك، والذين يعمون أنفسهم عن رؤية ما يهددهم، والذين يمزقون أطرافهم المعنوية بأيديهم، ولا يشفقون على أنفسهم، كلهم يثيرون في نفسي شعورًا ثقيلًا بالشفقة. حتى الذين يضحكون من شدة ما وصلوا إليه، أو يستخفون بما يعانون، قد يكونون عاجزين عن مواجهة الحقيقة التي انتهوا إليها.
لقد شعرت أمام ذلك كله بأنني لست أهلًا لحمل هذه الأمانة، وأن ثقلها أكبر مني. وربما كان يقيني بأنني لست أهلًا لها، وحذري من عواقبها، هو ما فصل بيني وبين الانسياق وراءها. فالأحمال تختلف، وليس كل إنسان يحمل الشيء نفسه؛ فمن يحمل السم قد لا يخاف ضياعه كما يخاف من يحمل الترياق أن يفقده. ومن يدرك قيمة ما بين يديه يصبح حذرًا في حفظه، لا لأنه لا يعرف قيمته، بل لأنه يعرفها جيدًا.
إن الحذر هنا ليس جبنًا ولا عجزًا، بل فطنة قد لا يعرف المرء قيمتها إلا لاحقًا. وقد كنت في مرات سابقة أقل دقة في التعبير عن هذه المعاني، وربما كنت أمنّي نفسي وأمنّيكم بأمنية مستحيلة، وهي أن كل شيء قابل للتعلم، وأن الإنسان يستطيع أن يخوض كل تجربة ثم يعود منها كما كان. أما اليوم، فإنني أريد أن أضع معالم الضبط والتحديد، وأن أقول بوضوح إن بعض ما يُفقد لا يُعوَّض، وإن بعض الطرق لا تضمن لصاحبها فرصة ثانية.
لا تعويض لما فُقد: وهم العودة بعد فوات الأوان
والله، إن التعويض في المنام لا يعني أن التعويض ممكن في الحقيقة، وإن الحياة التي نعيشها، والعقل الذي ندرك به، والوعي الذي نتحرك من خلاله، والنعم التي نحيا بها، ليست أشياء يمكن ضمان استعادتها إذا ضاعت.
ما يذهب قد لا يعود، وما يُفقد قد لا يجد الإنسان له بديلًا، وما ينكسر في أساس الإدراك قد لا يمكن إصلاحه بمجرد الندم. إن فكرة أن كل شيء قابل للتعويض قد تمنح المرء طمأنينة زائفة، وتدفعه إلى التفريط فيما يملك، لأنه يتخيل أن ما يضيعه اليوم يستطيع استرجاعه غدًا.
لكنني أقولها لكم من قلب الحدث: ليس كل ما تفقدونه قابلًا للاستعادة، وليس كل من يسقط يستطيع الرجوع. فمن يسقط في هاوية الطاحونة التي تمزق كل شيء لا يملك ضمانًا بأن يعود كما كان، ولا ينبغي لأحد أن يبيع الناس وهم العودة لمجرد أنه يريد تخفيف وقع الحقيقة عليهم.
تخيلوا دلوًا في فضاء لا ينتهي، يسيل ما فيه، وكلما حاول صاحبه استرجاع ما فقده، ازداد ما يضيع منه. إنه يحاول أن يتبع ما تسرب، فيتسرب معه المزيد، حتى يصبح الضياع نهائيًا. هكذا قد تكون بعض الخسارات: كلما حاول المرء اللحاق بما فقده بعد أن تجاوز الحد، وجد نفسه يفقد أشياء أخرى، إلى أن يصل إلى موضع لا يعود فيه قادرًا على استرجاع ما ضاع.
إن من لم يفقد الشيء بعد ما زال يملك فرصة المحافظة عليه، أما من فقده بالفعل فلا ينبغي أن يخدع نفسه بالقول إن العودة مضمونة. والفرق كبير بين من يقف على حافة الفقد، ومن تجاوزها، وبين من لا يزال قادرًا على الإمساك بحبل النجاة، ومن فقد الاتصال به تمامًا.
ولهذا أقول لكم: لا تستخفوا بما تملكون، ولا تتعاملوا مع النعم كأنها أشياء قابلة للتعويض في كل وقت. إن العقل والذاكرة والإدراك ليست أمورًا هامشية في حياة الإنسان، بل هي من الأسس التي تقوم عليها قدرته على معرفة نفسه والعودة إلى ما يحفظها.
الذاكرة: رأس المال الذي لا يُقدَّر بثمن
لقد قلت سابقًا إن الذاكرة شيء لا يُقدّر بثمن، وما زلت أقول ذلك. فالذاكرة ليست مجرد مخزن للماضي، بل هي موضع تحفظ فيه الخبرات والمعاني، ونقطة ارتكاز يعود إليها الإنسان حين يريد أن يتذكر ما تعلمه، أو يستعيد ما أدركه، أو يميز بين ما مر به وما ينبغي له أن يتجنبه.
إن القدرة على التذكر نعمة عظيمة، وحفظ الخير في الذاكرة أمر لا ينبغي الاستهانة به. فالمرء يحتاج إلى أن يدّخر فيها ما ينفعه، وأن يحتفظ بما يعينه على الثبات، بدلًا من أن يجعلها مستودعًا دائمًا للشر الذي يستنزفها ويستولي على انتباهه.
إن الانشغال المستمر بالشر قد يجعل الذاكرة أسيرة لما يؤذي الإنسان، حتى لا يبقى فيها موضع كافٍ لما ينفعه. ولذلك فإنني أدعوكم إلى أن تذكروا الخير، وأن تحفظوا ما يعينكم على الخير، وألا تجعلوا ما يؤذيكم يستولي على ذاكرتكم كلها.
فمن يملك القدرة على التذكر يستطيع أن يعود إلى ما ادّخره من معانٍ نافعة، وأن يجعل من خبرته السابقة أساسًا يقيه تكرار الخطأ. أما من يفقد ذاكرته أو يفقد القدرة على الرجوع إلى ما حفظه، فقد يفقد معه نقطة الارتكاز التي كان يستطيع أن يعود إليها عندما يدرك زيف الوعد الذي انخدع به.
إن الذاكرة أشبه برصيد مدخر، وما يُحفظ فيها من خير قد يصبح في لحظة الحاجة سبيلًا إلى التذكر والرجوع. ولهذا ينبغي للمرء ألا يبدد هذا الرصيد، وألا يملأه بما يستنزفه ويحرمه من الانتفاع به. إن ما نحتاج إليه ليس مجرد ذاكرة ممتلئة، بل ذاكرة تحفظ ما يستحق أن يُحفظ، وتمنحنا القدرة على استعادة المعنى النافع عندما نحتاج إليه.
وليس بين فقدان القدرة على التذكر والرمي بالنفس في الضياع، في هذا المعنى، إلا خطوات قد تبدو صغيرة في بدايتها، لكنها قد تكون حاسمة في نتائجها. فالإنسان الذي لا يعود قادرًا على تذكر ما يحفظه قد يجد نفسه منقطعًا عن الأساس الذي كان يمنحه القدرة على التمييز والرجوع.
إن ما فقدته فقدته، وما لم تفقده بعد لا يزال بين يديك، ولذلك فإن الحكمة ليست في مطاردة كل ما ضاع حتى تضيع معه أشياء أخرى، بل في معرفة ما ينبغي المحافظة عليه قبل أن يفوت الأوان.
لا تسلّموا أنفسكم لليأس
يا أيها الناس، لا تسلّموا أنفسكم لليأس، فإنه عدو لكم مهما اشتدت الظروف، ومهما بدا لكم أن الطريق قد أُغلق. لا تجعلوا الحزن يسيطر عليكم، ولا تسمحوا لليأس بأن ينتزع منكم القدرة على التمسك بما بقي لديكم.
كونوا حريصين على أنفسكم، ولا تؤذوا ذواتكم من أجل أي شيء، ولا تجعلوا وعدًا أو فكرة أو شخصًا يدفعكم إلى التضحية بما لا يمكن تعويضه. فلا ينبغي للإنسان أن يفقد نفسه من أجل أمر يظن أنه سيمنحه النجاة، ثم يكتشف أن ما خسره كان أثمن من كل ما وعده به ذلك الأمر.
إن الخداع كثير، وقد يزداد، وقد تتداخل الأوهام بالواقع إلى درجة يصعب معها التمييز بينهما. ولا أقول لكم إن كل الأبواب قد فُتحت، أو إن الوهم قد امتزج بالواقع امتزاجًا لا رجعة فيه، وإنما أحذركم من أن الخداع قد يظهر في أماكن كثيرة، وأن الاستعداد له يبدأ بالحذر والمحافظة على الأسس التي تقوم عليها أحكامنا.
ليس لي مصلحة في أن أخيفكم، ولا أطلب منكم أن تصدقوا كل ما أقوله لمجرد أنني أقوله. إنما أريدكم أن تكونوا حذرين، وأن تتأكدوا من الأساس الذي تستندون إليه، وألا تسمحوا لأحد بأن يشكككم في البديهيات التي تحفظ لكم القدرة على التفكير والتمييز.
فلا تسلّموا أنفسكم لمن يعدكم بما لا يستطيع إثباته، ولا تتركوا ما تعرفون ثباته من أجل أمر لا تملكون أساسًا واضحًا للثقة به. مهما كانت الوعود، ومهما تكررت، ومهما بدا صاحبها واثقًا، فإن الوعد لا يغني عن الأساس، والكلام لا يغني عن الثبات، والانجذاب إلى المجهول لا يضمن الوصول إلى الحقيقة.
إن الحذر واجب على العقلاء، لأن من لا يعرف معنى الحذر قد يظن أن كل تحذير تخويف، وأن كل تمسك بالأساس ضعف، وأن كل رفض للمغامرة عجز عن اكتشاف الحقيقة. لكنه قد لا يدرك إلا لاحقًا أن الحذر الزائد كان فطنة، وأن التمسك بما يحفظه كان نعمة، وأن بعض الأبواب لا ينبغي الاقتراب منها من دون معرفة ما وراءها وما يترتب على عبورها.
البديهيات والأساس الذي لا ينبغي التفريط فيه
لا تسمحوا لأحد بأن يجعل من التشكيك في كل شيء فضيلة مطلقة، أو أن يقنعكم بأن هدم البديهيات هو الطريق الوحيد إلى المعرفة. فالعقل يحتاج إلى أساس، والمعرفة تحتاج إلى ما تستند إليه، والتمييز لا يمكن أن يقوم إذا انهارت جميع المعايير في وقت واحد.
إن العقل ممدود بخالقه كسلسلة تقيد لكم سبيل النجاة، لا لتمنعكم من الحياة، بل لتمنحكم القدرة على الثبات وسط ما يضطرب من حولكم. ومن هنا فإن المحافظة على العقل ليست رفضًا للمعرفة، ولا إنكارًا لما قد يجهله الإنسان، وإنما هي تمسك بما يتيح له أن يميز بين ما يعرفه وما لا يعرفه، وبين ما يملك عليه أساسًا وما لا يملك.
فإذا جاءكم أحد يدعوكم إلى التخلي عن هذا الأساس، فاسألوه: ما الذي سيحل محله؟ وإذا دعاكم إلى تجاوز كل ما تعرفونه، فبأي شيء ستقيسون ما ستجدونه بعد ذلك؟ وإذا طلب منكم أن تسلّموا أنفسكم إلى تيار لا تعرفون سرعته ولا نهايته، فما الذي يضمن لكم أن تستطيعوا العودة منه؟
إن هذه الأسئلة ليست دعوة إلى الخوف من كل مجهول، وإنما هي دعوة إلى عدم التفريط في شروط السلامة من أجل وعود لا تملك أساسًا ثابتًا. فليس المطلوب أن يتوقف الإنسان عن التفكير، بل أن يحافظ على قدرته على التفكير؛ وليس المطلوب أن يغلق أبواب المعرفة، بل ألا يحطم الباب الذي يستطيع من خلاله الرجوع إلى نفسه.
لقد أدركت أن العقول ليست متشابهة في قدرتها على استيعاب التجارب، وأن ما قد يستطيع شخص تحمله لا يستطيع آخر تحمله بالقدر نفسه. ولهذا فإنني أتحمل مسؤولية ما قد يكون وقع من سوء فهم في كلامي السابق، وأعترف بأنني ربما لم أكن دقيقًا بما يكفي، وربما استخدمت مناورات فكرية خطيرة قد تدفع بعض العقول إلى الشك أو الارتباك، مع أن ذلك لم يكن مقصدي.
فالعقول تختلف، وما قد يبدو واضحًا لشخص قد لا يكون واضحًا لآخر، وما قد يظنه أحدهم تجربة فكرية عابرة قد يتلقاه غيره على نحو مختلف. ولذلك فإن مسؤولية الكلام لا تنفصل عن أثره، ولا يكفي أن يقول المرء إنه لم يقصد الإضرار إذا كان أسلوبه قد أدى إلى إرباك من يستمع إليه.
كلمة أخيرة: تمسكوا بحبل النجاة
لقد شعرت بأن من واجبي أن أقدم هذا البيان الأخير، حتى لا أترك خلفي التباسًا أو ارتباكًا لدى من يعرفونني، أو يتابعونني، أو يثقون بي. أردت أن أضع النقاط على الحروف، وأن أثبت المعنى الذي أريد إيصاله، وألا أترك كلامي السابق معلقًا على احتمالات قد تقود إلى سوء الفهم.
إنني لا أدعوكم إلى أن تسلّموا أنفسكم للخوف، ولا إلى أن تتوقفوا عن التفكير، بل أدعوكم إلى الحذر، وإلى المحافظة على العقل والذاكرة والإدراك، وإلى التمسك بما له أساس ثابت، وإلى عدم الانخداع بالوعود التي تطلب منكم التخلي عن كل ما يحفظكم.
لا تتحدوا التيار لمجرد أنكم تظنون أنكم أقوى منه؛ فقد يقذف بكم بعيدًا إلى موضع تصبحون فيه منسيين، حتى تفقدوا القدرة على تذكر متى بدأتم الطريق، أو كيف وصلتم إلى ما وصلتم إليه. ولا تستخفوا بالعقل، لأنه النعمة التي تمنحكم القدرة على الإمساك بحبل النجاة، وتمييز الطريق الذي يحفظكم من الطريق الذي قد يبتلعكم.
تعلقوا بما هو ثابت، وتحققوا من حكمته، ولا تجعلوا أنفسكم أسرى للأشياء الرخوة التي لا تستند إلى أساس. واحفظوا ذاكرتكم مما يستنزفها، وادخروا فيها الخير الذي تستطيعون الرجوع إليه، ولا تتركوا لليأس أن يقطع صلتكم بما بقي بين أيديكم.
وتذكروا دائمًا أن ليس كل ما يُفقد يُعوّض، وليس كل من يسقط يستطيع العودة، وليس كل وعد بالنجاة دليلًا على أن الطريق آمن. إن الحذر ليس عدو الحرية، والعقل ليس خصم المعرفة، والحفظ ليس حرمانًا من الحياة؛ بل قد تكون هذه جميعًا هي ما يمنح الإنسان القدرة على البقاء، وعلى استيعاب ما يمر به، وعلى العودة إلى نفسه حين تضطرب الأشياء.
إنني أقول لكم هذا من باب الرأفة، لا من باب ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة، ولا لأن لي مصلحة في أن أفرض عليكم ما أقول. وإنما لأنني أرى أن من واجبي ألا أترك من يثقون بي من دون توضيح، وألا أدع كلامًا قديمًا يظل مصدرًا للالتباس بعدما أدركت ضرورة ضبطه وتحديد معناه.
فكونوا حذرين، واحفظوا عقولكم، وصونوا ذاكرتكم، ولا تتخلوا عن أنفسكم من أجل أي شيء. لا تسمحوا لأحد بأن ينتزع منكم البديهيات التي تقوم عليها قدرتكم على التمييز، ولا تجعلوا الرغبة في معرفة المجهول سببًا للتفريط في الأساس الذي يحفظ لكم إمكان الرجوع.
أسأل أن يكون في هذا البيان ما يزيل الالتباس، ويوضح المقصود، ويمنع أن يُفهم كلامي على غير ما أردت. وأعتذر لكل من أساء فهمي، أو وجد في كلامي السابق ما أربكه؛ فقد تكون العقول مختلفة، وقد يكون الخطأ في التعبير أو في الطريقة التي عرضت بها أفكاري.
هذا ما أردت توضيحه، وهذه هي الوصية التي أتركها لكم: تمسكوا بالعقل، واحفظوا الذاكرة، ولا تسلّموا أنفسكم لتيار لا تعرفون نهايته، ولا تفرطوا في شيء لا تملكون ضمانًا لتعويضه. فالحذر فطنة، والعقل نعمة، والحفظ أساس النجاة.
دمتم بخير.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق