شعار الموقع لنسخة الدارك مود

شعار الموقع لنسخة الدارك مود

الإيمان بالذات والخلق: من المجهول إلى المعروف، ومن العذاب إلى النجاة

 أولاً: الشك في الخالق هو شك في حقيقة الخلق

السلام عليكم، أما بعد:

إن من يشكك في وجود الخلق إنما يشكك في وجوده هو، وإن التشكيك في الذات هو بعينه التشكيك في الصفات. فإذا لم توجد القارورة أصلاً، فكيف يمكننا أن نقول إن فيها ماءً أو أي مشروب آخر؟ إننا لا نستطيع أن ننسب شيئاً إلى وعاء غير موجود من الأساس. وكذلك الأمر في علاقتنا بالخالق والخلق؛ إذ لا يمكن فصل الشك في أصل الوجود عن الشك في كل ما يتفرع عنه من صفات وأسماء وحقائق.

تأملوا الأمر باعتبار أن الاختبار الذي أنتم فيه هو اختباركم أنتم، وأنكم، من حيث لا تشعرون، تشاركون في اختيار موقفكم من الخالق. تخيلوا أن الأمر بين أيديكم، وأن عليكم أن تختاروا خالقاً حقيقياً، مكتملاً في صفاته وأسمائه، خالقاً جيداً، لا يشوبه سوء في أصل إحسانه. لماذا ينبغي لكم أن تختاروا ذلك؟ لأن هذا الصنيع، في الحقيقة، هو صنيعكم أنتم، وإن لم تدركوا ذلك.

حين تحسنون الظن بالخالق، وتعتبرونه جيداً في حقيقته، فإنكم تحسنون إلى خلقه، بل إن الخالق يحسن إلى خلقه من خلالكم. وحين تحسنون إلى المخلوقات، فإنكم تشاركون في إظهار إحسان الخالق إليها. أما إذا حكمتم على الخالق بالسوء، فإن ذلك السوء لا يقف عند حدود تصوركم عنه، بل يمتد إلى تصوركم لأنفسكم وللخلق جميعاً.

فمن يعتقد أن الخالق سيئ، إنما يجعل السوء وصفاً يتعدى به إلى المخلوقات، ومن يعتقد أن المخلوقات سيئة في أصلها، إنما يسيء الظن بالخالق الذي خلقها. وهكذا يتدرج الإنسان من الشك في حقيقة الخالق إلى الشك في حقيقة خلقه، حتى يصبح أصل وجوده نفسه موضع ريبة.

إن الخالق الذي يُشك في إحسانه هو، في تصور صاحبه، سبب السوء الذي يراه في الخلق. ولذلك فإن من يعرف الخالق حق المعرفة يعلم أنه لا مجال للشك في إحسانه إلى أي مخلوق، وأن كل أحد محسن إليه بقدر ما يتصل بذلك الإحسان ويعرفه.

وحين تحسن إلى الخلق، فإنك تحسن إلى نفسك أيضاً؛ لأن إحسانك إليهم هو امتداد لإيمانك بالخالق. أما إذا أسأت إليهم، أو جعلت من وجودهم سبباً للشك في الخالق، فإنك لا تكون محسناً إلى نفسك، بل تكون قد أضعفت العلاقة التي تجمعك بالوجود.

وهنا ينبغي التمييز بين من يؤمن بنفسه حقاً، ومن يتظاهر بالإيمان بها. فليس من السهل أن يقول الإنسان إنه مؤمن بذاته، بينما هو في الحقيقة يخاف من وجوده، ويشك في قدرته، ولا يثق في الخالق. إن الإيمان الحقيقي بالذات يقتضي ثقة عميقة بالخالق، إلى درجة أن يثق الإنسان بالخالق أكثر مما يثق بنفسه؛ لأن هذه الثقة هي التي تمنحه القدرة على الإحسان إلى ذاته وإلى غيره.

والعارفون الذين يعرفون سر الخالق يدركون أن إحسانه إلى خلقه ليس أمراً قابلاً للشك. إنهم يعرفون أن الخالق لا يغيب عن حقيقة ما خلق، وأن المخلوق لا ينفصل عن تدبير خالقه، وأن إحسان الخالق ليس مجرد احتمال ننتظره، بل حقيقة ينبغي أن نتعلم إدراكها.

ثانياً: العفوية الإلهية وسر الإحسان

تأملوا علاقة الخلايا بعضها ببعض داخل جسد الإنسان؛ فكل خلية تؤدي وظيفتها، وتتفاعل مع غيرها، وتشارك في تكوين الجسد واستمراره. ليست كل خلية مطالبة بأن تعيد تدبير عمل الخلايا الأخرى، وليست بحاجة إلى أن تعرف جميع التفاصيل حتى تؤدي وظيفتها. هناك انتظام يجمعها، وتلقائية تجعل أجزاء الجسد تتعاون دون أن تضطر كل واحدة منها إلى إدارة الكل.

هذه هي العفوية، وهذه هي التلقائية التي ينبغي أن نتأملها في علاقتنا بالخلق.

إن الواثق بنفسه، المحسن إليها، يستطيع أن يفتح باب العفوية رغم امتلاكه للخطط والتدابير. ورغم ما يقع فيه من أخطاء وذنوب، يستطيع أن يفتح باب المغفرة، ورغم الحروب يستطيع أن يفتح باب السلام. إنه قادر على التفاهم مع غيره على مختلف المستويات، والتعامل معه في مختلف الأحوال، لأن ثقته ليست محصورة في صورة واحدة من صور الحياة.

هذه هي الإلهية التي أقصدها في هذا المقام: أن تكون قادراً على التعامل مع التغير دون أن تفقد أصل الثقة، وأن تظل قادراً على الإحسان رغم اختلاف الأحوال.

وحين نقول إن الله قيوم، فإن القائمين هم الذين يدركون معنى هذا القيام، أما النائمون فلا يدركون أن هناك تدبيراً أعلى من تدبيرهم. يظنون أن الأمر بأيديهم، وأنهم أصحاب القرار المطلق، مع أن الخلق لا يملك أمره استقلالاً.

كيف يمكن للمخلوق أن يدبر الأمر كله وهو نفسه ليس صاحب وجوده؟ إنه لم يختر أصل خلقه، ولم يكن حراً في أن يوجد أو لا يوجد، فبأي معنى يزعم بعد ذلك أنه صاحب الحرية المطلقة؟

إن إدراك هذه الحقيقة لا يعني إلغاء حرية الإنسان في اختياراته، وإنما يعني معرفة حدودها. فالإنسان مخلوق، وحريته واقعة داخل وجود لم ينشئه بنفسه. ولذلك فإن الإيمان بالذات لا ينفصل عن الإيمان بالخالق؛ لأن من لا يؤمن بنفسه يشك في كل شيء، ومن يوقن بذاته يجد في يقينه مدخلاً إلى اليقين بالخالق.

وهنا يجب ألا نخلط بين الأنانية وفعل الخير. فهناك من يظن أن الخير قد يخالف مصلحته، وأن الخالق قد يعذبه لمجرد أنه لم يبلغ صورة الكمال التي يتخيلها. لكن من قال إن الخالق الحكيم الرحيم الرؤوف يريد تعذيب خلقه؟ ومن أين جاء هذا التصور؟

إن من يظن أن الخالق لا يحسن إليه، قد يكون في الحقيقة لا يحب نفسه، ولا يستطيع أن يتقبل وجوده. ومن لا يحب نفسه لا يستطيع أن يحب الخلق على وجه الحقيقة؛ لأن علاقته بالوجود كله متأثرة بعلاقته بذاته.

ثالثاً: الإيمان انبعاث من الموت

إن الإيمان ليس مجرد تصديق لفظي، بل هو انبعاث من الموت. فما معنى الموت؟ وما معنى أن يصمد الإنسان في مواجهته؟

تخيلوا أشجع الناس في وسط المعركة، وقد غُرس السيف في صدره، فهل يستطيع أن يصمد؟ ليس على مستوى الجسد وحده، بل على مستوى النفس والعقل والوعي أيضاً. إن الموت أمر صعب، مهما استعد الإنسان له، ومهما تصور أنه يعرفه.

لكن هناك شيئاً يستطيع أن يصمد حتى في الموت، وهذا هو ما أريد الإشارة إليه حين أتحدث عن الخالق.

تخيلوا أن الجميع ناموا، وأن كل شيء خمد، ولم يبق مستيقظاً إلا شيء واحد. ذلك الجزء الذي يظل نشطاً حتى عندما ينام كل شيء، والعقل الذي يبقى قادراً على العودة حتى لو مر بتجربة الجنون. ذلك هو العقل الحقيقي الذي يصمد، والذي لا يفقد أصله مهما تعرض للاضطراب.

إن من يثق بعقله حقاً يستطيع أن يذهب به إلى أقصى حالات الاضطراب ثم يعود، أما من يخاف أن يفقد عقله في الطريق، فإنه لا يثق به تمام الثقة. ومن يثبت في ذاته، ويتصل بقلبه، يستطيع أن يواجه الجحيم دون أن يتحول إلى جزء منه.

إن الذي يستطيع أن ينبعث من صميم المعاناة هو الذي يميز بين النعيم والعذاب. فليس العذاب مجرد ما يقع على الإنسان من أحداث، بل إن المسألة تتعلق بقدرته على الاحتفاظ بأصل وجوده وإيمانه بنفسه.

والخلق هو خالق الذكر والأنثى، والليل والنهار، والخير والشر، والظلمات والنور. وهذه كلها وجوه من وجوه الخلق، فلا ينبغي أن نختزل الخالق في صورة واحدة توافق أهواءنا.

تأملوا القوة الحقيقية: لو رأينا رجلاً عسكرياً يتحمل ضربات العدو، حتى يباد كل شيء ويبقى هو صامداً، لعرفنا أنه قوي. فلماذا لا نتعلم من هذا المثال سر النجاة بدلاً من الدخول في جدال لا ينتهي؟

إن العاقلين يقولون: دعنا نعرف سر هذا الصمود، ونتعلم منه. لا نريد أن ندخل في خصومة مع الخالق، بل نريد أن ننجو بنجاته، وأن نحفظ أنفسنا في سلامه. فما الذي يضره في خزائن عفوه أو في كرامه؟ ولماذا كل هذا الجدال، ما دام الخير خيراً؟

إن الواثق بنفسه هو الذي يثق بأنه يستحق الخير، ولا يجعل من الشر أصلاً يحكم به على الخالق أو على الخلق. وبدلاً من التشكيك في الذات، ينبغي أن نتعلم نوعاً آخر من التعامل مع الخالق: التدبر والتفكر والاعتبار في صفاته وأسمائه.

رابعاً: العلاقة بالذات هي العلاقة بالخلق

إن الإيمان بالذات هو نفسه الإيمان بالخلق، والإيمان بالخلق هو نفسه الإيمان بالخالق من جهة اتصال هذه الحقائق بعضها ببعض.

قد تقول: علاقتي بالخلق كذا وكذا، وعلاقتي بنفسي كذا وكذا، ولكنك لا تدرك أن العلاقتين متصلتان. فما تفعله بنفسك هو انعكاس لما تفعله في تصورك عن الخالق، وما تفعله بالخلق يكشف عن حقيقة علاقتك بذاتك.

إن الإيمان هنا إيمان معرفة، وليس مجرد اعتقاد. عليك أن تثق بأنك قادر على فهم ذاتك، وأن تفهم أن معرفتك بنفسك ليست منفصلة عن معرفتك بالخالق.

فالإنسان الذي يشك في وجوده يشك في كل شيء؛ يشك في ذاته، وفي صفاته، وفي قدرته، وفي موضعه من العالم. أما الذي يوقن بذاته، فإنه يجد أساساً يستطيع أن يبني عليه بقية المعارف.

وهذا هو الفرق بين الأفكار الصحيحة والأفكار الخاطئة: الأفكار التي تقوم على أصل ثابت لا تحتاج إلى أن تنقض وجودها باستمرار، أما الأفكار التي تحمل في داخلها تناقضاً مع أصل الوجود فإنها تظل مشكوكاً في أمرها.

إن الخير لا ينبغي أن يكون موضع شك في أصله، والسوء الذي يجعل الإنسان يشك في ذاته وفي الخالق ينبغي أن نتأمل مصدره.

ولذلك أقول إن الإيمان بعث من الأموات، وإن الإيمان هو الصمود في مواجهة الموت، وإن من يقدر على الانبعاث من قلب المعاناة يستطيع أن يميز بين ما يهدم وجوده وما يعيده إليه.

خامساً: شجرة الخير والشر وسر الهداية

لقد أكلنا من شجرة الخير والشر، ثم وجدنا أنفسنا نتساءل: ما الخير؟ وما الشر؟ وكيف نفرق بينهما؟

لولا الهداية التي تصل إلينا من الخالق، لما استطعنا أن نعرف حقيقة الفرق بينهما. فالهداية في هذا المقام هي أن نتعلم التمييز بين ما يحفظ إدراكنا ووجودنا، وما يشوش علينا حتى نصبح عاجزين عن معرفة أنفسنا.

أنا لا أتحدث عن وصايا جزئية أو أحكام معزولة عن مقاصدها، بل أتحدث عن معرفة أعمق: لماذا يكون الشيء محرماً؟ ولماذا يكون الشيء مباحاً؟

إن ما يشوش إدراك الإنسان، ويجعله يشك في واقعه وفي ذاته وفي الخالق، ينبغي أن يتأمل خطورته. وما يحفظ له اتصاله بالحق والمعروف، ولا يجعله يشك في أصل أمره، هو مما ينبغي أن يتمسك به.

وهذا لا يعني أن كل ما يواجه الإنسان من صعوبة أو اختلاف هو شر، ولا أن كل ما يريحه هو خير، وإنما المقصود أن نميز بين ما يفسد أصل الإدراك وما يحفظه.

وفي ثقافتنا الجزائرية نقول: احتفظ بذلك الشيء، فقد يأتي يوم تحتاج إليه. وهذا المعنى يمكن أن نطبقه على علاقتنا بالخالق أيضاً. لا تقطع علاقتك به، فقد تأتي لحظة تحتاج فيها إليه، سواء توقعت تلك اللحظة أم لم تتوقعها.

ومن يقول إنه لن يحتاج إلى الخالق أبداً، إنما يجهل حدود نفسه. فحتى إن لم يشعر اليوم بحاجته، ينبغي أن يبقي باب العلاقة مفتوحاً؛ لأنه لا يعرف ما الذي قد يأتي به الغد.

وهنا تظهر أهمية معرفة الحدود. فالإنسان الذي يعرف حدود نفسه ليس متهوراً ولا خنوعاً ذليلاً. إنه يعرف ما يستطيع فعله، وما لا يستطيع، ويعرف متى يتقدم ومتى يتوقف، ومتى يكون راضياً ومتى يكون قد تجاوز الحد الذي يستطيع احتماله.

لكن الحدود ليست ثابتة إلى الأبد. فالجبال تتغير، والأشجار تتغير، والأشكال تتغير، والحدود السياسية والحضارية تتغير أيضاً. كانت الإمبراطورية الرومانية واسعة، ثم انحصر ما بقي منها في إيطاليا، وكانت الدولة العثمانية إمبراطورية واسعة، ثم أصبحت تركيا دولة بحدود مختلفة.

كل شيء يتغير، ولذلك لا ينبغي أن نقحم الخالق داخل حدود ثابتة نصنعها نحن، ثم نحاسبه على أساسها. اتركوا الحدود بينكم وبين الخالق مفتوحة، ولا تفرضوا عليه تصوراً ضيقاً لما ينبغي أن يفعله.

سادساً: دع الخالق يدبر أمره

تخيل أنك دخلت مصنعاً، فجاءك مشرف ليأخذك في جولة ويشرح لك كيف تُصنع الأشياء، وكيف تعمل الآلات، وما وظيفة كل جزء. هل ستذهب لتعيد عليه عمله؟ وهل ستطلب منه أن يترك مكانه لتتولى أنت إدارة المصنع؟

أنت في هذه الحالة زائر، وهو يعرف عمله. فإذا كان المشرف يعرف ما يفعل، فلماذا تصر على أن تدير المصنع بدلاً منه؟

هذا هو المعنى الذي أريد إيصاله في علاقتنا بالخالق: دع الخالق يعمل عمله.

إن من لا يترك للخالق مجال التدبير، إنما يفعل ذلك لأنه يتصور أن الله قد ينسى، أو يغفل، أو يترك أمراً دون عناية، أو يحتاج إلى من يذكره بما ينبغي أن يفعله. ولذلك نسمع من يقول: يا الله لا تنسنا، يا الله تذكرنا، يا الله افعل كذا، وكأن الخالق لا يعرف ما عليه فعله في كل وقت وكل لحظة.

إن الخالق يعرف ما ينبغي أن يفعله، ولا يحتاج إلى أن نعلمه عمله. أنت لست مطالباً بأن تعيد تدبير الوجود نيابة عنه.

وهذا لا يمنعك من الدعاء أو الطلب، ولكنه يغير طبيعة العلاقة: لا تجعل الدعاء شكوى دائمة من خالق تتصور أنه لا يحسن التدبير، ولا تجعل طلبك منه اتهاماً له بالنقص.

فإذا كنت واثقاً بنفسك، فدع الخالق يدبر أمره، ولا تجعل نفسك خصماً له في إدارة الوجود.

سابعاً: الضرورة والكماليات وسر الرضا

لقد توصلت إلى أن الخالق، في نهاية الأمر، يفعل ما يلزم. وما يقع من اختلاف إنما يتعلق في كثير من الأحيان بالكماليات، لا بأصل الضرورة.

إن الله هو الضرورة التي لا ينفصل عنها الوجود، أما الكماليات فهي أمور زائدة على أصل ما يلزم لاستمرار الوجود.

وقد يشك بعض الناس في الخالق لأنه لم يحقق لهم كمالياتهم، فيتصورون أنهم خُلقوا ناقصين، وأنهم مطالبون دائماً بالحصول على شيء يكملهم. لكنهم يضعون الكماليات فوق حجمها، حتى تصبح عندهم كأنها ضرورة لا يمكن العيش دونها.

وهنا ينبغي أن نفهم أن الكماليات لا تسمى كماليات إلا لأن فقدانها لا يهدم أصل الوجود. قد تحزن لفقدان شيء، وقد تتألم، ولكن ليس كل فقدان دماراً، وليس كل اختلاف عذاباً.

فالخلاف فرع، أما الوفاق فهو الأصل الذي ينبغي ألا نضيعه. والذنب والخطأ والضلال، مهما عظمت في نظر الإنسان، لا ينبغي أن تجعل منه عدواً للوجود كله، ولا أن تجعله ينسى سعة العفو والرحمة.

ومن يسيء إلى الخلق، ثم يزعم أن الخالق خلقهم ناقصين أو متحيزاً ضدهم، إنما يسيء إلى الخالق دون أن يدري. ومن يسب نفسه ويعتبر أن في أصل خلقه عيباً قاتلاً، فإنه يجعل نفسه موضع اتهام، ويجعل الخالق موضع اتهام معها.

لقد قلت لكم إنني في النهاية وجدت أنه لن يبقى إلا ما هو ضروري. وعندما يتضح هذا المعنى، يستطيع الإنسان أن يطمئن حتى أمام فقدان الأشياء التي كان يظن أنه لا يستطيع العيش دونها.

ولن يبقى إلا وجه ربك ذو الجلال والإكرام.

وهذا الوجه، في المعنى الذي أتأمله هنا، هو تلك الحقيقة التي لا تقبل أن يساومها الموت على أحقيتها في الوجود، ولا أن تشك في أصل استحقاقها للحياة.

عاش من عرف قدر نفسه، وما قدر الله حق قدره.

ثامناً: مواجهة الموت وحسن الظن بالخالق

في مواجهتي للموت، أحسنت الظن بما ينبغي أن أحسن الظن به. وحين بدأت الأمور تنقلب على خلاف ما كنت أظن، لم أفزع، ولم أسقط في كل احتمال يظهر أمامي، بل قلت: ربما تكون العودة إلى هنا أفضل، وربما يكون الرجوع هو الأنسب.

لم أكن أريد أن أفقد القدرة على إدراك الطابق الذي أدخله، بل كنت أحاول أن أظل مدركاً لما يحدث، وألا أجعل الخوف يقرر نيابة عني.

إن الله رفيع الدرجات، ولا ينبغي أن نحصر عظمته في مقدار ما نراه نحن من أحداث. فالخالق ليس مضطراً إلى أن يتنزل لكل تصور نصنعه عنه، ولا أن يظهر لنا وفق الحدود التي نرسمها.

وتأملوا الحجاب الذي احتجب به الخالق عن العالمين؛ إن هذا الاحتجاب ليس بالضرورة علامة غياب أو سوء، بل يمكن أن يكون عين ما يحفظ العلاقة من التباسها. فليس كل ما احتجب عنك ينبغي أن تنزعه، وليس كل مجهول ينبغي أن تقتحمه.

إن نزع الحجاب عبثاً قد يكون نتيجة الشك في الذات، حين يشعر الإنسان أن وجوده بلا معنى، فيبدأ بمطالبة المجهول بأن يكشف نفسه له دون أن يملك القدرة على التعامل معه.

كل ما تشعر به وتحس به متصل بالوجود الذي خلقك، لكنك لا تعلم دائماً ما الذي ينبغي عليك فعله في كل مقام. وقد يكون الدخول إلى الغيب دخولاً إلى موطن لا تملك فيه المعارف التي اعتدت عليها.

والغيب ليس مجرد مكان مجهول بالنسبة إليك، بل هو مجال تتوقف فيه صلاحية كثير من التصورات المألوفة. ولذلك فإن معرفة الخالق تقتضي أن تعرف أنه خالق كل شيء، وأن الخلق أوسع بكثير من حدود الحياة التي تعرفها.

تاسعاً: وحدة الوعي وأصل الاختلاف

هناك فكرة أريد أن أتوقف عندها، وهي أن الناس يتحدثون كثيراً عن اختلاف الوعي، حتى أصبحوا يتعاملون معه كأنه حقيقة بديهية لا تحتاج إلى سؤال.

يظن الناس أن وعي هذا مختلف عن وعي ذاك، لأن أفكارهم مختلفة، ولأن كل إنسان يرى الأشياء من زاوية معينة. لكن من أين جاء هذا اليقين بأن هناك وعياً منفصلاً عن وعي آخر؟

من أين لك الروح؟ ومن أين لك الوعي؟ ومن أين لك هذا الذي تسميه ملكاً لك؟ أنت لم تصنع وجودك، ولم تنشئ أصله، فكيف تتعامل مع الوعي وكأنه ملكية مستقلة عن الخالق؟

إن الفكرة التي أريد تأملها هي وحدة الوعي، لا تعدد أصوله. ليس هناك وعيان مستقلان في أصل الوجود، وإنما هناك تفرعات واختلافات في المظاهر والصفات والكماليات.

تخيل أنك تنظر إلى شيء أصفر، وينظر إليه شخص آخر فيراه أصفر أيضاً. لا ينبغي أن نفترض أن الحقيقة التي ينظر إليها أحدنا مختلفة في أصلها عن الحقيقة التي ينظر إليها الآخر، لمجرد أن بيننا اختلافاً في التعبير أو الإدراك.

فالاختلاف في الكماليات لا يعني الاختلاف في الضرورة، والتفرع لا يعني انقسام الأصل.

إذا كان الأصل واحداً، فإن التعدد الذي نراه لا ينبغي أن يجعلنا نتصور أن الوحدة قد انقسمت إلى وحدات مستقلة متنازعة. إن الواحد يظل واحداً، ولو تعددت مظاهره وتفرعاته.

وهذا هو الاعتقاد الذي ينبغي التمسك به عند اضطراب التصورات: اعتقاد الوحدة، وعدم جعل الاختلاف في المظاهر سبباً للشك في الأصل.

عاشراً: الحرام وانقطاع الصلة بالواقع

إن الحرام، في هذا التأمل، ليس مجرد شيء نضعه في قائمة الممنوعات، وإنما ينبغي أن نفهم أثره في إدراك الإنسان وعلاقته بذاته وبالوجود.

إن ما يجعل الإنسان يشك في واقعه، ثم يشك في نفسه، ثم يشك في الخالق، هو ما ينبغي أن نتأمل خطره. فالواقع هو المجال الذي يتحقق فيه وجودنا، وإذا انفصل الإنسان عن الواقع المألوف دون أن يمتلك ما يعيده إليه، فقد يجد نفسه في فضاء لا قرار له.

والقرار بيد الخالق، ومن بيده القرار هو الذي يملك أن يعيد للإنسان مركزه.

فإذا خرج الإنسان من الواقع الذي اعتاد عليه، وخرق حجاب المألوف والعادة، فقد يجد نفسه في فضاء لا محور فيه ولا جاذبية تثبته. وهناك من يستمتع بهذا الانفصال، وهناك من يرتعب منه.

والفرق بينهما أن الأول قد يشعر بالاستمتاع حين ينفصل عن المقرر، بينما يشعر الثاني بأن الفضاء يلتهمه.

لكن ينبغي أن نفهم أن هذا الانفصال لا يعني بالضرورة نهاية أبدية. فالسقوط في المجهول قد يستمر ما دام الإنسان لا يجد ما يمسك به، لكنه ليس بالضرورة سقوطاً لا عودة منه. إن التدبير والقرار وحسن التوجيه يمكن أن تكون أسباباً للعودة.

إن من يتناول ما يشوش إدراكه قد يدخل في حالة يصبح فيها ما كان يراه غير حقيقي حقيقياً في نظره، وما كان يعتبره حقيقياً يبدو له غير حقيقي. تنقلب لديه الموازين، فيظن أنه يسير في الطريق الأصلي، بينما يكون قد ابتعد عنه.

وهذا هو أحد أسرار اضطراب الإدراك: أن الإنسان لا يعرف دائماً أنه قد خرج عن الطريق، بل قد يظن أنه بلغ الحقيقة، في حين أنه فقد المعيار الذي كان يميز به الحقيقة من الوهم.

ولذلك حذر الأوصياء والحكماء من الطرق التي تخلط على الإنسان سبل المعرفة، لا لمجرد التخويف، وإنما لأنهم يعرفون أن فقدان المعيار يجعل العذاب يجد منفذاً جديداً إلى الإنسان.

الحادي عشر: العاصفة والفراغ وفقدان السيطرة

تخيلوا أنكم في فضاء واسع، وأن الفراغ يحيط بكم من كل جانب. لو لم تكن لديكم ثقة بأنفسكم، لشعرتم أن الفراغ يلتهمكم، وأنه لا يرحم أحداً.

لكن الإنسان الذي يحتفظ بأصل ثقته لا يحتاج إلى أن يسيطر على كل ما يحدث حوله. فقد تقع أحداث لا يستطيع التحكم فيها، ومع ذلك يستطيع أن يحافظ على نفسه من الانجراف معها.

في بعض التجارب، تكون الأحداث التي تقع أمام الإنسان أشبه بفقدان السيطرة، لكن الخطأ هو أن يحاول السيطرة على كل حدث، أو أن يدخل في تفاصيل لا يملك أدوات التعامل معها.

أحياناً يكون التصرف الصحيح هو أن تترك العاصفة تمر.

تخيلوا ملايين الزومبي يحيطون بكم، وكل حركة خاطئة قد تجعلكم فريسة لهم. في مثل هذا المشهد، تحتاجون إلى عفوية شديدة ودقة في التصرف، حتى لا يتوقع أحد ما ستفعلونه.

إن الحركة الخاطئة قد تجعلكم جزءاً من العاصفة نفسها.

وهذا ما ينطبق على بعض المجهولات التي يواجهها الإنسان؛ فهناك كواكب، إن صح التعبير، لا تعرف معنى الحياة كما نعرفها نحن، ولا تخضع للمألوف الذي اعتدناه على الأرض. قد تدخل عالماً تسوده العواصف منذ ملايين السنين، فلا تجد فيه شيئاً من المعايير التي تعرفها.

تخيل أنك سقطت في كوكب بعيد، قادماً من الفضاء، باحثاً عن كوكب الأرض. هناك قد تواجه كائنات أو أنماطاً من الوجود لا تعرفها، ولا تعرف هي شيئاً عنك. وما تعتبره أنت واقعاً مألوفاً قد لا يكون موجوداً عندها أصلاً.

إن الأرض تعرف كيف تتعامل مع أهلها، لأنهم ألفوا قوانينها وطرائق العيش فيها. أما الدخول إلى عالم آخر، فلا يعني أن ذلك العالم سيتعامل معك وفق ما اعتدت عليه.

وقد تصبح بالنسبة إلى ذلك العالم كائناً غريباً لا يعرف كيف يتعامل معه.

وهذا يوضح أن حدود الواقع الذي نعرفه ضيقة جداً إذا قورنت بالامتداد الهائل للوجود. فالزمن الذي نعيشه ليس إلا جزءاً ضئيلاً من امتداد قد يمتد إلى مليارات السنين، وقد توجد أنماط من الحياة لا نعرف بدايتها ولا نهايتها.

ولذلك فإن معرفة الخالق تقتضي أن نعرف أنه خالق كل شيء، لا خالق هذه الحياة التي نعرفها وحدها. فالخلق أوسع من تصورنا، ولا ينبغي أن نحصره في حدود ما ألفناه.

الثاني عشر: الجنون وانفصال ملكات العقل

إن ما يسمى الجنون يمكن أن نفهمه، في هذا السياق، بوصفه خروج ملكات العقل عن الحركة المشتركة.

فالعقل لا يعمل بمجرد وجود أفكار متفرقة، بل يحتاج إلى أن تتحرك ملكاته بصورة مترابطة، بحيث تتسلسل الأفكار وفق نظام يستطيع الإنسان أن يربطه بالأحداث الخارجية.

وحين تصبح الأفكار غير مترابطة، ولا تعود تتتابع وفق نظام مشترك، يبدأ الإنسان في فقدان القدرة على التمييز بين ما يتوافق مع الواقع وما لا يتوافق معه.

لكنني أرى أن الأمر أعمق من مجرد غرابة الفكرة. فقد تكون هناك فكرتان غريبتان جداً، ومع ذلك يستطيع العقل أن يجد علاقة بينهما، وأن يوفّق بينهما من خلال ترتيب جديد.

وهذا ما أقصده حين أقول إنني أحاول دائماً ربط الأمور بعضها ببعض، حتى عندما أتناول أفكاراً لا تبدو مألوفة أو لا تنتمي إلى صنف واحد.

إن مجرد اختلاف الأفكار لا يعني أن العقل قد انفصل عن نفسه؛ فقد يستطيع الإنسان أن يجمع بين أفكار متباعدة، ما دام قادراً على إدراك العلاقة بينها.

لكن الخطر يبدأ حين تنفلت الخيوط الأساسية التي تجعل العقل قادراً على إعادة ترتيب الأحداث.

وقد تتغير الحسابات فجأة، فيصبح الإنسان يظن أن ما كان يعتبره جنوناً هو الحقيقة، وأن ما كان يعتبره حقيقة هو الجنون. وهذا الانقلاب قد يحدث بسرعة، فيجد الإنسان نفسه عاجزاً عن العودة إلى النظام السابق.

إن تعطل الخيوط الأساسية ليس مجرد تعطل فكرة أو نسيان معلومة، بل قد يصل إلى ما يمكن تسميته عطباً وجودياً، حيث يصبح الإنسان عاجزاً عن استعادة مركزه وإدراكه لذاته.

ولذلك أحذركم من الاستهانة بهذه التحولات، ولا ينبغي أن يظن أحد أنه نجا لمجرد أنه شعر بأنه خرج من الموت أو تجاوز الخطر. فقد يكون في الحقيقة قد انقلبت لديه المعايير، وأصبح يرفض العودة إلى الحياة وهو يظن أنه يرفض الموت.

إن معرفة ما يحدث في الجسد أو النفس أو العقل عند التعرض للسموم والاضطرابات أمر مهم؛ لأن بعض المواد قد تؤثر في الروابط التي تجعل الجسد يتعرف على نفسه، أو تجعل العقل قادراً على تمييز ذاته من المؤثرات التي تدخل إليه.

وقد يصبح العقل، في حالة الاضطراب، مدافعاً عن الشيء الذي أفسد توازنه، لأنه لم يعد قادراً على التمييز بين ذاته وبين المؤثر الذي دخل إليه.

وهنا تظهر أهمية التزكية والتصفية؛ فهما، في هذا المعنى، أشبه ببرنامج دفاعي يحفظ للإنسان قدرته على التمييز بين ما ينبغي أن يقبله وما ينبغي أن يرفضه.

وقد يظن الإنسان أنه يرفض السم، بينما يكون رفضه نفسه نتيجة من نتائج تأثيره فيه. ولذلك لا يكفي أن يقول المرء إنه تناول السم ثم رفضه، بل عليه أن يتأمل طبيعة الرفض ذاته، وهل لا يزال صادراً عن عقل متصل بأصله، أم أصبح جزءاً من الاضطراب الذي يحاول مقاومته.

الثالث عشر: التنافر والفوضى وضرورة العودة إلى الخلق

تخيلوا أن العالم أعلن غداً إنهاء جميع العقود والقوانين والأخلاق. ماذا سيحدث؟

لا أريد أن أصف ذلك بأنه جيد أو سيئ بمجرد الحكم عليه، وإنما أريد أن نتأمل مقدار التغير الذي قد يحدثه غياب القواعد المشتركة.

قد ينهدم المنزل الذي نحن فيه، وقد تتغير جميع العلاقات التي اعتدناها، وقد يصبح الإنسان عاجزاً عن معرفة ما الذي ينبغي أن يفعله.

إن الفوضى العارمة لا تعني مجرد كثرة الأحداث، بل تعني غياب القرار الحاسم، وغياب الفصل بين الأشياء، واختلاط الحدود التي كانت تجعل كل شيء معروفاً في موضعه.

وهنا تظهر طاقة التنافر، التي قد تجعل الخير الموجود في الشر قابلاً للضياع، إذا لم يجد ما يعيده إلى موضعه.

إن العودة إلى الخلق هي العودة إلى البداية، والعودة إلى البداية تؤكد للعقل وظيفته. فوظيفة العقل هي إعادة المشهد من البدء، وإعادة ترتيب ما اختلط، حتى يستطيع أن يستعيد نظامه.

لكن من تعطلت لديه القدرة على العودة قد يجد نفسه عاجزاً عن الرجوع، وكأن آلية المشي إلى الخلف قد تعطلت.

وهذا هو السبب الذي جعل الحكماء والعارفين يحذرون من سلوك بعض الطرقات منفردين. فالأصل في السير أن يكون مع جماعة، أو مع مرشد ينوب عن الجماعة، حتى لا ينفرد الإنسان بمواجهة المجهول دون أن يجد من يعيده إلى المعروف.

الرابع عشر: المرشد وسر المعروف

إن المرشد الحقيقي هو الذي يستطيع أن يتعامل مع المجهول دون أن يضيع فيه، والذي لا توقفه المصائب ولا يجعله اليأس عاجزاً عن مواصلة الطريق.

وقد يتخذ الإنسان طريقاً لا رجعة فيه، فيحتاج إلى من يوقفه ويقول له: هذا طريق العودة، وليس كل ما تستطيع الدخول إليه تستطيع الخروج منه وحدك.

فالمرشد، في حقيقته، هو الذي يعرف المجهول من جهة علاقته بالمعلوم، ويستطيع أن يحفظ للإنسان صلته بالمعروف حتى عندما يدخل في مناطق لا يعرفها.

إن الإنسان الذي يكون مع مرشد حقيقي لا يصبح مجهولاً بالمعنى المطلق، لأن هناك من يعرفه، وهناك من يستطيع أن يتعامل معه مهما حصل.

وهنا تظهر قيمة المرشد: أنه لا يحتاج إلى أن يخبرك بكل شيء، ولا أن يجعل منك تابعاً عاجزاً، وإنما يحفظ لك الطريق الذي تستطيع العودة منه.

والمرشد الحقيقي لا يرشدك إلى المجهول بوصفه نهاية، بل قد يوجهك إليه حتى تعرف المعلوم بصورة أوسع. أما الذي يأخذك إلى المجهول وينكر المعروف، ويجعلك تشك في كل ما كنت تعرفه، فهذا لا ينبغي أن تتخذه مرشداً؛ لأنه هو نفسه يحتاج إلى من يعيده إلى المعلوم.

إن المعروف هو أصل الوجود الذي لا ينبغي إنكاره. ومن يسمح باندثار غيره دون أن يحاول حفظه، يفتح الباب لاندثاره هو أيضاً. فإذا سمح هذا باندثار ذاك، وسمح ذاك باندثار غيره، استمرت السلسلة حتى لا يبقى شيء.

وهذا يدل على أن العقول متكافلة، وأن الأرواح مرتبطة بعضها ببعض فوق ما نتصور.

لكن لا ينبغي أن نشك في أنفسنا لمجرد أننا نحتاج إلى مرشد. فليس معنى ذلك أننا عاجزون عن تدبير شؤوننا، ولا أن علينا أن نكون تابعين دائماً. بل ينبغي أن نترك الباب مفتوحاً؛ فقد يأتي يوم نتلف فيه، ونحتاج إلى من يتدبر شؤوننا.

وهذا هو دور المرشد باختصار: أن يكون موجوداً عندما تحتاج إليه، لا أن يخبرك في كل لحظة بما ينبغي أن تفعله.

فالمرشد لا ينبغي أن يفرض عليك تفاصيل حياتك، بل يتدخل عندما تبلغ درجة لا تعود فيها قادراً على معرفة ما يجب فعله. عندئذ قد يقول لك: افعل هذا، أو ابتعد عن ذاك، حتى تستعيد قدرتك على التدبير.

أما الذي يجعلك محتاجاً إليه في كل صغيرة وكبيرة، ويمنعك من معرفة ما تستطيع فعله بنفسك، فإنه لا يؤدي وظيفة الإرشاد كما ينبغي.

الخامس عشر: العودة إلى المعروف والثقة بالخالق

إن العودة إلى المعروف هي العودة إلى الوجود الذي نعرفه، وإلى الأصل الذي نستطيع أن نستند إليه.

وقد قلت لكم إن الإنسان ينبغي أن يتصرف أحياناً كما لو أنه لا يحتاج إلى الخالق، لا لأن الخالق سيئ، بل لأنه خالق جيد إلى درجة أن الإنسان لا يجد ما يضيفه إلى إحسانه.

ليس من الضروري أن تظل تطلب وتطلب وتطلب، وكأنك لا تملك شيئاً مما أعطاك. لقد أعطاك الخالق، فاعرف قيمة ما أعطاك، وارضَ بما لديك.

لكن هذا الرضا ليس انقطاعاً نهائياً عن الخالق، ولا يعني أنك إذا احتجت شيئاً لا تستطيع الرجوع إليه. بل إن أعظم ما في العلاقة أن تستطيع الذهاب إليه متى شئت والرجوع متى شئت.

هذه هي الحرية التي أريد الإشارة إليها: أن لا تكون العلاقة قائمة على الخوف، ولا على الاعتقاد بأن الخالق سيئ، ولا على الشعور الدائم بأنك عاجز عن العيش دون طلب المزيد.

إن أكبر دليل على أن الأمر لم يحدث صدفة أو عشوائية هو البعث والتكرار. فالتكرار يدل على أن هناك نظاماً يعيد الأشياء، وأن الأحداث ليست خارجة عن كل تدبير.

إن التكرار ليس سيئاً بالضرورة، بل قد يكون سبباً في زيادة المعرفة واليقين. فحين تتكرر التجربة، يصبح لديك رصيد سابق تستطيع أن تستفيد منه في المرة التالية.

فلا تعتبر الرسوب نهاية الطريق، ولا تجعل من الفرصة التي ضاعت دليلاً على أنك لن تجد فرصة أخرى. قد تأتي فرصة جديدة، وربما تكون أفضل، لأنك هذه المرة تمتلك معرفة سابقة.

إن البعث نفسه دليل على أن العودة ممكنة، وأن الحياة لا ينبغي أن تُعاش باعتبارها فرصة واحدة لا تتكرر.

ومع ذلك، لا ينبغي أن تتصرف وكأنك تملك فرصاً لا نهاية لها، بل عش حياتك الحالية بجدية، واستفد من معرفتك السابقة حتى لا تضطر إلى تكرار الأخطاء نفسها.

السادس عشر: السلم والتدرج ورصيد المعرفة

إن المعروف هو القاعدة، وليس شيئاً سيئاً ينبغي أن نهرب منه. وهناك درجات في السلم، ولا ينبغي أن تحاول قفزها كلها دفعة واحدة.

لا يستطيع أن يقفز السلم كله إلا من يملك الثقة والقدرة على ضبط خطواته. أما إذا لم تكن واثقاً من نفسك، فعليك بالتدرج حتى تكتسب المزيد من الثقة.

افعل المعروف؛ لأن المعروف نهايته الثقة بالذات، والثقة بالذات هي التي تمنحك القدرة على مواجهة المجهول.

إن الإنسان يملك رصيداً من المعارف، وهذا الرصيد هو زاده في الطريق. فلا ينبغي أن يمكث في المجهول أكثر مما يسمح به رصيده، لأن البقاء فيه بعد نفاد الزاد قد يجعله عاجزاً عن العودة.

تخيل أنك تملك خمسمائة لتر من الوقود، وأنك تنطلق من مكان معين إلى مكان آخر. لا ينبغي أن تنفق الوقود كله في الوصول إلى مكان لا توجد فيه مصادر للتزود من جديد، ثم تجد نفسك عاجزاً عن الرجوع.

كذلك المعرفة: لا تستهلك رصيدك كله في المجهول، ولا تبتعد إلى درجة لا تستطيع معها العودة.

إذا كان مسارك يتجه إلى المجهول، فعليك أن تزيد زادك بقدر استطاعتك، وأن تتقدم شيئاً فشيئاً، حتى تألف الطريق. فإذا ألفته أصبحت أهلاً له، وإذا تأهلت لم يعد المجهول مجهولاً كما كان، بل أصبح المعلوم لديك أكبر.

وهنا تظهر أهمية الغذاء المعرفي. لا تتغذَّ من الأشياء التي لا تستطيع الدفاع عنها، ولا تجعل نفسك تعتاد على شيء لا تستطيع إثبات صلتك به.

فإذا كنت ترى أن شيئاً ما لا تستطيع الدفاع عنه، فلا تجعل منه غذاءك. لأنك عندما تتغذى من شيء، تصبح مطالباً بالدفاع عن غذائك، وحمايته من كل ما قد يفسده.

وهذا هو عمل السالكين: تعظيم المعلوم، وتقليل المنكر، وتقليل الإنكار، وزيادة الاعتراف بالمعروف.

عندما تتذوق مختلف الموائد، ستعرف أيها لا ينبغي أن تقربه. لا تأكل من مائدة تجعلك تنكر كل الموائد الأخرى، ولا تجعل قبولك لشيء اليوم سبباً لإنكار كل ما عرفته بالأمس.

ليس من الضروري أن يكون قبولك لشيء جديد دليلاً على أن ما كنت تعرفه سابقاً كان خطأ. يمكنك أن تتعلم الجديد دون أن تنكر المعروف القديم.

وهذا هو النظام الذي لا تستطيع الهلوسة أن تضلله بسهولة: أن تبقى ممسكاً بالمعروف، حتى وأنت تسافر في المجهول.

السابع عشر: الحق أعظم من كل مجهول

عليك أن تسلك السبل كلها، إلا السبيل الذي يخلط عليك السبل، ويجعلك عاجزاً عن التمييز بينها.

هناك طرق تحتاج إلى مصباح أقوى، لأن المصباح الذي تملكه قد لا يكون كافياً لإضاءتها. وقد تدخل بعض الطرقات وأنت تظن أنك قادر على رؤية كل شيء، ثم تكتشف أن أدواتك لا تصلح لذلك الموضع.

ولهذا، إذا أردت أن تتقدم نحو المجهول، فعليك بمعلوم أعظم من كل مجهول، وهذا المعلوم هو الحق.

فالحق أعظم من كل مجهول، وهو، رغم ذلك، معلوم. إن الله أعظم من كل تصور، لكنه ليس شراً. وهذه الحقيقة ينبغي أن تكون حاضرة عندما تواجه المجهول، حتى لا تجعل الخوف منه سبباً للشك في أصل الوجود.

وإذا غاب الحق، فإن الإنسان قد يضيع حتى في الأشياء التي يعرفها. فلا تظن أن المعرفة وحدها تكفي إذا فقدت المعيار الذي يجعلها معرفة.

تأملوا علاقة الأب والأم بأبنائهما؛ إنها من أقوى العلاقات التي يعرفها الإنسان، ولكن لولا الحق الذي يمسك العلاقات ويحفظها، لكان من الممكن أن تنقلب المصالح والغرائز على أصحابها.

فالحق هو الذي يمنع أن يتحول كل اختلاف إلى افتراس، وكل حاجة إلى عدوان، وكل جوع إلى تدمير.

إن الخالق قادر على كل شيء، ولذلك لا ينبغي أن نتصور أن وجودنا محفوظ لأننا فرضنا عليه حدوداً، بل لأن هناك حقاً يحفظ الوجود ويمنع الأشياء من أن تفني بعضها بعضاً.

الثامن عشر: الحذر دون تهويل والخوف دون انهيار

ينبغي أن نفتح هنا قوس الحقيقة: مهما يكن ما يحصل، ومهما تتغير الظروف، فالحق لا ينبغي أن يغيب عن إدراكنا.

لكن هذا لا يعني أن نبالغ في خطورة الأخطار، حتى نفشل الأنفس ونجبن العقول. فعندما ننذر الناس، ليس المقصود أن نزرع فيهم الرعب، بل أن نعلمهم كيف يأخذون حذرهم بقدر استطاعتهم.

إن المبالغة في التخويف قد تحقق عكس المقصود، لأنها تجعل الإنسان عاجزاً عن التصرف، وتجعله يرى الخطر أكبر من قدرته على التعامل معه.

افرحوا عندما تكون الأمور بخير، ولكن لا تجعلوا الفرح سبباً في إفساد ما هو قائم. لا تقطعوا الأشياء وتفسدوها ثم تقولوا إن كل شيء بخير.

إن الحذر هو زاد البسط، والفرح لا يناقض الحذر. تستطيع أن تكون مطمئناً دون أن تكون غافلاً، وأن تكون حذراً دون أن تكون مذعوراً.

وعندما تضطرب الأمور، لا تتحولوا إلى وقود يزيد النار اشتعالاً. إذا رأيتم النار مشتعلة، فلا تزيدوا عليها الوقود.

إن أول ما ينبغي التفكير فيه هو تقليل الصراع، وعدم المشاركة في إشعال الفوضى. وهذا الكلام موجه إلى الأبرياء، وإلى المدنيين الذين لا يريدون أن يكونوا أدوات في صراعات لا يملكون قرارها.

عودوا إلى مساكنكم، إلى الأماكن التي تشعرون فيها بالأمان، حيث تقل الضربات ويعود الاطمئنان. وعودوا أيضاً إلى صدوركم، إلى موضع الذكرى والوعي والاتصال بالذات.

فالنار لا تحرق إلا ما يمكن للنار أن تحرقه، ولا تستطيع أن تعود إلى الماضي لتحرقه من جديد. وهناك أشياء لا تفنيها النار مهما اشتعلت.

لذلك عليكم بالذكرى، وتذكروا ما تستطيعون تذكره من المعارف والحقائق التي تعصمكم من النار والفتنة والاضطراب.

التاسع عشر: العودة إلى الماضي بوصفه رصيداً من اليقين

عندما تضيع منك الطريق، ولا تعرف إلى أين تتجه، لا تجعل المستقبل أول ما تلجأ إليه. فقد يكون المستقبل مجهولاً، ولا تملك فيه ضماناً كافياً.

ارجع إلى الماضي، إلى ما تعرف أنه حدث بالفعل، وإلى التجارب التي أصبحت جزءاً من رصيدك المعرفي.

فالماضي قد حصل، وأنت تستطيع أن تستخرج منه يقيناً تستند إليه، أما المستقبل فما زال مفتوحاً على احتمالات لا تملك ضمانها.

إن العودة إلى الماضي ليست رجوعاً إلى الوراء بمعنى التخلف، بل هي استعادة للمعارف التي تمنحك القدرة على التقدم من جديد.

فإذا انقطعت عن المعروف، فابحث عن آخر نقطة كنت فيها متيقناً، وابدأ منها. لا تجعل المجهول يبتلع رصيدك كله، ولا تجعل رغبتك في الوصول إلى المستقبل تنسيك ما تملكه بالفعل.

إن الإنسان الذي يحفظ رصيده من المعرفة يستطيع أن يتقدم، حتى لو ضاعت منه بعض الأشياء. والذي يحفظ صلته بالحق يستطيع أن يستعيد ما فقده، لأنه لم يفقد عقله ولا كيانه ولا قدرته على التمييز.

وهكذا تكون العودة إلى المعروف عودة إلى الذات، والعودة إلى الذات عودة إلى الخلق، والعودة إلى الخلق عودة إلى الأصل الذي لا ينبغي أن نشك فيه.

فالحق هو الواحد، والواحد هو الأصل الذي يجتمع عليه الخلق، وإن اختلفوا في مظاهرهم وتفرعاتهم. ومن عرف هذا الأصل لم يجعل اختلاف المظاهر سبباً للعداوة، ولم يسمح للفجوات بين المخلوقات أن تتحول إلى حواجز تبتلع الجميع.

إن العالم واسع، والمسافات فيه متعددة، وليس ضرورياً أن يتداخل الجميع أو يتصارعوا حتى يثبتوا وجودهم. يستطيع كل موجود أن يتخذ المسافة التي تحفظ له وجوده وتسمح له بالتعامل مع غيره.

والعاقل الأول هو الذي يحدد المسافة المناسبة، ويثبت عندما تهتز الأشياء، فيكون ثباته سبباً في عودة الآخرين إلى عقولهم.

فحين تزلزل الأمور، لا تكن حطباً يزيد النار اشتعالاً، ولا تكن جزءاً من العاصفة التي تحمل الجميع. كن عنصراً من عناصر الثبات، وتمسك بالمعروف، واحفظ زادك، ولا تنكر الحق مهما اشتد المجهول.

إن الإيمان بالذات ليس انفصالاً عن الخالق، والإيمان بالخالق ليس إلغاءً للذات، بل إنهما متصلان في أصل الوجود. ومن أحسن الظن بالخالق أحسن إلى نفسه، ومن أحسن إلى نفسه استطاع أن يحسن إلى الخلق.

ولذلك فإن النجاة ليست في أن تعرف كل مجهول، ولا في أن تسيطر على كل حدث، وإنما في أن تعرف ما الذي ينبغي أن تتمسك به عندما تفقد السيطرة، وما الذي ينبغي أن تعود إليه عندما تختلط عليك الطرق.

تمسكوا بالمعروف، واعرفوا حدودكم، وأحسنوا الظن بالخالق، ولا تجعلوا المجهول يقطع صلتكم بالحق. فالعودة ممكنة ما دام أصل الوجود محفوظاً، والنجاة تبدأ من اللحظة التي يستعيد فيها الإنسان إيمانه بذاته وبالخلق وبالخالق.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كاتب التدوينة
كاتب التدوينة
هذا النص هو مثال لنص يمكن أن يستبدل في نفس المساحة، لقد تم توليد هذا النص من مولد النص العربى، حيث يمكنك أن تولد مثل هذا النص أو العديد من النصوص الأخرى إضافة إلى زيادة عدد الحروف التى يولدها التطبيق.
G.M HERMES