تنطلق هذه الرؤية من فرضية أساسية مفادها أن الخراب الذي يعيشه الإنسان، سواء كان خرابًا ماديًا أو نفسيًا أو اجتماعيًا، لا يبدأ من نقص الموارد، بل يبدأ من نظرة الإنسان إلى المادة نفسها. فحين تتحول المادة إلى مصدر للعار، يصبح الفقر نتيجة طبيعية، ويصبح العوز حالة دائمة، وتظهر الحاجة، ثم تتولد من هذه الحاجة جميع صور التخريب والفساد والصراع.
إن المشكلة ليست في المادة، وإنما في العلاقة التي يقيمها الإنسان معها. فمن يشعر بالعار من المادة يعيش في صراع دائم معها، ومن يعيش في صراع معها يصبح عاجزًا عن فهم قوانينها، فيتحول من قائد لها إلى تابع تقوده حيث شاءت.
المملكة البشرية وبنية الانتقاء الطبيعي
عندما نتأمل بناء المجتمعات البشرية نجد أنها
لم تتشكل عشوائيًا؛ فهناك عاصمة، وضواحٍ، وأرياف، وقرى، ومراكز قوة، ومناطق
هامشية. وهذه البنية ليست مجرد تقسيم جغرافي، وإنما تعكس حركة الانتقاء الطبيعي
داخل المجتمع.
فالناس لا يتوزعون في مواقعهم بالكيفية نفسها، لأن الانتقاء يميز بين الاحتمالات المختلفة. فمنهم من ينسجم مع مركز الحركة، وم
نهم من يبتعد عنه، ومنهم من يعارض هذا الانتقاء أصلًا.
وهنا يظهر قانون يمكن اعتباره مفتاحًا لفهم
كثير من الظواهر الإنسانية:
كل معارضة للانتقاء الطبيعي تشير إلى
وجود شعور بالعار من المادة.
فالإنسان الذي يرفض أن يتقبل اختلاف المواقع
والاحتمالات يبدأ في مقاومة النظام الذي أنتجها، ومن هذه المقاومة يولد التخريب،
لأن التخريب في جوهره محاولة لإلغاء نتائج الانتقاء بدل فهمها.
الوعي هو القدرة على تتبع الإشارات
الإنسان في جوهره وعي، والوعي لا يعمل بالقوة،
بل بالانتباه. إنه يتتبع العلامات والإشارات، ويقرأ العلاقات التي تربط الأشياء
بعضها ببعض.
كلما استطاع الإنسان أن يرى الإشارات بوضوح
ازداد فهمه للعملية التي تجري أمامه، وكلما فهم العملية أصبح قادرًا على قيادتها.
أما الذي لا يرى إلا النتائج، ولا يدرك
العلاقات التي أنتجتها، فإنه يظل أسيرًا للأحداث، فتقوده بدل أن يقودها.
ولهذا فإن قيادة أي عملية تبدأ أولًا بفهمها،
لأن الذي يفهم البناء الداخلي لشيء ما يقترب من موقع صانعه والفاهم هو صانع.
فهم العالم هو بداية قيادته
إذا استطاع الإنسان أن يفهم العالم فهمًا
حقيقيًا، فإنه يصبح قادرًا على قيادة حركته داخله. وليس المقصود بالعالم هنا الكون
كله فقط، بل كل شيء يمكن إدراك بنيته؛ شجرة، أو كرسي، أو إنسان، أو فكرة.
فالشيء لا يصبح مفهومًا إلا لمن أدرك طريقة
تكوينه.
ولا يهم بعد ذلك إن كان هذا التكوين صادرًا عن
سبب داخلي أو خارجي، لأن القضية ليست في مصدر التكوين، بل في القدرة على إدراك
نظامه.
ولهذا يمكن القول إن الإنسان لا يقود العالم
بالقوة، وإنما يقوده بقدر ما يفهمه.
رفض الانتقاء والبحث عن المعجزة
حين يختار الكون احتمالًا معينًا، فيمنح
إنسانًا شيئًا ويمنع آخر منه، يظهر موقفان مختلفان.
الأول هو أن يتقبل الإنسان هذا الاختلاف بوصفه
جزءًا من حركة الاحتمالات، فيحاول فهم أسبابه.
أما الثاني فهو أن يرفض هذا الاختلاف، ويعتبره
ظلمًا أو نقصًا في الكون نفسه.
ومن هنا يبدأ الشعور بالعار من المادة.
وحين يشعر الإنسان بالعار من المادة، يبدأ في
البحث عن ما يكسر قوانينها، فينشأ التعلق بفكرة المعجزة أو خرق الطبيعة.
لكن الحاجة إلى المعجزة ليست دليل قوة، بل دليل
شعور بالنقص؛ لأن من يتصالح مع العالم كما هو لا يحتاج إلى أن يلغيه حتى يحقق ذاته.
أما من يرى العالم ناقصًا، فإنه يبحث دائمًا عن
قوة خارجة عنه تصلح ما يظنه خللًا فيه.
الوفرة شرط القيادة
لا يمكن للإنسان أن يقود عملية الخلق وهو يشعر
بالفقر.
فالقيادة لا تنشأ من الإحساس بالنقص، وإنما من
الإحساس بالوفرة.
ومن يعيش حالة الوفرة يقود لأنه يمتلك مساحة واسعة من الاحتمالات.
أما الذي يشعر أن المادة قليلة، وأن الفرص
محدودة، فإنه يصبح أسيرًا لها، لأنها تتحول إلى مصدر خوف دائم.
المادة تقود الناقص، والروح تقود الكامل
حين يشعر الإنسان بالنقص المادي تصبح المادة هي
القائد الحقيقي لحياته.
فهو يتحرك خوفًا من فقدها، ويبحث عنها
باستمرار، ويقيس قيمته بها.
أما الإنسان الذي يفهم المادة ولا يشعر بالعار
منها، فإنه لا يصبح عبدًا لها، بل تتحول إلى وسيلة ضمن نظام أوسع يقوده وعيه.
حين يشعر الإنسان بالعار من المادة، أو بالعجز، أو بالفقر، أو بالحاجة، فإنه لا يعود هو من يقود حياته، بل يصبح الكون المادي هو الذي يقوده. فالمادة هي التي تحدد حركته، وتوجه خياراته، وتدفعه إلى البحث عما يخرجه من سلطانها، ولذلك يكثر تعلقه بالمعجزات وبكل ما يظنه خرقًا للطبيعة، لأن المادة هي التي تقوده نحو الروحانية، لا لأنه بلغ كمالها، بل لأنه يحاول الهروب من شعوره بالنقص.
الإنسان يقوده ماهو في حاجة إليه ويقود ماليس في حاجة إليه
أما إذا أُعيدت العلاقة إلى صورتها الطبيعية، انعكس اتجاه القيادة؛ فلم تعد المادة تقود نحو الروحانية، بل أصبحت الروحانية هي التي تقود نحو المادة. وعندئذ لا تكون المادة مصدرًا للعار أو النقص، وإنما مجالًا يتحرك فيه الإنسان بوعي كامل.
وفرة الاحتمالات، والقيادة، والاستحقاق
إذا كان الشعور
بالعار من المادة هو أصل الفقر والخراب، فإن الجهل بطبيعة الاحتمالات هو السبب
الذي يجعل الإنسان أسيرًا لهذا الشعور. فمعظم الناس يتعاملون مع الحياة وكأنها
تسير في مسار واحد، وكأن الجميع يخوضون التجربة نفسها ويعيشون الاحتمال ذاته،
بينما الحقيقة أن الكون يقوم على وفرة لا نهائية من الاحتمالات، وأن كل إنسان يعيش
احتمالًا مختلفًا عن غيره.
إن الفقير في
رؤيته للوجود لا يظن أن الفرص متعددة، بل يعتقد أن ما حصل عليه غيره قد سُلب منه
هو، ولذلك يدخل في منافسة دائمة مع الآخرين، ويشعر أن نجاحهم يعني خسارته. أما
الإنسان الذي يدرك وفرة الاحتمالات فإنه يعلم أن نجاح الآخرين لا ينتقص من
احتماله، لأن لكل إنسان طريقًا مختلفًا، ولكل طريق إمكاناته الخاصة.
ومن هنا تبدأ
القيادة الحقيقية. فالإنسان لا يقود لأنه يملك القوة، وإنما لأنه يرى احتمالات
أكثر مما يراه غيره. وكلما اتسعت رؤيته للاحتمالات، ازدادت قدرته على اختيار
المسار الذي ينسجم مع طبيعته، بدل أن يبقى سجينًا لمسار واحد يظنه قدر الجميع.
ولهذا فإن من
لا يفهم الاحتمالات يصبح مقادًا بها. إنه ينتظر أن تصنع له الحياة فرصة، وأن تمنحه
الظروف مكانًا، وأن يسمح له الآخرون بالعبور هو ينتظر فرصة من كل شيء. أما من يفهم الاحتمالات فإنه لا
ينتظرها، بل يبحث عنها، ويصنعها، ويتحرك بينها بحرية، لأنه يعلم أن الكون لا يختزل
في احتمال واحد.
من يقود من؟
تنشأ هنا قاعدة
أساسية في هذه الرؤية:
كل ما تحتاج
إليه يقودك، وكل ما تستغني عنه تقوده.
فالإنسان الذي
يحتاج إلى المال يصبح المال قائدًا له، والذي يحتاج إلى السلطة تصبح السلطة هي
التي تحرك قراراته، والذي يحتاج إلى القبول يعيش أسيرًا لنظرة الآخرين إليه.
أما إذا تحرر
من الحاجة المطلقة إليها، فإنه يستطيع التعامل معها بحرية، ويصبح قادرًا على
توجيهها بدل أن توجهه.
وهذا لا يعني
رفض المادة أو الفرص، بل يعني التحرر من التعلق بها. فالحاجة المفرطة تحول الإنسان
إلى تابع، أما المعالجة الصحيحة لكل شيء تمنح الإنسان القدرة على القيادة.
معنى الفرصة
ينظر الناس إلى
الفرصة وكأنها شيء يمنحه الآخرون، فيقول أحدهم: "أعطني فرصة لأثبت
نفسي." لكن هذه العبارة تكشف في كثير من الأحيان عن اعتقاد داخلي بأنه في الأصل هو لايستحق الأمر لهذا يطالبه بفرصة.
أما الإنسان
الذي يقود حياته من حيث أصلها لاينتظر أن يصنع له أحد فرصة، لأنه يعلم أن أصله صالح ومن صلح اصله لايحتاج لأن يطالب بالفرص فالإنسان يطالب بالفرص عندما يرى أنه لايناسب الأمر فيطالب بفرصة تجعله يثبث انه يناسبه أما في حالة الأصول فأن كنت مناسب لأمرما مباشرة وتستحقه سوف تحضى به مباشرة بدون الحاجة لأي فرصة.
ولهذا فإن كثرة
التعلق بالفرص قد تتحول إلى شكل من أشكال التبعية. فكلما ازداد الإنسان انتظارًا
لها، ازدادت سلطتها عليه. أما إذا أصبح قادرًا على العمل بما يملكه الآن، تحولت
الفرص نفسها إلى أشياء تبحث عنه.
الاستحقاق
والانفصال عنه
يقع كثير من
الناس في وهم آخر، وهو أنهم منفصلون عما يستحقونه، وأن عليهم أن يطاردوا استحقاقهم
طوال حياتهم.
غير أن
الاستحقاق الحقيقي ليس شيئًا بعيدًا عن الإنسان، بل هو متصل به. وما يصل إليه
الإنسان في كل لحظة هو، بدرجة ما، ما استطاع أن ينسجم معه من احتمالات.
ولهذا فإن
الشعور الدائم بأن الإنسان يستحق حياة أخرى، أو مكانًا آخر، أو شخصًا آخر، قد يكون
دليلًا على أنه يعيش في صراع مع واقعه وهذا دليله على شعوره بالعار من مادته فيقول ان مايستحقه هو اعظم ممايمكله وهذا خطأ.
إن الاستحقاق
ليس مجرد أمنية، بل هو حالة انسجام بين الإنسان واحتماله.
إعطاء الآخرين حقهم
من أهم نتائج
فهم وفرة الاحتمالات أن الإنسان لا يخاف من نجاح غيره.
بل إنه يدرك أن
السماح للآخرين بالحصول على نصيبهم لا ينتقص من نصيبه، وإنما يفتح الطريق أمام
نصيبه هو أيضًا.
فمن يفسد حظ
الآخرين يفسد حظه، ومن يمنع عنهم فرصهم يعيش في خوف دائم من أن تُمنع عنه فرصه.
ولهذا فإن
إعطاء كل إنسان حقه ليس مجرد فضيلة أخلاقية، بل هو انسجام مع حركة الكون نفسها.
فالطريق الضيق
لا يعبره شخص واحد بالقوة، وإنما يعبره الجميع حين يفسح كل واحد المجال للآخر. وكل
محاولة لحصار الآخرين تتحول في النهاية إلى حصار للنفس.
ومن هنا يصبح
السماح للآخرين بالنجاح نوعًا من السماح للنفس بالنجاح أيضًا.
القائد لا يعيش في الفقر
الإنسان الذي
يقود حياته لا يبني قراراته على الخوف من الفقد، ولا على الاعتقاد بأن الخير محدود.
إنه يرى أن
المادة تتحرك وفق نظام أوسع من رغبات الأفراد، وأن المال، والسلطة، والفرص، ليست
غنائم يتقاتل الناس عليها، بل نتائج لمسارات واحتمالات متعددة.
ولهذا لا ينشغل
كثيرًا بمقارنة نفسه بالآخرين، لأن المقارنة نفسها تنبع من الاعتقاد بأن الجميع
يتنافسون على الشيء ذاته.
أما إذا أدرك
أن لكل إنسان احتماله الخاص، زال كثير من الحسد، والخوف، والصراع، وبدأ يعيش منطق
الوفرة بدل منطق الندرة.
وهكذا ينتقل
الإنسان من كونه مفعولًا به إلى كونه فاعلًا؛ لا لأنه سيطر على العالم، بل لأنه
فهم قوانينه، وأدرك أن القيادة تبدأ من تحرير الوعي من الشعور بالنقص،
وأن أول مظاهر هذا التحرر هو الإيمان بوفرة الاحتمالات، لا بفقر الإحتمالات.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق