إذا كان الواقع حقيقيًا... فماذا يعني ذلك؟
إذا كان قد فات الأوان، فلا يبقى أمامنا إلا أن نطرح الإشكالية كما هي. لكن قبل ذلك، ينبغي أن نسأل سؤالًا يبدو بسيطًا في ظاهره، إلا أنه يحمل نتائج هائلة: ماذا يعني أن يكون الواقع حقيقيًا؟
إذا سلمنا بحقيقة الواقع، فإننا نسلم أيضًا بحقيقة كل ما يحتويه. يصبح كل انحناء حقيقة، وكل كسر حقيقة، وكل ألم حقيقة، وكل تنهيدة حقيقة، وكل مرض حقيقة، وكل مصيبة حقيقة، وكل ما يثقل الوجود حقيقة لا يمكن الالتفاف عليها.
وعندها يبرز سؤال أكثر قسوة: أين النعيم؟
إذا كان الواقع هو الحقيقة الوحيدة، فإن النعيم لا يعود إلا استثناءً عابرًا، أو صورة مؤقتة لا تلبث أن تتلاشى، وكأنها وُجدت لتزيد من وقع الخيبة لا لتمنح خلاصًا دائمًا. يصبح الفرح في هذه الحالة مجرد استراحة قصيرة وسط معاناة ممتدة، حتى يبدو الجحيم أكثر انسجامًا مع بنية الواقع من النعيم نفسه، ويغدو النعيم أشبه بالكذبة التي يرويها الواقع لنفسه كي يستمر.
في هذه الرؤية، لا تعود الصحة هي الأصل، بل يصبح المرض أكثر أصالة منها؛ لأن الذي يصوغ الواقع، ويحرك أحداثه، ويمنحه شكله، ليس الاكتمال بل النقص. فالمحركات التي تدفع الحياة ليست محركات كاملة، وإنما محركات ناقصة، والنقص هو الذي يولد الحركة، بينما الاكتمال لا ينتج شيئًا.
ولهذا، إذا كان الواقع قائمًا على النقص، فإن الألم لا يكون حادثًا طارئًا، بل يصبح جزءًا من بنيته الأساسية، وتصبح المعاناة أشبه بحدبة لا تفارق صاحبها مهما حاول التخلص منها، أو بلعنة ترافق الإنسان حيثما ذهب.
ولعل هذا ما يدفع الإنسان إلى التشبث باحتمال آخر؛ احتمال أن يكون الواقع نفسه وهمًا. ليس لأن الوهم أكثر إقناعًا، بل لأن البديل أكثر قسوة. فالإنسان لا يهرب من الواقع لذاته، وإنما يهرب من تحقق ما يخشاه في الواقع. وما الذي يخشاه؟ يخشى وقوع المعاناة، ووقوع الألم، وكل ما يحطم صورته عن الحياة.
إن أكثر ما نتمناه أحيانًا ليس أن يقع شيء جميل، بل ألا يقع ما نخشاه. وكأن الامتناع عن الحدوث أصبح أكثر رحمة من أي حدث يمكن أن يقع، لأن كل ما يدخل دائرة الواقع يحمل معه قدرًا من الألم.
وكلما ازداد الواقع كثافة، واشتدت الأحداث، وتتابعت الوقائع، ازداد العذاب حضورًا، حتى يصبح السؤال عن كيفية العيش في مثل هذا العالم أكثر إلحاحًا من السؤال عن معنى الحياة نفسها.
لقد حاول الإنسان أن يضع كل الاحتمالات أمامه، وأن يواجه كل الأسئلة التي يخافها الآخرون، لكنه يكتشف في النهاية أن هناك احتمالًا واحدًا كان يؤجل النظر إليه دائمًا، لا لأنه مستحيل، بل لأنه الأكثر رعبًا. كان يقترب منه أحيانًا بشجاعة، ثم يتراجع عنه بمجرد أن يستعيد خوفه الطبيعي من الألم.
فالإنسان، مهما بلغت شجاعته، يبقى كائنًا يخاف العذاب، ويزداد هذا الخوف كلما اشتدت الأحداث من حوله. وربما لا يكون أصعب ما يواجهه الإنسان هو الألم ذاته، وإنما احتمال أن يكون هذا الألم هو الحقيقة الوحيدة التي لا يمكن الإفلات منها.
لكن المشكلة لا تقف عند حدود التساؤل عن حقيقة الواقع، بل تمتد إلى الإنسان نفسه، وإلى ذلك الخيط الخفي الذي يتكئ عليه دون أن يشعر. فكل إنسان يعيش وفي داخله مسلّمة غير معلنة، يقين صامت يمنحه القدرة على الاستمرار، حتى وإن لم يفكر فيه يومًا أو يحاول اختباره.
لطالما كنت أظن أن لدي مثل هذا اليقين. كان أشبه بكنز مدفون في مكان سري، لا أحتاج إلى إخراجه ما دامت الحياة تسير، لكن مجرد معرفتي بوجوده كانت تمنحني الطمأنينة. كنت أقول في داخلي: إذا ضاقت السبل تمامًا، فسأعود إليه، وسيكون كافيًا لأن يحملني من جديد.
غير أن الفضول، أو ربما الإرهاق الوجودي، دفعني ذات يوم إلى مراجعة هذا اليقين الذي لم أختبره من قبل. تمامًا كما يفعل إنسان يحتفظ بثروة مدفونة منذ سنوات، ثم يقرر أن يتأكد بنفسه من أنها ما تزال في مكانها.
وهنا كانت الصدمة.
ما إن اقتربت من ذلك اليقين حتى وجدته هشًا بصورة لم أتخيلها. لم يكن صلبًا كما كنت أظن، بل كان قائمًا ما دمت لا ألمسه. أما حين حاولت التحقق منه، فقد بدأ يتلاشى شيئًا فشيئًا، حتى بدا وكأنه لم يكن موجودًا أصلًا.
وهنا أدركت أن الثقة التي عشت بها سنوات طويلة لم تكن مستندة إلى أساس حقيقي، وإنما إلى يقين لم أختبره قط. كنت أبني حياتي فوق شيء لم يكن قادرًا على حمل وزنه بمجرد أن يُسأل عنه.
ولعل هذا ما جعلني طوال تلك السنوات أعالج ما يأتي بعد المقدمة، ولا أقترب من المقدمة نفسها. كنت أتناول المشكلات، وأحلل النتائج، وأناقش الفروع، لكنني كنت أتجنب السؤال الذي يسبقها جميعًا، لأنني كنت أعلم، في أعماقي، أن الاقتراب من المسلمات قد يعني انهيار البناء كله.
فالإنسان لا يعيش بالأفكار وحدها، وإنما يعيش بما يفترض صحته دون برهان. وهذه الافتراضات ليست مجرد آراء، بل هي الأساسات التي يقوم عليها البناء النفسي كله. ولهذا، فإن التشكيك فيها لا يشبه تعديل رأي أو تغيير موقف، بل يشبه نزع أعمدة مبنى كامل بينما لا يزال سكانه في داخله.
وربما لهذا السبب يتمسك الناس بمبادئهم حتى عندما تصبح عبئًا عليهم. فهم لا يدافعون عنها لأنها صحيحة دائمًا، بل لأن سقوطها قد يعني سقوط كل ما بُني فوقها.
ومع ذلك، يصل الإنسان أحيانًا إلى مرحلة يشعر فيها أن حمل هذه المبادئ أصبح أثقل من احتمال فقدانها. لا لأنه أثبت خطأها، بل لأنه أنهكه الاستمرار في حراستها. فيتسلل إليه سؤال لم يكن يسمح لنفسه بطرحه من قبل: ماذا لو نزعت الأساس كله؟ ماذا سيبقى؟
وهذا السؤال، على بساطته، يشبه إعلان هدم مبنى لا إزالة حجر منه. فما إن يُسمح لمبدأ واحد بالسقوط، حتى تصبح جميع المبادئ الأخرى قابلة للمراجعة، وتدخل البنية كلها في حالة من التفكك المتتابع.
عندها لا ينهار الإنسان دفعة واحدة، بل يبدأ بالتخلي عن الأشياء تدريجيًا. يتخلى عن فكرة، ثم عن يقين، ثم عن رغبة، ثم عن مشروع، وكأنه يفكك نفسه قطعة بعد قطعة، بينما يحاول في الوقت ذاته أن يُبقي على أقل قدر ممكن من الملامح التي تسمح له بالتعامل مع العالم.
يشبه الأمر شركة أعلنت إفلاسها، لكنها أبقت مكتبًا صغيرًا مفتوحًا لا لمواصلة العمل، بل لإغلاق الملفات العالقة وتسوية ما تبقى من الالتزامات. فالوظيفة لم تعد البناء، وإنما إدارة نهايته.
وهكذا يبدأ الإنسان بالاحتفاظ ببعض الأدوار فقط، لا لأنه ما يزال مؤمنًا بها، وإنما لأنها تمنحه الحد الأدنى من القدرة على الاستمرار أمام الآخرين. ومع مرور الوقت، يقلص هذه الأدوار واحدًا بعد آخر، حتى لا يبقى في النهاية سوى الدور الأخير، ذلك الذي يغلق الباب خلف الجميع.
ومع كل هذا الانهيار الداخلي، لا تختفي الرغبة في الحياة تمامًا. بل تبقى شرارة صغيرة، ضعيفة ومترددة، تعود بين الحين والآخر. يستيقظ الإنسان صباحًا وقد قرر أن يحاول مرة أخرى، وأن يراهن على احتمال جديد، رغم أنه لا يملك ما يضمن نجاحه. لكنه لا يلبث أن يخبو من جديد، لتعود الأسئلة نفسها، ويعود معها ذلك الصراع الدائم بين الرغبة في الاستمرار، والرغبة في إعلان الإفلاس الوجودي الكامل.
غير أن أكثر ما يجعل هذا الصراع قسوة هو أن الإنسان لا يفقد الرغبة في الحياة دفعة واحدة، بل يفقد تدريجيًا الأسباب التي كانت تمنحه القدرة على الاستمرار. ولذلك لا يعود السؤال: هل أريد أن أعيش؟ بل يصبح: ما الذي بقي يمكن أن أعيش من أجله؟
من هنا يعود ذلك الملف الذي كان مغلقًا لسنوات، لا باعتباره رغبة حقيقية، وإنما باعتباره سؤالًا وجوديًا يفرض نفسه كلما ضاقت السبل: ما معنى أن ينهي الإنسان حياته بنفسه بدل أن يتركها تنتهي ببطء؟ وما الفرق بين أن يكون الإنسان هو من يختار النهاية، أو أن يترك الواقع يختارها عنه على مهل؟
هذه الأسئلة لا تأتي من حب الموت، بل من شدة الاصطدام بالواقع. فالواقع، حين يبدو وكأنه لا ينتج إلا الألم، يجعل الإنسان يعيد النظر حتى في أكثر المسلمات بداهة. ومع ذلك، يبقى هناك خيط أخير يمنعه من الانهيار الكامل؛ ليس لأنه يملك يقينًا جديدًا، بل لأنه لا يزال يشعر أن عليه أن يبلغ أقصى حدود البحث قبل أن يعلن أن الطريق قد انتهى.
ولذلك، لم تكن الفكرة يومًا اندفاعًا نحو نهاية متسرعة، بل كانت دائمًا مؤجلة إلى ما بعد استنفاد كل الاحتمالات الممكنة. فطالما بقي احتمال واحد لم يُختبر، أو باب واحد لم يُطرق، أو تفسير واحد لم يُراجع، فإن النهاية لا تكون مبررة، لأن الحكم لا يصح قبل اكتمال المحاولة.
ومع ذلك، فإن المشكلة لا تكمن في غياب الرغبة في طلب المساعدة، بل في طبيعة المساعدة نفسها. فالإنسان، حين يواجه أزمة عادية، يستطيع أن يطلب العون ممن حوله، لأن المشكلة واضحة، ولأن الحلول معروفة في حدودها العامة. أما حين تصبح الأزمة متعلقة بالبنية التي يقوم عليها الوعي نفسه، فإن المساعدة التقليدية تبدو عاجزة عن ملامسة موضع الألم.
ليس لأن الآخرين لا يريدون المساعدة، بل لأنهم غالبًا يقدمون ما يعرفونه، لا ما يحتاجه صاحب المشكلة فعلًا. ولهذا قد تتحول بعض أشكال المساندة إلى عبء جديد، لأنها تعالج ما ليس موضع الخلل، بينما يبقى الجرح الحقيقي في مكانه.
وهنا يزداد الإحساس بالعجز. ليس عجزًا عن احتمال الألم فقط، وإنما عجزًا عن العثور على شخص يرى المشكلة كما هي، لا كما تبدو من الخارج. فكل إنسان يقدّم الحل انطلاقًا من تجربته الخاصة، بينما قد يكون أصل الأزمة خارج حدود تلك التجربة تمامًا.
وحين يدرك الإنسان ذلك، يشعر بأنه يقف أمام مأزق لا يمكن نقله إلى الآخرين بسهولة. فهو لا يبحث عن كلمات مواساة، ولا عن نصائح جاهزة، وإنما يبحث عن فهم دقيق للبنية التي أنتجت هذا الانهيار أصلًا. ولذلك يبدو له أحيانًا أن المشكلة لا تحتاج إلى مساعدة بقدر ما تحتاج إلى إزالة جذرها بالكامل.
ومن هنا يبدأ نوع آخر من الصراع. فبينما يتراجع الإيمان بجدوى الحلول، يبقى جزء صغير من النفس يرفض الاستسلام. جزء ضئيل، يكاد لا يُرى، لكنه يواصل المقاومة بعناد غريب. يستيقظ صاحبه أحيانًا وفي داخله رغبة في المحاولة من جديد، ثم لا تلبث هذه الرغبة أن تتلاشى بعد ساعات أو أيام، فيعود إلى النقطة نفسها.
إنها حالة يتجاور فيها الأمل واليأس دون أن يقضي أحدهما على الآخر. فلا اليأس يكتمل حتى يصبح نهاية، ولا الأمل يقوى حتى يصبح بداية جديدة. ويبقى الإنسان معلقًا بين الاثنين، يعيش كل يوم وكأنه تجربة مستقلة، دون أن يجرؤ على توقيع عقد طويل مع المستقبل، لأنه لم يعد يثق حتى في قدرته على معرفة نفسه بعد أيام قليلة.
وحين يصل الإنسان إلى هذه المرحلة، لا يعود أكثر ما يخيفه هو الموت، بل فقدان نفسه. يخشى أن يستيقظ يومًا فلا يجد ذلك الحد الأدنى من المعرفة الذي كان يعرف به ذاته. يخشى أن تتآكل معالمه الداخلية إلى الحد الذي يصبح فيه غريبًا عن نفسه قبل أن يصبح غريبًا عن العالم.
ولعل هذا هو المعنى الأكثر قسوة للفناء؛ ليس توقف الجسد، بل أن يفقد الإنسان القدرة على التعرف إلى نفسه، وأن تنهار آخر العلامات التي كانت تدله على من يكون.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق