شعار الموقع لنسخة الدارك مود

شعار الموقع لنسخة الدارك مود

لا نهاية للأمر... الوجود الذي لا يعرف الانتهاء

مدخل: هل للأمر نهاية؟

كثيرًا ما يبحث الإنسان عن نهاية حاسمة لكل شيء؛ نهايةٍ للألم، أو للصراع، أو للحياة، أو حتى للوجود نفسه. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل توجد نهاية فعلًا؟

إنني أميل إلى الاعتقاد بأن لا نهاية لهذا الأمر. فالأمور لا تنت
هي على النحو الذي نتصوره، لأنها في حقيقتها لا تبلغ نقطة ينعدم بعدها كل شيء. إن ما نسميه "النهاية" ليس إلا انتقالًا إلى صورة أخرى من الوجود.

ولعل أكبر شاهد على ذلك هو الموت.

الموت لا ينتهي

حين نتأمل الموت نجد أننا لا نتوقع يومًا أن يأتي زمن ينتهي فيه الموت نفسه. ولو انتهى الموت، لكان معنى ذلك انتهاء الوجود بأسره، لأن الموت ليس حادثة منفصلة عن الوجود، بل وظيفة من وظائفه.

ولهذا، فإن انتهاء الموت يقتضي انتهاء الوجود، والوجود ـ في تصوري ـ لا ينتهي.

ومن هنا يمكن القول إن ما نسميه موتًا ليس محوًا نهائيًا، وإنما استمرار بطريقة أخرى. فلا شيء يبلغ حد العدم المطلق، لأن الوجود لا يمنح حدًا نهائيًا يقف عنده كل شيء.


لماذا لا أنتحر؟

قد يبدو هذا السؤال غريبًا، لكنه في الحقيقة سؤال منطقي إذا انطلقنا من الفكرة السابقة.

إن السبب الوحيد الذي يجعلني مطمئنًا، ويمنعني من التفكير في إنهاء حياتي، هو أنني لم أجد نهاية حقيقية لنفسي.

ولست أقول ذلك لأنني متشبث بالحياة أو لأن شيئًا يقيدني إليها، بل على العكس تمامًا.

أنا لا أشعر بأي قهر يجبرني على البقاء، حتى إنني أشعر أنني قادرعلى الانفصال عن ذاتي في أي لحظة، ومع ذلك لا أجد معنى لفكرة الإلغاء النهائي.

لقد حاولت أن أبحث عن نهاية كاملة لوجودي، فلم أجدها.

كل طريق كنت أتخيله يؤدي إلى الفناء، كنت أجد في آخره استمرارًا جديدًا، سواء كان استمرارًا متوقعًا أو غير متوقع، يشبهني أو لا يشبهني.

ولهذا أدركت أن محاولة إنهاء الوجود محاولة مستحيلة.


استحالة محو الإنسان

حين يحاول الإنسان أن يتخيل محو نفسه من الوجود، يكتشف أن الأمر لا يتعلق به وحده.

فأنا لا أوجد في داخلي فقط، بل أوجد في ذاكرة الآخرين، وفي آثار تركتها، وفي كلمات قيلت عني، وفي صور احتفظ بها الناس، وفي مشاعر أثرتها داخلهم، وفي أحداث كنت جزءًا منها.

ولهذا، فإن محوي الكامل يقتضي محو كل تلك الآثار أيضًا.

ولو أردت أن أزيل نفسي من الوجود إزالة تامة، لكان عليّ أن أزيل كل من عرفني، وكل من التقيته، وكل من احتفظ بصورة أو ذكرى أو كلمة تخصني.

وهذا مستحيل.

فالإنسان لا يعيش داخل جسده فقط، وإنما يعيش كذلك داخل شبكة واسعة من الآثار التي يتركها في الآخرين.

ومن هنا يصبح وجود الإنسان أكبر من حدود جسده.


حق الوجود

ما دام الآخرون موجودين، فأنا أتمتع بالحق نفسه في الوجود.

فإذا منحت نفسك حق الوجود، فقد منحته لي ضمنًا، سواء اعترفت بذلك أم أنكرت.

وإذا نزعت هذا الحق عن نفسك، فإنك تنزعه عني أيضًا.

ولهذا فإن الوجود ليس امتيازًا خاصًا بأحد، بل هو علاقة متبادلة بين جميع الموجودات.


كل نهاية كانت بداية جديدة

لقد مررت بلحظات ظننت فيها أن كل شيء قد انتهى.

ودعت أشخاصًا كما يودع الإنسان من لن يلقاهم مرة أخرى.

وتهيأت نفسي لنهاية كاملة، حتى كنت أصدق تلك النهاية بكل ما أملك من يقين.

لكنني كنت أكتشف في كل مرة أنني أبدأ من جديد.

كأن الحياة كانت تفتح طريقًا آخر لم أكن أتوقعه.

ولهذا تعلمت أن كل نهاية تبدو مطلقة ليست سوى بداية لمشهد آخر.

فالوجود أوسع بكثير من أن يُغلق بابه في وجه الإنسان مرة واحدة.


الوجود مجال لا ينفد

حين أقول إن الوجود واسع، فأنا لا أقصد مجرد الاتساع المكاني.

إنني أقصد أنه مجال دائم الإمكان.

فهو لا يبلغ حالة الامتلاء التي تمنع الزيادة، ولا يصل إلى الفراغ الذي يخلو من كل شيء.

إنه يحتفظ دائمًا بمساحة تسمح بظهور احتمالات جديدة.

ولهذا، فإن الوجود قادر في كل لحظة على أن يفتح طريقًا لم يكن حاضرًا في حساباتنا.

إنه لا يغلق أبوابه نهائيًا، ولا يستنفد إمكاناته أبدًا.

ولهذا يبقى الإنسان، مهما ظن أنه بلغ النهاية، أمام احتمال جديد لم يكن يراه من قبل.


هل الوجود ممتلئ أم فارغ؟

قد يبدو السؤال بسيطًا، لكنه يحمل تناقضًا ظاهريًا يصعب تجاوزه.

فإذا سألنا: هل الوجود ممتلئ بحيث لا يقبل شيئًا جديدًا؟ فالجواب: لا.

وإذا سألنا: هل هو فارغ ينتظر أن يمتلئ؟ فالجواب أيضًا: لا.

فالوجود ليس ممتلئًا بالمعنى الذي يمنع الإضافة، وليس فارغًا بالمعنى الذي يفتقر إلى كل شيء.

إنه يجمع بين الحالتين في آن واحد.

فهو ممتلئ إذا كنت تبحث عن حقيقة منجزة أو صورة قائمة بالفعل، وفارغ إذا كنت تبحث عن إمكانية جديدة لم تظهر بعد.

ولهذا فإن الامتلاء والفراغ ليسا صفتين متعارضتين، بل وجهان لطبيعة واحدة.


الوجود بوصفه مجالًا

حين نتحدث عن الوجود، ينبغي ألا نتخيله كشيء مغلق على نفسه، بل كمجال حي.

والمجال ليس هو الأشياء التي يحتويها، بل القدرة الدائمة على احتوائها.

فكما أن الغرفة ليست الأثاث الموجود فيها، وإنما الفراغ الذي يسمح بوجود ذلك الأثاث، كذلك الوجود ليس الكائنات وحدها، وإنما المجال الذي يسمح بظهورها واستمرارها.

ولهذا لا ينفد الوجود مهما كثرت الموجودات، لأنه ليس مجرد مجموعها، بل هو القدرة الدائمة على استقبال المزيد.


الذكورة والأنوثة بوصفهما مجالًا

ومن هنا يمكن فهم العلاقة بين الذكورة والأنوثة بطريقة مختلفة.

إنهما مجالان متداخلان.

ولهذا يوجد دائمًا شيء من الذكورة داخل الأنوثة، كما يوجد شيء من الأنوثة داخل الذكورة.

ولو ضربنا مثال على الذكورة والأنوثة بقارورة فيها القليل من الماء مع العلم سيكون الملئ ذكوري والفراغ انثوي يعني بقدر ملئ القارورة تكون ذكورتها وبقدر فراغ القارورة تكون أنوثتها ولهذا نطرح سؤال:

هل هذا ماء فيه فراغ (ذكورة فيها أنوثة)، أو أنه فراغ فيه ماء (أنوثة فيها ذكورة)

لذلك فوجود الأنوثة في الذكورة كوجود الذكورة في الأنوثة وأي انثى تمارس الذكورة مثلها كأي ذكر يمارس الأنوثة، ولهذا كل من يشكو المرأة على كونها ذكورية يشكو من كونه انثويا لأنه كل من يحس بحالة الأنوثة التي خارجه لديه أنوثة داخلية، أما إذا كان يرى الانثى بدون ان يحس بها فمعنى هذا انه ذكر بدون انوثة داخلية ونفس الأمر بالنسبة لعلاقة الأنثى بالذكر.


الوجود ذاكرة كبرى

كلما تأملت الوجود، ازداد يقيني بأنه يشبه دماغًا هائلًا.

غير أن هذا الدماغ لا يتكون من أفكار تخصه وحده، بل من آثار لا تنتمي إليه مباشرة، ومع ذلك تعيش داخله.

فالإنسان يحمل في ذاكرته كلمات لم يقلها، وأفكارًا لم يبتكرها، ومشاعر تشكلت بسبب أشخاص آخرين.

إننا لا نحمل أنفسنا وحدها، بل نحمل آثار الآخرين أيضًا.

ولهذا يصبح الوجود كله شبكة واسعة من الآثار المتبادلة.


الأثر هو ذاكرة الكون

حين يغادر الإنسان مكانًا، يظن أنه غادره فعلًا.

لكن الحقيقة أن أثره يبقى.

وقد يكون هذا الأثر كلمة، أو نظرة، أو موقفًا، أو فكرة، أو حتى شعورًا انتقل إلى شخص آخر دون أن ينتبه.

ولهذا فإن الآثار هي الذاكرة الحقيقية للكون.

إنها الطريقة التي يستمر بها كل شيء بعد زوال صورته المباشرة.

فليس المهم أن يبقى الجسد، وإنما أن يبقى أثره.

ولهذا فإن الوجود لا يتوقف عن إنتاج آثار جديدة، كما لا يتوقف عن استقبال آثار قديمة.


الامتلاء الذي يلد الفراغ

يشبه الوجود سلسلة من البحيرات المتصلة.

تمتلئ إحداها فتفيض إلى الأخرى، وتمتلئ الثانية فتفيض إلى الثالثة، وهكذا.

فالامتلاء لا يؤدي إلى التوقف، بل إلى العطاء.

والفراغ لا يؤدي إلى العدم، بل إلى الاستقبال.

ولهذا فإن الفقد ليس نقيض الامتلاء، كما أن الامتلاء ليس نقيض الفقد.

إنهما حركتان متكاملتان داخل دورة واحدة.


التوازن الحقيقي

الإنسان يتعب لأنه ينتظر أن يمتلئ، أو يخاف أن يفرغ.

لكن ماذا لو أدرك أن كل ما يفقده يقابله شيء يكتسبه؟

وأن كل ذرة تغادر حياته، تحل محلها ذرة أخرى؟

عندئذ يخرج من انتظار الامتلاء، كما يخرج من الخوف من الفراغ.

ويبدأ في رؤية الوجود كما هو، لا كما يتمناه.


الوعي الذي لا ينتظر شيئًا

هناك وعي يعيش دائمًا على الانتظار.

ينتظر أن يحصل على شيء، أو أن يتخلص من شيء.

لكن يوجد مستوى آخر من الوعي.

وعي لا ينتظر استقبال شيء، لأنه يشعر أنه استقبل كل ما يستطيع استقباله.

ولا ينتظر التخلص من شيء، لأنه أرسل كل ما يستطيع إرساله.

في هذه الحالة يصبح الإنسان حاضرًا بالكامل.

لا لأنه امتلك كل شيء، بل لأنه لم يعد يطالب الوجود بأن يكون مختلفًا عما هو عليه.


الموت بوصفه حالة مستمرة

حين يصل الإنسان إلى هذا المستوى، يكتشف أن الموت ليس حادثة تقع مرة واحدة.

إنه يحدث باستمرار.

في كل لحظة تنتهي صورة قديمة، وتولد صورة جديدة.

فالذي لا يستطيع أن يموت في كل لحظة، لا يستطيع أن يحيا في كل لحظة.

لأن الحياة نفسها سلسلة متصلة من النهايات والبدايات.

ومن يملك القدرة على إنهاء علاقة، أو فكرة، أو مرحلة، يملك في الوقت نفسه القدرة على بدء علاقة أخرى، وفكرة أخرى، وحياة أخرى.

فالقدرة على الإنهاء ليست نقيض القدرة على البداية، وإنما هي وجهها الآخر.


الإنسان لا يشعر بوصفه رجلًا أو امرأة

من أكثر الأوهام شيوعًا أن الإنسان يعتقد أن مشاعره نابعة من كونه رجلًا أو امرأة، وأن اختلاف الجنس يخلق اختلافًا جذريًا في التجربة الإنسانية.

غير أن التأمل يقود إلى نتيجة مختلفة.

فالوعي هو الذي يشعر، وليس الجسد.

ولو تبدلت الأجساد، لبقيت التجربة الأساسية واحدة.

فالإنسان يحزن، ويفرح، ويخاف، ويأمل، ويشعر بالنقص أو الامتلاء، سواء كان رجلًا أم امرأة. وما يتغير في الغالب هو صورة التجربة، أما بنيتها الداخلية فتبقى واحدة.

إن الفرق بين من يظن نفسه في هذه الجهة ومن يظن نفسه في الجهة الأخرى، لا يتجاوز في كثير من الأحيان اختلاف المكان الذي يعيش فيه التجربة، لا التجربة نفسها.

قد يبكي هذا في غرفة، ويبكي الآخر في غرفة أخرى، لكن البكاء واحد، والألم واحد، والرجاء واحد.

ولهذا فإن الانشغال بالاختلافات الظاهرة كثيرًا ما يحجب الوحدة العميقة التي تجمع جميع البشر.


لا أحد خارج التجربة

يتصور الإنسان أحيانًا أن بعض الناس قد كُتب لهم النجاح وحده، أو السعادة وحدها، أو القوة وحدها.

لكن الواقع لا يشهد بذلك.

فلا يوجد إنسان يعيش القوة دون أن يعرف الضعف، ولا أحد يذوق الفرح دون أن يمر بالحزن، كما لا يوجد من ينجو من الفقد أو الخيبة أو القلق.

كل كائن يمر بأطياف الوجود كلها، وإن اختلفت النسب والظروف.

ولهذا فإن الوجود لا يقصي أحدًا من التجربة، بل يوزعها بطرق مختلفة.


لماذا توجد الكائنات السلبية؟

إذا تأملنا العالم وجدنا أنه لا يقتصر على ما نصفه بالإيجابي، بل يضم أيضًا ما نراه سلبيًا أو مؤذيًا أو ناقصًا.

وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا يسمح الوجود بوجود هذه الكائنات؟

لأن السلبية ليست حالة أبدية.

فالكائن الذي يُنظر إليه على أنه سلبي يستطيع أن يثبت موقفه، وأن يعترف بحقيقته، وأن يجد مكانه داخل الوجود.

وعندما يتحقق له هذا الاعتراف، فإنه لا يبقى سجين صورته القديمة.

إن أول خطوة نحو الإيجابية ليست ادعاء الكمال، وإنما الاعتراف بالنقص ومن إعترف بنقصة فهو إيجابي.


الاعتراف هو بداية التحول

حين يعترف الإنسان بوجود الجانب السلبي فيه، فإنه يكون قد بدأ بالفعل في تجاوزه.

أما الذي ينكر سلبيته، ويصر على أنه كامل أو نقي أو معصوم، فإنه يظل أسير ما يحاول إنكاره.

ولهذا فإن الإنسان الذي يقول: "أنا سلبي"، قد يكون أقرب إلى الإيجابية من إنسان لا يكف عن إعلان إيجابيته بينما يرفض رؤية عيوبه.

فالصدق مع النفس بداية كل تحول.


الأرض والسماء

كثير من البشر يريدون أن يظهروا كما لو أنهم كائنات سماوية، منفصلة عن الأرض، وعن الخطأ، وعن الماضي.

غير أن الكائن الذي يرتفع حقًا هو الذي يعترف بجذوره الأرضية.

إن من لا يعترف بماضيه، ولا يعترف بأنه أخطأ، أو ظلم، أو جهل، يظل سجين ذلك الماضي، حتى لو ادعى تجاوزه.

أما الاعتراف، فلا يعيد الإنسان إلى الوراء، بل يحرره منه.


من السلب إلى الإيجاب

لا يتحرك الوجود من الكمال إلى النقص، بل من النقص إلى الاكتمال.

فالطفل يبدأ بالعجز ثم يتعلم.

والجاهل يبدأ بالجهل ثم يكتسب المعرفة.

والضعيف يبدأ بالضعف ثم يكتسب القوة.

إن الحركة الطبيعية للحياة هي انتقال مستمر من السلب إلى الإيجاب.

ولهذا فإن الذي يكرر أخطاءه دون مراجعة، لا يعود إلى الماضي فحسب، بل يختار أن يعيش داخله مرة أخرى.


مراجعة الذات

حين أنظر إلى ماضيّ، لا أرى إنسانًا كاملًا.

بل أرى إنسانًا تسبب في الألم كما تسبب في الفرح.

أرى إنسانًا جهل أحيانًا، وأخطأ أحيانًا، وأصاب أحيانًا أخرى.

وقد أدركت مع الزمن أن كل سعادة منحتها لأحد، ربما رافقها حزن أصاب شخصًا آخر.

وأن كل معرفة نقلتها إلى إنسان، ربما جهلت غيره.

فالوجود أكثر تعقيدًا من أن تكون نتائجه أحادية الاتجاه.

ولهذا لم أعد أبحث عن صورة القديس الذي لا يخطئ، بل عن صورة الإنسان الذي يفهم أثر أفعاله، ويتحمل مسؤوليته عنها.


ما بعد الإيجابية والسلبية

مع مرور الزمن لم أعد أشعر أنني أسير نحو أن أصبح إنسانًا إيجابيًا بالمعنى المتداول.

بل أشعر أنني أتحرك نحو حالة أخرى.

حالة لا يكون فيها الإنسان سجينًا لثنائية الإيجاب والسلب.

إنها حالة يصبح فيها الإنسان معبرًا عن نفسه كما هي، لا كما يريد المجتمع أن يصفها، ولا كما تفرضها البرمجات أو التصنيفات الجاهزة.

حينها لا يعود يتحدث بوصفه رجلًا أو عضوًا في جماعة أو ممثلًا لفكرة، بل يتحدث بوصفه كائنًا موجودًا.

وهذا الوجود المشترك يفتح بابًا لفهم جميع الكائنات.

فالإنسان، والحيوان، والنبات، وكل ما في الكون، يشترك في حقيقة الوجود قبل أن يختلف في صورته.

ومن هنا يصبح الحوار مع الوجود كله ممكنًا، لأن الأصل الذي يجمع الجميع أسبق من الصفات التي تفرقهم.


اكتشاف الإنسان لنفسه

منذ زمن طويل توقفت عن الاعتقاد بأنني إنسان كامل، أو أنني قادر على الوصول إلى صورة القديس الذي لا يخطئ.

لقد اكتشفت أن القداسة، كما يتخيلها الناس، ليست الصورة التي تعبر عن الإنسان، بل كثيرًا ما تتحول إلى قناع يخفي حقيقته.

ولم أجد نفسي يومًا في ذلك القناع.

بل وجدت نفسي إنسانًا عاش الخير والشر، والنفع والضرر، والقوة والضعف، تمامًا كما يعيشها كل موجود.

ولهذا لم يعد همي أن أبدو طاهرًا في أعين الآخرين، وإنما أن أفهم نفسي كما هي، دون تجميل أو إنكار.


هل يتساوى الضرر والمنفعة؟

حين راجعت حياتي، لم أجد أنني كنت خيرًا خالصًا، كما لم أجد أنني كنت شرًا خالصًا.

لقد أضرت أفعالي بأشخاص، كما نفعت آخرين.

وقدمت خيرًا في مواضع، وأخطأت في مواضع أخرى.

ومع مرور الزمن بدأت أشعر أن الوجود يعيد ترتيب هذه الآثار بطريقة لا تسمح لأي جانب بأن يستأثر بالصورة كاملة.

فما أقدمه من منفعة اليوم قد يخفف ضررًا قديمًا، وما أرتكبه من خطأ قد يدفعني غدًا إلى إصلاح ما أفسدته.

ولهذا لم أعد أرى حياتي سلسلة من الانتصارات أو الإخفاقات، بل حركة مستمرة نحو نوع من التوازن.


الإنسان والحيوان

كلما نظرت إلى الحيوانات، ازداد يقيني بأن الفاصل بيننا ليس بالضخامة التي نتخيلها.

حين أنظر في عيني قطة، أو كلب، أو حصان، أو طائر، لا أشعر أن بيني وبينها قطيعة وجودية.

أشعر أننا نتشارك حقيقة واحدة، وإن اختلفت وسائل التعبير عنها.

هي موجودة، وأنا موجود.

هي تعيش تجربتها، وأنا أعيش تجربتي.

وكل منا يحمل طريقته الخاصة في إدراك العالم.

ولهذا لم أعد أرى الحيوان كائنًا أدنى من الإنسان، بل كائنًا يشاركني أصل الوجود نفسه.


الوجود لا يلغي شيئًا

أدركت أيضًا أن كل لحظة شعرت فيها بالنقص، كانت تقابلها لحظة أخرى شعرت فيها بالاكتمال.

وكل مرة خذلت فيها، وجدت في موضع آخر وفاءً.

وكل مرة تعرضت فيها للخيانة، وجدت تجربة أخرى كشفت لي معنى الثقة.

ولهذا لم أعد أرى الأحداث منفصلة عن بعضها، بل حلقات في حركة واحدة.

إن الوجود لا يختزل الإنسان في تجربة واحدة، ولا يسمح لحدث واحد بأن يصبح تعريفه النهائي.


نهاية القلق

كان القلق يرافقني في معظم مراحل حياتي.

كنت أقلق من الخسارة، ومن المستقبل، ومن نظرة الآخرين، ومن احتمالات لا تنتهي.

لكن شيئًا فشيئًا بدأت أكتشف أن القلق لا يضيف شيئًا إلى الواقع.

إنه لا يمنع الخسارة، ولا يسرع النجاح، ولا يغير ما حدث.

وحين أدركت ذلك، بدأ القلق يفقد سلطته عليّ.

ولم يكن السبب أن مشكلات الحياة انتهت، بل لأن علاقتي بها تغيرت.

لقد أصبحت أواجهها دون أن أضيف إليها عبء الخوف منها.


الاعتراف بالصفات الإنسانية

كنت أحسد.

وأطمع.

وأغضب.

وأتكبر أحيانًا.

ولا أجد في الاعتراف بذلك انتقاصًا من نفسي.

بل أراه بداية لفهمها.

إن الإنسان الذي يقول إنه لم يعرف الحسد قط، أو لم يشعر بالطمع يومًا، أو لم يمر بلحظة تكبر، لا يصف إنسانًا، بل يرسم صورة مثالية يصعب أن توجد في الواقع.

كل هذه الصفات جزء من التجربة الإنسانية.

لكن المشكلة لا تكمن في وجودها، وإنما في إنكارها.


الرضا لا يلغي الرغبة

قد أرغب في شيء، وأطمع في الحصول عليه.

لكنني لا أعود أرى هذا الطمع عدوًا لي، ما دام يتحرك داخل حدود الرضا.

فالرضا لا يعني انعدام الرغبة، بل يعني ألا تتحول الرغبة إلى عبودية.

ولهذا قد أطلب المزيد، وأجتهد للوصول إليه، وفي الوقت نفسه أكون راضيًا إن لم أصل.

فالإنسان لا يفقد حريته لأنه يرغب، وإنما يفقدها حين تصبح الرغبة هي التي تقوده.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كاتب التدوينة
كاتب التدوينة
هذا النص هو مثال لنص يمكن أن يستبدل في نفس المساحة، لقد تم توليد هذا النص من مولد النص العربى، حيث يمكنك أن تولد مثل هذا النص أو العديد من النصوص الأخرى إضافة إلى زيادة عدد الحروف التى يولدها التطبيق.
G.M HERMES