شعار الموقع لنسخة الدارك مود

شعار الموقع لنسخة الدارك مود

نعيم الجوهر وأدب الوجود: من المظهر إلى الجوهر

في هذا الحديث وصلت إلى يقين أراه عظيمًا، وهو أن سبب افتتان الناس بالمظاهر وتركهم للجوهر يعود، في جانب منه، إلى أن كل إنسان يحن إلى أصله. فمن كان ممتلئًا بالجوهر يشعر بالوحشة من كثرة المظاهر، بينما من كان فارغًا من الجوهر لا يجد ما يشغله سوى المظهر.

ومن هنا يتضح أن الإنسان لا يتميز حقيقةً إلا بجوهره. فلا قيمة للاختلاف الشكلي، ولا للتميز الظاهري، إذا لم يكن وراءه تميز جوهري. ومحاولة تقليد الألوهية من خلال الانفراد في الشكل والتميز في المظهر لا تحاكي الألوهية بقدر ما تحاكي غيابها؛ لأن التميز الحقيقي لا يكون إلا في الجوهر.

أما الكثرة، مهما اختلفت وتمايزت وانفردت، فإنها تظل كثرة، ولا تصبح ذات ميزة حقيقية لمجرد اختلاف أشكالها. فالشيء الذي يمكن تعويضه أو تبديله أو استبداله لا يحمل تلك الميزة الجوهرية التي تجعل وجوده متفردًا في حقيقته.

نعيم الجوهر

من هنا وصلت إلى يقين آخر: النعيم الحقيقي هو نعيم الجوهر.

لقد أزاح هذا اليقين عن قلبي ثقلًا ظل يرافقني سنوات طويلة؛ ذلك السؤال المتعلق بالحاجة إلى الظهور والمظاهر، والحاجة إلى أن يغطي الإنسان جوهره بما يحيط به من نجاحات وأشكال وصور.

لقد أدركت أنني لا أحتاج إلى الظهور كي أشعر بالنعيم، لأن النعيم الحقيقي ليس فيما يظهر على السطح، وإنما فيما يستقر في صميم الإنسان. فإذا لم يكن الإنسان مرتاحًا في جوهره، وفي صميم لبه وفؤاده، فلا معنى لكثرة المظاهر المحيطة به.

ولا معنى لأن أغطي فشلًا جوهريًا بنجاح عرضي ظاهري. أما إذا نجحت ضمنيًا وجوهريًا، فلا يضرني الفشل العرضي الظاهري. وقد أراحني هذا الأمر جدًا، لأن ما يمكن أن أفقده بعد ذلك سيكون عرضيًا ومؤقتًا، وليس فقدانًا حقيقيًا للجوهر.

هذه الراحة لم أشعر بها نتيجة لذة مؤقتة، ولا بسبب فعل عابر أو سلوك مؤقت، وإنما شعرت بها في الصميم؛ كمن يختبر شيئًا يقينيًا لا يحتاج إلى إثبات خارجي. ولذلك بدا لي أن هذه الراحة ليست عارضة، لأنها ليست ناتجة عن شيء عارض.

فإذا اكتمل جوهر الإنسان وتنعم جوهريًا، فلن يضره كيف يكون مظهره؛ لأن المظهر، مهما كان، لن يخرج عن إطار الجوهر. ولذلك أصبح الحكم بالمظهر عندي ضعيفًا جدًا أمام الاحتكام إلى الجوهر.

ثبات الجوهر ورفض التزييف

كنت أخشى في السابق أن يكون أساس الأشياء هو المظهر، لأنني كنت أعلم أن ذلك يعني، في النهاية، قابلية كل شيء للتزييف والاصطناع والتعويض والتبديل والتغيير. وكان هذا الأمر يثقلني منذ سنوات طويلة.

فإذا كان المظهر هو الأساس، يصبح كل شيء قابلًا لأن يكون مزيفًا، ويصبح الإنسان غير قادر على الوثوق بما يرى. أما إذا كان الجوهر هو الأساس، فإن الأمر يختلف تمامًا؛ لأن الجوهر لا يكون قابلًا للتبديل أو التزييف بهذه الصورة.

ومن هنا وجدت راحة كبيرة في فكرة أن النعيم، إذا كان جوهريًا، فهو دائم وثابت وغير متغير. أما التغيير، فهو في الأعراض، وليس تغييرًا جوهريًا.

وهذا يقود إلى نتيجة مهمة جدًا: ربما لا أحتاج أصلًا إلى تغيير شيء.

الماضي ليس خطأ يجب محوه

حين نظرت إلى الماضي كله بكثافته، نظرت إليه بنوع من الامتنان. شعرت أن كل شيء أصبح في مكانه الصحيح، وأنه لا شيء يستدعي تغيير الماضي.

فلو غيّرت الماضي، ماذا سيبقى مني أصلًا؟ وما معنى الأشياء التي حدثت إذا محوت الطريق الذي أوصلني إليها؟ لو لم يكن ماضيّ كما كان، لما وصلت إلى ما أنا عليه الآن.

ووجدت أنني كلما أحببت نفسي كنت أكثر حكمة معها، لأن محبة النفس ورحمة الإنسان بنفسه تقتضيان أن يقبل حقيقة ماضيه، وألا يعيش في محاولة عبثية لإلغائه.

لقد جربت طريق الانفلات من الضوابط، كما جربت طريق الضوابط، فوجدت أن الحياة بلا ضابط تفقد الأشياء أحجامها وقيمها وجدواها. أما حين توجد الضوابط، فإن كل شيء يأخذ حجمه وقدره، ويصبح لكل شيء معنى وجدوى.

ولهذا، عندما نظرت إلى الماضي برأفة، رأيت فيه حكمتي المتراكمة وخبرتي المتواصلة. ولو لم يكن الماضي كما كان، لما كنت هنا أصلًا.

فالماضي لا ينبغي أن يُعامل باعتباره عدوًا يجب التخلص منه، بل باعتباره الذي يمنح الأشياء حجمها وقيمتها وجدواها.

ما نزرعه في الماضي

ومن هنا وجدت أن المستقبل ليس منفصلًا عن الماضي؛ فالإنسان في النهاية يحصد ما زرع.

لا يعني هذا أن كل من كان ماضيه سيئًا سيكون مستقبله سيئًا، وإنما المقصود أن ما يزرعه الإنسان في الماضي يظل حاضرًا في مساره. ومن غير المعقول أن يتوقع الإنسان ثمرًا من شجرة لم يغرسها، أو أن يحصد فاكهة من بذرة لم يزرعها.

وهذا يدل على وجود شيء يحفظ الزرع ويغذيه. وحتى لو وضعت البذرة في أظلم الظلمات، فإن الظلام لن يستمر إلى الأبد، وقد توجد في صميم ذلك الماضي بذرة طيبة وحسنة تنتظر أن تنتج يومًا ما.

ولهذا لم أعد أرى سببًا لتغيير الماضي ما دمت في صميمي لم أقصد السوء.

بل إن محاولة تغيير الماضي، في أحيان كثيرة، قد تحمل في داخلها اعترافًا بأن الإنسان كان جوهريًا سيئًا. وأنا لا أرى أن هناك جوهرًا سيئًا في ذاته؛ قد يقترب الإنسان من السوء، وقد يسوء جوهره، لكن ذلك لا يعني أن هناك جوهرًا سيئًا في أصله.

فإذا كان الإنسان في قلبه وصميمه يقصد الخير، فلن تكون لديه حاجة إلى محو الماضي، لأن الماضي هو الذي سيعطي حجمًا لنواياه، ويمنح جسدًا لما زرعه.

الثقة بين الإنسان وماضيه

وجدت نفسي اليوم مشدودًا إلى الماضي، ولذلك أثق فيه، وأشعر أن الماضي يثق بي أيضًا.

الماضي لا يرهن الإنسان إذا لم يكن الإنسان يحاول الفرار منه. فالذي يحاول فعل السوء ثم يلوذ بالفرار من نتائجه هو الذي يصبح رهينة لماضيه؛ لأنه يحاول التملص من العواقب.

أما من لا يهرب مما صنع، ولا يحاول الانسلاخ من ماضيه، فإنه يستطيع أن ينظر إليه بثبات؛ لأنه لا يخشى أن يأكل مما زرع أو أن يُعطى الشيء حجمه الحقيقي.

ومن هنا انتقلت إلى فكرة الخالق والحكمة والعدل.

الخالق والعدل في الوجود

كنت أخشى في السابق ألا تكون هناك نسبة عادلة في القسمة، وكان هذا الأمر يقلقني بشدة. كنت أتصور أحيانًا أن الأمر قد يكون مجرد تنازع، كمن يُلقى أمامه الطعام فيتسابق الجميع عليه: من يأكل أولًا، ومن يأكل أكثر، ومن يأكل أقل.

وكنت أخشى أن يكون الوجود قائمًا على هذا النوع من التنافس، بلا قسمة عادلة ولا نسبة عادلة.

ولو كان الأمر كذلك، فإنني أرفضه رفضًا كاملًا؛ لأنني لا أستطيع تصور وجود بلا عدل، ولا أرى معنى لعالم لا توجد فيه حكمة أو رحمة أو رأفة.

فإذا لم يكن هناك عدل، فما الذي يضمن للوجود الأمان أو السلام أو المعنى؟ سيصبح كل شيء تنافسًا دمويًا وعشوائية محضة، وسيصبح كل شيء ممكنًا بلا ضابط ولا رقيب ولا حكمة.

وهذا أمر مخيف للغاية.

لقد وصلت في النهاية إلى اطمئنان عميق بأن لكل ما يحدث غاية. قد لا أعرف هذه الغاية، وهذا نقص في المعرفة. وقد لا أفهمها، وهذا نقص في الفهم. لكن عدم معرفتي بالغاية لا يعني عدم وجودها.

لقد رأيت في خلفية المشاهد ضبطًا وحكمة، ولذلك لم أعد قادرًا على أن أكون من الغافلين عن ذلك.

ورأيت ما تفعله الغفلة بالغافلين، والكبر بالمتكبرين، والمعصية بالعاصين، والضلال بالضالين، والفشل بالفاشلين. ومن هنا أدركت أنه لا نجاة في التظاهر بخلاف ما يوجد في الجوهر، ولا جدوى من مخالفة ما يعترف به صميم الإنسان.

لا صوت فوق صوت الخالق الحقيقي

من هنا وصلت إلى أن الإنسان لا يستطيع أن يسكت الصوت الكامن في أعماقه إلى الأبد.

ولا يوجد صوت يستطيع أن يغلب صوت الخالق الحقيقي في الإنسان؛ لأن الإنسان، في هذا التصور، مرتبط به ارتباطًا لا يمكن تبديله.

حاولت مرارًا أن أنكر، لكنني لم أستطع. ولا أستطيع أن أعيش حياتي منكرًا لما أراه في صميمي. ولذلك أصبحت ممتنًا حتى لهذا العجز؛ لأنني وجدت في ضعفي قوة حقيقية تمنعني من فعل ما لا أطيق.

وبدأت أفهم أن بعض الموانع لا تأتي بالضرورة عقابًا أو ظلمًا، بل قد تكون خدمة عظيمة للإنسان.

فلو كان الإنسان عليمًا وحكيمًا ومدركًا لكل شيء، لما احتاج إلى أن يُمنع مما هو خير له. أما المنع، والصد، والضبط، فقد تكون نتيجة جهل أو ارتياب أو نقص في الإدراك.

العجز الذي يحفظ الإنسان

أدركت أيضًا أنني عاجز عن فعل بعض الأشياء التي قد تهلكني، وأن هذا العجز نفسه نعمة.

فلو كانت للإنسان قدرة مطلقة على فعل كل ما يريد، فقد يستطيع أن يفعل ما يؤذي وجوده نفسه. أما أن يكون هناك في داخله ما يمنعه، فهذا الضعف قد يكون في حقيقته قوة تحفظه.

وكذلك وجدت نفسي عاجزًا عن التخلي عن نفسي أو احتقارها أو الانسلاخ من وجودي.

لا أستطيع أن ألعن نفسي بالتخلي عنها، ولا أستطيع أن أحتقر وجودي، ولا أستطيع أن أتعامل معه باعتباره شيئًا بلا قيمة.

ومن هنا فهمت أن احترام وجودي مرتبط، في صميمه، بالخالق.

احترام الوجود ومنبع الاحترام

إذا كنت أحترم وجودي، وإذا كنت أرى قيمة لكوني موجودًا، فإن منبع هذا الاحترام، في تصوري، هو الخالق.

لأنني لا أستطيع أن أفصل احترام وجودي عن احترام أصل الوجود.

وقد وجدت في طريقي أن الخالق، في تصوري، لا يهين وجود الإنسان ولا يستخف به، بل يعطيه قدره وحجمه دون زيادة أو نقصان، ويفضل عليه من النعم بميزان وعدل.

ولو لم يكن هناك عدل، لتحول الوجود إلى تنافس دموي وعشوائية محضة في القسمة والنسبة. وما الذي سيضمن للإنسان الأمان والسلام إذا غابت الرحمة والرأفة والحكمة؟

لهذا كان وجود العدل بالنسبة إليّ أمرًا أساسيًا، لأن غيابه يجعل الوجود كله مهددًا بلا ضابط.

محبة الوجود ليست شهوة

أنا أحب وجودي، ولكن ليس بمعنى الشهوة وحدها.

لدي علاقة عميقة ووطيدة مع وجودي، وكلما أحببت وجودي وجدت أنني أريد له الخير والإصلاح، ولا أريد له أن يكون سيئًا أو معيوبًا أو ناقصًا.

وهذا الحب للوجود يتحول، ضمنيًا، إلى حب واحترام للخالق، لأنني كلما احترمت وجودي وجدت نفسي أحترم الأصل الذي يرتبط به هذا الوجود.

ولهذا لم أستطع أن أمارس انعدام الاحترام تجاه وجودي، حتى عندما حاولت.

حاولت أن أكون إنسانًا غير مؤدب، وأن أتحرر من كل القيود، وأن أجعل عدم التقيد هو الغاية، لكنني فشلت مرة بعد مرة.

والغريب أنني في صميم هذا الفشل وجدت نجاحًا؛ لأنني اكتشفت أنني مؤدب بطبيعتي، بل إنني مؤدب حتى مع وجودي نفسه. لا أحتقر نفسي ولا أهينها، بل أراعيها وأهتم بها.

الأدب لغة رفيعة

هنا اكتشفت أن الأدب لغة لا يدركها الكثيرون.

الأدب ليس مجرد مجموعة من التصرفات الاجتماعية، بل هو لغة رقيقة ورفيعة بين الموجودات، وبين الموجود وأصل وجوده.

والإنسان المؤدب يكون أكثر صدقًا، وأكثر مراعاة للتفاصيل الدقيقة، وللأشكال والقلوب وكل ما يتصل بالوجود.

وحاولت أيضًا أن أكون بلا عار ولا ندم، لكنني فشلت. بل وجدت أنني نادم حتى على محاولتي التخلص من العار والندم.

ومن هنا وجدت أن من أكبر صور الخطأ محاولة التملص من الأدب، وأن أسوأ الأدب هو محاولة التخلص من الأدب نفسه.

فالندم والعار، في هذا التصور، لا يعنيان بالضرورة كراهية النفس. بل قد يكون الشعور بالندم دليلًا على أن الإنسان يحب وجوده، وأن أمره ومصيره يهمانه.

أنا أحب نفسي حتى وأنا أشعر بالعار أو الندم، لأنني أرى في ذلك دليلًا على أنني أراعي وجودي وأهتم بما يكون عليه.

الضوابط والحدود ليست عدوًا

لم أجد فائدة حقيقية في الانفلات الذي حاولت الوصول إليه.

كلما تهاوى الأدب، بدأت الأشياء تفقد معناها، وكلما فقدت الأشياء احترامها فقدت قيمتها وقدرها.

والأدب له درجات، وأولها القانون. فالقانون هو صورة من صور الأدب القهري؛ فهو يعطي الإنسان حجمه مباشرة، دون أن يحتاج في كل مرة إلى أن يُسأل عن رأيه.

ومن هنا أصبحت الحدود والقيود والضوابط عندي نابعة من القيمة والاحترام والجدوى، وليست مجرد عوائق أمام الإنسان.

فالحد ليس بالضرورة قيدًا سلبيًا؛ قد يكون هو الذي يحفظ للشيء قدره. وإذا سقط القدر، سقطت معه أشياء كثيرة من المعنى.

الحب الذي يأتي من الجوهر

ومن هنا وصلت إلى مسألة الحب.

كنت لا أصدق أحيانًا كلام من يتحدثون عن حب الوجود بلا أي قيد أو ضابط أو احترام. لأنني لا أستطيع أن أفهم كيف يمكن لإنسان أن يحب الوجود حقًا وهو لا يضع له أي قيمة أو حدود أو اعتبار.

وجدت أن من له صلة حقيقية بأصل الوجود ومنبعه يكون مهتمًا ومراعيًا ومحترمًا، ولديه مبادئ وخطوط وحدود وقيود، ولا يترك نفسه تسيح بلا غاية.

أما الذي يترك نفسه تضيع بلا معنى ولا غاية ولا ضابط، فكأنه يحتقر نفسه ويحتقر وجوده.

ولهذا أصبحت أرفض اصطناع الحب.

إذا قال لي شخص: «أحبك»، فلا تكفيني الكلمة وحدها. أريد أن يكون مصدرها الجوهر، لا الشهوة، ولا النقمة، ولا غرضًا آخر مختبئًا خلف المظهر.

فالحب الحقيقي عندي ليس كلمة فقط.

الحب هو أن تنبع من الداخل قيمة واحترام واهتمام وعناية ورحمة ورأفة بالمحبوب. الحب هو أن تخرج هذه المعاني من منبع صافٍ.

المحب الحقيقي يحترم الحدود

إذا كان الحب نابعًا من الجوهر، فإن الإنسان يحب حدود المحبوب ويحترمها.

ومن يحب حقًا لا يحتاج إلى أن يتجاوز حدوده بحجة الحب، بل إن احترام الحدود يصبح جزءًا من الحب نفسه.

وقد يقول شخص: «أحبك»، لكن الإنسان اللبيب يستطيع أن يتساءل عن مصدر هذه الكلمة: هل مصدرها جوهر صافٍ؟ أم شهوة؟ أم رغبة؟ أم شيء آخر؟

فالمظهر قد يخدع، والكلمة قد تُصطنع، لكن الجوهر يظهر في السلوك، وفي المراعاة، وفي الاحترام، وفي العناية.

ولهذا عندما يقول لي شخص كلمة حب صادقة، قد لا أحتاج إلى أن يكلف نفسه عناء إظهارها لي؛ لأنني أرى وأسمع وأشهد ما في صميمه.

وكأنني أقول له: أنا أرى ما في جوهرك، فلا تحتاج إلى أن تثبته لي بالمظهر.

وهذا قريب من معنى أن الحقيقة لا تحتاج دائمًا إلى أن تظهر كي يدركها الإنسان الواعي.

الإنسان الحكيم لا يحتاج إلى المظهر كي يرى الحقيقة

في النهاية أعود إلى الفكرة التي بدأنا منها: الجوهر قبل المظهر.

فالإنسان الحكيم والرؤوف لا يحتاج إلى المظهر كي يحب الحقيقة. وحتى إذا لم تظهر الحقيقة في صورتها الخارجية، يبقى قلبه معها.

المظهر قد يتغير، والظروف قد تتبدل، والأعراض قد تتحول، لكن الجوهر هو الذي يعطي الأشياء معناها وقيمتها وحجمها.

ولهذا كان النعيم الحقيقي عندي هو نعيم الجوهر، وكانت الراحة الحقيقية هي أن يستقر الإنسان في صميمه، وأن يتصالح مع ماضيه، ويحترم وجوده، ويقبل ضوابطه، ويفهم قيمة الأدب، ويميز بين الحب المصطنع والحب الذي ينبع من الداخل.

وعندما يصل الإنسان إلى هذه النقطة، لا يعود محتاجًا إلى كثرة المظاهر لكي يثبت قيمته، ولا إلى تغيير الماضي لكي يثبت صلاحه، ولا إلى الانفلات من الحدود لكي يثبت حريته.

بل يصبح قادرًا على أن يرى أن ما يحفظ للوجود قيمته هو الجوهر، والأدب، والاحترام، والحكمة، والعدل، والحب الصادق.

وهكذا، كلما اقترب الإنسان من جوهره، قلّت حاجته إلى المظهر، وكلما ازداد احترامه لوجوده، ازداد احترامه لأصل هذا الوجود. وكلما فهم الأدب، أدرك أن الحدود ليست دائمًا سجنًا، بل قد تكون اللغة التي تحفظ لكل شيء قدره وحجمه ومعناه.

وفي النهاية، يبقى الإنسان الحكيم والرؤوف قريبًا من الحقيقة، حتى عندما لا تظهر أمامه في صورة واضحة؛ لأن قلبه لا يتبع المظهر وحده، وإنما يعرف أن الحقيقة قد تكون أعمق من أن تُرى بالعين، وأن الجوهر قد يكون أصدق من كل ما يظهر على السطح.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كاتب التدوينة
كاتب التدوينة
هذا النص هو مثال لنص يمكن أن يستبدل في نفس المساحة، لقد تم توليد هذا النص من مولد النص العربى، حيث يمكنك أن تولد مثل هذا النص أو العديد من النصوص الأخرى إضافة إلى زيادة عدد الحروف التى يولدها التطبيق.
G.M HERMES