المادة، والقسمة الكونية، ومنشأ الخراب
تنطلق هذه الرؤية من فكرة أساسية مفادها أن شعور الإنسان بالعار من المادة ليس شعورًا مستقلًا عن غيره، بل هو في حقيقته شعور بالعار من القسمة نفسها؛ أي من الطريقة التي توزعت بها الطاقة والوجود بين الكائنات. فالإنسان الذي يخجل من حالته المادية إنما يعترض في أعماقه على نصيبه من هذه القسمة، وكأن اعتراضه ليس على المادة ذاتها، بل على توزيعها، وعلى الطريقة التي تشارك بها الكائنات في الوجود.
ومن هنا فإن العار من المادة هو نفسه العار من قسمة الطاقة، لأن المادة ليست سوى صورة من صور الطاقة المتقاسمة بين الموجودات. وإذا كان العار هو رفضًا للمشاركة، فإن رفض المادة هو في جوهره رفض للتقاسم، ورفض لأن يكون الإنسان شريكًا مع الآخرين في الوجود. فالإنسان الذي يشعر بالعار لا يريد أن يقتسم الحياة مع غيره، ولا أن يقتسم حتى ذاته مع الآخرين، ولذلك فإن جميع هذه المعاني تلتقي في أصل واحد.
ولتوضيح ذلك يمكن الاستعانة بمثال بسيط من الحياة اليومية. فقد يكون الطالب ضعيفًا في مادة أو مادتين داخل المدرسة، فيشعر بالحرج من دخولها، لا لأن المدرسة كلها سيئة، وإنما لأنه يحتل مرتبة متأخرة في ذلك الجانب المحدد. فهو لا يخجل من المؤسسة التعليمية ذاتها، وإنما من موقعه داخل نظام تقسيم الدرجات. إنه يشعر بأنه ينتمي إلى القسم الأضعف، وأن نصيبه من هذا التقسيم أقل من غيره.
ومن هذا المثال يمكن الانتقال إلى تصور أوسع؛ فالإنسان الذي يرى نفسه في القسم الأضعف من القسمة الكونية يصبح غير راضٍ عن القدر، وغير راضٍ عن المشاركة، وغير راضٍ عن الكل. وهذا هو ما أُطلق عليه سابقًا اسم "المخرب الأول"، لأنه لا يكتفي بعدم الرضا، بل يسعى إلى تخريب اجتماع الآخرين، إذ يرى في اجتماعهم تذكيرًا دائمًا بنقصه، وفي توافقهم إعلانًا عن قسمة لم يكن راضيًا عنها منذ البداية.
ولهذا فإن التخريب لا يبدأ من رغبة في الشر لذاته، بل يبدأ من رفض القسمة، ثم يتحول تدريجيًا إلى رفض المشاركة، ثم إلى رفض الاجتماع، ثم إلى محاولة تفكيك كل اجتماع ناجح يراه الإنسان أمامه. فالذي لا يستطيع أن يندمج مع الآخرين يسعى في كثير من الأحيان إلى منع الآخرين من الاندماج أيضًا.
إن الإنسان الذي يشعر بأنه ضعيف الحظ ينشئ في داخله تيارًا معاكسًا للتيار الطبيعي للحياة، لأنه يعتقد أن القدر قد ظلمه. وهذا التيار المعارض لا يعارض الناس وحدهم، بل يعارض القسمة الكونية نفسها، ويقف في مواجهة النظام الذي تشكلت به الموجودات، مع أنه لا يدرك أن كل من مُنح قدرًا جميلًا لم يُمنح ذلك لكي يحتكره، وإنما لكي يشارك به غيره.
فالقدر الجميل بطبيعته لا يخشى المشاركة، لأنه لا يشعر بالنقص، بينما القدر السيئ يتحفظ دائمًا على المشاركة، لأن صاحبه يخشى أن يكتشف الآخرون ما يعتقد أنه نقص فيه، فيستر نفسه، ويبتعد عن الناس، ويزداد اقتناعًا بأن نصيبه هو الأسوأ.
ولهذا نجد أن صاحب الحظ الحسن يفرح لفرح الآخرين، كما يفرح الآخرون لفرحه، لأن الفرح بالنسبة إليه ليس موردًا محدودًا يحتاج إلى الدفاع عنه، أما صاحب الحظ السيئ فيعتقد أن الناس لا يفرحون له، وأنهم يحسدونه، بينما يكون هو في الحقيقة قد سبقهم إلى الحسد، لأنه يقيس الجميع من خلال شعوره الشخصي بالنقص.
فالإنسان الذي يظن أن الجميع أفضل منه يبدأ باحتقار نفسه قبل أن يتهم الآخرين باحتقاره، ويصبح شعوره الداخلي هو العدسة التي يرى بها العالم كله. ومن هنا يتولد الوهم بأن الناس لا يحبونه، أو لا يفرحون لنجاحه، بينما يكون أصل المشكلة في نظرته هو إلى نفسه.
ويرتبط هذا كله بفكرة الوعي. فالإنسان الذي يشعر بالعار من المادة يواجه الكون بلا وعي، ولذلك يصبح الكون هو الذي يقوده - تكلما عن هذا في المقال الذي سبق هذا المقال -، ومن الطبيعي أن تقود الغرائز والظروف والموجودات الإنسان الذي لا يمتلك وعيًا بها، لأن فاقد الوعي لا يوجه الأحداث، بل تجره الأحداث حيث تشاء.
أما الوعي فهو القدرة على تتبع العلامات والإشارات قبل أن تتحول إلى وقائع. فالإنسان الواعي لا ينتظر الحادثة حتى تقع، بل يقرأ مقدماتها، ويعرف اتجاهها، ويستطيع أن يدرك نتائجها قبل اكتمالها، وبهذا المعنى يصبح هو الذي يقود ما هو كائن، لا الذي تقوده الموجودات.
وعندما نعود إلى فكرة العار من المادة نجد أنها ليست سوى عار من القسمة الكونية نفسها. فالكون كله قائم على التقاسم؛ الأبيض والأسود، الطويل والقصير، القوي والضعيف، الذكر والأنثى، الإنسان والحيوان، والأسد والذئب والسمك والطير، كلها مجالات مختلفة تشكل في مجموعها شبكة هائلة من التقاسيم التي لا تنتهي.
غير أن الخطأ يبدأ عندما يختزل الإنسان هذه القسمة الواسعة في معيار واحد فقط، فيقيس الحياة كلها بالمال، أو بالجاه، أو بالجمال، أو باللون، أو بالذكاء، أو بأي معيار منفرد. فعندما يحصر الإنسان الوجود كله في ميزان واحد يكون قد ظلم نفسه قبل أن يظلم غيره، لأنه تجاهل آلاف القسَم الأخرى التي يمكن أن يكون نصيبه فيها أوفر.
إن القسمة ليست بابًا واحدًا، بل أبواب لا نهاية لها، ولذلك فمن المستحيل أن يكون إنسان واحد متفوقًا في كل شيء، أو محرومًا من كل شيء. وما يبدو نقصًا في جانب قد يقابله وفرة في جانب آخر، لكن الإنسان لا يراها لأنه يحصر نظره في المعيار الذي اختاره وحده.
ولهذا فإن الإنصاف الحقيقي لا يبدأ بتغيير القسمة، وإنما يبدأ بتوسيع الرؤية إليها، حتى يدرك الإنسان أن نصيبه موجود بالفعل، لكنه موزع في مواضع ربما لم يلتفت إليها بعد.
القسمة، والحدود، ووهم السيطرة
غير أن التأمل في القسمة يقود إلى سؤال أعمق: من الذي يقسم؟ ولماذا تظهر الحدود أصلًا؟
إن الإنسان يعتقد أن الحدود أمر طبيعي، لكنه يغفل أن كل حد هو إعلان عن وجود قسمة، وكل قسمة تكشف أن هناك من يرى الأشياء منفصلة بعضها عن بعض. فحين يقال: هذا نصيبك، وهذا نصيب غيرك، يكون الوعي قد انتقل من الوفرة إلى التحديد، ومن الاتساع إلى الحصر.
ولو كانت الوفرة مطلقة لما احتاج الناس إلى التقاسم أصلًا. فالشيء غير المحدود لا يحتاج إلى من يقسمه، لأن الجميع يستطيعون الانتفاع به دون أن ينقص بعضهم بعضًا. أما عندما تظهر الحدود، ويبدأ الحديث عن هذا الجزء وذاك الجزء، فإن ذلك يكشف وجود شعور بالخوف من النقص، أو الاعتقاد بأن الخير محدود، وأن على كل واحد أن يدافع عن حصته.
فالإنسان الغني لا يخشى المشاركة، لأنه لا يشعر أن ما عنده سينفد، بينما الإنسان الذي يشعر بالفقر يتمسك بما لديه، ويخاف أن يضيع منه، فيبدأ بوضع الحدود، ثم يحرس تلك الحدود، ثم يدخل في صراع دائم من أجل المحافظة عليها.
وعندما تنتقل هذه الفكرة من المستوى الفردي إلى المستوى الكوني، تظهر صورة أخرى، وهي صورة المتحكم الذي يقف بين الأقسام المختلفة. فهذا المتحكم لا يضع نفسه داخل أحد الأقسام، بل يجعل نفسه فوقها، فيقرر من يأخذ، ومن يمنع، ومن يرتفع، ومن ينخفض، وكأنه خرج من القسمة ليصبح هو القاسم نفسه.
وهنا تنشأ السيطرة غير المشروعة. فالسيطرة الحقيقية لا تحتاج إلى إعلان عن نفسها، أما السيطرة القائمة على الخداع فإنها تعمل من وراء الستار، فتتدخل بين الناس وبين أنفسهم، وبين الإنسان ومصيره، وبين الحدث ونتيجته، حتى يصبح المتحكم هو الحلقة الخفية التي تمر من خلالها جميع القرارات.
ولهذا يبدو وكأن بعض الناس هم الذين يصنعون مصائر الآخرين، مع أن الحقيقة أعمق من ذلك. فليس المقصود أنهم يخلقون القدر، وإنما أنهم يفرضون حدودًا، ويصنعون قيودًا، ويوزعون الفرص بطريقة تجعل الآخرين يتحركون داخل الإطار الذي رسموه لهم.
ومن هنا يمكن فهم معنى آخر للشر. فالشر لا يظهر فقط في صورة الاعتداء المباشر، بل يظهر أيضًا في صورة القبض والتحديد والإحاطة. فالذي يريد أن يحدد الإنسان، أو يحصره في قالب واحد، أو يمنعه من الاتساع، إنما يمارس نوعًا من السيطرة التي تحمل في أصلها نزعة إلى التملك.
فالإنسان الحر لا يحتاج إلى أن يقبض على غيره، ولا إلى أن يحاصر الآخرين داخل حدود رسمها لهم، لأن الحرية بطبيعتها تفسح المجال للاتساع، بينما السيطرة تسعى دائمًا إلى تضييق المجال.
ولهذا فإن من يصر على التحكم في مصائر الناس كثيرًا ما يكون هو نفسه أكثرهم شعورًا بالنقص. فهو لا يتحكم لأنه ممتلئ، بل لأنه يحاول أن يعوض ما يشعر أنه فقده. ومن هنا يصبح التحكم محاولة لإعادة بناء صورة الذات عن طريق السيطرة على الآخرين.
فالذي يرى نفسه قليل الحظ قد يحاول أن يعيد توزيع الحظوظ، لا لأنه يريد العدالة، وإنما لأنه يريد أن ينقل شعوره بالنقص إلى غيره، أو أن ينتزع من الآخرين ما يعتقد أنه حُرم منه.
وهكذا ينقلب المشهد؛ فيعطي الآخرين الصورة التي كان يحملها عن نفسه، ويحاول في الوقت نفسه أن يستولي على الصورة التي كان يحملها الآخرون عن أنفسهم. إنه لا يكتفي بتغيير مواقع الأشياء، بل يسعى إلى تبديل صورها أيضًا، حتى يصبح هو في موضع الامتلاء، ويصبح الآخر في موضع النقص.
ولهذا كان صاحب الحظ الحقيقي أقل الناس حاجة إلى إقناع الآخرين بنفسه. فهو لا يعيش في صراع دائم لإثبات قيمته، ولا يشعر أنه مضطر إلى الدفاع المستمر عن مكانته، لأن امتلاءه الداخلي يغنيه عن ذلك.
أما الإنسان الذي يشعر بالنقص، فإنه يكثر من محاولة إقناع الناس، ويبحث باستمرار عن اعتراف خارجي يعوض غياب الاعتراف الداخلي. ولذلك تتحول حياته إلى سلسلة من الأقنعة، يظهر في كل موقف بوجه جديد، لأنه يخشى أن ينكشف وجهه الأول.
فالقناع لا يلبسه الممتلئ، وإنما يلبسه من يخشى أن تُرى حقيقته. وكلما انكشف قناع، اضطر إلى صناعة قناع آخر، حتى يصبح عاجزًا عن التمييز بين شخصيته الحقيقية وبين الصور التي صنعها لنفسه.
وهنا يبدأ الانتقال إلى مستوى آخر من التحليل، يتعلق بالعلاقات الإنسانية نفسها، وكيف يمكن أن تتحول إلى ساحات يتكرر فيها هذا الصراع بين الامتلاء والنقص، وبين المشاركة والسيطرة، وبين الوفرة ومحاولة الاستيلاء عليها.
الأقنعة، والعلاقات، والصراع على النور
عندما يشعر الإنسان بأن حظه أقل من حظ غيره، وأن نصيبه من القسمة الكونية لا يرضيه، يبدأ في البحث عن وسيلة يعوض بها هذا الشعور. فإذا لم يستطع أن يغيّر نفسه، حاول أن يغيّر صورة الآخرين، أو أن يستولي على ما يظنه مصدر قوتهم. ومن هنا تبدأ الأقنعة في الظهور، لا بوصفها مجرد سلوك اجتماعي، بل بوصفها وسيلة لإخفاء الشعور بالنقص.
فالإنسان الممتلئ لا يحتاج إلى قناع، لأنه لا يخشى أن تُعرف حقيقته، أما الذي يعيش في صراع دائم مع نفسه، فإنه يخاف من الانكشاف، ولذلك يصنع لنفسه صورة غير صورته الحقيقية. فإذا انكشفت تلك الصورة، لم يحاول معالجة أصل المشكلة، بل صنع صورة جديدة، ثم ثالثة، حتى تصبح حياته سلسلة متتابعة من الأقنعة.
ومن هنا تنتقل هذه الرؤية إلى العلاقات الإنسانية، لأن العلاقة ليست مجرد لقاء بين شخصين، وإنما هي أيضًا لقاء بين حقيقتين، أو بين حقيقتين وقناعين، أو بين قناعين يحاول كل واحد منهما أن يخفي ما وراءه.
وتظهر هنا صورة العلاقة الكارمية بوصفها علاقة يتكرر فيها نمط معين من الصراع. فقد يأتي رجل إلى امرأة، أو تأتي امرأة إلى رجل، فيبدو في البداية أن العلاقة تقوم على الانجذاب، ثم تكشف الأيام أن أحد الطرفين لم يكن يبحث عن المشاركة، وإنما كان يبحث عن تعويض نقص داخلي، أو عن الاستيلاء على ما يظنه موجودًا عند الطرف الآخر.
فإذا انكشف هذا الأمر، وسقط القناع الأول، عاد ذلك الإنسان بصورة جديدة، وبأسلوب مختلف، وبقناع آخر، محاولًا أن يصل إلى الغاية نفسها. ولذلك فإن المشكلة ليست في شكل القناع، وإنما في الدافع الذي يصنعه.
وفي هذا التصور يصبح القناع وسيلة للدخول إلى حياة الآخر، لا بقصد اللقاء الحقيقي، وإنما بقصد التأثير فيه، أو تغيير مساره، أو إضعاف ما يملكه من قوة داخلية.
فالإنسان الذي يشعر أن شرارته الداخلية ضعيفة يحاول أحيانًا أن يقترب من صاحب الشرارة الأقوى، لا ليزداد نورًا معه، وإنما ليأخذ من نوره، أو ليطفئه، ظنًا منه أن انطفاء الآخر سيعوض نقصه هو.
ومن هنا يظهر الفرق بين من يمتلك شعلة داخلية حقيقية، وبين من يحاول أن يبدو وكأنه يمتلكها. فصاحب الشعلة لا يخاف من الانكشاف، لأنه لا يعيش خلف قناع، ولا يحتاج إلى إقناع أحد بأنه مضيء، إذ إن نوره يظهر في أفعاله قبل كلماته.
أما من يفتقد تلك الشعلة، فإنه يبالغ في إظهارها، ويكثر من الحديث عنها، ويحيط نفسه بالرموز والصور التي توحي بأنه ممتلئ، بينما يكون ذلك الامتلاء مجرد صورة خارجية لا تسندها حقيقة داخلية.
ولهذا فإن انكشافه لا يكون بسبب هجوم الآخرين عليه، وإنما بسبب عجزه عن الاستمرار في تمثيل الدور الذي اختاره لنفسه.
إن الشعلة الحقيقية لا تحتاج إلى حماية الأقنعة، لأنها ليست شيئًا مستعارًا، أما الشعلة الزائفة فلا تستطيع البقاء إلا إذا بقي القناع قائمًا، ولذلك يكون صاحبها أكثر الناس خوفًا من لحظة الانكشاف.
ومن هنا يتكرر المشهد في العلاقات الكارمية؛ فكلما سقط قناع، ظهر قناع آخر، وكلما فشلت محاولة، بدأت محاولة جديدة بالأسلوب نفسه، وإن اختلفت صورته الخارجية.
ويصبح الهدف في النهاية هو جعل الطرف الآخر يعيش داخل ظلام الطرف الأول، بحيث لا يرى العالم إلا من خلاله، ولا يفسر الأشياء إلا بتفسيره، ولا يشعر بالأمان إلا في حضوره. فإذا تحقق ذلك، فقد استقلاله الداخلي، وأصبح يعيش داخل الصورة التي رسمها له غيره.
وفي هذه الحالة لا يعود الإنسان يرتدي قناعه وحده، بل يبدأ في إلباس الآخرين أقنعته أيضًا، فيقنعهم برؤيته، ويجعلهم يرون أنفسهم كما يريد هو، لا كما هم في الحقيقة.
وهنا تبلغ السيطرة ذروتها، لأن أخطر أشكال التحكم ليست السيطرة على الجسد، ولا على السلوك، وإنما السيطرة على الصورة التي يحملها الإنسان عن نفسه. فإذا نجح المتحكم في تغيير تلك الصورة، أصبح الطرف الآخر يرى العالم بعين ليست عينه، ويفكر بعقل لم يعد عقله وحده.
لكن هذه الرؤية تؤكد أن الشعلة الأصيلة لا تنطفئ بسهولة، وأن الإنسان الذي يعرف نفسه معرفة حقيقية يصعب أن يعيش طويلًا داخل قناع غيره، لأن المعرفة الداخلية تكشف مع الزمن كل صورة مزيفة، وتعيد الأشياء إلى مواضعها.
ولهذا فإن الحماية الحقيقية ليست في كثرة الحذر من الناس، ولا في الانغلاق عن العلاقات، وإنما في أن يكون للإنسان نور داخلي يكفيه، ووعي يستطيع به أن يميز بين الحقيقة والصورة، وبين الجوهر والقناع، وبين المشاركة الصادقة، ومحاولة الاستيلاء المقنعة في ثوب المحبة أو القرب.
الضرورة، والاستقلال، والتحرر من التبعية
إن أخطر أشكال السيطرة لا تتمثل في أن يتحكم الإنسان في أفعال غيره فحسب، بل في أن يجعلهم عاجزين عن إنتاج ما يحتاجون إليه من داخلهم. فكلما ازداد اعتماد الإنسان على مصدر خارجي لإنتاج المعنى أو القوة أو الطمأنينة، ازداد تعرضه للهيمنة، لأن من يملك مصدر الإمداد يملك القدرة على توجيه من يعتمد عليه.
ولهذا فإن العلاقة التي تقوم على جعل أحد الطرفين غير قادر على الحياة إلا بالآخر ليست علاقة اكتمال، وإنما علاقة تبعية. فالاكتمال الحقيقي لا يعني أن يفقد الإنسان استقلاله، بل أن يلتقي شخصان يمتلك كل واحد منهما مركزه الداخلي، فيصبح اللقاء مشاركة بين مكتملين، لا محاولة لسد نقص دائم.
ومن هنا فإن أول واجب على الإنسان هو أن يوقظ نفسه بنفسه، وأن يتعلم كيف ينتج وعيه، ومحبته، وسلامه، وأفكاره، وقيمه من داخله، بدل أن يظل منتظرًا من يزوده بها في كل مرحلة من مراحل حياته.
فالإنسان الذي لا يستطيع أن يوقظ نفسه سيظل محتاجًا إلى من يوقظه، والذي لا يستطيع أن يولد النور في داخله سيبقى باحثًا عن مصباح خارجي، وكلما انطفأ ذلك المصباح عاد إلى الظلام من جديد.
ولهذا لا يمكن لأي إنسان، مهما بلغ من القوة أو المعرفة، أن يحمل الآخرين على كتفيه إلى الأبد. فقد يساعدهم، وقد يساندهم، وقد يمدهم بما يحتاجون إليه في مرحلة من المراحل، لكن هذه المساندة لا ينبغي أن تتحول إلى حالة دائمة، لأن استمرارها يحول الطرف الآخر إلى كائن معتمد، لا إلى إنسان مستقل.
إن وظيفة المساعدة ليست أن تصنع التبعية، وإنما أن تقود إلى الاستقلال. فمن ينقذ إنسانًا اليوم ينبغي أن يكون هدفه أن يجعله قادرًا على إنقاذ نفسه غدًا، وإلا تحولت النجدة إلى صورة أخرى من صور السيطرة.
ولهذا فإن المجتمع الذي يعتمد كله على قلة منتجة يرهق تلك القلة، بينما المجتمع الذي يتعلم فيه كل فرد أن ينتج ما يستطيع إنتاجه يخفف العبء عن الجميع، ويجعل المشاركة أكثر عدلًا واتزانًا.
فالإنسان لا ينبغي أن يظل مستهلكًا للنور الذي ينتجه غيره، بل ينبغي أن يصبح هو أيضًا منتجًا للنور، حتى يتحول المجتمع إلى شبكة من المصادر، لا إلى مركز واحد يوزع على الجميع.
ومن هنا تنتقل الرؤية إلى مفهوم الضرورة. فالضرورة ليست شيئًا مطلقًا، وإنما هي حالة مرتبطة بواقع الإنسان ومستوى وعيه. فما يكون ضرورة لشخص قد لا يكون ضرورة لآخر، وما يحتاج إليه إنسان في مرحلة من حياته قد يصبح مستغنيًا عنه في مرحلة أخرى.
ولهذا فإن كثيرًا من الوسائل التي يعتمد عليها الإنسان ليست غايات في ذاتها، وإنما أدوات تعينه على تجاوز مرحلة معينة. فإذا تجاوزها، تغيرت حاجته إليها، لا لأنها أصبحت باطلة، بل لأن وظيفتها قد اكتملت بالنسبة إليه.
ومن هذا المنطلق يرى هذا التصور أن التعاليم والأنظمة والإرشادات تؤدي وظيفة ضرورية بالنسبة لمن لا يزال محتاجًا إلى مرجعية خارجية تضبط سلوكه وتوجه اختياراته، لأنها تمنحه إطارًا يحميه من الضياع، ويرسم له حدود الحركة، ويعينه على تنظيم حياته.
أما الإنسان الذي أصبح قادرًا على إنتاج البصيرة من داخله، فإنه لا يتعامل مع تلك التعاليم بوصفها قيدًا، وإنما بوصفها مرحلة من مراحل النمو، أو وسيلة أدت وظيفتها في سياق معين من حياته.
ومع ذلك، فإن الانتقال من الاعتماد إلى الاستقلال لا يكون بالقفز المفاجئ، ولا بإلغاء ما يحتاج إليه الناس وهم لا يزالون محتاجين إليه، لأن هذا الإلغاء قد يتحول إلى ظلم في حقهم. فالذي لم يكتمل وعيه لا يجوز أن يُنتزع منه ما يمنحه الحد الأدنى من التوازن، قبل أن يمتلك القدرة على الوقوف بنفسه.
ولهذا لا ينبغي للإنسان أن يدعو الآخرين إلى ترك ما يرونه ضرورة لحياتهم، ما داموا لم يبلغوا بعد مرحلة الاستغناء عنه. فليس كل ما تجاوزه شخص قد تجاوزه الجميع، وليس كل ما استغنى عنه فرد قد استغنى عنه المجتمع كله.
إن الحكمة لا تكمن في فرض طريق واحد على الناس، وإنما في معرفة اختلاف مراحلهم، واختلاف حاجاتهم، واختلاف درجات نضجهم، بحيث يُترك لكل إنسان أن ينمو وفق المرحلة التي يعيشها، لا وفق المرحلة التي بلغها غيره.
وعندما يبلغ الإنسان درجة يستطيع فيها أن ينتج وعيه بنفسه، وأن يميز بنفسه، وأن يقود نفسه بنفسه، يصبح أكثر قدرة على التحرر من التبعية، وأكثر استعدادًا لتحمل مسؤولية اختياراته، لأن الحرية الحقيقية لا تُمنح، بل تُبنى من الداخل، ولا تستقر إلا في الإنسان الذي أصبح قادرًا على حملها.
المصفوفة، وصور الخير والشر، واستعادة الوعي
بعد كل ما سبق، يصبح من الممكن النظر إلى العالم بوصفه ساحة لا تتصارع فيها الأجساد وحدها، بل تتصارع فيها أيضًا الصور التي يقدم بها كل إنسان نفسه للآخرين. فالخطر الحقيقي لا يكمن دائمًا في الشر المعلن، لأن الشر المعلن يسهل الاحتراز منه، وإنما يكمن في الشر الذي يرتدي صورة الخير، وفي القناع الذي يتخفى خلف الفضيلة ليحقق غاية تناقضها.
فالإنسان اعتاد أن يحكم على الأشياء من ظاهرها، وأن يربط الصورة بالحقيقة، مع أن الصورة ليست بالضرورة مرآة الجوهر. فقد يبدو شخص في غاية اللطف والوداعة، بينما يخفي في داخله رغبة في السيطرة أو الاستغلال، وقد يبدو آخر قاسيًا أو صريحًا أو مختلفًا عن الصورة المألوفة، بينما يكون أكثر صدقًا ونقاءً ممن يحيطون أنفسهم بالمظاهر.
ومن هنا فإن الوعي لا يبدأ بالحكم على المظاهر، بل بتمييز الدوافع الكامنة وراءها. فليست كل صورة مضيئة دليلًا على نور، كما أن كل صورة قاتمة ليست دليلًا على ظلام. إن الصورة قد تخدع، أما الجوهر فلا يستمر في الاختباء إلى الأبد.
ولهذا فإن الإنسان مطالب بأن يتعلم قراءة الأفعال قبل الأقوال، والنتائج قبل الشعارات، لأن الحقيقة تكشف نفسها مع الزمن مهما حاولت الأقنعة إخفاءها.
وقد يحدث أن يتجلى الظالم في صورة المنقذ، أو أن يقدم نفسه بوصفه المصلح الوحيد، أو المرشد الوحيد، أو الشخص الذي لا يستطيع الآخرون الاستغناء عنه. وفي المقابل قد يُتهم صاحب النية الصادقة بالسوء، أو يُساء فهمه، أو يُرفض بسبب مظهره أو طريقته، مع أن جوهره لا يحمل ما تنسبه إليه الصور.
إن أخطر ما يمكن أن يقع فيه الإنسان هو أن يجعل حكمه تابعًا للمشهد الظاهر وحده، لأن المشهد يمكن تزويره، ويمكن إخراجه بطريقة تخدم غاية معينة. أما الحقيقة فإنها تحتاج إلى وعي يتجاوز المظهر، وينفذ إلى البنية الداخلية للأشياء.
ولهذا فإن الإنسان لا ينبغي أن يمنح ثقته لمجرد أن الصورة جميلة، ولا أن يسحبها لمجرد أن الصورة منفرة. فالثقة ينبغي أن تُبنى على المعرفة، وعلى التجربة، وعلى الاتساق بين القول والفعل، لا على الانطباع الأول.
ومن هنا تظهر فكرة أن الإنسان قد ينصب للآخرين "فخًا من نور"، فيستعمل كلمات جميلة، وشعارات نبيلة، وصورة مثالية، لا لأنها تعبر عن حقيقته، بل لأنها الوسيلة الأسرع للوصول إلى ثقة الآخرين. فإذا حصل على تلك الثقة، بدأ في توجيههم نحو الغاية التي يريدها.
وهذا لا يعني أن كل صورة جميلة زائفة، ولا أن كل إنسان حسن المظهر مخادع، وإنما يعني أن الصورة وحدها ليست معيارًا كافيًا للحكم.
وفي المقابل قد يُشوه إنسان صالح، أو يُقدم للناس في صورة سلبية، بينما يكون في حقيقته أقرب إلى الصدق من كثير ممن يحيطون أنفسهم بالمظاهر البراقة. ولذلك فإن الوعي لا يسمح للإنسان بأن يكون أسير الانطباعات، بل يدعوه إلى التريث، وإلى ملاحظة الأثر الحقيقي الذي يتركه كل إنسان في حياة غيره.
وعندما يصل الإنسان إلى هذه الدرجة من الوعي، يصبح أقل قابلية للخداع، لا لأنه أصبح يشك في الجميع، وإنما لأنه لم يعد يسلم وعيه لأحد. فهو يستمع، ويلاحظ، ويفكر، ثم يحكم بنفسه، دون أن يجعل صور الآخرين بديلًا عن بصيرته.
ومن هنا يعود المقال إلى فكرته الأولى؛ فالمشكلة ليست في المادة، ولا في القسمة، ولا في الأشخاص، بقدر ما هي في طريقة إدراك الإنسان لكل ذلك. فالإنسان الذي يرى نفسه ناقصًا سيبحث دائمًا عما يعوض نقصه، وقد يتحول هذا البحث إلى حسد، أو سيطرة، أو رغبة في سلب الآخرين ما يملكونه، أو إلى صناعة أقنعة يخفي بها حقيقته.
أما الإنسان الذي يدرك أن القسمة الكونية أوسع من أن تختزل في معيار واحد، وأن نصيب كل موجود لا يقتصر على جانب واحد من الوجود، فإنه يتحرر تدريجيًا من المقارنة، ويتحول اهتمامه من مراقبة ما عند الآخرين إلى اكتشاف ما أودع فيه هو من إمكانات.
وحين يبلغ هذه المرحلة، يصبح قادرًا على المشاركة دون خوف، والعطاء دون شعور بالخسارة، والفرح لفرح الآخرين دون أن يرى في ذلك انتقاصًا من نصيبه، لأنه لم يعد يقيس الحياة بمنطق الندرة، بل بمنطق السعة.
ومن هنا ينتهي هذا التصور إلى أن أصل الخراب لا يكمن في قلة الموارد، ولا في ظلم المادة في ذاتها، وإنما في شعور الإنسان بأن الوجود قد ظلمه، وفي رفضه للقسمة التي يرى نفسه داخلها، ثم في محاولته معالجة هذا الرفض بالسيطرة على الآخرين بدلًا من إعادة بناء نفسه.
وعلى العكس من ذلك، فإن بداية العمران تبدأ عندما يتحول الإنسان من طلب التعويض الخارجي إلى بناء الامتلاء الداخلي، ومن انتظار أن يوقظه الآخرون إلى إيقاظ نفسه بنفسه، ومن البحث عن النور خارج ذاته إلى إنتاج النور في أعماقه. وعندئذٍ يصبح قادرًا على المشاركة دون خوف، وعلى الحرية دون فوضى، وعلى الاجتماع دون رغبة في الهيمنة، لأن من امتلأ من الداخل لم يعد محتاجًا إلى أن يسلب الآخرين ما يظن أنه ينقصه.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق