مفتاح القرار بيد الضحية
انطلق الحديث من فكرة أساسية مفادها أن مفتاح القرار بيد الضحية، وليس بيد الجلاد كما يعتقد الكثيرون. فالجلاد، في هذا التصور، لا يمتلك القدرة على اتخاذ القرار من تلقاء نفسه، وإنما يمثل ردَّ فعلٍ لحالة الضحية. وبعبارة أخرى، فإن كل ما يقوم به الجلاد ليس إلا امتدادًا للقرار الذي اتخذته الضحية سلفًا.
ومن هنا، فإن أي فعل يصدر عن الجلاد تجاه الضحية لا يعد قرارًا مستقلًا، بل هو استكمال لقرار الضحية نفسها. فالجلاد لا يبتكر الفعل، وإنما يتحرك وفق المساحة التي سمحت له بها الضحية.
لماذا تُعد الضحية صاحبة المفتاح؟
إذا كان المفتاح بيد الضحية، فإن كل من يمتلك هذا المفتاح هو الضحية بالضرورة. أما القول إن الجلاد هو صاحب المفتاح فهو تصور غير صحيح؛ إذ لو كان الجلاد يمتلك السلطة المطلقة لما بقي في الوجود أحد خارج دائرة سيطرته، ولما استطاع أي إنسان الإفلات من بطشه.
إن وجود الضحية نفسها دليل على أن الأمر ليس بيد الجلاد، وإنما بيد من يملك قرار استدعائه أو إيقاف تأثيره. فالضحية هي التي تحدد، بدرجات متفاوتة، مقدار الضرر الذي يمكن أن يلحق بها، أما الجلاد فلا يحدد بنفسه حجم ذلك الضرر، لأنه ليس صاحب القرار الأصلي.
من يطلب القرار يطلب أن يكون الضحية
يثير هذا الطرح سؤالًا حول من ينبغي أن يكون صاحب القرار داخل الأسرة أو المجتمع، وهل يكون القرار للرجل أم للمرأة؟
ويذهب هذا التصور إلى أن صاحب القرار الحقيقي هو الضحية؛ لأن طلب القرار يعني في جوهره تحمل موقع الضحية. فالقرار الوحيد الذي يستطيع الإنسان اتخاذه هو قبول هذا الدور أو رفضه، أما الجلاد فلا يقرر إلا بعد أن تتحدد حالة الضحية.
وهم السيطرة
يرى كثير من الناس أن المسيطر الحقيقي هو الجلاد، غير أن هذا الاستنتاج، وفق هذا الطرح، يمثل قفزة منطقية غير مبررة. فالجلاد ليس هو المسيطر، بل يؤدي دورًا فرضته طبيعة العلاقة مع الضحية.
ولفهم هذه الفكرة لا بد من التحرر من التصورات المسبقة والخروج من حدود النظرة التقليدية، لأن الإنسان كثيرًا ما يرفض الاعتراف بإمكانية أن يكون هو نفسه الضحية.
الرجل بوصفه ضحية تاريخية
ينتقل الحديث بعد ذلك إلى الرجل، فيرى أن الرجل عبر التاريخ كان ضحية رغم أنه مارس أفعالًا بدت في ظاهرها أفعال سيطرة. فالفعل لا ينفي كونه ضحية، بل قد يكون نتيجة للدور الذي وُضع فيه منذ البداية.
ويذهب هذا التصور إلى أن الرجل خُلق في حالة من العبودية، ومنح مفتاح القرار في الوقت نفسه، فأصبح مسؤولًا عن مقدار خسارته، سواء كانت كبيرة أم صغيرة، لكنه خُلق في موقع يفرض عليه أن يتحمل تلك الخسارة.
الضحية مركز الأحداث
بحسب هذا الطرح، فإن الضحية هي كل من يعتقد أنه مركز الأحداث، وأن جميع الأفعال تدور حوله وتصطدم به. والرجل، في فترات طويلة من التاريخ، كان يرى نفسه محور الكون، فكان ضحية لهذا الاعتقاد.
ويُطرح هنا تساؤل آخر: من الذي أشعر الرجل بأنه مركز الكون؟
يُجاب عن ذلك بأن حالة المرأة في الماضي، بما رافقها من ضعف وفقر واعتماد على الرجل، جعلته يشعر بأنه محور الحياة والوجود، وأن كل شيء يدور حوله.
كيف تشكل شعور الرجل بالمركزية؟
كانت المرأة تستقبل الرجل بوصفه مصدر الحياة والعطاء، وتتعامل معه على أنه أفضل منها، وأنه عماد البيت وركيزة الوجود. كما كانت تردد، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أن الحياة لا تستقيم من دونه.
هذا النمط من المعاملة عزز لدى الرجل شعورًا بالمركزية، حتى صدق أنه محور الكون، وأن هذا الموقع جزء من طبيعته، بينما يرى هذا الطرح أن ذلك الشعور لم يكن سوى نتيجة لطريقة التعامل معه، لا لحقيقة ثابتة فيه.
الرجل بين الشعور بالمركزية ودور الضحية
قد يبدو هذا الطرح غريبًا لأول وهلة، إذ كيف يكون الرجل ضحية وهو الذي امتلك السلطة ومارسها عبر قرون طويلة؟ غير أن هذا التصور يرى أن ممارسة الفعل لا تعني بالضرورة امتلاك الحرية، بل قد تكون جزءًا من الدور الذي فُرض على صاحبه.
فالرجل، وفق هذا المنظور، ظل يعتقد أنه محور الحياة، وأنه صاحب القرار المطلق، بينما كان هذا الاعتقاد نفسه هو الذي قاده إلى لعب دور الضحية. فكلما ازداد اقتناع الإنسان بأنه مركز الكون، ازداد ارتباطه بالأعباء والمسؤوليات التي تفرضها هذه المركزية.
كيف ساهمت المرأة في ترسيخ هذا الاعتقاد؟
يرى هذا الطرح أن المرأة في الماضي، بسبب ظروفها الاجتماعية والاقتصادية، كانت تتعامل مع الرجل بوصفه الركيزة الأساسية للحياة. فقد كانت تستقبله بلهفة، وتمنحه مكانة خاصة، وتصفه بأنه عماد البيت ومحور الأسرة، وأن الحياة لا تستقيم من دونه.
ومع مرور الزمن، تحولت هذه المعاملة إلى صورة راسخة في وعي الرجل، حتى أصبح يصدق أنه أفضل من غيره، وأن وجوده هو الأساس الذي تقوم عليه الحياة. ولم يكن هذا الشعور ـ بحسب هذا التصور ـ نابعًا من حقيقة ثابتة، بل من الصورة التي رُسمت له باستمرار.
المركزية بوصفها عبئًا
يؤكد هذا الطرح أن الإنسان الذي يُشعر باستمرار بأنه مركز كل شيء يصبح أكثر عرضة لتحمل الأعباء النفسية. فكل من يظن أنه المسؤول الأول عن كل ما يحدث حوله يعيش حالة دائمة من التوتر، لأنه يرى أن عليه حماية الجميع، واتخاذ القرار نيابة عن الجميع، وتحمل نتائج كل شيء.
ومن هنا تصبح المركزية عبئًا أكثر منها امتيازًا، لأنها تجعل الإنسان يعيش تحت ضغط دائم، ويشعر بأن أي خلل يقع حوله هو مسؤولية شخصية تقع على عاتقه.
المنافسة والانتقاء
ينتقل الحديث بعد ذلك إلى فكرة المنافسة بين الرجال، ويرى أن كثيرًا من صور التنافس عبر التاريخ ارتبطت بالسعي إلى نيل القبول والاختيار. فالرجال يتنافسون فيما بينهم، ويخوضون الصراعات المختلفة، بينما تبدو المرأة في هذا التصور طرفًا يحدد اتجاه هذا الانتقاء.
ومن هذا المنطلق، فإن الصراع لم يكن مجرد صراع من أجل القوة أو الثروة، بل ارتبط أيضًا بالرغبة في تحقيق القبول وإثبات الجدارة، وهو ما جعل الرجل يدخل في دوامة مستمرة من المنافسة.
القرار بين الرجل والمرأة
يطرح هذا التصور فكرة أن تشجيع الرجل على اتخاذ القرار باستمرار لم يكن بالضرورة في مصلحته، لأن القرار يجلب معه مسؤوليات متزايدة. فكلما ازدادت مساحة القرار، ازدادت مساحة الأعباء، وابتعد الرجل عن بساطة الحياة وهدوئها.
ولهذا يرى أن دفع الرجل إلى الشعور بأنه المسؤول الأول عن كل شيء جعله يعيش توترًا دائمًا، بينما بقي يسعى للحفاظ على تلك الصورة التي رُسمت له باعتباره صاحب القرار والمركز.
تبادل الأدوار بين الضحية والجلاد
ويخلص هذا الجزء إلى فكرة محورية، وهي أن العلاقة بين الضحية والجلاد ليست ثابتة كما تبدو في ظاهرها. فالجلاد قد يؤدي دور الضحية في مستوى معين، والضحية قد تؤدي دور الجلاد في مستوى آخر، مما يجعل العلاقة أكثر تعقيدًا من التصنيف التقليدي الذي يقسم الناس إلى جلادين وضحايا بصورة مطلقة.
وبذلك يدعو هذا التصور إلى إعادة النظر في طبيعة السلطة والمسؤولية، وعدم الاكتفاء بالمظاهر الخارجية للحكم على الأدوار التي يؤديها الأفراد داخل المجتمع أو الأسرة أو العلاقات الإنسانية عمومًا.
الشعور بالمسؤولية وأثره في استقرار الرجل
ينتقل الحديث إلى فكرة أخرى، وهي أن شعور الرجل بأنه المركز وصاحب القرار يقوده إلى حياة غير مستقرة. ويرى هذا التصور أن السبب الرئيس وراء عدم استقرار الرجل عبر التاريخ هو الإحساس الدائم بالمسؤولية، ولا سيما المسؤولية تجاه المرأة.
فالرجل، بحسب هذا الطرح، لا يقتصر شعوره بالمسؤولية على المرأة القريبة منه، كالأخت أو الزوجة، بل يمتد أحيانًا ليشمل كل أنثى يراها أو يتعامل معها. وهذا الشعور ليس وليد اللحظة، بل هو نتيجة برمجة قديمة رسخت في تكوينه، حتى أصبح يعتقد أن قيمته مرتبطة بقدرته على تحمل مسؤولية المرأة ورعايتها.
ومن ثم، فإن هذا الإحساس المستمر بالمسؤولية يجعله يخشى الفشل، ويخاف من التقصير، ويعيش في حالة دائمة من التوتر والقلق.
الرجل والبحث عن الاستقرار
يرى هذا التصور أن الرجل بطبيعته يبحث عن الاستقرار، وأنه يميل إلى وجود نظام واضح وثابت في حياته. ولذلك فإن كل ما يهدد هذا الاستقرار ينعكس مباشرة على حالته النفسية ويزيد من شعوره بالاضطراب.
فعندما يواجه أحداثًا غير متوقعة أو تغيرات متسارعة، يشعر بأن الأرض التي يقف عليها لم تعد ثابتة، فيسعى إلى إعادة الأمور إلى نمطها المعتاد، لأنه يجد في الاستقرار شعورًا بالأمان والطمأنينة.
ومن هذا المنطلق، فإن الرجل يتمنى أن تستقر حياته، وأن يسير كل شيء وفق نظام واضح، ثم يعود في نهاية يومه إلى منزله وقد شعر بأن الأمور أصبحت تحت السيطرة.
اختلاف الرجل والمرأة في النظر إلى التغيير
في المقابل، يذهب هذا الطرح إلى أن المرأة تتعامل مع التغيير بطريقة مختلفة. فبينما يرى الرجل في الاستقرار قيمة أساسية، ترى المرأة في التغيير مساحة جديدة للخيال وإعادة تشكيل الواقع.
ولهذا فإن الأحداث غير المألوفة، والتحولات المفاجئة، تفتح أمامها آفاقًا جديدة للتفكير وإعادة التفاوض وإعادة اتخاذ القرارات، بينما تمثل للرجل مصدرًا لعدم الاستقرار.
وبناءً على ذلك، فإن اختلاف الطرفين لا يكمن في الرغبة في الحياة، بل في الطريقة التي ينظر بها كل منهما إلى الثبات والتغيير.
التغيير وعلاقته بالقرار
ويتابع هذا التصور فكرته بالقول إن الإنسان عندما يغير قراراته باستمرار فإنه يغيّر نمط حياته أيضًا. أما الرجل، فإنه يميل إلى تثبيت قراراته والمحافظة عليها، لأن ذلك يمنحه شعورًا بالثبات والاستقرار.
أما إذا دخل في تجارب تغير عاداته بصورة مستمرة، فإنه يبدأ في مراجعة أفكاره وقراراته، فيبتعد تدريجيًا عن الصورة التقليدية التي اعتاد أن يرى نفسه من خلالها.
ومن هنا يصبح تغيير القرار، في هذا المنظور، جزءًا من عملية تغيير الإنسان نفسه، لا مجرد انتقال من اختيار إلى آخر.
الخيال والواقع
ويفرق هذا الطرح بين نظرة الرجل والمرأة إلى الخيال. فالخيال، وفق هذا التصور، لا يمثل للرجل أولوية كبرى، لأنه يميل إلى التعامل مع الواقع بوصفه المرجع الأساسي لحياته.
أما المرأة، فإن الخيال يمثل بالنسبة إليها مساحة واسعة تتحرك فيها بحرية، وتعيد من خلاله تصور الاحتمالات والخيارات المختلفة، الأمر الذي يجعلها أكثر استعدادًا للتعامل مع التغيير وإعادة تشكيل الواقع.
مفهوم السجن والذكورة
ينتقل الحديث بعد ذلك إلى فكرة رمزية تتمثل في مفهوم السجن. ويرى هذا التصور أن الذكورة ارتبطت تاريخيًا بفكرة الالتزام والانضباط والقيود، حتى أصبح الرجل يتغذى نفسيًا على النظام والواجب والمسؤولية.
وبناءً على ذلك، فإن خروجه الكامل من هذه المنظومة يعني، في نظر هذا الطرح، خروجه من الصورة التقليدية التي بُنيت عليها فكرة الذكورة. ولهذا ارتبطت الرجولة، عبر التاريخ، بالتحمل والانضباط والعمل والالتزام أكثر من ارتباطها بالتحرر الكامل.
الرجل بوصفه خادمًا للدور الذي أُسند إليه
ويختتم هذا الجزء بفكرة مفادها أن الرجل، منذ بداية وجوده، وُضع في موقع الخدمة وتحمل المسؤولية، وأن هذا الدور أصبح جزءًا من تكوينه الاجتماعي والنفسي.
ولذلك فإن كثيرًا من أفعاله لا تنبع ـ بحسب هذا التصور ـ من حرية مطلقة، وإنما من استجابة للدور الذي اعتاد أن يؤديه عبر الزمن، حتى أصبح جزءًا من هويته وطريقته في فهم ذاته والعالم من حوله.
الرجل بين العبودية والبحث عن المعنى
يواصل هذا التصور تأكيد فكرته بأن الرجل خُلق في موقع العبودية، وأنه أُسند إليه منذ البداية دور الخدمة وتحمل المسؤولية. ويرى أن هذا الدور لم يكن مجرد ظرف اجتماعي عابر، بل أصبح جزءًا من البنية النفسية التي تشكلت عبر التاريخ.
ومن هذا المنطلق، فإن الرجل لا يتحرك ـ في كثير من الأحيان ـ بدافع الحرية الكاملة، بل استجابة لما ترسخ داخله من شعور بأنه مسؤول عن الآخرين، وأن قيمته تقاس بما يقدمه من خدمة أو تضحية.
الجلاد الحقيقي ودور الضحية
ينتقل الحديث بعد ذلك إلى إعادة تعريف العلاقة بين الجلاد والضحية، مؤكدًا أن الجلاد الحقيقي قد لا يظهر في صورة المسيطر أو المعتدي، بل قد يتخفى خلف صورة الضحية.
فليس كل من بدا مظلومًا هو ضحية بالفعل، وليس كل من بدا قويًا هو الجلاد الحقيقي. ولذلك يدعو هذا الطرح إلى تجاوز الأحكام السطحية، والبحث عن طبيعة الأدوار التي يؤديها كل طرف في العمق، لأن المظاهر قد تكون مضللة.
ويرى أن الجلاد الحقيقي هو الذي ينجح في إقناع الآخرين بأنه الضحية، بينما يستمر في توجيه الأحداث من خلف الستار.
المرأة وتأثيرها في الرجل
يطرح هذا التصور أن المرأة في الماضي كانت تؤثر في الرجل تأثيرًا عميقًا، لكنها لم تكن تعلن عن هذا التأثير بصورة مباشرة. فالرجل كان يعتقد أنه هو من يقود ويقرر، بينما كانت كثير من قراراته تتشكل تحت تأثير عوامل نفسية واجتماعية مرتبطة بالمرأة.
ولذلك فإن ما كان يظهر على السطح من سلطة الرجل لم يكن ـ بحسب هذا التصور ـ يعكس دائمًا حقيقة موازين التأثير، لأن جانبًا كبيرًا من التوجيه كان يحدث بصورة غير معلنة.
الرجل بوصفه منفذًا للدور
ويرى هذا الطرح أن أفضل خدمة يؤديها الرجل، وفق المنظومة التي تشكلت عبر التاريخ، هي أن يتحمل الأدوار الصعبة، وأن يقوم بما يعجز غيره عن القيام به، حتى لو كان ذلك على حساب راحته أو استقراره.
ومن هنا ارتبطت صورة الرجل بالقوة، والحماية، وتحمل المشقة، وأصبح يُنتظر منه أن يؤدي هذه الوظائف باستمرار، حتى تحولت إلى جزء من هويته الاجتماعية.
معايير الاختيار والانتقاء
وينتقل الحديث إلى فكرة الانتقاء، حيث يرى أن الإنسان لا يُقيَّم فقط بناءً على أفعاله الظاهرة، بل أيضًا على قدرته على تحمل المسؤولية.
ومن هذا المنظور، فإن الرجل الذي يتجنب المسؤولية أو يرفضها قد يُنظر إليه بوصفه أقل أهلية، بينما يُمنح الاهتمام لمن يتحمل الأعباء ويواجه الصعوبات، حتى وإن كلفه ذلك الكثير.
السيطرة بوصفها وهمًا
ويؤكد هذا التصور أن الرغبة في السيطرة ليست دليلًا على القوة الحقيقية، بل قد تكون انعكاسًا لحالة داخلية من الشعور بالنقص أو بالحاجة إلى إثبات الذات.
فكلما ازداد الإنسان تعلقًا بفكرة السيطرة، ازداد ارتباطه بالدور الذي فرضته عليه تلك الرغبة، حتى أصبح أسيرًا لها دون أن يشعر.
ولهذا فإن الشعور بالسيطرة قد يكون، في بعض الأحيان، مجرد وهم يخفي وراءه اعتمادًا عميقًا على اعتراف الآخرين أو قبولهم.
الألم الداخلي بوصفه وسيلة للتأثير
ويتناول الحديث بعد ذلك نوعًا آخر من التأثير، وهو التأثير النفسي الداخلي. فالعنف، بحسب هذا التصور، لا يقتصر على الأذى الجسدي أو المواجهة المباشرة، بل قد يكون أشد أثرًا عندما يستهدف المشاعر والإحساس الداخلي.
فعندما يشعر الرجل بالنقص، أو بالذنب، أو بأنه لم يؤدِّ ما يُنتظر منه، يبدأ في إعادة تشكيل سلوكه من تلقاء نفسه، دون حاجة إلى إكراه مباشر.
ومن هنا يرى هذا الطرح أن التأثير النفسي العميق قد يكون أكثر فاعلية من القوة الظاهرة، لأنه يدفع الإنسان إلى معاقبة نفسه بنفسه، والاستمرار في أداء الدور الذي اعتاد عليه.
ورقة الاختيار وتأثيرها النفسي
يرى هذا الطرح أن امتلاك القدرة على الاختيار يمنح صاحبه مساحة واسعة للتأثير. فالمرأة، عندما تُظهر أن أمامها خيارات متعددة، لا يكون الهدف مجرد إعلان وجود هذه الخيارات، بل خلق حالة من التنافس تدفع الآخرين إلى بذل مزيد من الجهد من أجل نيل القبول.
ويضرب مثالًا بالعامل الذي يخبر صاحب العمل بأن شركات أخرى ترغب في توظيفه، فهو لا يكتفي بإبلاغه بحقيقة وجود عروض أخرى، وإنما يستخدم هذه المعلومة كورقة تفاوض لتحسين موقعه.
وبالطريقة نفسها، يرى هذا التصور أن الإيحاء بوجود بدائل متعددة يخلق حالة مستمرة من إعادة التفاوض، ويدفع الطرف الآخر إلى محاولة تطوير نفسه حفاظًا على مكانته.
المنافسة بوصفها محركًا للتطور
ويذهب هذا التصور إلى أن المنافسة بين الرجال لم تكن مجرد رغبة في التفوق، بل أصبحت وسيلة دفعتهم إلى السعي نحو مزيد من الإنجاز والعمل والتقدم.
فكل طرف يسعى إلى تحسين موقعه مقارنة بالآخرين، الأمر الذي يجعل الحركة الاجتماعية في حالة تجدد دائم، ويؤدي إلى استمرار عملية الارتقاء والتطوير.
القرار الظاهر والتأثير الباطن
ويؤكد هذا الطرح أن كثيرًا من القرارات التي تبدو في ظاهرها صادرة عن الرجل، كانت تتشكل في باطنها نتيجة تأثيرات غير مباشرة مارستها المرأة.
فما يظهر على السطح ليس دائمًا الصورة الكاملة، لأن التأثير النفسي والاجتماعي قد يسبق القرار الظاهر، ويوجهه دون أن يلتفت الإنسان إلى مصدره الحقيقي.
ومن هنا يدعو هذا التصور إلى التمييز بين من يتخذ القرار ظاهرًا، ومن يسهم في تشكيل هذا القرار من وراء الستار.
الذكورة والسجن الرمزي
ويعود الحديث مرة أخرى إلى مفهوم السجن، لكن هذه المرة بوصفه رمزًا للالتزام والبرمجة. فالذكورة، وفق هذا التصور، ارتبطت عبر الزمن بمجموعة من القواعد والعادات التي أصبحت تحدد طريقة التفكير والسلوك.
ولذلك فإن الرجل يميل إلى الاعتياد على الأنظمة الثابتة، ويجد في التكرار والاستقرار نوعًا من الأمان، حتى تصبح البرمجة جزءًا من تكوينه النفسي.
الميل إلى نموذج الضحية
ويختتم هذا الجزء بفكرة مفادها أن الرجل، وفق هذا التصور، ينجذب غالبًا إلى المرأة التي تبدو في صورة الضحية أو المحتاجة إلى الحماية، لأن هذا النموذج ينسجم مع البرمجة التي تشكلت داخله، والتي تربط الرجولة بتحمل المسؤولية والرعاية.
ومن ثم، فإن هذا الانجذاب لا يُفسر فقط بالعاطفة، بل أيضًا بالأنماط النفسية والاجتماعية التي ترسخت عبر الزمن، حتى أصبحت تؤثر في طريقة الاختيار والتفاعل بين الرجل والمرأة.
الرجل والبرمجة النفسية
يستكمل هذا التصور فكرته بالقول إن الرجل يميل بطبيعته إلى الاعتياد على الأنظمة والقوالب الثابتة، ولذلك يصبح أكثر قابلية للبرمجة النفسية والاجتماعية. فكلما اعتاد نمطًا معينًا من الحياة أو التفكير، ازداد تمسكه به، وأصبح الخروج عنه أكثر صعوبة.
ويرى أن هذا الميل إلى الثبات لا يقتصر على العادات اليومية، بل يمتد إلى العلاقات الإنسانية، وإلى الطريقة التي يفهم بها الرجل نفسه ودوره داخل المجتمع.
الحب والمسؤولية
ويذهب هذا الطرح إلى أن تعلق الرجل بالمرأة لا ينفصل عن شعوره العميق بالمسؤولية تجاهها. فالحب، في هذا السياق، لا يُقدَّم بوصفه مجرد عاطفة، وإنما بوصفه حالة يرتبط فيها الاهتمام بالحماية والرعاية والالتزام.
ولهذا السبب، فإن الرجل قد ينجذب بصورة أكبر إلى المرأة التي تبدو محتاجة إلى الدعم، لأن هذا الشعور ينسجم مع الصورة التي تكونت لديه عن دوره في الحياة.
قيمة الإنسان في وجوده
ويعيد الحديث التأكيد على أن قيمة الإنسان لا ينبغي أن تُربط بالوظائف التي يؤديها أو بالمسؤوليات التي يتحملها. فالإنسان يستحق الحياة لكونه إنسانًا، لا لأنه أنجز مهمة معينة أو أدى دورًا محددًا.
ومن ثم، فإن اشتراط القيمة بالإنجاز وحده قد يحول الإنسان إلى وسيلة لخدمة منظومات اجتماعية أو ثقافية، في حين أن وجوده يظل سابقًا على جميع الأدوار التي يمكن أن يؤديها.
وهم الرسالة المفروضة
ويرفض هذا الطرح فكرة أن الإنسان ملزم منذ ولادته برسالة محددة لا قيمة له إلا بتحقيقها. فليس من الضروري أن يعيش الفرد تحت ضغط البحث عن مهمة كبرى تبرر وجوده، وإنما يستطيع أن يختار أفعاله بحرية، وأن يعمل ما يراه مناسبًا دون أن يشعر بأن حياته تفقد معناها إذا لم يحقق نموذجًا معينًا رسمه الآخرون فلاتوجد تجربة هي المعلم الرسمي او النموذج الذي تطبيقه أمر إلزامي على الذات الإنسانية.
ومن هذا المنطلق، فإن الإلحاح المستمر على أن الإنسان لا قيمة له إلا بإنجاز رسالة محددة قد يكون وسيلة لدفعه إلى خدمة أهداف لا تخصه.
توازن العلاقات الإنسانية
ويرى هذا التصور أن العلاقات بين الرجل والمرأة لا يمكن فهمها من خلال النظر إلى طرف واحد بوصفه ظالمًا أو مظلومًا بصورة مطلقة، لأن كل علاقة تتضمن شبكة معقدة من التأثيرات المتبادلة.
فما يبدو في الظاهر ظلمًا لطرف قد يقابله تأثير من نوع آخر يمارسه الطرف المقابل، ولذلك فإن فهم العلاقة يتطلب النظر إلى الصورة الكاملة بدل الاكتفاء بالمظاهر.
التوازن في الطبيعة
ويؤكد هذا الطرح أن الحياة تقوم على نوع من التوازن، وأن كل فعل يقابله أثر، وكل قوة يقابلها ما يعادلها. ومن ثم فإن العلاقات الإنسانية لا تتحرك في اتجاه واحد، وإنما تخضع لحركة مستمرة من التأثير والتأثر، والعطاء والأخذ، والسيطرة والخضوع.
ولهذا فإن اختزال الواقع في طرف واحد يتحمل جميع المسؤوليات أو يمتلك جميع أسباب القوة لا يعكس، بحسب هذا التصور، حقيقة التعقيد الموجود في الحياة.
الخاتمة
ويخلص هذا الطرح إلى أن فهم العلاقة بين الضحية والجلاد، وبين الرجل والمرأة، لا يتحقق من خلال الأحكام التقليدية أو الصور السائدة، وإنما يحتاج إلى إعادة النظر في طبيعة السلطة، والمسؤولية، والتأثير المتبادل بين الأفراد.
فقد يبدو الإنسان في موضع القوة وهو في الحقيقة أسير لدور يؤديه، وقد يبدو في موضع الضعف وهو يمتلك تأثيرًا عميقًا فيمن حوله. ومن هنا يدعو هذا التصور إلى تجاوز الأحكام السطحية، والبحث عن البنية النفسية والاجتماعية التي تصنع الأدوار، بدل الاكتفاء بما يظهر على السطح من أحداث ومواقف.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق