شعار الموقع لنسخة الدارك مود

شعار الموقع لنسخة الدارك مود

هل نصنع الجلاد عندما نتمسك بدور الضحية؟

تُقدَّم العلاقة بين الضحية والجلاد في الغالب بوصفها علاقة أحادية الاتجاه؛ فالجلاد هو مصدر الشر، والضحية هي المتلقي البريء لذلك الشر. غير أن هذه الرؤية ترى أن العلاقة أكثر تعقيدًا من مجرد وجود معتدٍ ومعتدى عليه، إذ تنطلق من فرضية مفادها أن الأدوار لا تنشأ بمعزل عن بعضها، وإنما يستدعي كل دورٍ الدور المقابل له. فالجلاد لا يظهر بوصفه جلادًا إلا بوجود ضحية تؤدي دور الضحية، كما أن الضحية لا تظل ضحية إلا ما دامت متمسكة بهذا الدور.

الضحية بوصفها مستحضِرة لدور الجلاد

تنطلق هذه الرؤية من تشبيه العلاقة بين الضحية والجلاد بمسرحية يؤدي فيها كل طرف دورًا محددًا. فالجلاد يؤدي وظيفة الاعتداء، بينما تؤدي الضحية وظيفة الاستسلام لذلك الاعتداء. وبهذا المعنى لا يصبح الجلاد كيانًا مستقلًا عن الضحية، بل يصبح وجوده مرتبطًا باستمرارها في أداء دورها.

ويُشبَّه الأمر بمباراة رياضية؛ فكما يحتاج اللاعب إلى جمهور يشجعه، يحتاج الجلاد – وفق هذا التصور – إلى وجود من يستجيب لدوره ويمنحه المساحة التي يمارس فيها فعل الجلاد. لذلك فإن مجرد ترسيخ الإنسان في وعيه أنه "ضحية" يُنظر إليه بوصفه إشارة تسمح باستمرار العلاقة نفسها.

ولا يعني ذلك تبرئة الجلاد أو إنكار مسؤوليته، وإنما يعني أن العلاقة بين الطرفين تقوم على تفاعل مستمر يجعل كل دور يغذي الدور الآخر.

الحمل الوديع والأسد

يضرب هذا التصور مثالًا بالحمل الوديع والأسد المفترس. فوجود الحمل بهذه الصورة من الوداعة والهشاشة يجعل الافتراس ممكنًا، كما أن وجود الأسد لا يظهر بوصفه مفترسًا إلا أمام فريسة مناسبة.

ومن هنا تُطرح فكرة أن العلاقة ليست علاقة طرف واحد، بل علاقة بين عنصرين يكمل أحدهما الآخر. فالوحشية الكامنة في الأسد لا تتحول إلى فعل إلا عندما تجد موضوعًا مناسبًا تمارس عليه فعلها، كما أن هشاشة الحمل تجعل هذا الفعل ممكنًا.

ولهذا لا يُنظر إلى الحمل باعتباره مجرد ضحية بريئة، وإنما باعتباره أحد عناصر المشهد الذي يسمح بظهور دور الافتراس.

أصل الجلاد في داخل الضحية

تمضي هذه الرؤية خطوة أبعد، فتعتبر أن الضحية الحقيقية لا تُولد لحظة تعرضها للاعتداء، وإنما تبدأ قبل ذلك بكثير، حين يستسلم الإنسان داخليًا.

فالإنسان الذي يحتفظ بحرية داخلية كاملة يصعب تحويله إلى ضحية، أما إذا أصبح داخله مقيدًا بالخوف أو بالعجز أو بالاستسلام، فإن هذا القيد الداخلي يسبق ظهور الجلاد الخارجي.

ولهذا يقال إن داخل الضحية يحمل صورة الجلاد قبل أن يظهر الجلاد في الواقع. فالجلاد الخارجي ليس إلا انعكاسًا لجلاد داخلي استطاع أن يفرض هيمنته على وعي الإنسان.

وبذلك يصبح التحرر الحقيقي عملية داخلية قبل أن يكون مواجهة خارجية، لأن الإنسان لا يستطيع التخلص من الجلاد الخارجي ما دام يحتفظ بصورة الجلاد في أعماقه.

نقد هوية "الضحية"

ترى هذه الرؤية أن المجتمع الحديث يكثر من إنتاج هوية الضحية. فكثيرًا ما يعرِّف الإنسان نفسه بأنه ضحية للتحرش، أو ضحية للفقر، أو ضحية للمجتمع، أو ضحية للظروف، أو ضحية لحدث معين.

ولا يُنظر إلى هذه الأوصاف باعتبارها مجرد وصف لواقعة حدثت، بل باعتبارها هوية نفسية قد تستقر داخل الإنسان، فيصبح يعيش من خلالها ويعيد إنتاجها باستمرار.

فالفرق كبير بين أن يتعرض الإنسان لاعتداء ثم يواصل حياته، وبين أن يجعل الاعتداء تعريفًا دائمًا لذاته. ففي الحالة الأولى تبقى الحادثة جزءًا من الماضي، أما في الثانية فإنها تتحول إلى برنامج نفسي يعيد استحضار الجلاد في كل مرة يُعاد فيها تعريف الذات بوصفها ضحية.

ومن هذا المنطلق تُنتقد ثقافة التماهي مع دور الضحية، لأن استمرار هذا الدور يمنح الجلاد – في نظر هذه الرؤية – سببًا للاستمرار في أداء دوره هو الآخر.

العلاقة بين المصلحة والفساد

تربط هذه الرؤية بين فكرة الضحية وبين مفهوم الفساد الداخلي. فإذا وجد الإنسان نفسه محاطًا باستمرار بأنماط من الظلم أو الاستغلال أو الاعتداء، فإن ذلك يُعد إشارة إلى وجود نقطة ضعف داخلية لم تُعالج بعد.

فكما أن الظلام لا يدخل إلا من منفذ مفتوح، فإن الفساد لا يجد طريقه إلى الإنسان إلا إذا وجد داخله ثغرة تسمح له بالدخول.

ولهذا يُنظر إلى كل تجربة مؤلمة بوصفها دعوة إلى اكتشاف تلك الثغرة بدل الاكتفاء بإدانة الظلام الخارجي.

وبذلك تنتقل المسؤولية من التركيز الكامل على الجلاد إلى البحث في البنية الداخلية التي جعلت استمرار هذا النمط من العلاقات ممكنًا.

نحو تجاوز دور الضحية

تخلص هذه المرحلة من الرؤية إلى أن التحرر لا يبدأ بمحاربة الجلاد، وإنما يبدأ بالتخلي عن هوية الضحية نفسها.

فما دام الإنسان يعرّف نفسه باعتباره ضحية، فإنه يظل يؤدي الدور الذي يمنح الجلاد شرعية الوجود داخل هذه الثنائية. أما عندما يتوقف عن تعريف نفسه بهذا الوصف، ويبدأ باستعادة مسؤوليته عن وعيه وحياته، فإن العلاقة نفسها تبدأ في التفكك.

وعند هذه النقطة لا يعود السؤال: كيف نعاقب الجلاد؟ بل يصبح السؤال الأعمق: كيف نتوقف عن صناعة الظروف التي تجعل دور الجلاد قابلًا للاستمرار؟

هل ينبغي مساعدة الضحية؟

تطرح هذه الرؤية سؤالًا يبدو صادمًا في ظاهره: هل تكون أفضل وسيلة لمساعدة الضحية هي الامتناع عن مساعدتها؟

لا تنطلق الإجابة هنا من رفض التعاطف الإنساني أو إنكار الألم، وإنما من تصور يرى أن المساعدة قد تتحول أحيانًا إلى عنصر يُطيل عمر المشكلة بدل أن ينهيها. فإذا أصبحت الضحية تعتمد باستمرار على تدخل الآخرين لإنقاذها، فإنها قد لا تجد دافعًا كافيًا لاكتشاف قدرتها الذاتية على حماية نفسها.

ومن هذا المنطلق يُقال إن كل مساعدة تُقدَّم للضحية ينبغي أن تُقاس بقدرتها على تحريرها من دور الضحية، لا بقدرتها على تثبيت هذا الدور في وعيها.

فالغاية ليست أن يبقى الإنسان محتاجًا لمن ينقذه في كل مرة، بل أن يصبح قادرًا على النجاة بنفسه.

بين التعاطف وتكريس الدور

ترى هذه الرؤية أن المجتمع كثيرًا ما يخلط بين التعاطف وبين تكريس هوية الضحية.

فعندما يتعرض شخص لاعتداء، يلتف الجميع حوله، ويُعاد تذكيره مرارًا بأنه ضحية، وتُروى قصته باستمرار، ويصبح تعريفه الاجتماعي مرتبطًا بما وقع له أكثر من ارتباطه بما يستطيع أن يصنعه بعد ذلك.

وبمرور الوقت قد تتحول الحادثة إلى جزء من هوية الإنسان، فيصبح يعيش داخلها بدل أن يتجاوزها.

وهنا تُطرح فكرة أن المواساة إذا لم تدفع الإنسان إلى استعادة قوته، فإنها قد تتحول إلى نوع من تثبيت الجرح بدل معالجته.

المجتمع وحدود الحماية

تنتقد هذه الرؤية الاعتقاد بأن المجتمع يستطيع أن يحمي جميع أفراده إذا كانوا جميعًا عاجزين عن حماية أنفسهم.

فالمجتمع ليس كيانًا منفصلًا عن الناس، وإنما هو مجموع الأفراد الذين يشكلونه.

فإذا كان كل فرد ينتظر من الآخرين أن يحموا حياته، فمن الذي سيحمي الجميع؟

ومن هنا يصبح الأصل هو أن يتعلم الإنسان حماية نفسه أولًا، ثم يأتي التعاون الاجتماعي بوصفه مرحلة لاحقة، لا بوصفه بديلًا عن المسؤولية الشخصية.

فالمجتمع القوي لا يتكون من أفراد عاجزين ينتظر كل واحد منهم من ينقذه، بل من أفراد يمتلك كل منهم حدًا أدنى من القدرة على إدارة حياته والدفاع عن مصالحه المشروعة.

المساعدة التي تُضعف

تفرق هذه الرؤية بين نوعين من المساعدة.

النوع الأول هو المساعدة التي تعيد للإنسان قوته، وتدفعه إلى الاستقلال ، وهذه تُعد مساعدة حقيقية.

أما النوع الثاني فهو المساعدة التي تجعل الإنسان أكثر اعتمادًا على الآخرين، وتجعله ينتظر الحلول من الخارج، وهي في هذا التصور لا تعالج المشكلة، بل تؤجلها.

ولهذا فإن المساندة الحقيقية ليست أن يحمل الآخرون أعباء الإنسان بدلًا عنه، وإنما أن يعلموه كيف يتعامل معها.

مفهوم الحقوق

تنتقل الرؤية بعد ذلك إلى نقد الفهم الشائع للحقوق.

فهي ترى أن إعلان وجود حق لا يعني بالضرورة قدرة الجميع على ممارسته.

ويضرب لذلك مثالًا بحرية السفر؛ فكون الإنسان يمتلك حق السفر لا يعني أن جميع الناس يملكون الوسائل أو المعرفة أو الإمكانات التي تجعلهم قادرين على ممارسته فعلًا.

ومن هنا تميز هذه الرؤية بين الحق النظري وبين القدرة الواقعية.

فالقدرة لا يمنحها النص القانوني وحده، وإنما يبنيها الإنسان من خلال المعرفة والقوة والخبرة والاستعداد.

ولهذا يصبح امتلاك الحق غير كافٍ ما لم يمتلك الإنسان القدرة التي تجعله قادرًا على صيانته والدفاع عنه.

القيمة لا تُمنح من الخارج

ترى هذه الرؤية أن الإنسان كثيرًا ما يبحث عن قيمته في اعتراف الآخرين به، أو في تعويضات يقدمها المجتمع، أو في صورة يرسمها الناس عنه.

لكن القيمة الحقيقية، في هذا التصور، لا تُكتسب من الخارج، وإنما تنشأ من الداخل.

فالإنسان الذي يعرف قدر نفسه لا ينتظر من الآخرين أن يمنحوه هذا القدر.

أما الذي يظل يبحث عن الاعتراف الخارجي، فإنه يبقى معلقًا بأحكام الآخرين، يفرح إذا رفعوه ويحزن إذا خفضوه.

ولهذا تدعو هذه الرؤية إلى التحرر من انتظار التقدير الخارجي، لأن القيمة التي تعتمد على رأي الناس تظل قابلة للزوال مع تغير ذلك الرأي.

المعونة المشروطة بالشفقة

وتنتقد هذه الرؤية نوعًا من العطاء يقوم على الشفقة وحدها.

فالإنسان قد يُمنح مالًا أو دعمًا لأنه مظلوم، لا لأنه قادر على البناء.

ويرى هذا التصور أن مثل هذه المعونة قد تحمل في داخلها رسالة خفية تُبقي الإنسان أسير صورته بوصفه مظلومًا.

أما الدعم الذي ينطلق من الإيمان بقدرة الإنسان على النهوض، فإنه يختلف جذريًا، لأنه لا يغذي شعور العجز، بل يغذي الشعور بالكفاءة والقدرة.

ولهذا تُفضل هذه الرؤية كل مساعدة تعزز الاستقلال، على أي مساعدة تجعل الإنسان أكثر التصاقًا بصورة الضحية.

المواساة بين الحقيقة والوهم

ترى هذه الرؤية أن المواساة ليست دائمًا فعلًا يحرر الإنسان، بل قد تتحول إلى وسيلة تخدير إذا اقتصرت على تهدئة الألم دون معالجة أسبابه.

فعندما يلتف الجميع حول الضحية ليؤكدوا لها أنها مظلومة، وأن المجتمع سيقتص لها، وأن الآخرين سيتكفلون بإعادة حقوقها، فإن الرسالة الضمنية التي قد تصل إليها هي أنها ليست مطالبة بإعادة بناء قوتها، لأن هناك من سيتولى المهمة عنها.

وبهذا تصبح المواساة، في بعض صورها، أداة لتأجيل يقظة الإنسان بدل أن تكون خطوة نحو تحرره.

ولا تنكر هذه الرؤية قيمة التعاطف، لكنها تفرق بين التعاطف الذي يوقظ الإرادة، والتعاطف الذي يرسخ العجز.

استغلال صورة الضحية

تذهب هذه الرؤية إلى أن صورة الضحية يمكن أن تتحول إلى وسيلة للاستغلال، ليس فقط من قبل الجلاد، بل أحيانًا من قبل الضحية نفسها أو من قبل المحيطين بها.

فقد تُستثمر معاناة الإنسان للحصول على التعاطف أو الدعم أو المكاسب الاجتماعية، حتى يصبح استمرار الألم أكثر نفعًا من تجاوزه.

وعندما تتحول المعاناة إلى هوية تمنح الامتيازات، فإن التخلي عنها يصبح أصعب، لأن الإنسان قد يشعر، دون وعي، أنه سيفقد ما يحصل عليه من اهتمام إذا لم يعد يُنظر إليه بوصفه ضحية.

ومن هنا تؤكد هذه الرؤية أن أخطر ما في دور الضحية ليس الألم نفسه، بل الاعتياد على هذا الدور حتى يصبح جزءًا من تعريف الذات.

المسؤولية قبل المطالبة بالإنصاف

ترى هذه الرؤية أن المطالبة بالإنصاف ينبغي أن تسبقها مراجعة الذات.

فكل تجربة مؤلمة تحمل سؤالًا لا يتعلق بالآخر وحده، وإنما يتعلق أيضًا بما يحتاج الإنسان إلى تطويره في نفسه حتى لا تتكرر التجربة.

ولا يعني ذلك أن المعتدي غير مسؤول، بل يعني أن التركيز الحصري على خطأ المعتدي قد يحجب عن الإنسان فرصة اكتشاف مواطن ضعفه.

فالذي يكتفي بإدانة الخارج قد يغفل عن إصلاح الداخل، بينما الذي يراجع نفسه يضيف إلى العدالة الخارجية عدالة داخلية تعزز قدرته على حماية ذاته.

المنظومة التي تعِد بالحماية

تطرح هذه الرؤية تساؤلًا فلسفيًا حول المنظومات التي تعلن أنها تحمي المجتمع من الجريمة.

فهي ترى أن كثيرًا من هذه المنظومات تركز على نتائج المشكلة أكثر من تركيزها على جذورها.

ويُقال إن القبض على المجرمين، رغم ضرورته القانونية، لا يعني بالضرورة القضاء على الأسباب التي أدت إلى ظهورهم.

فإذا بقيت الظروف المنتجة للعنف كما هي، فإن المجتمع سيستمر في إنتاج صور جديدة من الجريمة، حتى وإن تغيرت أسماء الجناة.

ولهذا فإن العدالة الحقيقية لا تقتصر على العقوبة، وإنما تشمل أيضًا إزالة الشروط التي تسمح باستمرار دورة العنف.

الفراغ الذي يستدعي الجلاد

تستخدم هذه الرؤية مفهوم "الفراغ" لتفسير ظهور المعتدي.

فالجلاد، بحسب هذا التصور، لا يدخل إلا حيث يجد مساحة فارغة لم تُملأ بالوعي أو القوة أو القدرة على الحماية.

ويشبه ذلك بمنزل تُرك بابه مفتوحًا، فلا يكون السؤال الأول: لماذا دخل اللص؟ بل أيضًا: لماذا بقي الباب مفتوحًا؟

ولا يقصد بذلك تبرئة اللص، وإنما توسيع دائرة النظر بحيث تشمل الوقاية إلى جانب المحاسبة.

فالتركيز على إغلاق منافذ الضعف يُعد، في هذا التصور، أكثر فاعلية من الاكتفاء بملاحقة نتائجها.

داخل الأسرة والمجتمع

ترى هذه الرؤية أن كثيرًا من صور الظلم لا تأتي من الغرباء، بل تنشأ داخل البيئات الأكثر قربًا، كالأسرة أو دائرة الأقارب أو العلاقات اليومية.

ولهذا فإن اختزال الجريمة في صورة شخص غريب قد يحجب حقيقة أن كثيرًا من أنماط الاعتداء تنشأ داخل العلاقات التي يُفترض أنها الأكثر أمانًا.

ومن هنا تؤكد أن مواجهة المشكلة تبدأ بالاعتراف بإمكان وجودها في أي بيئة، بدل افتراض أنها دائمًا تأتي من الخارج.

استغلال الضعفاء

تنتقد هذه الرؤية صورًا متعددة لاستغلال الإنسان الضعيف، سواء كان طفلًا أو مريضًا أو شخصًا من ذوي الإعاقة أو أي إنسان عاجز عن الدفاع الكامل عن نفسه.

فحين تتحول معاناة الضعيف إلى وسيلة لتحقيق منفعة مادية أو اجتماعية أو عاطفية، فإن العلاقة تصبح صورة أخرى من صور الجلاد والضحية، حتى وإن ارتدت لباس الرحمة أو الرعاية.

ولهذا تؤكد أن قيمة الرعاية الحقيقية تكمن في تمكين الإنسان من استعادة استقلاله كلما كان ذلك ممكنًا، لا في تحويل ضعفه إلى مورد دائم للاستثمار.

العدالة بوصفها بناءً للإنسان

وتختتم هذه المرحلة بفكرة محورية مفادها أن المجتمع لا يصبح أكثر عدلًا بمجرد زيادة العقوبات أو تكثير الخطابات التي تتحدث عن حماية الضحايا.

فالعدالة الحقيقية تبدأ عندما يُبنى الإنسان القادر على حماية نفسه، وتحمل مسؤوليته، وتنمية وعيه، بحيث يقل احتياجه أصلًا إلى أن يعيش دور الضحية.

وعندئذ يصبح الهدف ليس مجرد تقليل عدد الجلادين، بل تقليل الظروف التي تجعل وجود الجلاد ممكنًا، وتقليل البنية النفسية التي تجعل الإنسان مستعدًا لأن يعيش حياته بوصفه ضحية دائمة.

الاستحقاق بوصفه حالة داخلية

تنتقل هذه الرؤية من الحديث عن الضحية والجلاد إلى مفهوم آخر تعتبره أكثر عمقًا، وهو مفهوم الاستحقاق. فالأحداث التي يعيشها الإنسان لا تُقرأ هنا بوصفها وقائع منفصلة، بل بوصفها انعكاسًا لمستوى الاستعداد الداخلي الذي يحمله الإنسان تجاه الحياة.

ولا يُقصد بالاستحقاق معنى قانونيًا أو أخلاقيًا، بل يُستخدم بوصفه تعبيرًا عن الحالة الوجودية التي يعيشها الإنسان. فالإنسان، بحسب هذا التصور، لا يخوض التجارب بالطريقة نفسها، لأن لكل فرد مستوى مختلفًا من الوعي، ومن ثم مستوى مختلفًا من النتائج التي يختبرها.

ولهذا فإن التجربة المؤلمة لا تُفسَّر فقط بما وقع فيها، وإنما بما تكشفه عن البنية الداخلية للإنسان وعن درجة جاهزيته للتعامل معها.

الاستحقاق العالي والاستحقاق المنخفض

ترى هذه الرؤية أن الاستحقاق ليس درجة واحدة، بل يمتد من مستويات منخفضة إلى مستويات مرتفعة.

فالاستحقاق المنخفض يجعل الإنسان ينتقل من تجربة مؤلمة إلى أخرى، ويكرر الأنماط نفسها، ويغادر المجالات التي لا يستطيع التكيف معها، ثم يحمّل المجال ذاته مسؤولية فشله.

أما الاستحقاق المرتفع فيُنظر إليه بوصفه قدرة الإنسان على استخراج أكبر قدر من الحكمة والنضج والمعرفة من كل تجربة يمر بها، مهما كانت طبيعتها.

وتذهب الرؤية إلى أبعد من ذلك، فتتحدث عن مستوى أعلى يمكن وصفه بـ الاستحقاق العالي جدًا، حيث لا يقتصر الأمر على النجاح في مجال واحد، بل يصبح الإنسان قادرًا على تحقيق حالة من الاتساق الداخلي تنعكس على مختلف جوانب حياته، من الحكمة والقوة إلى الوفرة والطمأنينة والقدرة على إدارة التجارب.

وبذلك يصبح الاستحقاق، في هذا التصور، ليس امتلاكًا للأشياء، وإنما امتلاكًا للقدرة على التعامل معها.

الهروب من المجال

تربط هذه الرؤية بين ضعف الاستحقاق وبين ميل الإنسان إلى الهروب.

فالإنسان الذي يغادر مجالًا معينًا لأنه يرى أن المجال نفسه فاسد أو مستحيل أو عديم الجدوى، قد يكون – وفق هذا التصور – قد بلغ الحد الذي يسمح به استعداده الداخلي، لا الحد الذي يسمح به المجال.

ولهذا فإن الانسحاب لا يُقرأ دائمًا بوصفه دليلًا على فساد البيئة، بل قد يكون علامة على محدودية القدرة على الاستمرار داخلها.

ومن هنا تدعو الرؤية إلى مراجعة الذات قبل إصدار الأحكام النهائية على الأشخاص أو البيئات أو التجارب.

مجال الرؤية

تطرح هذه الرؤية مفهومًا تسميه مجال الرؤية، وترى أن المواجهة لا تتم فقط على مستوى الأفعال، بل على مستوى الحضور النفسي أيضًا.

فالإنسان الذي يهرب باستمرار من المواجهة، أو يتجنب رؤية مصادر خوفه، أو ينسحب كلما شعر بالتهديد، يرسخ في نفسه صورة الضحية، فالضحية تكون ضحية بهروبها من الجلاد.

أما الذي يستطيع البقاء في مجال المواجهة دون انهيار أو هروب، فإنه يبدأ تدريجيًا في الخروج من دور الضحية.

الجلاد يتبع الضحية

من أكثر الأفكار مركزية في هذه الرؤية القول إن الجلاد لا يتحرك بصورة مستقلة، وإنما يتحرك استجابةً لحركة الضحية.

فالجلاد، بحسب هذا التصور، لا يصنع المشهد وحده، بل ينتظر ظهور السلوك الذي يسمح له بممارسة دوره فمفتاح السجن بيد الضحية.

ويضرب لذلك مثالًا من عالم الحيوان؛ إذ قد يبدأ المفترس في مطاردة فريسة يظنها ضعيفة، لكنه يتوقف إذا اكتشف أن تقديره كان خاطئًا، أو إذا تغيرت طبيعة المواجهة.

ومن هنا تُستخلص فكرة أن كثيرًا من مظاهر العدوان تعتمد على الكيفية التي يظهر بها الطرف الآخر، لا بمعنى أنها تُبرر العدوان، وإنما بمعنى أنها تؤثر في استمرار ديناميكيته.

الخوف بوصفه غذاءً للثنائية

ترى هذه الرؤية أن الخوف هو الوقود الذي يُبقي العلاقة بين الضحية والجلاد قائمة.

فكلما ازداد خوف الضحية، ازداد حضور الجلاد في المشهد. وكلما تراجع الخوف، فقدت هذه الثنائية جزءًا كبيرًا من قدرتها على الاستمرار.

ولهذا لا يُنظر إلى الشجاعة هنا باعتبارها مجرد اندفاع، بل باعتبارها تحررًا من الحالة النفسية التي تجعل الإنسان يستجيب للعالم من موقع الانكسار.

فالخوف، في هذا التصور، لا يغير المشاعر فقط، بل يغير طريقة التفكير واتخاذ القرار، ويحد من قدرة الإنسان على رؤية البدائل المتاحة أمامه.

نهاية السجن

تقدم هذه الرؤية استعارة السجن لتوضيح فكرتها.

فالجلاد يبدو كأنه يملك مفتاح الزنزانة، لكن هذا التصور يعكس الصورة رأسًا على عقب، إذ يرى أن المفتاح الحقيقي يوجد عند الضحية نفسها.

فاللحظة التي تتوقف فيها عن تعريف نفسها بوصفها ضحية، وتبدأ في استعادة مسؤوليتها وقدرتها على الفعل، هي اللحظة التي تبدأ فيها جدران السجن بالتلاشي.

ولا يعني ذلك أن القيود الخارجية تختفي فورًا، وإنما يعني أن أساس العلاقة الذي كان يمنحها قوتها يبدأ في الانهيار.

وبهذا يصبح التحرر، في المقام الأول، فعلًا داخليًا يسبق كل تغيير خارجي.

الخوف والعار والذنب

وتختم هذه الرؤية تحليلها بالإشارة إلى ثلاث حالات نفسية تعتبرها من أكثر الحالات تأثيرًا في التجربة الإنسانية: الخوف، والعار، والذنب.

وترى أن هذه الحالات مترابطة، وأنها تشكل الأرضية التي تنمو فوقها كثير من صور العجز والانكسار.

فالإنسان الذي يعيش أسير الخوف يفقد جزءًا من إرادته، والذي يستسلم للعار يختبئ من المواجهة، والذي يظل غارقًا في الذنب يعجز عن استعادة حريته.

ولهذا يصبح التحرر الحقيقي، في هذا التصور، رحلة لتجاوز هذه الحالات، لا عن طريق إنكارها، بل عن طريق فهمها وعدم السماح لها بأن تتحول إلى هوية دائمة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كاتب التدوينة
كاتب التدوينة
هذا النص هو مثال لنص يمكن أن يستبدل في نفس المساحة، لقد تم توليد هذا النص من مولد النص العربى، حيث يمكنك أن تولد مثل هذا النص أو العديد من النصوص الأخرى إضافة إلى زيادة عدد الحروف التى يولدها التطبيق.
G.M HERMES