شعار الموقع لنسخة الدارك مود

شعار الموقع لنسخة الدارك مود

المصلحة المشتركة الأساس الذي يقوم عليه كل نظام

يُنظر إلى الجسد عادةً على أنه منظومة بيولوجية معقدة تتكون من أعضاء وأنسجة وخلايا وروابط كيميائية ووظيفية.يعبر شبكة من المصالح الوظيفية المتبادلة، حيث لا يوجد جزء واحد يؤدي وجوده إلى العبث، ولا عضو يعمل بلا غاية، ولا علاقة تنشأ داخله دون منفعة محددة تحفظ توازن الكل أو المصلحة الكلية.

ومن هنا تنطلق هذه الرؤية من فرضية أساسية مفادها أن التجسد نفسه هو علاقة مصلحة. فكل ما يتجسد في عالم المادة إنما يتجسد لأنه يؤدي وظيفة، ويحقق منفعة، ويسهم في حفظ نظام أكبر منه. لذلك لا يمكن العثور داخل الجسد على عنصر لا يمتلك قيمة وظيفية أو مصلحة وجودية، مهما بدا صغيرًا أو بسيطًا.

فالشعر يؤدي وظيفة، والعين تؤدي وظيفة، والأذن تؤدي وظيفة، والجلد يؤدي وظيفة، كما يؤدي القلب والرئتان والمعدة والكبد وظائف أكثر تعقيدًا. ومن مصلحة الجهاز التنفسي أن يتنفس هواءً غنيًا بالأكسجين، ومن مصلحة المعدة أن تستقبل غذاءً تستطيع هضمه، ومن مصلحة كل عضو أن يجد البيئة المناسبة لاستمرار عمله. وهكذا فإن كل عنصر داخل الجسد محكوم بقانون المصلحة، وليس بقانون المصادفة.

ولا يقتصر هذا القانون على الأعضاء وحدها، بل يمتد إلى العلاقة التي تجمع بينها؛ إذ إن جميع العلاقات داخل الجسد هي علاقات وظيفية تقوم على تبادل المنفعة، فلا يعمل عضو ضد عضو آخر، ولا يسعى جزء إلى إفساد الكل الذي ينتمي إليه، لأن سلامة الكل هي الشرط الذي يضمن استمرار مصلحة كل جزء.

ومن هنا يمكن الانتقال من فهم الجسد إلى فهم العالم المجسد بأسره؛ فإذا كان الجسد كله مبنيًا على المصالح الوظيفية، فإن كل ما يوجد في عالم التجسد يخضع للمبدأ نفسه. فكل شخص يدخل حياتك، وكل علاقة تنشأ في محيطك، وكل مؤسسة، وكل حركة، وكل منظومة اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية، إنما توجد لأنها تحقق نوعًا من المصالح، سواء كانت هذه المصالح ظاهرة أو خفية، نبيلة أو منحرفة.

ولهذا يصبح السؤال الحقيقي ليس: هل توجد مصلحة؟ بل: أي نوع من المصالح يحكم هذه العلاقة؟

المصلحة والفساد: عندما تتحول المنفعة إلى نقيضها

إذا كان الأصل في الوجود المجسد أن كل شيء يؤدي وظيفة نافعة لصاحبه، فإن ظهور عنصر لا يحقق مصلحة لهذا النظام يكشف عن انتقال العلاقة من دائرة الصلاح إلى دائرة الفساد.

فالطفيليات والفيروسات، على سبيل المثال، تمتلك مصلحة خاصة بها، لكنها لا تحقق مصلحة للجسد الذي تستقر فيه، بل تقوم منفعتها على إضعافه. فهي لا تنمو إلا كلما تراجع الجسد، ولا تقوى إلا كلما ضعفت أجهزته الحيوية. وهنا تظهر صورة مختلفة للعلاقة؛ علاقة يصبح فيها ازدهار أحد الطرفين مشروطًا بانهيار الطرف الآخر.

وهذا هو معنى الفساد.

فالفساد هو علاقة تصبح فيها مصلحة أحد الأطراف قائمة على إفساد مصلحة الطرف المقابل. ولذلك لا يقتصر وجود هذه العلاقات على الأمراض البيولوجية، بل يمتد إلى جميع مستويات الحياة.

فهناك كيانات ومشروعات وأفكار وأشخاص تكون مصلحتهم أن يفسد كبد الإنسان أو يختل جهازه الهضمي، كما توجد كيانات أخرى تكون مصلحتها أن يفشل الإنسان في علاقاته الاجتماعية، أو أن تنهار أسرته، أو أن يضعف اقتصاديًا، أو أن يختل نظامه السياسي أو الحضاري. وفي كل هذه الصور يبقى المبدأ واحدًا: إن منفعة أحد الطرفين لا تتحقق إلا بإفساد الآخر.

ومن هنا يبرز سؤال فلسفي بالغ الأهمية: إذا كان كل طرف يسعى إلى مصلحته، فمن منهما يمثل الصواب؟ هل الإنسان الذي يدافع عن سلامة جسده هو صاحب الحق؟ أم الكائن الذي لا يستطيع البقاء إلا بإفساد ذلك الجسد يرى نفسه أيضًا صاحب مصلحة مشروعة؟

هذا السؤال لا يتعلق بالمصلحة، بل يكشف أن العالم يقوم على صراع أنماط مختلفة من المصالح، وأن المشكلة الحقيقية ليست في وجود المصلحة نفسها، وإنما في طبيعة المصلحة التي يتبناها كل كائن، وهل تقوم على البناء أم على الإفساد  وهل تخدم الصالح العام للوجود أم لا.

الإنسان وصناعة بيئة الفساد

غير أن المسألة لا تتوقف عند وجود الكائنات المفسدة، بل تمتد إلى سؤال أكثر عمقًا: كيف تدخل هذه الكيانات إلى حياة الإنسان أصلًا؟

إن الإنسان يجذب إلى مجاله ما ينسجم مع حالته الداخلية. فالكائن الفاسد لا يستطيع أن يستقر في بيئة سليمة تمامًا، كما لا تستطيع الطفيليات أن تزدهر داخل جسد يتمتع بمناعة كاملة. ولذلك فإن حضور الفساد في أي مجال من مجالات الحياة يكشف غالبًا عن وجود بؤرة فساد سبقت حضوره.

فإذا ظهر في المجال الحيوي مرض، أو في المجال الاجتماعي شخص مفسد، أو في المجال العاطفي علاقة سامة، أو في المجال الاقتصادي فساد، فإن السؤال الأول لا ينبغي أن يكون: «من هو الظالم؟»، بل: ما الذي جذب الظالم أصلًا؟

إن الكائنات التي تتغذى على الفساد لا تنجذب إلا إلى الفساد. فهي تبحث عن الجروح، وعن مواطن الضعف، وعن الأفكار المختلة، وعن المشاعر المشوهة، وعن الأجساد المريضة، لأنها لا تستطيع العيش في بيئة يغلب عليها الصلاح والقيمة والجدوى.

فالجرح يجذب ما يتغذى على الجراح، والفساد يجذب ما يقتات من الفساد، والفراغ يجذب ما يعيش على الفراغ.

ولهذا فإن ظهور المفسد في حياة الإنسان ليس مجرد حادث عابر، بل هو دعوة إلى فحص البنية الداخلية التي سمحت له بالدخول.

إن الحكم على الظالم وحده لا يكفي، لأن السؤال الأعمق هو: ما الذي رآه الظالم في الضحية حتى انجذب إليها؟ وما البذرة التي وجدها فيها فاستطاع أن يجعلها أرضًا ينمو فيها ظلمه؟

وهنا يبدأ الانتقال من إدانة الخارج إلى مراجعة الداخل، ومن البحث عن المفسد إلى البحث عن الباب الذي دخل منه الفساد.

كيف يصنع الإنسان ظالمه دون أن يدري؟

إذا كان الفساد لا يدخل إلى المجال إلا عبر منفذ يوافق طبيعته، فإن السؤال التالي يصبح أكثر عمقًا: لماذا ينجذب الظالم إلى شخص دون آخر؟ ولماذا تتحول بعض البيئات إلى حواضن للظلم، بينما تبقى بيئات أخرى عصية على كل محاولة للإفساد؟

إن الظالم لا يبحث عن القوة، وإنما يبحث عن الضعف. ولا يبحث عن الإنسان الذي يعرف نفسه، بل عن الإنسان الذي فقد صلته بقيمته. فالظالم لا ينجذب إلى الكمال، وإنما ينجذب إلى بدايات النقص، تمامًا كما تنجذب الجراثيم إلى الجروح المفتوحة، لا إلى الجسد السليم.

ومن هنا يصبح حضور الظالم في حياة الإنسان علامة تستحق التأمل أكثر من كونها مجرد مناسبة لإطلاق الأحكام. فقبل أن يسأل الإنسان: لماذا ظلمني هذا الشخص؟ عليه أن يسأل نفسه: ما الذي رآه هذا الظالم في داخلي حتى وجد فيّ أرضًا صالحة لإنتاج ظلمه؟

إن الظالم لا يحب الصلاح، ولا يشعر بالارتياح أمام الإنسان الذي يعرف قيمته ومصلحته، وإنما يرتاح إلى من يجهل ذلك. فهو يرى في الجهل بالمصلحة فرصة، ويرى في ضعف الوعي بابًا يدخل منه، ويرى في الابتعاد عن الصلاح بيئة مناسبة لصناعة نفسه.

وهنا يظهر معنى آخر للفساد؛ فالفساد ليس مجرد فعل يقوم به المفسد، بل هو علاقة متبادلة بين قابلية داخلية واستغلال خارجي. ولو لم توجد تلك القابلية، لما وجد الفساد سبيلًا إلى الظهور.

ولهذا فإن أول خطوة في مقاومة الظلم ليست مقاومة الظالم نفسه، بل إزالة القابلية التي استدعته وعندما تزول قابلية حظوره أي الأمر الذي جعل حظوره ممكننا يختفي مباشرة.

الظالم كان يومًا مظلومًا

غير أن الصورة لا تكتمل عند هذا الحد، لأن الظالم نفسه ليس ظاهرة منفصلة عن هذا القانون، بل هو أيضًا نتاج مسار سابق.

فالظالم، في كثير من الأحيان، لم يولد ظالمًا، وإنما كان في مرحلة من حياته مظلومًا، ثم استقر الظلم داخله حتى أصبح هو اللغة التي يتعامل بها مع العالم. لقد غلبه الظلم، فصار يغلب به غيره.

وهكذا يتحول الإنسان من موجوع إلى موجِع، ومن مضروب إلى ضارب، ومن ضحية إلى جلاد، لا لأنه اختار ذلك بوعي كامل، بل لأن التجربة التي لم تُفهم تحولت إلى هوية.

إن البحر حين تضرب أمواجه إنسانًا، قد يدفعه ذلك إلى أن يضرب غيره كما ضُرب هو. وليس لأنه يحب الضرب، وإنما لأنه لم يعرف طريقة أخرى للتعامل مع ألمه.

ولهذا فإن الظالم يعيد إنتاج ماضيه في الآخرين. إنه يصنع نفسه مرة أخرى كلما صنع مظلومًا جديدًا. وكأن الظلم لا يكتفي بأن يوجد مرة واحدة، بل يسعى إلى إعادة ولادة ذاته باستمرار.

وهنا تكمن المأساة؛ فالظالم لا ينتج ضحايا فقط، بل ينتج نسخًا مستقبلية من نفسه.

الماضي يصنع المستقبل

ومن هنا يمكن الانتقال إلى قانون أكثر عمقًا، وهو أن الإنسان لا يصنع مستقبله إلا من خلال الطريقة التي يتعامل بها مع ماضيه.

فالذي نراه أمامنا، وكل ما تجسد بالفعل، هو الماضي. أما المستقبل، فهو كل ما لم يتجسد بعد.

ولهذا فإن الماضي ليس مجرد زمن انقضى، بل هو كل ما أصبح واقعًا، وكل ما وقع، وكل ما حصل، وكل ما خرج من الإمكان إلى التجسد.

أما المستقبل فهو ما يزال في طور الإمكان.

وعندما يتعامل الإنسان مع ما تجسد، فإنه في الحقيقة يشكل ما سيتجسد لاحقًا.

إن طريقة تعامل الإنسان مع الماضي هي نفسها الطريقة التي يصنع بها مستقبله.

ولهذا فإن كل علاقة يقيمها الإنسان مع الواقع ليست مجرد استجابة للحاضر، وإنما هي في الوقت نفسه عملية تشكيل للمستقبل.

إن المستقبل لا يأتي من الفراغ، بل يتولد من الكيفية التي نعالج بها ما تحقق بالفعل.

الظالم هو مستقبل المظلوم

ومن هنا تتجلى فكرة دقيقة للغاية؛ فالظالم الذي يقف أمام المظلوم ليس مجرد شخص آخر، بل يمثل، في كثير من الأحيان، المستقبل الذي يمكن أن يصبح إليه ذلك المظلوم إذا استسلم للجرح نفسه.

فالظالم رأى في المظلوم بداية الطريق الذي سار فيه هو من قبل.

رأى جرحًا صغيرًا.

ورأى ضعفًا في بدايته.

ورأى ابتعادًا بسيطًا عن الصلاح.

فعرف أن هذه البذرة، إذا تُركت دون وعي، ستتحول يومًا إلى الشجرة نفسها التي خرج منها.

ولهذا فإن الظالم، وهو يمارس ظلمه، لا يخلق المظلوم فقط، بل يخلق ظالمًا جديدًا في المستقبل.

والمظلوم، إذا لم ينتبه إلى ما يجري داخله، قد يتحول إلى النسخة التي كان يكرهها.

وهكذا يصبح الظالم صورة للمستقبل، ويصبح المظلوم صورة للماضي، وتدور الدورة من جديد.

إن أخطر ما في الظلم أنه لا يكتفي بإيذاء الإنسان، بل يحاول إعادة تشكيل هويته حتى يصبح امتدادًا له.

اللاوعي هو البيئة التي يولد فيها الظلم

كل ذلك يقود إلى نتيجة أكثر شمولًا، وهي أن الظلم لا يولد في الوعي، وإنما يولد في غيابه.

فالإنسان الواعي يصعب أن يصنع ظالمًا، كما يصعب أن يتحول هو نفسه إلى ظالم، لأنه يرى بداية الانحراف قبل أن تصبح طريقًا.

أما اللاوعي، فهو البيئة الطبيعية التي يتولد فيها كل فساد.

إن الظالم لا يظلم بقدر ما يعبر عن حالة من الغياب الداخلي.

والمظلوم، حين لا يعي ما يحدث في داخله، يشارك هو أيضًا في استمرار هذه الدورة.

ولهذا فإن كل ظلم هو نتيجة لغياب الوعي عند أحد الطرفين أو عند كليهما.

فالوعي يقطع السلسلة قبل أن تبدأ، أما اللاوعي فيسمح لها بأن تستمر جيلاً بعد جيل.

إن الإنسان عندما يعيش بلا وعي، فإنه يتعامل مع الماضي بعنف، ومن هذا العنف يصنع مستقبلًا أكثر عنفًا.

وحين يأتي ذلك المستقبل، يعود ليظلم الماضي مرة أخرى، فتستمر الدائرة وكأن الزمن يعيد إنتاج نفسه بلا نهاية.

ولهذا يمكن القول إن المستقبل الظالم ليس سوى الماضي الذي لم يُفهم، وإن الماضي المظلوم ليس سوى المستقبل الذي لم يُشف بعد.

ومن هنا يصبح الوعي ليس مجرد معرفة، بل فعل تحرير يوقف انتقال الظلم من زمن إلى زمن، ومن إنسان إلى إنسان، ومن جيل إلى جيل.

لا تدع مستقبلك يظلم ماضيك

حين يبلغ الإنسان هذه المرحلة من الفهم، يكتشف أن الظلم لا يأتي دائمًا من الآخرين، بل قد يأتي من الزمن نفسه، أو بالأحرى من الطريقة التي يتعامل بها مع الزمن.

فالإنسان قد يظلم نفسه وهو يظن أنه يبني مستقبله.

إنه يؤجل السعادة إلى الغد، ويؤجل الراحة إلى الغد، ويؤجل الاكتفاء إلى الغد، ويؤجل الحياة نفسها إلى الغد، حتى يصبح الحاضر مجرد وسيلة لا قيمة لها إلا بما سيأتي بعده.

وهنا يبدأ المستقبل في ظلم الماضي.

فالإنسان الذي يعيش دائمًا منتظرًا زمنًا أفضل، يمنح المستقبل كل القيمة، ويحرم الحاضر من حقه. إنه يسرق من نفسه التي تعيش الآن ليمنح نسخة لم توجد بعد كل الامتيازات.

وهذا نوع خفي من الظلم.

إن المستقبل لا ينبغي أن يتحول إلى سيدٍ للماضي، ولا ينبغي أن يصبح الحاضر مجرد قربان يُقدَّم لأيام لم تأت بعد.

ولهذا فإن الإنسان مطالب بألا يسمح لمستقبله أن يظلمه، كما لا يسمح لماضيه أن يقيده. فالحياة العادلة هي التي تحفظ لكل زمن حقه، فلا تُقدِّس المستقبل على حساب الحاضر، ولا تستعبد الحاضر بأوهام لم تتحقق.

بداية الظلام ليست في الخارج

إذا كان الظالم لا يدخل إلا من منفذ، فإن السؤال يصبح: أين يوجد هذا المنفذ؟

إن بداية الظلام لا تبدأ بوجود الظالم، وإنما تبدأ قبل ذلك بكثير، حين يبتعد الإنسان عن مصلحته الحقيقية.

وليس المقصود بالمصلحة هنا معناها الضيق الذي اختزلته الثقافة الشعبية في الأنانية أو الجشع أو المنفعة المادية، وإنما المقصود بها كل ما يحقق للإنسان صلاحه، وقيمته، وجدواه، وكماله الوجودي.

فكلما اقترب الإنسان من مصلحته الحقيقية اقترب من النور.

وكلما ابتعد عنها، ولو خطوة صغيرة، بدأت الظلمة بالتشكل.

ولهذا فإن الظالم لم يخلق الظلام، وإنما وجد بدايته فقط.

لقد وجد إنسانًا بدأ يبتعد عن قيمته، فدخل من هذا الابتعاد، كما تدخل الرطوبة من شق صغير في الجدار حتى تُفسد البناء كله.

فالظالم لا يصنع نقطة البداية، وإنما يستثمرها.

الإنسان الذي لا يعرف صلاحه

في الحياة اليومية يقال عن شخص إنه "يعرف صلاحه"، ويقال عن آخر إنه "لا يعرف صلاحه". ورغم بساطة هذا التعبير الشعبي، فإنه يحمل معنى فلسفيًا عميقًا.

فالذي يعرف صلاحه يعرف ما ينفعه وما يضره.

يعرف الطريق الذي يبنيه والطريق الذي يهدمه.

يعرف العلاقات التي تمنحه حياة، والعلاقات التي تستنزفه.

يعرف متى يقترب، ومتى يبتعد.

يعرف أين يقول نعم، وأين يقول لا.

أما الذي لا يعرف صلاحه، فإنه يصبح مادة سهلة لكل من يريد استغلاله.

ولهذا لا يستفيد الظالم إلا من الذين لا يعرفون مصالحهم.

إنه لا يستطيع أن يخدع إنسانًا يرى بوضوح، وإنما ينجح مع من فقد بصيرته.

ولهذا كان الجهل بالمصلحة أحد أكبر أبواب الظلم.

القانون لا يحمي من يجهل حقه

يقال في الأمثال: "القانون لا يحمي المغفلين."

وإذا تجاوزنا معناه القانوني إلى معناه الوجودي، وجدنا أن المغفل هو الإنسان الذي لا يعرف حقه.

وحق الإنسان الأول هو أن يعرف ما يصلحه.

أن يعرف قيمته.

أن يعرف حدوده.

أن يعرف ما يبنيه وما يهدمه.

فالذي يجهل حقه لا يستطيع الدفاع عنه، والذي لا يعرف مصلحته لن يميز بينها وبين ما يضادها.

ولهذا يصبح لقمة سهلة لكل من يتغذى على الجهل.

إن المفسدين لا يعيشون على قوة الآخرين، بل على جهلهم.

ولا يسرقون وعي الإنسان بعد أن يعرفه، بل قبل أن يعرفه.

ومن هنا يصبح الوعي بالمصلحة دفاعًا عن النفس، قبل أن يكون دفاعًا عن المال أو المكانة أو العلاقات.

معرفة الحقيقة هي معرفة المصلحة

كلما تعمق الإنسان في معرفة نفسه، أصبح أكثر قدرة على معرفة مصلحته.

فالحقيقة ليست فكرة مجردة، بل هي معرفة دقيقة بما يوافق طبيعتك وما يناقضها.

ومن لا يعرف حقيقته، لن يعرف ما يصلحه.

ولهذا يستفيد المفسدون من الإنسان الذي يعيش غريبًا عن نفسه، لأنه يسهل قيادته إلى ما يضره وهو يظنه نافعًا.

أما الإنسان الذي عرف حقيقته، فقد عرف في الوقت نفسه صلاحه، لأن الحقيقة والصلاح يسيران معًا.

وحين يعرف الإنسان صلاحه، يبدأ تلقائيًا بالاقتراب مما ينفعه، والابتعاد عما يفسده.

وهذا ليس فعلًا أخلاقيًا فحسب، بل فعل وجودي يحفظ به الإنسان بنيته الداخلية من الانهيار.

المصلحة ليست أنانية

لقد تعرض مفهوم المصلحة لتشويه كبير، حتى أصبح كثير من الناس يخجلون من الاعتراف بأن لهم مصالح، وكأن المصلحة مرادف للاستغلال أو الأنانية.

غير أن الحقيقة مختلفة تمامًا.

فالمصلحة في معناها  هي أن يتحرك الإنسان نحو ما يحقق صلاحه، دون أن يجعل صلاحه قائمًا على إفساد غيره.

إنها ليست أن تربح ويخسر الآخر، بل أن يتحقق الخير للطرفين.

ولهذا فإن العلاقة التي لا تحقق منفعة متبادلة ليست علاقة صحيحة، مهما زُينت بالشعارات.

فإذا كان أحد الطرفين يخسر باستمرار ليكسب الآخر، فهذه ليست فضيلة، بل صورة من صور الظلم.

أما إذا كان كلا الطرفين يزدهر بوجود الآخر، ويجد كل منهما في نجاح صاحبه جزءًا من نجاحه، فهذه هي العلاقة التي تقوم على العدل.

إن مصلحتي ليست ضد مصلحتك، بل قد تكون مصلحتي الحقيقية أن تتحقق مصلحتك أيضًا، لأنني لا أستطيع أن أعيش في وفرة حقيقية إذا كان من حولي يعيشون في خراب دائم.

فالأمن لا يكتمل وسط الخوف.

والغنى لا يكتمل وسط الفقر.

والاستقرار لا يكتمل وسط الفوضى.

ولهذا فإن المصلحة الراقية ليست مشروعًا فرديًا، بل نظامًا يجعل ازدهار أحد الطرفين سببًا لازدهار الآخر، لا سببًا لفنائه.

ومن هنا تتحول المصلحة من تهمة أخلاقية إلى قانون وجودي، ومن مفهوم ضيق إلى أساس تقوم عليه جميع العلاقات السليمة.

العلاقة العادلة: حين تصبح مصلحة الآخر جزءًا من مصلحتك

لقد ترسخ في الوعي الجمعي أن العلاقة النبيلة هي العلاقة التي تخلو من المصلحة، حتى أصبح الإنسان يخجل من الاعتراف بأن لعلاقاته أهدافًا أو منافع. غير أن هذا التصور، في هذه الرؤية، ليس تعبيرًا عن الفضيلة، بل عن سوء فهم لطبيعة الوجود نفسه.

فالمشكلة ليست في وجود المصلحة، وإنما في نوعها.

إن العلاقة التي تقوم على استغلال أحد الطرفين ليست علاقة مصلحة، بل علاقة فساد. أما العلاقة التي يربح فيها الطرفان، ويزداد كل منهما صلاحًا بوجود الآخر، فهي أعلى صور العدل.

ولهذا فإن العقد الذي لا ينفع طرفيه معًا ليس عقدًا عادلًا، مهما حمل من شعارات أو عواطف أو وعود.

إن أبسط معيار للحكم على أي علاقة هو أن نسأل: هل يخرج الطرفان منها أكثر حياةً، وأكثر قيمةً، وأكثر قدرةً على تحقيق ذواتهما؟

فإن كان الجواب نعم، فهي علاقة صالحة.

وإن كان أحدهما يربح بينما يدفع الآخر الثمن باستمرار، فهذه ليست علاقة، بل صورة أخرى من صور الظلم.

ولهذا فإن الإنسان لا ينبغي أن يخجل من أن تكون له مصلحة، كما لا ينبغي أن يخجل من أن تكون للطرف الآخر مصلحة أيضًا، لأن العدالة لا تعني إلغاء المصالح، وإنما تعني تناغمها.

إن مصلحتي الحقيقية ليست أن أحصل على كل شيء وحدي، وإنما أن يتحقق مناخ يسمح لي ولك بالازدهار معًا.

فلا يمكن لإنسان أن يعيش في أمن كامل بينما يعيش جاره في خوف دائم، ولا يستطيع أن يشعر بوفرة حقيقية إذا كان محيطه غارقًا في الفقر والاضطراب، لأن الخراب لا يعرف الحدود، وما يصيب الآخر اليوم قد يصل إليه غدًا.

ومن هنا تصبح مصلحة الآخر امتدادًا طبيعيًا لمصلحتي، لا لأنها تضحية، بل لأنها شرط من شروط استقرار الحياة نفسها.

لماذا تنتهي العلاقات التي تنكر المصلحة إلى الظلم؟

كثيرًا ما يُقال إن العلاقات القديمة كانت تقوم على التضحية لا على المصالح، وأن الناس كانوا يحبون بعضهم "لوجه الله" أو "دون انتظار مقابل". غير أن هذه الرؤية تحتاج إلى مراجعة عميقة.

فعندما نعيد النظر في كثير من تلك العلاقات، نجد أن أحد الطرفين كان، في الغالب، يحمل العبء الأكبر، بينما يتمتع الآخر بالامتيازات.

كم من زوجة عاشت عقودًا كاملة وهي تتنازل عن حقوقها باسم الواجب!

وكم من زوج حمل فوق طاقته لأنه تربى على أن التضحية الدائمة هي معيار الرجولة!

وكم من ابن أو ابنة عاش حياته أسيرًا لشعور الذنب، لأنه اعتقد أن حب أسرته يقتضي إلغاء نفسه!

إن هذه العلاقات لم تكن خالية من المصلحة، وإنما كانت تخفي مصلحة طرف واحد تحت أسماء نبيلة.

ولهذا فإن العلاقة التي يُطلب فيها من أحد الطرفين أن يتخلى عن قيمته، أو عن حقه، أو عن راحته، حتى يشعر الآخر بالأمان، ليست علاقة عادلة، لأن العدل لا يُبنى على إلغاء أحد الطرفين.

إن الظلم يبدأ عندما يُطلب من الإنسان أن يتخلى عن نفسه ليمنحها لغيره.

الجلاد لا يصنع ضحيته وحده

حين يلتقي الظالم بضحيته، لا يحدث اللقاء مصادفة.

فالجلاد لا يختار أي إنسان، بل يبحث عن الإنسان الذي لا يعرف حدوده، ولا يعرف حقوقه، ولا يعرف صلاحه.

إنه يبحث عن إنسان يشعر بالذنب إذا دافع عن نفسه، أو يخجل إذا طالب بحقه، أو يظن أن التضحية المستمرة فضيلة.

ذلك الإنسان يصبح البيئة المثالية لإنتاج الظلم.

ولهذا فإن الضحية لا تُلام لأنها ظُلِمت، ولكنها تُدعى إلى أن تبحث عن القابلية التي سمحت للظلم بالدخول.

فإذا قال الإنسان: "لقد خدعني"، فالسؤال الذي ينبغي أن يطرحه بعد ذلك هو: ما الذي جعلني قابلًا للخداع؟

وإذا قال: "لقد استغلني"، فالسؤال الأعمق هو: لماذا استطاع استغلالي أنا؟

إن هذه الأسئلة لا تبرئ الظالم، لكنها تمنح الإنسان القدرة على ألا يعيد إنتاج التجربة مرة أخرى.

فما لم تُغلق الأبواب التي دخل منها الظلم، فإن الأشخاص قد يتغيرون، لكن الظلم سيعود بأشكال جديدة.

الإنسان الذي يعرف صلاحه لا يعيش في العمى

معرفة المصلحة ليست معرفة نظرية، بل هي بصيرة عملية.

فالإنسان الذي يعرف صلاحه يصبح قادرًا على تمييز الأشخاص، والأفكار، والعلاقات، والفرص، قبل أن يدخل فيها.

إنه لا ينتظر حتى يقع في الفخ، ثم يبحث عن تفسير لما حدث، بل يرى ملامح الخطر منذ بدايته.

ولهذا فإنه يغلق أبوابه أمام المفسدين، ويفتحها أمام الصالحين.

وليس المقصود بالصالحين هنا أصحاب الشعارات، بل كل من يكون وجوده سببًا في ازدياد الحياة، والحرية، والقيمة، والطمأنينة.

كما أنه لا ينخدع بكل ما يبدو نافعًا، لأنه يعلم أن كثيرًا من المنافع الظاهرة تخفي في داخلها أضرارًا عظيمة.

فليس كل ما يلمع ذهبًا، وليس كل ما يعد بالربح يقود إلى الازدهار.

ولهذا يحتاج الإنسان إلى بصيرة تُمكّنه من رؤية حقيقة الأشياء، لا مظاهرها.

البصيرة شرط النجاة

تخيل إنسانًا وُضع فجأة في أرض مجهولة، مليئة بالغابات والأنهار والجبال والكائنات التي لم يرها من قبل.

ما أول معرفة يحتاجها كي ينجو؟

إنه لا يحتاج أولًا إلى معرفة أسماء الأشياء، بل يحتاج إلى أن يعرف ما الذي يناسبه، وما الذي يهدده.

أي النباتات يمكن أكلها؟

وأيها سام؟

أي الحيوانات يمكن الاقتراب منها؟

وأيها يجب الابتعاد عنه؟

أي الطرق توصله إلى الماء؟

وأيها تقوده إلى الهلاك؟

هذه القدرة على التمييز هي جوهر البصيرة.

والحياة لا تختلف عن ذلك كثيرًا.

فالإنسان لا ينجو بكثرة المعلومات، وإنما ينجو بقدرته على التمييز بين ما يوافق طبيعته وما يناقضها، وبين ما يبني وجوده وما يهدمه.

ولهذا فإن أكثر العلاقات المؤلمة ليست إلا علاقات دخلها الإنسان لأنه لم يكن يرى حقيقتها، ولو امتلك هذه البصيرة منذ البداية لما احتاج إلى أن يتعلم ثمن الخطأ بعد وقوعه.

إن الوعي لا يمنع الإنسان من العيش، بل يمنحه القدرة على اختيار الحياة التي تستحق أن تُعاش.

الحب، والمصلحة، وسوء فهم الأنانية

من أكثر المفاهيم التي تعرضت للتشويه في الثقافة الإنسانية مفهوم المصلحة، حتى أصبح مجرد ذكرها كافيًا لإثارة الريبة، وكأن الإنسان الصالح هو الإنسان الذي لا يريد شيئًا لنفسه، أو الذي يضحي بنفسه باستمرار حتى يثبت صدق محبته.

غير أن هذه الرؤية، مهما بدت نبيلة، تحمل في داخلها بذور الظلم.

فالإنسان الذي يتخلى دائمًا عن مصلحته لا يحرر الآخرين، بل يجعلهم يعيشون داخل علاقة مشوهة، لأن العلاقة الصحية لا تقوم على طرف يضحي وطرف يستفيد، وإنما تقوم على طرفين يحترم كل منهما مصلحة الآخر كما يحترم مصلحته.

ولهذا فإن القول: "أنا لا أفكر في نفسي، بل أفكر فيك فقط" ليس بالضرورة تعبيرًا عن الحب، بل قد يكون بداية لعلاقة غير متوازنة.

فالإنسان الذي يلغي نفسه اليوم قد يطالب غدًا بتعويض كل ما تنازل عنه، أو يعيش شعورًا خفيًا بالمرارة، أو ينتظر من الآخر أن يرد له الدين بطريقة أو بأخرى.

أما العلاقة السليمة فلا تقوم على الديون العاطفية، بل على وضوح المصالح، بحيث يعرف كل طرف ما يقدمه، وما يأخذه، دون شعور بالاستغلال أو بالذنب.

التفكير في النفس ليس أنانية

لقد أصبح مجرد قول الإنسان: "أنا أفكر في نفسي"، يُفهم على أنه إعلان للأنانية، مع أن التفكير في النفس هو أول شروط المسؤولية.

فالإنسان الذي لا يعرف كيف يحفظ نفسه، لن يعرف كيف يحفظ غيره.

والذي لا يحترم قيمته، لن يستطيع احترام قيمة الآخرين.

ولهذا فإن التفكير في النفس، بمعناه الراقي، ليس انغلاقًا على الذات، بل معرفة دقيقة بما يبنيها وما يهدمها.

إن الفرق كبير بين الأنانية التي تقوم على إفساد الآخرين لتحقيق المكاسب، وبين احترام الذات الذي يقوم على عدم التفريط في الحقوق، مع احترام حقوق الجميع.

ولهذا فإن الإنسان الذي يعرف مصلحته معرفة صحيحة لا يطلب من الآخرين أن يضحوا من أجله، كما لا يقبل أن يضحي هو بنفسه ليحافظ على علاقة تقوم أصلًا على الظلم.

المصالح تتعدد ولا تنحصر في المال

ومن الأخطاء الشائعة اختزال المصلحة في المنفعة المادية.

فالإنسان قد تكون مصلحته في العلم، أو في الحوار، أو في الطمأنينة، أو في الصحبة، أو في الجمال، أو في المعرفة، أو في الحب، أو في مجرد الحديث مع شخص يشعر معه بالراحة.

ولهذا فإن وجود المصلحة لا يعني وجود الاستغلال.

فقد تكون مصلحتي أن أجلس مع إنسان يوسع مداركي، أو يبعث في نفسي السكينة، أو يجعلني أكثر فهمًا للحياة، كما قد تكون مصلحته هو أيضًا أن يجد في حديثي ما ينفعه.

وهنا لا يوجد مستغل ولا مستغل، بل يوجد توافق بين منفعتين.

إن الحياة ليست مستوى واحدًا حتى تُختزل مصالحها في المال أو السلطة.

بل هي مستويات متداخلة، لكل منها مصالحها الخاصة، وكلما اتسعت رؤية الإنسان، اتسع فهمه للمصلحة.

الواجب حين يتحول إلى ظلم

لا ينكر الإنسان قيمة المسؤولية، ولكن المسؤولية شيء، وتحويل الإنسان إلى أسير للواجب شيء آخر.

فالواجب إذا أصبح وسيلة لإلغاء حرية الإنسان، أو لإجباره على العطاء المستمر دون رضا، فإنه يفقد قيمته الأخلاقية، ويتحول إلى صورة من صور الظلم.

إن الفعل الذي لا يصدر عن اقتناع، بل عن خوف، لا يبني علاقة صحية.

وكذلك الفعل الذي يؤديه الإنسان وهو يشعر بأنه مقيد، أو مسلوب الإرادة، أو مضطر إلى التضحية بنفسه حتى يحافظ على صورة معينة أمام المجتمع.

ولهذا فإن العلاقة الواعية لا تقوم على الإكراه، بل على الاختيار المتجدد.

كل يوم يختار الإنسان أن يبقى، لأنه يريد أن يبقى، لا لأنه لا يستطيع الرحيل.

الانتظار... ظلم يصنعه المستقبل

ومن أخطر صور الظلم التي يمارسها الإنسان على نفسه أن يعيش منتظرًا.

ينتظر أن يُقدره الآخرون.

وينتظر أن يحبوه.

وينتظر أن يمنحوه قيمته.

وينتظر اعترافًا، أو ثناءً، أو مكانة.

غير أن هذا الانتظار يجعل حياته معلقة بما لم يحدث بعد.

وهكذا يصبح المستقبل هو الذي يتحكم في الحاضر.

فالذي ينتظر يعيش خارج اللحظة.

أما الإنسان الذي يعرف قيمته، فإنه لا يجعل تقديره لنفسه مرهونًا بما يمنحه الآخرون.

إنه يلتقي بالناس لأنه يريد اللقاء، لا لأنه يبحث عندهم عن تعريف لنفسه.

ويحب لأنه يريد أن يحب، لا لأنه ينتظر أن يملأ الآخر فراغه.

ويعطي لأنه اختار العطاء، لا لأنه يخشى الرفض.

ومن هنا يصبح التحرر من الانتظار صورة من صور التحرر من ظلم المستقبل.

الإنسان الحر لا يبحث عن سجن جديد

إن كثيرًا من العلاقات تتحول إلى سجون متبادلة.

كل طرف يضع القوانين للطرف الآخر.

وكل طرف يطالب الآخر بالتزامات لا تنتهي.

وكل طرف يخاف أن يفقد الآخر، فيحاول أن يقيده أكثر.

لكن النتيجة النهائية هي أن العلاقة تفقد الحياة.

فالإنسان لا يدخل العلاقة ليخسر حريته، وإنما ليوسعها.

ولا يدخلها ليحمل قيودًا جديدة، بل ليجد فضاءً يستطيع أن يكون فيه نفسه دون خوف.

ولهذا فإن العلاقة التي لا يستطيع الإنسان أن يكون فيها كما هو، ليست علاقة تحقق صلاحه.

خاتمة

إن العالم، في هذه الرؤية، لا يقوم على الصراع بين الخير والشر بقدر ما يقوم على الصراع بين الوعي واللاوعي، وبين الصلاح والابتعاد عنه.

فالإنسان لا يجذب الظلم لأنه خُلق ضحية، وإنما لأنه ابتعد، بدرجات متفاوتة، عن معرفة مصلحته وقيمته وحقيقته.

وكلما ازداد وعيه بنفسه، وبما يبنيه وما يهدمه، انغلقت الأبواب التي يدخل منها الفساد، وأصبحت علاقاته أكثر عدلًا، وأكثر حرية، وأكثر قدرة على تحقيق المنفعة المتبادلة.

ولذلك فإن المصلحة، في معناها، ليست نقيض الأخلاق، بل هي صورتها الناضجة؛ لأنها تعني أن يعرف كل إنسان صلاحه، وأن يحترم صلاح غيره، وأن يبني علاقة لا يكون فيها ازدهار أحد الطرفين قائمًا على خراب الآخر.

وحين يصل الإنسان إلى هذا المستوى من الوعي، يصبح الحب اختيارًا لا إكراهًا، والعطاء مشاركة لا تضحية قسرية، والحرية أساسًا لكل علاقة، لا تهديدًا لها.

فالعدل لا يبدأ حين يتخلى الإنسان عن نفسه، بل يبدأ حين يعرفها حق المعرفة، فيمنحها حقها، ويمنح الآخرين حقوقهم، دون ظلم، ودون استغلال، ودون أن يجعل ازدهاره مشروطًا بانهيار غيره.

وهكذا تصبح معرفة المصلحة ليست دعوة إلى الأنانية، بل طريقًا إلى التحرر من الظلم، وإلى بناء عالم تكون فيه العلاقات قائمة على الوعي، والتكامل، والمنفعة المتبادلة، لا على الجهل، والتضحية القسرية، وصناعة الضحايا والجلادين.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كاتب التدوينة
كاتب التدوينة
هذا النص هو مثال لنص يمكن أن يستبدل في نفس المساحة، لقد تم توليد هذا النص من مولد النص العربى، حيث يمكنك أن تولد مثل هذا النص أو العديد من النصوص الأخرى إضافة إلى زيادة عدد الحروف التى يولدها التطبيق.
G.M HERMES