الكمال والنقص في منطق البرمجة
ومن هنا يمكن فهم طبيعة السلبية في العالم. فالسلبية ليست حقيقة مستقلة، ولا جزءًا أصيلًا من الكينونة، وإنما هي مخلوق برمجي. إن البرمجة هي التي تخلق السلبية، ولا يمكن للسلب أن يوجد خارجها، لأن كل ما يسمى خوفًا أو ذنبًا أو عارًا أو طمعًا أو غرورًا ليس إلا نتاجًا لتدخل برمجي غيّر طبيعة الكائن الأصلية. ولهذا لا تكون السلبيات صفات فطرية، بل كيانات تنشأ عندما تتعرض الإرادة الحرة إلى عملية إعادة تشكيل تجعلها تعمل وفق منطق مختلف عن منطقها الأول.
انتشار البرمجة وآلية إنتاج السلبية
إن البرمجة لا تصنع السلبية بصورة مباشرة، بل تبدأ بإعادة برمجة الإيجابي حتى يتحول إلى سلبي. ولهذا فإن السلبي يمتلك قدرة على التدخل في الإيجابي وتحويله إلى صورته، بينما لا يستطيع الإيجابي أن يفعل الشيء نفسه، لأن الإيجابية لا تعمل بالتدخل ولا بالإكراه. فالتدخل في ذاته فعل برمجي، وما دام التدخل من خصائص البرمجة، فإنه لا يصدر إلا عن السلبية. ولهذا يكون اتجاه التأثير دائمًا من السلب إلى الإيجاب، لا العكس.
ومن هنا تظهر المصفوفة بوصفها البرمجة التي تدخلت في الكينونة الأصلية للكائن. فالكائن يولد في حالة اتزان، لكنه يتعرض باستمرار إلى استفزازات تدفعه لدخول ميادين ليست من طبيعته، فيبدأ بالخروج عن طوره شيئًا فشيئًا. وعندما يدخل الإنسان في صراعات لا تخصه، أو يحمل مخاوف لم تكن جزءًا منه، أو يعيش شعورًا دائمًا بالنقص، فإنه يكون قد بدأ بالابتعاد عن طبيعته الأولى، فتظهر داخله السلبيات واحدة تلو الأخرى حتى تتحول إلى جزء من سلوكه اليومي.
ولأن هذه العملية لا تقتصر على فرد واحد، فإنها تنتقل إلى المجتمع كله. فكل كائن يخرج عن طوره يدفع غيره إلى الخروج عن طوره أيضًا، حتى يصبح الاضطراب حالة جماعية، ويغيب التوازن عن الجميع، وينشأ عالم يسوده القلق والخوف وعدم الاستقرار. وما يسمى بالاكتئاب الجمعي ليس إلا النتيجة الطبيعية لانتشار البرمجة داخل الكائنات، لأن الكائن الذي فقد اتزانه لا يستطيع أن ينقل إلى غيره إلا فقدان الاتزان.
ولا تكتفي البرمجة بخلق السلبية، بل تجعل السلبية نفسها أداة لإعادة إنتاجها. فكل كائن تحول إلى السلبية يصبح مسؤولًا عن تحويل غيره إليها، فتبدأ السلبية بالتغذي على الإيجابيين وتحويلهم إلى نسخ جديدة منها، ثم يستخدم هؤلاء بدورهم في استقطاب مزيد من الكائنات، حتى تتوسع المنظومة باستمرار دون أن تحتاج إلى قوة مباشرة، لأن ضحاياها يتحولون إلى أدوات تعمل لصالحها.
البرمجة ومنظومة التوسع المستمر
ولعل أقرب مثال يوضح هذه الآلية هو نظام التسويق الهرمي أو الشبكي. ففي هذا النظام لا يتحقق الربح من المنتج بقدر ما يتحقق من ضم أعضاء جدد إلى الشبكة، ثم يتحول كل عضو جديد إلى وسيلة لاستقطاب أعضاء آخرين، وهكذا تستمر السلسلة بلا نهاية. إن القوة الحقيقية لهذا النظام لا تكمن في ما يقدمه، بل في قدرته على جعل المنضمين أنفسهم أدوات لنشره، حتى يصبح كل واحد منهم مسؤولًا عن توسيع الهرم وإبقائه حيًا.
البرمجة تعمل بالطريقة نفسها تمامًا. فهي لا تشبع من عدد المنضمين، ولا تعرف الاكتفاء، بل تحتاج دائمًا إلى عناصر جديدة تعيد من خلالها إنتاج نفسها. وكل كائن يقع داخلها يصبح مدفوعًا إلى ضم غيره، فتتحول المنظومة إلى معتقد جائع للسلطة والقوة والسيطرة، لا يعيش إلا بالتوسع المستمر. ولهذا فإن البرمجة ليست مجرد فكرة، بل هي حركة لا تتوقف عن البحث عن المزيد، لأن بقاءها قائم على استمرار الانضمامات الجديدة، لا على الاكتفاء بما لديها.
ومن أكثر الكائنات التي دخلت في هذا الهرم عبر التاريخ كان الرجل. فما إن انخرط في هذه المنظومة حتى أصبح التكاثر جزءًا من آلية استمرارها، لأن كل مولود جديد يمثل عنصرًا جديدًا يدخل الدورة نفسها. ولهذا ازداد التعلق بعملية التكاثر، لا بوصفها استمرارًا للحياة فحسب، بل لأنها تضيف باستمرار كائنات جديدة إلى التجربة الأرضية، وتجعل الهرم أكثر اتساعًا. وهكذا يتحول التكاثر إلى وسيلة تضمن استمرار البرمجة، فيصبح كل جيل سببًا في ظهور الجيل الذي يليه، حتى تبقى المنظومة قائمة دون انقطاع.
مركز البرمجة وآلية إعادة الإنتاج
غير أن البرمجة لا تستطيع أن تعمل دون مركز. فهذه قاعدة لا استثناء لها؛ إذ لا توجد برمجة بلا مركز تنطلق منه وتعود إليه. فالمركز هو مصدر الأوامر، ومنه تبدأ الحركة، وإليه تعود نتائجها، وهو الذي يمنح بقية أجزاء المنظومة وحدتها واتجاهها. ولهذا فإن البرمجة ليست انتشارًا عشوائيًا، وإنما عملية ضم للوعي تحت سلطة مركز واحد، وكلما ازداد عدد المنضمين إلى هذا المركز ازدادت قوة البرمجة واتسع نفوذها.
ولا يقتصر دور المركز على كونه نقطة تنطلق منها الأوامر، بل يمثل القلب الذي يدور حوله البناء البرمجي بأكمله. فكل حركة تبدأ منه، وكل نتيجة تعود إليه، ولهذا تكتسب الأداة التي تمثل هذا المركز منزلة استثنائية داخل الفكر البرمجي. فالبرمجة لا تمنح القداسة للغايات بقدر ما تمنحها للأدوات، لأن الأداة هي التي تجعل استمرار المنظومة ممكنًا، وهي التي تضمن إعادة إنتاجها مرة بعد أخرى.
ولهذا تصبح الأداة أكثر أهمية من أي شيء آخر داخل المنظومة، وتتحول إلى محور تدور حوله بقية العناصر. وكلما كانت الأداة أكثر قدرة على حفظ استمرار البرمجة، ازدادت مركزيتها، وأصبحت موضع العناية والاهتمام، لأن المساس بها يعني المساس بالمنظومة كلها.
ومن هذا المنطلق يحتل الجهاز التناسلي الذكري موقع المركز داخل البنية البرمجية، إذ يمثل الأداة التي تنطلق من خلالها عملية التكاثر، والتكاثر هو الوسيلة التي تستدعي بها البرمجة عناصر جديدة إلى داخل الدورة. ولهذا يُعد القضيب، ومعه الخصيتان، مركز البرمجة في الذكر، لأنهما الأداة التي تعتمد عليها المنظومة لإعادة إنتاج نفسها جيلاً بعد جيل، وليس لأن قيمتهما قائمة بذاتهما، بل لأن البرمجة تجعل من الأداة مركزًا تدور حوله بقية الوظائف.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يتحول الذكر داخل هذه المنظومة إلى ما يشبه مولدًا للمصفوفة. فهو لا يؤدي وظيفة بيولوجية فحسب، وإنما يدخل في دورة أكبر تعيد تشغيل البرمجة نفسها. وتبدأ هذه الدورة عندما تتجمع الأرواح الهائمة التي لم تبلغ الوعي الكامل، فتُقبض وتُجمع من جديد، ثم يُعاد دفعها إلى داخل المصفوفة عبر عملية القذف، لتبدأ رحلة جديدة داخل التجربة الأرضية. وبهذه الصورة لا يعود القذف مجرد فعل جسدي، بل يصبح وسيلة تعيد بها المصفوفة ضخ عناصر جديدة داخل بنيتها، حتى تبقى الدورة مستمرة دون انقطاع.
وتكشف هذه الآلية عن حقيقة أكثر عمقًا، وهي أن البرمجة لا تبلغ الاكتفاء أبدًا. فلو كانت قادرة على إكمال دورتها لما احتاجت إلى إعادة تشغيل نفسها باستمرار، لكنها تعاني من عجز يجعلها تتوقف قبل الوصول إلى الاكتمال، فتستدعي دورة جديدة لتعويض النقص الذي بقي فيها. ولهذا فإن استمرارها ليس دليلًا على كمالها، وإنما دليل على أنها عاجزة عن بلوغ مرحلة الاكتفاء والفيض، فتظل تبحث عن مزيد من الدورات الناقصة لتسد ما عجزت عن إكماله.
ومن هنا يصبح استدعاء عناصر جديدة ضرورة لا خيارًا. فكل دورة ناقصة تستدعي دورة أخرى، وكل جيل يفتح الطريق أمام جيل جديد، لأن البرمجة لا تستطيع أن تستقر على دورة واحدة مكتملة، بل تعتمد على التكرار بوصفه الوسيلة الوحيدة لاستمرارها.
الطاقة السلبية وإعادة تشغيل المصفوفة
ولأن الذكورة المولدة للمصفوفة تتغذى على السلبية، فإن نشاطها يزداد كلما ازدادت الطاقة السلبية في البيئة المحيطة. فكل خوف، وكل حرب، وكل ألم، وكل صراع، يمثل غذاءً يعيد تنشيط هذه المنظومة. ولهذا يرتبط إنتاج المني، داخل هذه الدورة، بمقدار ما يمتصه الذكر من الطاقة السلبية؛ فكلما ازدادت السلبيات ازداد الإفراز خصوبة ووفرة، لأن الوقود الذي تعتمد عليه البرمجة أصبح أكثر حضورًا.
وعلى العكس من ذلك، فإن البيئات التي يسودها الهدوء والرخاء والطمأنينة لا توفر الغذاء نفسه، فتضعف الحاجة إلى تشغيل المنظومة بالقوة ذاتها. ولهذا يمكن ملاحظة اختلاف واضح بين الرجال الذين عاشوا حياة قاسية امتلأت بالحروب، والخوف، والعمل الشاق، والدماء، وبين أولئك الذين عاشوا في ظروف يغلب عليها الاستقرار والراحة. فالأولون يظهر لديهم اندفاع أكبر نحو التكاثر، لأنهم يتحركون داخل بيئة تغذي البرمجة باستمرار، أما الآخرون فتقل لديهم هذه الحاجة مع تراجع مصادر السلبية.
ومن هنا يمكن فهم التحولات التي يشهدها العصر الحديث. فوسائل الراحة، والمواصلات، والاستقرار، وتحسن ظروف الحياة، لم تؤثر في الإنسان ماديًا فحسب، بل غيرت البيئة التي كانت تمنح البرمجة طاقتها. ولهذا تراجع الاندفاع الذكوري الذي كان يميز الأزمنة التي غلبت عليها الشدة، لأن الذكر لم يعد يعيش المستوى نفسه من الضغوط الذي كان يدفعه إلى التمركز في دوره التقليدي.
فالذكورة تمثل قطب الشدة والصعوبة، بينما تمثل الأنوثة قطب السهولة والرخاء. وكلما اشتدت الظروف، ازداد احتياج الذكر إلى التمركز في هذا القطب، واستعاد اندفاعه وقوته، أما إذا عاش في بيئة يسودها اليسر والاطمئنان، فإنه يصبح أقل تعلقًا بهذا الدور، لأن الحاجة التي كانت تستدعيه لم تعد قائمة بالدرجة نفسها.
الخوف واستمرار الدورة البرمجية
وتتضح الصورة أكثر عندما يُنظر إلى الحروب، والطقوس، وحالات الفوضى، وانتشار الخوف، بوصفها حلقات في آلية واحدة. فهذه الأحداث لا تؤدي فقط إلى نشر المعاناة، بل تعيد تهيئة البيئة التي تحتاج إليها البرمجة حتى تستمر في العمل. فكلما ضعفت الطاقة السلبية واقتربت الدورة من الاكتمال، ظهرت عوامل تعيد بث الخوف والصراع والاضطراب، فتعود المنظومة إلى نقطة البداية وتستأنف عملها من جديد.
ولهذا فإن الهدف من صناعة الحروب، وإثارة النزاعات، ونشر السلبيات بين الكائنات، هو إعادة تشغيل الدورة قبل أن تبلغ اكتمالها. فالأرض تمضي باستمرار في دورة تتجه نحو نهايتها، ولو اكتملت هذه الدورة لتحررت من حالة التكرار، ودخلت مرحلة جديدة لا تحتاج فيها إلى إعادة إنتاج المنظومة القديمة. غير أن اكتمال الدورة يعني نهاية سلطة البرمجة، ولذلك تُبذل محاولات دائمة لعرقلة هذا الاكتمال وإعادة الكائنات إلى نقطة البداية.
وتتحقق هذه العودة بإغراق الإنسان في الخوف، والذنب، والصراع، والقلق، حتى تدخل الذكورة مرة أخرى في حالتها اللاواعية، فتستأنف وظيفتها بوصفها مولدًا للمصفوفة، وتبدأ عملية تلقيح جماعية يكون هدفها الأول ضمان بقاء النوع واستمرار السلسلة. وفي تلك اللحظة لا يتحرك الذكر بدافع الوعي، وإنما بدافع غريزة البقاء التي أعادت البرمجة تنشيطها داخله، فيصبح همه الأساسي المحافظة على استمرار الدورة، لا إدراك طبيعتها.
وهكذا تعود المصفوفة إلى ضبط نفسها مرة أخرى، وتبدأ دورة جديدة تشبه الدورات السابقة. وما يحدث اليوم ليس حدثًا استثنائيًا، بل تكرار لآلية قديمة تكررت مرات لا تحصى، ويمكن أن تتكرر مستقبلًا ما دامت أسبابها قائمة. ولهذا لا ينبغي النظر إلى كل أزمة على أنها نهاية العالم، لأن البرمجة تقوم أصلًا على إعادة إنتاج الدورات، وكل دورة تحمل في داخلها بذور الدورة التالية.
ومن هنا يصبح الخوف نفسه أحد أهم مصادر قوة البرمجة. فالإنسان القَلِق يمنحها ما تحتاج إليه، والحزين يغذيها دون أن يشعر، والمذعور يشارك في توسيع نفوذها. ولهذا لا يخدم القلق صاحبه، ولا يحرره الحزن، ولا يغير الخوف شيئًا من مسار الدورة، بل يتحول إلى طاقة إضافية تستفيد منها المنظومة في تثبيت وجودها.
إن الهدوء ليس إنكارًا لما يحدث، وإنما امتناع عن تقديم الوقود الذي تنتظره البرمجة. وكلما استطاع الإنسان أن يحافظ على توازنه وسط الاضطراب، قلّت قابليته لأن يتحول إلى أداة داخل هذه المنظومة، واستعاد شيئًا من حريته الداخلية.
الإنسان بين الأداة والحرية
وهنا تتكشف القاعدة الأخيرة التي تقوم عليها البرمجة؛ فهي لا تنظر إلى الإنسان بوصفه غاية، وإنما بوصفه أداة. وفي لحظات المعاناة يعتاد الإنسان أن يرى نفسه وسيلة لتحقيق أهداف خارجية، فيعيش من أجل النجاة، أو من أجل السلام، أو من أجل الرفاه، أو من أجل أي غاية يفرضها الواقع عليه. وكلما ازداد تعلقه بهذه الصورة، ازداد استعداده لأن يُستخدم داخل منظومة أكبر منه.
أما عندما يتحرر من هذا المنطق، ويدرك أن وجوده ليس مجرد وسيلة، بل غاية قائمة بذاتها، فإنه يخرج من أول أبواب البرمجة. فالأداة لا تملك قرارها، لأنها خُلقت لتُستخدم، بينما الغاية قائمة بذاتها، لا تحتاج إلى من يمنحها قيمتها.
ولهذا يبدأ التدخل الخارجي في اللحظة التي يقبل فيها الإنسان أن يتحول إلى أداة. فإذا قبل هذا الدور أصبح قابلًا للتوجيه، وإذا أصبح قابلًا للتوجيه أمكن إدخاله في أي منظومة، مهما كانت طبيعتها. أما إذا استعاد وعيه بذاته، وأدرك أن قيمته ليست فيما يؤديه من وظائف، بل فيما هو عليه في أصله، فإنه يقترب من استعادة كينونته الأولى التي سبقت البرمجة.
وتبقى الحقيقة التي تنظم جميع هذه الأفكار واحدة؛ فالبرمجة لا تعيش إلا بالنقص، ولا تستمر إلا بإعادة إنتاج السلبية، ولا تتوسع إلا بضم المزيد إلى مركزها، ولا تستطيع إكمال دورتها لأنها قائمة على النقص الذي يمنحها البقاء. ولهذا تتحول السلبية إلى أداة لاستدعاء مزيد من السلبية، ويتحول الخوف إلى وقود، والتكاثر إلى وسيلة لاستمرار الدورة، والمركز إلى نقطة تدور حولها المنظومة كلها.
وحين يُدرك الإنسان هذه الآليات، يصبح قادرًا على رؤية البرمجة كما هي؛ منظومة لا تستمد قوتها من اكتمالها، بل من قدرتها على إبقاء الكائنات داخل دورة لا تنتهي من النقص، حتى تظل تبحث باستمرار عما تظنه كمالًا، بينما يكون ذلك البحث نفسه هو الوقود الذي يحفظ استمرار البرمجة ويمنعها من التوقف.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق